النص المفهرس

صفحات 561-580

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٦١
غير استحقاق ، فكيف بك يا أبا محمد ؟ قال : فكتف ثابت يده ، ومدَّ
عنقه، وخفض رأسه، وقال: هذا عذرُ الخطَّائين الأشراء(١). وأقبلا يبكيان
حتى سقطا(٢).
المرابطة الرابعة : معاقبةُ النفسِ على تقصيرها :
مهما حاسَب نفسه ، فلم تسلم عن مُقَارفة معصية ، وارتكاب تقصير
في حقّ الله تعالى ، فلا ينبغي أن يهملها ، فإنه إنْ أهملها سهل عليه مقارفة
المعاصي ، وأُنِسَت بها نفسه وعسر عليه فطامها ، وكان ذلك سببَ هلاكها ،
بل ينبغي أن يعاقبها ، فإذا أكل لقمة شبهة بشهوةٍ نَّفْسٍ ينبغي أن يعاقب
البطن بالجوع ، وإذا نظر إلى غير مَحْرم ينبغي أن يعاقب العين بمنْع النظر ،
وكذلك يعاقب كلٌّ طرف من أطراف بدنه بمنعه عن شهواته ، هكذا كانت
عادة سالكي طريق الآخرة .
حَسَّان بن أبي سنان :
عن عبد الجبار بن النضر السلمي قال : مَّ حسان بن أبي سنان بغرفة
فقال : متى بُنيتْ هذه ؟ ثم أقبل على نفسه ، فقال: تسألين عمّا لا يَعنيك ؟!
لأعاقبَّك بصوم سنةٍ . فصامها(٣).
رياح القيسي :
(( قال مالك بن ضيغم : جاء رياح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر ،
(١) الأشراء جمع شرير كأشرار .
(٢) محاسبة النفوس صـ ٥٤ - ٥٥ .
(٣) حلية الأولياء ٣ / ١١٥، ومحاسبة النفس صـ ٤٢، وصفة الصفوة ٣ / ٣٣٩،
والإِحياء ٥ / ٣٩٣ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
فقلنا: إنه نائم، فقال: أنوم هذه الساعة؟! أهذا وقت نوم؟! ثم ولّى منصرفًا،
فأتبعناه رسولًا ، فقلنا : قل له : ألا نوقظه لك ؟ قال : فأبطأ علينا الرسول ،
ثم جاء وقد غربتِ الشمس ، فقلنا : أبطأتَ جدًّا ، فهل قلت له ؟ قال :
هو أشغل من أن يفهم عني شيئًا ؛ أدركتُه وهو يدخل المقابر ، وهو يعاتب
نفسه ، وهو يقول : أقلتِ : أنومٌ هذه الساعة ؟ أفكان هذا عليكِ ؟ ينام
الرجل متى يشاء . وقلتِ : هذا وقت نوم ؟ وما يُدريكِ أنَّ هذا ليس
وقت نوم ؟ تسألين عما لا يعنيك ، وتَكلَّمين بما لا يَعنيك؟! أمَا إن لله
علَّ عهدًا لا أنقضه أبدًا؛ لا أُوسدُكِ الأرض لنوم حَوْلًا، إلا لمرضٍ جاء
بكِ ، أو لذهاب عقل زائلٍ ، سوءةً لك ، سوءةً لك ، أما تستحين ، كم
توبّخين ؟! وعن غيّك لا تنتهين ! قال : وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني ،
فلما رأيتُ ذلك ، انصرفتُ وتركتُه))(١).
وعن محمد بن المنكدر ، عن أبيه أنّ تميمًا الداريّ نام ليلة ، لم يقمْ
يتهجد فيها حتى أصبح ، فقام سنة لم ينم فيها ، عقوبةً للذي صنع(٢).
عَابِدٌ يحلفُ أنْ لا ينامَ على فراشٍ أبدًا :
قالَ طلق بن معاوية : قدِم رجل منّا - يُقال له : هند بن عوف -
من سفر ، فمهّدتْ له امرأَتُه فراشًا ، وكانت له ساعة من الليل يقومُها ،
فنام عنها حتى أصبح ، فحلف أن لا ينام على فراش أبدًا .
وقال حذيفة بن قتادة : قيل لرجل : كيف تصنع بنفسك في شهواتها ؟
فقال : ما على وجه الأرض نفسٌ أبغضُ إلَّي منها ، فكيف أعطيها شهواتها ؟!
(١) الحلية ٦ / ١٩٢، ومحاسبة النفس صـ ٥٧ - ٥٨، وصفة الصفوة ٣ /
٣٦٨ .
(٢) صفة الصفوة ١ / ٧٣٩، ومحاسبة النفس صـ ٥٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
1
أ
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٦٣
داود الطائي : سَجَن نفسَه قبلَ أنْ يُسجن :
(( دخل ابن السماك على داود الطائي حين مات ، وهو في بيتٍ على
التراب ، فقال داود : سجنتَ نفسك قبل أن تُسجن ، وعذّبتَ نفسك قبل
أن تُعذّب ، فاليومَ ترى ثواب مَن كنتَ له تعمل ))(١).
هذا الطائي الصالح الذي قال: (( إنما نتبلّغ بستره بين خلقه، ولو يعلم
الناس بعض ما نحن فيه ، ما ذَلَّ لنا لسانٌ أن نُذْكَر بخيرٍ أبدًا)).
وقال : تركثنا الذنوب ، وإنا لنستحيي من كثير من مجالسة الناس .
((وقال: ما نعوّل إلَّا على حُسن الظنّ بالله تعالى، فأما التفريط فهو
المستولي على الأبدان)).
وقال: ((اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكنّ القلوب تحنُّ إلى الرجاء)).
هذا حال الصادق الذي لو كان في الأمم الغابرة لقصّ الله علينا من
أنبائه وخَبَره ، فكيف بالكذابين من أمثالنا ؟!
مجمع :
وعن مجمع أنه رفع رأسه إلى السطح ، فوقع بصره على امرأة ، فجعل
على نفسه أن لا يرفع رأسه إلى السماء ما دام في الدنيا (٢).
فكذا كانت عقوبة أولي الحزم لأنفسهم ، والعجب أنك تعاقب عبدك
وأَمَتَك وأهلك وولدك على ما يصدر منهم من سوء خلُق وتقصير في أمر ،
وتخاف أنك لو تجاوزتَ عنهم ، لخرج أمرُهم عن الاختيار وبغوا عليك ،
(١) محاسبة النفس صـ ٦٠، والإحياء ٤ / ٤٣١.
(٢) الإِحياء ٤ / ٤٣٢.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٦٤
ثم تُهمل نفسك ، وهي أعظم عدوٍّ لك وأشدَّ طغيانًا عليك ، وضررُك من
طغيانها أعظم من ضررك من طغيان أهلك ، فإنّ غايتهم أن يشوّشوا عليك
معيشة الدنيا ، ولو عقلتَ لَعلمتَ أن العيش عيش الآخرة ، وأنّ فيه النعيم
المقيم الذي لا آخر له ، ونفسك هي التي تنغّص عليك عيش الآخرة ،
فهي بالمعاقَبَة أولى من غيرها .
فإذا حاسَب المرءُ نفسه فرآها قد فارقتْ معصية ، فينبغي أن يعاقبها
بالعقوبات التي مضت ، وإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء من الفضائل
أو وِرْد من الأوراد ، فينبغي أن يؤدِّبها بتثقيل الأوراد عليها ، ويُلزمها فنونًا
من الوظائف ، جبرًا لِمَا فات منه وتدارُكًا لما فرط ، فهكذا كان يعمل
عُمّال الله تعالى ، فقد عاقَب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر
في جماعة . بأن تصدّق بأرضٍ كانت له ، قيمتُها مائتا ألف درهم .
وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة جماعة أحيا تلك الليلة ، وأَخَّر ليلةً
صلاةَ المغربِ حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتَين .
وفات ابن أبي ربيعة ركعتا الفجر فأعتق رقبة .
عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَليه:
(( المجاهدُ مَن جاهد نفسه في الله))(١).
وعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عد له:
((المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر مَن هجَر ما
نهى الله عنه))(٢).
(١) صحيح؛ رواه الترمذي ، وابن حبان ، وأحمد، وصحَّحه الألباني في صحيح
الجامع رقم ٦٦٧٩ .
(٢) رواه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي، وأحمد ، والدارمي ، والطيالسي .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٦٥
وقال عمر بن عبد العزيز : أفضلُ الأعمال ما أُكرِهتْ عليه النفوس .
إنَّ فتنةَ النَّفس والشهوة ، وجاذبية الأرض والدَّعَة والاطمئنان ، وصعوبة
الاستقامة على صراط الإِيمان والاستواء على مرتقاه ، مع المعوّقات والمُثَبِّطات
في أعماق النفس - هي الفتنة الكبرى .
والنفس تَصْهرها المجاهدة ، فتنفي عنها الخَبَث ، وتستجيش كامِنَ
قواها المذخورة فتستيقظ . ويكفي قول الله عز وجل : ﴿ والذين جاهدوا
فينا لَنَهْدِينَّهم سُبُلَنا وإِنَّ اللّهَ لَمَعَ المحسنين﴾ [ العنكبوت: ٦٩] .
قال أبو يزيد البسطامي: (( إن في الطاعات من الآفات ما لا تحتاجون
معه إلى أن تطلبوا المعاصي .
وقال : عملتُ في المجاهدة ثلاثين سنة ، فما وجدتُ شيئًا أشدّ علَّي
من العلم ومتابعته .
وقال : عالجتُ كلَّ شيءٍ ، فما عالجتُ أصعب من معالجة نفسي ،
ما شَيءٌ أهون علَّي منها .
وقال : دعوتُ نفسي إلى الله ، فأبتْ علّ واستصعبت ، فتركتُها
ومضيتُ إلى الله ))(١).
المرابطة الخامسة : مجاهدة النفس :
ومجاهدة النفس قد تشقّ ، ولكنها طريقٌ أكيدٌ وفريدٌ لعلوِّ النفس وشرفها ،
وقد يطول بك الأمر فاصبر ، وسبيلُك في ذلك كَأَنْ تُسمعها ما ورد في
الأخبار من فضْل المجتهدين .
(١) الحلية ١٠ / ٣٦.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٦٦
ومن أنفع أسباب العلاج : أن تطلب صُحبة عبدٍ من عباد الله مجتهد
في العبادة ، فتلاحظَ أقوالَهُ وتقتدي به .
وكان بعضُهم يقول : كنتُ إذا اعترتْني فترة في العبادة ، نظرتُ إلى
أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده ، فعملتُ على ذلك أسبوعًا ، إلّا أنَّ
هذا العلاج قد تُعُذِّب ، إذْ قد فُقِدَ في هذا الزمان مَن يجتهد في العبادة
اجتهاد الأوَّلين ، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع ، فلا شيء أنفع
من سماع أحوالهم ، ومطالعة أخبارهم ، وما كانوا فيه من الجهد الجهيد ،
وقد انقضى تعبهم وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع ، فما أعظم
ملكهم ، وما أُشدَّ حسرة من لا يقتدي بهم، فيمتع نفسه أيامًا قلائل
بشهوات مكدّرة ، ثم يأتيه الموت ، ويُحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد
الآباد ! نعوذ بالله تعالى من ذلك .
قيل لفتح الموصلّ : بالله يا فتح ، لِمَ بكيت الدم ؟ فقال : لولا أنَّك
حلّفْتَني بالله ما أخبرتك ؛ بكيتُ الدموع على تخلّفي عن واجب حقِّ الله
تعالى ، وبكيتُ الدَمَ على الدموع ؛ لئلا يكون ما صحَّت لي الدموع .
والعينُ لها دَمٌ وَدَمْعٌ سَخُ ذا يكتبُ شجوَهُ وهذا يَمْحو
كان الثوري يقول : عند الصباح يحمدُ القوم السُّرَى ، وعند الممات
يحمدُ القوم التُّقى .
فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها ،
فمهما تمرّدتْ نفسك عليك ، وامتنعت من المواظبة على العبادة ؛ فطالع
أحوال هؤلاء ، فإنه قد عزّ الآن وجود مثلهم ، ولو قدرت على مشاهدة
من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب ، وأبعث على الاقتداء ، فليس الخبر
كالمعاينة ، وإذا عجزْتَ عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء . فإن
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٥٦٧
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
لم تكن إبلا فمعزى، وخيِّر نفسَك بين الاقتداء بهم والكون في زمرتهم
وغمارهم - وهم العقلاء والحكماء وذوو البصائر في الدين - وبين الاقتداء بالجهلة
الغافلين من أهل عصرك ، ولا ترضَ لها أن تنخرط في سلك الحمقَى ،
وتقنعَ بالتشبُّه بالأغبياء ، وتؤثر مخالفة العقلاء . فإن حدَّثَتْكَ نفسُك بأن
هؤلاء رجال أقوياء لا يُطاق الاقتداء بهم ، فطالِعْ أحوال النساء المجتهدات ،
وقل لها : يا نفسُ ، لا تستنكفي أن تكوني أقلّ من امرأة ، فأَحْسِسْ برجل
يقصر عن امرأة في أمْرٍ دينها ودنياها !
فعليك - إنْ كنتَ من المرابطين المراقبين لنفسك - أن تطالع أحوال
الرجال والنساء من المجتهدين ؛ لينبعث نشاطك ويزيد حرصك ، وإيّاك
أنْ تنظر إلى أهل عصرك ، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يُضلُّوك عن
سبيل الله .
وحكايات المجتهدين غير محصورة ، وفيما ذكرناه كفاية للمعتبر ،
وإن أردتَ مزيدًا فعليك بالمواظبة على مطالعة كتاب: ((حلية الأولياء))؛
فهو مشتمل على شرح أحوال الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم ، وبالوقوف
عليه ؛ يستبين لك بُعْدُك وبُعْدُ أهل عصرك من أهل الدين ، فإن حدّثتْكَ
نفسُكَ بالنظر إلى أهل زمانك وقالت : إنما تيسّر الخير في ذلك الزمان ؛
لكثرة الأعوان ، والآن : فإنْ خالفتَ أهلَ زمانِك، رأْوْكَ مجنونًا وسَخِروا
بك ، فوافِقْهم فيما هم فيه وعليه ؛ فلا يجري عليك إلا ما يجري عليهم ،
والمصيبة إذا عمَّت طابت . فإياكَ أن تتدلَّى بحبل غرورها وتنخدع بتزويرها ،
وقلْ لها : أرأيتِ لو هجم سيل جارف يُغرقُ أهل البلد ، وثبتوا على مواضعهم ،
ولم يأخذوا حِذْرهم لجهلهم بحقيقة الحال ، وقدرتِ أنتِ على أن تفارقيهم ،
وتركبي في سفينة تتخلّصين بها من الغرق ، فهل يختلجُ في نفسِكِ أن
المصيبة إذا عمَّت طابت ؟ أم تتركين موافقتهم ، وتستجهلينهم في صنيعهم ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علَوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٦٨
وتأخذين حِذرك مما دَهاكِ ، فإذا كنتِ تتركين موافقتهم ؛ خوفًا من الغرق ،
وعذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة ، فكيف لا تهربين من عذاب الأبد ،
وأنت متعرِّضَةٌ له في كلّ حال ؟! ومن أن تطيب المصيبةُ إذا عمَّت ، ولأهل
النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص ؟! ولم يهلك الكفار
إلا بموافقة أهل زمانهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا
عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [ الزخرف: ٢٢]. فعليك إذا اشتغلتَ بمعاتبة نفسك
وحمْلها على الاجتهاد فاستعصتْ ، أن لا تترك معاتبتها وتوبيخها ، وتعريفها
سوء نظرها لنفسها ، فعساها تنزجر عن طغيانها .
المرابطة السادسة : توبيخ النفس ومعاتبتها :
اعلمْ أنَّ أعدى عدوِّك : نفسك التي بين جنبيك، وقد خُلِقت أمَّارةً
بالسوء ، ميَّالةً إلى الشرِّ ، فَارةً من الخير ، وأُمِرتَ بتزكيتها وتقويمها ،
وقَوْدها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ، ومنعها عن شهواتها ،
وفطامها عن لذَّاتها ، فإن أهملتَها جمحتْ وشردتْ، ولم تظفر بها بعد ذلك ،
وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذْل والملامة ؛ كانت نفسك هي النفس
اللّوامة التي أقسم الله بها ، ورجوتَ أن تصير النفسَ المطمئنةَ ، المدعوةَ إلى
أن تدخل في زمرة عباد الله راضيةً مرضيةً ، فلا تغفلنَّ ساعةً عن تذكيرها
ومعاتبتها ، ولا تشتغلنَّ بوعظ غيرك، ما لم تشتغل أولًا بوعظ نفسِك، فعظْ
نفسَك ، فإن اتعظت فعظٍ الناس ، وإلّا فاستحي من الله ؛ قال تعالى :
وذكِّرْ فإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المؤمنينَ﴾ [ الذاريات: ٥٥]. وسبيلُك أن تُقبل
عليها فتقرّر عندها جهْلها وغباوتها ، وأنَّها أبدًا تتعزَّز بفطنتِها وهدايتها ،
ويشتدُّ أنّفُها واستنكافها إذا نُسِبَتْ إلى الحمق ، فتقول لها :
(( يا نفسُ، ما أعظمَ جَهْلَكِ ! )) :
تدّعين الحكمة والذكاء والفطنة ، وأنت أشدَّ الناس غباوة وحمقًا!
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
/
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٦٩
أمَا تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار ، وأنك صائرة إلى إحداهما على
القرب ؟! فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو ، وأنت مطلوبة لهذا
الخَطْب الجسيم ؟! وعساكِ اليوم تُخْتَطَفين أو غدًا، فأراكِ ترين الموتَ
بعيدًا، ويراه الله قريبًا! أمَا تعلمين أنّ كلّ ما هو آتٍ قريب، وأنَّ البعيد
ما ليس بآت ؟! أمَا تعلمين أن الموت يأتي بغتةً من غير تقديم رسول ،
ومن غير مواعدة ومواطأة ؟ وأنه لا يأتي في شيء دون شيء ، ولا في
شتاء دون صيف ، ولا في صيف دون شتاء ، ولا في نهار دون ليل ،
ولا في ليل دون نهار ، ولا يأتي في الصِّبًا دون الشباب ، ولا في الشباب
دون الصبا ، بل كلّ نفَس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة ،
فإن لم يكن الموت فجأة ، فيكون المرض فجأة ، ثم يفضي إلى الموت ،
فما لك لا تستعدّين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب ؟! أما تتدبرين
قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْتِهِمْ
مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
[ الأنبياء: ١ - ٣ ]؟!
ويحكِ يا نفس ، إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله
لا يراك! فما أعظم كفرَك ؟! وإن كان مع علّمك باطلاعه عليك ، فما
أشدَّ وقاحتَك ! وأقلّ حياءك ! ويحكِ يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك ،
بل أخٌ من إخوانك بما تكرهينه ، كيف كان غضبك عليه ومقتك له؟ فبأي
جسارة تتعرّضين لمقت الله وغضبه ، وشديد عقابه ؟ أفتظنين أنك تطيقين
عذابه ؟! هيهات هيهات ! جرّبي نفسك! إن ألهاك البطر عن أليم عذابه
فاحتبسي ساعة في الشمس ، أو في بيت الحمام ، أو قّبي أصبعك من النار
ليتبين قدرُ طاقتك . أم تغترين بكرم الله وفضله ، واستغنائه عن طاعتك
وعبادتك ؟ فما لك لا تعوّلين على كرم الله تعالى في مهمّات دنياك ؟!
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٥٧٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
فإذا قصدك عدوٌّ لِمَ تستنبطين الحِيل في دفعه ، ولا تَكِلينه إلى كرم الله تعالى ؟!
وإذا أرهقتْكِ حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا بالدينار
والدرهم ، فما لك تنزعين الروْحَ في طلبها ، وتحصيلها من وجوه الحِيَل ،
فلا تعوّلين على كرم الله تعالى ، حتى يعثر بك على كَثْز، أو يسخّر عبدًا
من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب ؟! أفتحسبين
أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا ! وقد عرفتِ أن سنة الله لا تبديل لها ،
وأن رب الآخرة والدنيا واحد ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .
ويحك يا نفس ! ما أعجب نفاقك ودواعيك الباطلة ! فإنك تدّعين
الإِيمان بلسانك ، وأثر النفاق ظاهر عليك ، ألم يقل لك سيدك ومولاك :
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا ﴾ [ هود: ٦]؟! وقال في أمر
الآخرة: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فقد تكفّل لك
بأمر الدنيا خاصَّة ، وصرَفك عن السعي فيها فكذّبتِهِ بأفعالك ، وأصبحت
تتكالبين على طلبها تكالُب المدهوش المستهتر ، ووكل أمر الآخرة إلى سعيك
فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ! ما هذا من علامات الإِيمان ، لو
كان الإِيمان باللسان فَلِمَ كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ؟!
ويحك يا نفس ! كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب ، وتظنين أنك إذا
متِّ انفلتٌّ وتخلَّصتِ ، وهيهات! أتحسبين أنك تُتركين سُدِّى! ألم تكوني
نطفة من مَنِّ يُمنى ، ثم كنتِ علَقة فخلق فسوى ، أليس ذلك بقادر على
أن يحيي الموتى ؟! فإن كان هذا من إضمارك ، فما أكفرك وأجهلك ! أما
تتفكّرين أنه ممَّاذا خَلَقَكِ؛ من نطفة خلقكِ فقدّرك ، ثم السبيل يسركِ ،
ثم أماتك فأقبرك ، أفتكذّبينه في قوله ؟! ثم إذا شاء أنشركِ . فإن لم تكوني
مكذّبة فما لك لا تأخذين حذرك ؟ ولو أن يهوديًّا أخبرك في ألذّ أطعمَتِكِ
بأنه يضرك في مرضك ، لَصبرت عنه وتركتهِ وجاهدتِ نفسكِ فيه ، أفكان
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٧١
قول الأنبياء المؤيَّدين بالمعجزات ، وقول الله تعالى في كتبه المنزلة أقلّ
عندكِ تأثيرًا من قول يهوديِّ يخبرك عن حدْسٍ وتخمينٍ وظنٍّ ، مع نقصان
عقل وقصور علم ؟! والعجب أنه لو أخبركِ طفل بأن في ثوبك عقربًا ،
لرميتِ ثوبَك في الحال من غير مطالبة له بدليل وبرهان ! أفكان قول الأنبياء
والعلماء والحكماء وكافّة الأولياء أقلَّ عندك من قول صبي من جملة
الأغبياء ! أم صار خَرُّ جهنم وأغلالها وأنكالها ، وزقومها ومقامعها وصديدها ،
وسمومها وأفاعيها وعقاربها ، أحقرَ عندك من عقربٍ لا تُحسِّين بألمِها
إلَّا يومًا أو أقلّ منه! ما هذه أفعال العقلاء ، بل لو انكشف للبهائم حالُك
لضحِكوا منك وسخروا من عقلك ، فإن كنتِ يا نفس قد عرفتِ جميع
ذلك وآمنتِ به ، فما لكِ تُسوّفين العمل ، والموتُ لك بالمرصاد ؟! ولعلّه
يختطفك من غير مهلة ، فبماذا أمِنْتِ استعجال الأجل ؟! وهبكِ أنك وُعِدتِ
بالإِمهال مائة سنة ، أفتظنّن أن من يطعم الدابّة في حضيض العقبة يُفلح
ويقدر على قطّع العقبة بها ؟! إن ظننتِ ذلك فما أعظم جهلك !
أرأيتِ لو سافر رجل ليتفقّه في الغربة ، فأقام فيها سنين متعطّلا بطّلًا،
يعد نفسَه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه ، هل كنتِ تضحكين
من عقله ، وظنِّه أن تفقيهَ النفسِ مما يُطْمَع فيه بمدّة قريبة ، أو حسبانه
أن مناصب الفقهاء تُنال من غير تفقَّه ، اعتمادًا على كرم الله سبحانه وتعالى !
ثم هبي أن الجهد في آخر العمر نافع ، وأنه موصّل إلى الدرجات العلا
فلعلّ اليومَ آخرُ عمركِ ، فَلِمَ تشتغلين فيه بذلك ؟! فإنْ أوحى إليك بالإِمهال ،
فما المانع من المبادرة ؟ وما الباعث لك على التسويف ؟ هل له سبب
إلا عجزك عن مخالفة شهواتك ، لِمَا فيها من التعب والمشقة ؟! أفتنتظرين
يومًا يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات ؟ هذا يوم لم يخلقه الله قط
ولا يخلقه ؛ فلا تكون الجنة قطّ إلا محفوفة بالمكاره ، ولا تكون المكارة
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٧٢
=
قطّ خفيفة على النفوس ، وهذا مُحَالٌ وجوده ، أما تتأمّلين مذ كم تَعدين
نفسَكِ وتقولين : غدًا غدًّا ؟ فقد جاء الغد وصار يومًا ، فكيف وجدتِهِ ؟
أما علمتِ أن الغد الذي جاء وصار يومًا كان له حكم الأمس ، لا بل الذي
تعجزين عنه اليوم ، فأنت غدًا عنه أعجز وأعجز ؛ لأن الشهوة كالشجرة
الراسخة التي تعبّد العبد بقلْعها ، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخّرها ،
كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شابٌّ قوي ، فأخرها إلى سنة أخرى ،
مع العلم بأن طول المدّة يزيد الشجرة قوة ورسوخًا ، ويزيد القالع ضعفًا
ووهنًا ، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قطَّ في المشيب ، بل
من العَناء : رياضةُ الهَرم ، ومن التعذيب : تهذيب الذيب ، والقضيب الرطب
يقبل الانحناء ، فإذا جفّ وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك ، فإذا كنتِ أيَّتُها
النفس لا تفهمين هذه الأمور الجليّة وتركنين إلى التسويف ، فما بالك
تدّعين الحكمة ؟ وأيّة حماقة تزيد على هذه الحماقة ؟!
ولعلَّكِ تقولين: ما يمنعني عن الاستقامة إلّ حرصي على لذَّة الشهوات،
وقلَّة صبري على الآلام والمشقات ، فما أشد غباوتكِ وأقبحَ اعتذارك !
إنْ كنتِ صادقة في ذلك ، فاطلبي التنعُّم بالشهوات الصافية عن الكدورات
الدائمة أبد الآباد ، ولا مطمَعَ في ذلك إلا في الجنة ، فإن كنتِ ناظرة
الشهوتكِ ، فالنظر لها في مخالفتها، فَرُبَّ أُكْلة تمنع أكلات ، وما قولكِ
في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ، ليصحَّ ويهنأ
بشّرْبِهِ طول عمره ، وأخبره أنه إنْ شرب ذلك مَرِضَ مرضًا مزمنًا ، وامتنع
عليه شربُه طول العمر ، فما مقتضى العقل في قضاء حقّ الشهوة ؟ أيصبر
ثلاثة أيام ليتنعم طول العمر ، أم يقضي شهوته في الحال خوفًا من ألم
المخالفة ثلاثة أيام ؛ حتى يلزمه ألم المخالفة ثلاثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم ؟
وجميع عمرك بالإِضافة إلى الأبد - الذي هو مدّة نعيم أهل الجنة ، وعذاب
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٧٣
أهل النار - أقلّ من ثلاثة أيام ، بالإضافة إلى جميع العمر ، وإن طالتْ
مدّته . وليتَ شِعْرِي ! ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة ،
أو ألم النار في دركات جهنم ؟ فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة
كيف يطيق ألم عذاب الله ؟! ما أراكِ تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر
خَفِّ ، أو لحمق جَلِّ .
أما الكفر الخفي : فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب ، وقلّة معرفتك
بعظم قدر الثواب والعقاب .
وأما الحمق الجلي : فاعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه ، من غير
التفاتٍ إلى مَكْره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك ، مع أنك لا تعتمدين
على كرمه في لقمة من الخبز ، أو حبة من المال ، أو كلمة واحدة
تسمعينها من الخلق ، بل تتوصّلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل ،
وبهذا الجهل تستحقّين لقب الحماقة . فالأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّی
على الله الأماني .
ويحكِ يا نفس ! لا ينبغي أن تغّك الحياة الدنيا ، ولا يغّنّك بالله
الغرور ، فانظري لنفسك ؛ فما أمْرُك بمهمٌّ لغيرك ، ولا تضيّعي أوقاتك
فالأنفاس معدودة ؛ فإذا مضى منك نفَس فقد ذهب بعضك ، فاغتنمي
الصحة قبل السقم ، والفراغ قبل الشغل ، والغنى قبل الفقر ، والشباب قبل
الهرم ، والحياة قبل الموت ، واستعدّي للآخرة على قدر بقائك فيها .
يا نفس ، أما تستعدّين للشتاء بقدر طول مدته ؛ فتجمعين له القوت
والكسوة والحطب وجميع الأسباب ، ولا تتكلين في ذلك على فضل الله
وكرمه ، حتى يدفع عنك البرد من غير جُبّةٍ ولبدٍ وحطبٍ وغير ذلك ؛
فإنه قادر على ذلك ، أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخفُّ بَرْدًا
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٥٧٤
وأقصر مدّةً من زمهرير الشتاء ؟ أم تظنين أن ذلك دون هذا ؟! كلا أن
يكون هذا كذلك ، أو أن يكون بينهما مناسبة في الشدّة والبرودة ؟ أفتظنين
أن العبد ينجو منها بغير سعي ؟ هيهات ! كما لا يندفع بردُ الشتاء إلا بالجبة
والنار وسائر الأسباب ، فلا يندفع حَرّ النار وبردُها إلا بحصن التوحيد
وخندق الطاعات ، وإنما كرُمُ الله تعالى في أن عَّفكِ طريق التحصُّن ،
ويسّر لك أسبابه ، لا في أن يندفع عنك العذاب دون حصنه ؛ كما أن
كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار ، وهداك لطريق استخراجها
من بين حديدة وحجر ، حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك ، وكما
أن شراء الحطب والجبة مما يستغني عنه خالقك ومولاك ، وإنما تشترينه
لنفسك ؛ إِذْ خَلَقَه سببًا لاستراحتك ، فطاعاتك ومجاهداتك أيضًا هو مستغنٍ
عنها ، وإنما هي طريق إلى نجاتك ، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها ،
والله غني عن العالمين .
ويحك يا نفس ! انزعي عن جهلك ، وقيسي آخرتك بدنياك ، ﴿ مَا
خَلْقَكُمْ وَلَا بَعْتَكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة﴾ [ لقمان: ٢٨]، و﴿ كَمَا بَدَأَنَا
أولَ خَلْقِ نُعِيدُهُ ﴾ [ الأنبياء: ١٠٤]، و﴿ كَمَا بَدَأْكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [ الأعراف:
٢٩]، وسنة الله تعالى لا تجدين لها تبديلًا ولا تحويلًا .
ويحكِ يا نفس ! ما أراك إلا ألفتِ الدنيا وأنستِ بها ، فعسر عليك
مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها ، وتؤكّدين في نفسك مودّتها ، فاحسبي
أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه ، وعن أهوال القيامة وأحوالها ، فما أنتِ
مؤمنة بالموت المفرِّق بينك وبين محابّك، أفترين أن مَن يدخل دار ملِك
ليخرج من الجانب الآخر ، فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك
قلبه ، ثم يضطر - لا محالة - إلى مفارقته ، أهو معدود من العقلاء ، أم من
الحمقى ؟ أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك ، وما لك فيها إلا مجاز ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٧٥
وكلّ ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ؟ ولذلك قال سيد البشر
عِ لمِ: ((أتاني جبريل فقال لي: يا محمد، عِشْ ما شئتَ، فإنك مَّت،
وأحببْ من شئتَ، فإنك مفارِقه ... )) الحديث .
ويحك يا نفس ! أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذّ الدنيا ويأنس
بها ، مع أن الموت من ورائه ، فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة ،
وإنما يتزوّد من السُّمِّ المهلك وهو لا يدري ؟ أو ما تنظرين إلى الذين
مضوا ، كيف بنوا وعلوا ، ثم ذهبوا وخلوا ؟ وكيف أورث الله أرضهم
وديارهم أعداءهم ؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما
لا يسكنون ، ويؤمّلون ما لا يُدركون؟ يبني كل واحد قصرًا مرفوعًا إلى
جهة السماء ، ومقرّه قبر محفور تحت الأرض ، فهل في الدنيا حمق
وانتكاس أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينًا ،
ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعًا ! أما تستحيين يا نفس من مساعدة
هؤلاء الحمقى على حماقتهم ، واحسبي أنك لستِ ذات بصيرة تهتدي
إلى هذه الأمور ، وإنما تميلين بالطبع إلى التشبُّه والاقتداء ، فقيسي عقل
الأنبياء والعلماء والحكماء بعقل هؤلاء المنكبّين على الدنيا ، واقتدي من
الفريقين بمن هو أعقل عندك ، إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء .
يا نفس ، ما أعجب أمرك وأشدّ جهلك وأظهر طغيانك ! عجبًا لك !
كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجليلة ! ولعلّكِ يا نفس أسكَرَكِ
حبُّ الجاه وأدهشكِ عن فهمها ، أو ما تتفكَّرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل
القلوب من بعض الناس إليك ، فاحسبي أنَّ كل مَنْ على وجه الأرض سجد
لك وأطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت ولا أحدٌ
ممن على وجه الأرض ، ممَّن عَبَدَكِ وسجد لكِ ، وسيأتي زمان لا يبقى
ذِكْرُكِ ولا ذكْرُ مَنْ ذَكَرَكِ ، كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
ف﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَا ﴾ [ مريم : ٦٨ ] . فكيف
تبيعين يا نفسُ ما يبقى أبد الآباد ، بما لا يبقى أكثر من خمسين سنةً ، إن
بقي ؟! هذا إن كنت ملكًا من ملوك الأرض سلم لك الشرق والغرب ،
حتى أذعنتْ لك الرقاب ، وانتظمتْ لك الأسباب ، كيف ويأبى إدبارك
وشقاوتك أن يسلم لك أمر محلّتك ، بل أمر دارك فضلًا عن محلّتك ؟ فإن
كنتِ يا نفس لا تتركين الدنيا رغبةً في الآخرة ، لجهلك وعمى بصيرتك ،
فما لك لا تتركينها ترفّعًا عن خسّة شركائها، وتنُّهًا عن كثرة عنائها ،
وتوقًّا من سرعة فنائها ؟! أم ما لك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهدَ فيكِ
كثيرُها ؟! وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتْكِ فلا تخلو بلدك من جماعة من
اليهود والمجوس يسبقونك بها ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها ، فأفٌّ لدنيا
يسبقك بها هؤلاء الأخِسَّاءِ! فما أجهلَكِ وأخسَّ همَّتَك وأسْقَطَ رَأيَكِ ؛
إذْ رغبتِ عن أن تكوني في زُمْرة المقرّبين ، من النبيّين والصِّدّيقين في جِوار
رب العالمين أبد الآبدين ، لتكوني في صفّ النِّعال من جملة الحمقى الجاهلين
أيامًا قلائل !! فيا حسرة عليك إن خسرتِ الدنيا والدين ! فبادري ويحك
يا نفس ، فقد أشرفتِ على الهلاك ، واقترب الموت ، وورد النذير ، فمَن
ذا يصلّ عنك بعد الموت ، ومَن ذا يصوم عنك بعد الموت ، ومن ذا يترضَّى
عنك ربَّك بعد الموت ؟!
ويحك يا نفس ! ما لك إلا أيام معدودة ، هي بضاعتك إن اتَّجرتِ
فيها ، وقد ضيَّعْتِ أكثرها ، فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيّعتِ منها ،
لكنتِ مقصِّرة في حق نفسك ، فكيف إذا ضيَّعتِ البقية وأصررتِ على
عادتك ؟! أما تعلمين يا نفس ، أنَّ الموت موعدك ، والقبر بيتك ، والتراب
فراشك ، والدود أنيسك ، والفزع الأكبر بين يديك ؟! أما علمت يا نفس ،
أَنَّ عسكر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك ، وقد آلَوْا على أنفسهم
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٥٧٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
كلهم بالأيمان المغلَّظة ، أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك
معهم ؟! أما تعلمين يا نفس ، أنهم يتمنّون الرجعة إلى الدنيا يومًا ليشتغلوا
بتدارُك ما فرط منهم ، وأنت في أمنيَّتهم ، ويوم من عمرك لو بيع منهم
بالدنيا بحذافيرها لاشترؤْه لو قدروا عليه ، وأنت تضيِّعين أيامك في الغفلة
والبطالة ؟!
ويحك يا نفس ، أما تستحيين ؛ تُزيِّنين ظاهرك للخلْق ، وتُبارزين الله
في السر بالعظائم ، أفتستحيين من الخلق ولا تستحيين من الخالق ؟!
ويحك ، أهو أهون الناظرين عليك ؟! أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطِّخة
بالرذائل ، تَدْعِين إلى الله وأنت عنه فارَّة ، وتُذكِّرين بالله وأنت له ناسية ؟!
أما تعلمين يا نفس أنّ المذنب أنْتَنُ من العذرة ، وأن العذرة لا تطهِّر
غيرها ؟! فَلِمَ تطمعين في تطهير غيرك ، وأنت غير طِّيةٍ في نفسك ؟!
ويحك يا نفس ، لو عرفت نفسك حقَّ المعرفة ، لظننتِ أن الناس ما
يُصيبهم بلاء إلا بِشُؤْمِك! ويحك يا نفس ، قد جعلتِ نفسك حمارًا
لإِبليس ، يقودك إلى حيث يريد ويسخر بك ، ومع هذا فتعجبين بعملك ،
وفيه من الآفات ما لو نجوتِ منه رأسًا برأس لكان الربح في يديكِ ، وكيف
تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك ، وقد لعن الله إبليس بخطيئةٍ
واحدة بعد أن عَبَدَهُ مائتي ألف سنة ، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة
مع كونه نبيِّه وصفيِّه ؟!
ويحك يا نفس ، ما أغْدَرَكِ ! ويحك يا نفس ، ما أَوْقَحَكِ ! ويحك
يا نفس ، ما أَجْهَلَكِ وما أَجْرَأَكِ على المعاصي !! ويحك، كم تعقِدين
فتنقُضين ! ويحك ، كم تعهدين فتغدرين ! ويحك يا نفس ، أتشتغلين مع
هذه الخطايا بعمارة دنياك ، كأنك غير مرتحلة عنها ؟! أما تنظرين إلى أهل
القبور ، كيف كانوا جمعوا كثيرًا، وَبَنْا مَشِيدًا، وأمَّلُوا بعيدًا، فأصبح
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥٧٨
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
جمْعهم بورًا، وبنيانهم قبورًا، وأملُهم غرورًا ؟! ويحك يا نفس ، أما لكِ
بهم عِبْرة! أما لك إليهم نظرة! أتظُنِين أنهم دُعُوا إلى الآخرة ، وأنت من
المُخلَّدين ؟! هيهات هيهات ساء ما تتوهَّمين ! ما أنت إلا في هدم عمركِ
منذ سقطتِ من بطن أُمِّك ، فابني على وجه الأرض قصركِ ، فإن بطنها
عن قليل يكون قبرك ! أما تخافين إذا بلغت النفس منك التَّراقي ، أن تبدو
رُسُل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان ، وكلح الوجوه ، وبُشرى بالعذاب ؟!
فهل ينفعكِ حينئذٍ الندم ، أو يُقبل منك الحزن ، أو يُرحم منك البكاء ؟!
والعَجَب كلّ العجب منك يا نفس ، أنك مع هذا تدَّعِين البصيرة والفطنة ،
ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ، ولا تحزنين بنقصان
عمرك ! وما نفع مالٍ يزيد وعمرٌ ينقص ؟! ويحك يا نفس ، تُعرضين عن
الآخرة وهي مقبلةٌ عليك ، وتُقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك ! فكم
من مستقبلٍ يومًا لا يستكمله ، وكم من مؤمِّلٍ لغدٍ لا يبلغه ، فأنت تشاهدين
ذلك في إخوانك وأقاربك وجيرانك ، فترين تحسُّرهم عند الموت ، ثم
لا ترجعين عن جهالتك ؟!
فاحذري أيتها النفس المسكينة يومًا آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك
عبدًا أمَرَهُ في الدنيا ونهاهُ ، حتى يسأله عن عمله دقيقهِ وجليلِهِ سرِّه
وعلانيتِهِ ، فانظري يا نفس بأي بدنٍ تَقَفِين بين يدي الله ، وبأي لسانٍ
تُجيبين ، وأعِدِّي للسؤال جوابًا ، وللجواب صوابًا ، واعملي بقية عمرك
في أيامٍ قصار لأيامٍ طوال ، وفي دار زوالٍ لدار مقامةٍ ، وفي دار حزنٍ
ونَصَبٍ لدار نعيمٍ وخلودٍ ، اعملي قبل أن لا تعملي ، اخرجي من الدنيا
اختيارًا خروجَ الأحرار ، قبل أن تخرجي منها على الاضطرار ، ولا تفرحي
بما يساعدك من زهرات الدنيا ، فربّ مسرورٍ مغبون ، ورب مغبونٍ لا يشعر ،
فويلٌ لمن له الويلُ ثم لا يشعر ، يضحك ويفرح ويلهو ويمرح ويأكل
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٧٩
ويشرب ، وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار ، فليكن نَظَرُكِ يا
نفس إلى الدنيا اعتبارا ، وسَعْيُك لها اضطرارًا، ورفضُك لها اختيارًا ،
وطَلَبك للآخرة ابتِدارًا، ولا تكوني ممن يعجز عن شُكر ما أُتي ، ويبتغي
الزيادة فيما بقي ، وينهى الناس ولا ينتهي ، واعلمي يا نفس أنه ليس للدِّين
◌ِوَض ، ولا للإيمان بدل ، ولا للجسد خلف ، ومن كانت مطبَّتَه الليل
والنهار ، فإنه يُسار به وإن لم يَسِر .
فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة ، واقبلي هذه النصيحة ، فإنّ من
أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار ، وما أراك بها راضية ولا لهذه
الموعظة واعية ، فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة ، فاستعيني
عليها بدوام التَّهجُّد والقيام ، فإن لم تزل ، فبالمواظبة على الصيام ، فإن لم
يُزِل، فبقِلَّة المُخالطة والكلام ، فإن لم تُزِل، فَبِصِلَةِ الأرحام واللُّطفـ
بالأيتام ، فإن لم تُزِل ، فاعلمي أنّ الله قد طَبَعَ على قلبك وأقفل عليه ،
وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه ، فوطّني نفسك على
النار ، فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا ، وخلق النار وخلق لها أهلًا ،
فكِلِّ مَيَسَّر لما خُلِقَ له ، فإن لم يبقَ فيك مجالٌ للوعظ ، فاقنطي من
نفسك - والقنوط كبيرة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك - فلا سبيل لك
إلا القنوط ، ولا سبيل لك إلى الرجاء مع انسداد طُرُق الخير عليك ، فإن
ذلك اغترارٌ وليس برجاء ، فانظري الآن ، هل يأخُذُكِ حزنٌ على هذه
المصيبة التي ابتُليتِ بها ، وهل تسمح عينُك بدمعةٍ رحمةً منكِ على نفسكِ ،
فإن سمحت - فمُسْتَقَى الدَّمْعِ من بحرِ الرحمة - فقد بقي فيك موضعٌ
للرجاء ، فواظبي على النِّياحة والبكاء ، واستعيني بأرحم الراحمين ، واشتكي
إلى أكرم الأكرمين وأدمني الاستغاثة ، ولا تملِّي طُول الشِّكاية ، لعله أن
يرحم ضعفك ويُغيثك ، فإن مصيبتك قد عظُمت ، وبليّتك قد تفاقمتْ ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٥٨٠
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
وتَمَادِيك قد طال ، وقد انقطعتْ منك الحِيَل ، وراحت عنك العِلَل ، فلا
مذهب ولا مَطْلَب ، ولا مُستغاث ولا مَهْرب ، ولا ملجأ ولا منجا ، إلا إلى
مولاك ، فافزعي إليه بالتَّضُرُّع ، واخشعي في تضرُّعك على قَدْرِ عِظَم
جهلك وكثرة ذنوبك ؛ لأنه يرحم المتضرِّع الذليل، ويُغيث الطالب المتلهِّف ،
ويجيب دعوة المضطّ ، وقد أصبحتِ إليه اليوم مضطرّة وإلى رحمته
محتاجة ، وقد ضاقتْ بكِ السُّبُل ، وانسدَّت عليك الطرق ، وانقطعتْ منك
الحِيَل ، ولم تنجعْ فيك العظات ، ولم يكسرك التوبيخ ، فالمطلوب منه
كريم ، والمسئول جواد ، والمستغاث به بُّ رُءُوف ، والرحمة واسعة ،
والكرم فائض ، والعفو شامل ، وقولي : يا أرحم الراحمين، يا رحمن يا
رحيم ، يا حليم يا عظيم يا كريم ، أنا المذنِبُ المُصِرُّ ، أنا الجريء الذي
لا أُقلع ، أنا المُتمادِي الذي لا أستحي ، هذا مقام المتضرِّع المسكين
والبائس الفقير ، والضعيف الحقير والهالك الغريق ، فعجِّل إغاثتي وفَرَجي ،
وأرني آثار رحمتك ، وأذِقْنِي بَردَ عفوك ومغفرتك ، وارزقني قوّة عظمتك ،
يا أرحم الراحمين . اقتداءً بأبيك آدم عليه السلام ؛ فقد قال وهب بن منبِّه :
لمَّا أهبطَ الله آدمَ من الجنة إلى الأرض، مكث لا ترفاً له دمعةٌ ، فاطَّلَع الله
عز وجل عليه في اليوم السابع وهو محزون كثيب كظيم منكّسٌ رأسه ،
فأوحى الله تعالى إليه : يا آدم ، ما هذا الجهد الذي أرى بك ؟ قال :
يا ربّ ، عظُمتْ مصيبتي ، وأحاطت بي خطيئتي ، وأُخرجتُ من ملكوت
ربي ، فصرتُ في دار الهوان بعد الكرامة ، وفي دار الشقاء بعد السعادة ،
وفي دار النَّصَب بعد الراحة ، وفي دار البلاء بعد العافية ، وفي دار الثَّوال
بعد القرار ، وفي دار الموت والفناء بعد الخلود والبقاء ، فكيف لا أبكي
على خطيئتي ؟! فأوحى الله تعالى إليه : يا آدم، ألم أصْطَفِكَ لنفسي ،
وأحللتُك داري ، وخَصَصْتُكَ بكرامتي ، وحذَّرتُك سخطي ، ألم أخلقك
بيدي ، ونفخت فيك من روحي ، وأسجدتُ لك ملائكتي ، فعصيتَ أمري ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد