النص المفهرس

صفحات 501-520

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٠١
ارجعي إلى ربِّك راضيةً مَرْضيةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨]. فهذا برضاها عنه
لِمَا حصل لها من كرامته، كقوله تعالى: ﴿ خالدينَ فِيهَا أبدًا رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُوا عنهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
والرضا به : أصل الرضا عنه ، والرضا عنه : ثمرة الرضا به .
وسُّ المسألة : أنّ الرضا به متعلّق بأسمائه وصفاته ، والرضا عنه :
متعلّق بثوابه وجزائه .
وأيضًا: فإنَّ النبي عَ ◌ّهِ عَلّقَ ذَوْق طعْم الإِيمان بمَن رضي بالله ربًّا ،
ولم يعلِّقه بمَن رضي عنه، كما قال عَ ◌ّم: ((ذاقَ طعمَ الإِيمان مَن رضي
بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد عَّه رسولًا)). فجعل الرضا به قرينَ
الرضا بدينه ونبيّه ، وهذه الثلاثة هي أصول الإِسلام ، التي لا يقوم إلا بها
وعليها .
وأيضًا : فالرضا به ربًّا يتضمَّن توحيده وعبادته ، والإِنابة إليه ،
والتوكل عليه ، وخوفه ورجاءه ومحبته ، والصبر له وبه . والشكر على نعمه :
يتضمَّن رؤية كلّ ما مِنْهُ نعمةً وإحسانًا، وإن ساء عبدَهُ . فالرضا به يتضمَّن
((شهادة أن لا إله إلا الله))، والرضا بمحمد رسولًا يتضمَّن ((شهادة أن
محمدًا رسول الله))، والرضا بالإِسلام دينًا: يتضمَّن التزام عبوديته ، وطاعته
وطاعة رسوله . فجمعت هذه الثلاثة الدين كلَّه .
وأيضًا: فالرضا به ربًّا يتضمَّن اتخاذه معبودًا دون ما سواه ، واتخاذه وليًّا
ومعبودًا ، وإبطال عبادة كل ما سواه. وقد قال تعالى لرسوله: ﴿أَفغيرَ اللهِ أَبتغي
حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. وقال: ﴿ أَغَيرَ اللهِ أَتخذُ وليًّا ﴾ [الأنعام: ١٤ ].
وقال: ﴿ قُلْ أَغيرَ اللهِ أَبغي ربَّا وهُو رَبُّ كلِّ شيءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
فهذا هو عين الرضا به ربًّا .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٠٢
وأيضًا : فإنَّه جعل حقيقة الرضا به رَبًّا : أن يسخط عبادة ما دونه .
فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة ، حبًّا وخوْفًا ،
ورجاءً وتعظيمًا، وإجلالًا - فقد تحقّق بالرضا به ربًّا، الذي هو قطْب
رحى الإِسلام .
وإنما كان قطبَ رحى الدين ؛ لأنَّ جميع العقائد والأعمال ، والأحوال :
إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة ، وسخْط عبادة ما سواه ،
فَمَن لم يكنْ له هذا القطْب ، لم يكنْ له رَحَى تدور عليه ، ومَن حصل
له هُذا القطْب ، ثبتتْ له الرحى ، ودارت على ذلك القطب ، فيخرج
حينئذ مِن دائرة الشرك إلى دائرة الإِسلام ، فتدور رحى إسلامه وإيمانه على
قطْبها الثابت اللازم .
وأيضًا : فإنّه جعل حصول هذه الدرجة مِن الرضا موقوفًا على كون
المرضّ به ربَّ - سبحانه - أحبَّ إلى العبد مِن كلّ شيء ، وأولى الأشياء
بالتعظيم ، وأحقَّ الأشياء بالطاعة ، ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية ،
وينتظم فروعها وشُعَبها .
ولمّا كانت المحبَّة التامّة ميلَ القلب بكلّته إلى المحبوب ، كان
ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه ، وكلّما كان الميْلُ أقوى ، كانت
الطاعة أتمَّ ، والتعظيم أوفرَ . وهذا الميل يُلازم الإِيمان ، بل هو رُوح
الإِيمان ولُبُّه ، فأي شيءٍ يكون أعلى من أمرٍ يتضمَّن أنْ يكون الله سبحانه
أحبَّ الأشياء إلى العبد ، وأولى الأشياء بالتعظيم ، وأحقَّ الأشياء بالطاعة ؟!
وبهذا يجد العبد حلاوة الإِيمان؛ كما في الصحيح عنه عَ لّم، أنه
قال : (( ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجدَ حلاوة الإِيمان : مَن كان الله ورسوله أحبَّ
إليه ممّا سواهما ، ومَن كان يحبّ المرءَ لا يحبُّه إلا الله ، ومَن كان يكره
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://web1essam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٠٣
أن يرجع إلى الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار)).
فعلّق ذوق الإِيمان بالرضا بالله ربًّا ، وعلّق وجود حلاوته بما هو
موقوف عليه ، ولا يتمّ إلا به ، وهو كونه سبحانه أحبَّ الأشياء إلى العبد
هو ورسولُه .
ولمّا كان هذا الحبُّ التامّ ، والإِخلاص - الذي هو ثمرته - أعلى
من مجرّد الرضا بربوبيته سبحانه ، كانت ثمرته أعلى ، وهي وَجْد حلاوة
الإِيمان . وثمرة الرضا : ذوْق طعْم الإِيمان ، فهذا وَجْدُ حلاوة ، وذلك
ذوْق طعمٍ . والله المستعان .
وإنما ترتّب هذا وهذا على الرضا به وحده ربًّا، والبراءة من عبودية
ما سواه ، ومَيْل القلب بكلّتِهِ إليه ، وانجذاب قُوَى المحبِّ كلِّها إليه .
ورضاه عن رَبِّه تابعٌ لهذا الرضا به . فمن رضي بالله ربًّا، رضيه اللهُ له
عبدًا . ومن رضي عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته ، لم ينل بذلك درجة
رضا الرب عنه، إن لم يرضَ به ربًّا، وبنبيّه رسولًا، وبالإسلام دينًا . فإن
العبد قد يرضى عن الله ربِّه فيما أعطاه وفيما منعه ، ولكن لا يرضى به
وحده معبودًا وإلهًا . ولهذا إنما ضمن رضا العبد يوم القيامة لمن رضي
به ربًّا. كما قال النبي عَ لّم: ((مَنْ قال كلَّ يوم: رضيت بالله ربًّا، وبالإِسلام
دينًا، وبمحمد نبيًّا، إلّا كان حقًّا على الله أنْ يُرضيه يوم القيامة)) (١).
وبالرِضا نَطَقَ التنزيل :
قال تعالى : ﴿ هذا يومُ ينفع الصادقين صدقهم لهم جنّاتٌ تجري
من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٨١ - ١٨٧.
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥
٤
العظيم ﴾ [المائدة : ١١٩ ] .
وقال تعالى : ﴿ ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها
رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون
[ المجادلة: ٢٢ ] .
وقال تعالى: ﴿ خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك
لمن خشي ربَّه ﴾ [البينة: ٨].
فتضمَّنتْ هذه الآياتُ جزاءَهم على صدقهم وإيمانهم ، وأعمالهم الصالحة ،
ومجاهدة أعدائه ، وعَدَم ولايتهم ، بأن رضي الله عنهم فأرضاهم ، فرضوا
عنه. وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربًّا، وبمحمد عَّه نبيًّا، وبالإِسلام
دينًا .
الرضا بالله ، والرضا عن الله ، والرضا بقضاء الله :
الرضا به فْض، والرضا عنه ، وإن كان من أجَلِّ الأمور وأشرف
أنواع العبودية ، فلم يُطالب به العمومَ لعجزهم ومشقّته عليهم ، وأوجبتْهُ
طائفةٌ ، كما أوجبوا الرضا به . والرضا بالقضاء من مقامات الصِّدِّيقين ، وفيه
تفصيلٌ ، فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان ؛ أحدهما : اختيار ديني شرعي .
فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سَيِّدُه . قال
تعالى: ﴿ وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون
لهم الخِيَرَةُ من أمرهم ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فاختيار العبدِ خلافَ ذلك،
مُنافٍ الإِيمانه وتسليمه ، ورضاه بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد عَ ◌ّه
رسولًا . النوع الثاني : اختيارٌ كونِّي قَدَرِيّ ، لا يسخطه الرب ، كالمصائب
التي يبتلي الله بها عبده ، فهذا لا يضُرُّه فِراره منها إلى القَدَر الذي يرفعها
عنه ، ويدفعها ويكشفها . وليس في ذلك مُنازَعة للربوبية ، وإن كان فيه
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٠٥
منازعة للقَدَر بالقَدَر . فهذا يكون تارةً واجبًا، وتارةً يكون مستحبًّا ، وتارة
يكون مباحًا مستوي الطرفين ، وتارة يكون مكروهًا ، وتارة يكون حرامًا .
وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه ، مثل قَدَر المعائب والذنوب ، فالعبد
مأمور بسخطها ، ومنهي عن الرضا بها . وهذا هو التفصيل الواجب في
الرضا بالقضاء .
وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابًا عظيمًا ، ونجا منه أصحاب
الفَرْق والتفصيل .
والذي يكشف هذه الغمة ، ويُبصِّر من هذه العماية ، ويُنجِّي من
هذه الورطة إنما هو التفريقُ بين ما فَّق الله بينه ، وهو المشيئة والمحبة ،
فإنهما ليسا واحدًا ، ولا هما متلازميْن ، بل قد يشاء ما لا يحبه ، ويحب
ما لا يشاء كوْنه . فالأول : كمشيئته لوجود إبليس وجنوده ، ومشيئته
العامّة لجميع ما في الكون ، مع بغضه لبعضه . والثاني : كمحبَّته إيمان
الكفار ، وطاعات الفُجّار ، وعدْل الظالمين ، وتوبة الفاسفين . ولو شاء
ذلك ، لوجِد كلُّه، وكان جميعُه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكُن. فإذا
تقرّر هذا الأصل ، وأن الفِعْلَ غيرُ المفعول ، والقضاءَ غيرُ المقضيّ ، وأن الله
سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه - زالت الشبهاتُ وانحلّتِ
الإِشكالاتُ ، ولله الحمد . ولم يبق بين شَرْع الرَّبِّ وقَدَره تناقض ، بحيث
يُظنّ إبطالُ أحدهما للآخر، بل القَدَر ينصُرُ الشَّرّع، والشرع يُصَدِّق
القدر ، وكلٌّ منهما يُحقِّق الآخر . إذا عُرف هذا ، فالرضا بالقضاء الديني
الشرعي واجبٌ ، وهو أساس الإِسلام وقاعدة الإِيمان ، فيجب على العبد
أن يكون راضيًا به بلا حرجٍ ولا منازعة ، ولا معارضةٍ ولا اعتراض .
قال الله تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحگموك فيما شجر بينهم
ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويُسلِّموا تسليمًا ﴾ [ النساء: ٦٥].
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥٠٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
فأقسم أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله ◌ّ ◌ُلم ، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم
من حُكمه ، وحتى يُسلِّموا لحُكمه تسليمًا . وهذا حقيقة الرضا بحُكمه .
فالتحكيم : في مقام الإِسلام . وانتفاء الحرج : في مقام الإِيمان .
والتسليم : في مقام الإِحسان .
ومتى خالطَ القلبَ بشاشةُ الإِيمان ، واكتحلتْ بصيرتُه بحقيقة اليقين ،
وحبي بُرُوح الوحي ، وتمهَّدتْ طبيعتُه ، وانقلبت النفسُ الأمَّارةُ مطمئنةً
راضية وادعة ، وتلقّى أحكام الَّبِّ تعالى بصدرٍ واسع منشرح مسلّم - فقد
رضي كل الرضا بهذا القضاء الديني المحبوب لله ولرسوله . والرضا بالقضاء
الكوني القدري ، الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه - من الصحة ،
والغنى ، والعافية ، واللَّذَّة - أمرٌ لازم بمقتضى الطبيعة ؛ لأنه ملائم للعبد ،
محبوبٌ له ، فليس في الرضا به عبودية ، بل العبودية في مُقابلته بالشُّكر ،
والاعتراف بالمنَّة ، ووضْع النعمة مواضعها التي يحب الله أن تُوضع فيها ، وأن
لا يعصي المنعم بها ، وأن يرى التقصير في جميع ذلك . والرضا بالقضاء
الكوني القدري ، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته ، مما لا يلائمه
ولا يدخل تحت اختياره - مستحبُّ . وهو من مقامات أهل الإِيمان ، وفي
وجوبه قولان . وهذا كالمرض والفقر ، وأذَى الخلْق له ، والحر والبرد ،
والآلام ونحو ذلك . والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره ، مما يكرهه الله
ويسخطه ، وينهى عنه ، كأنواع الظلم والفسوق والعصيان - حرامٌ يُعاقب
عليه ، وهو مخالفة لربه تعالى ؛ فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه ، فكيف
تتفق المحبة ورضا ما يسخطه الحبيب ويبغضه ؟! فعليك بهذا التفصيل في
مسألة الرضا بالقضاء(١).
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٨٧ - ١٩٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٥٠٧
الرضا عن الله يصحُّ بثلاثة شروط :
الأول : استواء النعمة والبليّة عند العبد ؛ لأنه یشاهد حُسن اختيار الله
له .
الثاني : سقوط الخصومة عن الخلق ، إلَّا فيما كان حقًّا لله ورسوله ،
فالراضي لا يُخاصم ولا يُعاتب إلَّا فيما يتعلّق بحق الله ، وهذه كانت حال
رسول الله عٍَّ ، فإنه لم يكن يخاصم أحدًا ولا يُعاتبه إلَّا فيما يتعلَّق بحق الله ،
كما أنه كان لا يغضب لنفسه ، فإذا انتهكتْ محارمُ الله لم يقُم لغضبه شيءٌ
حتى ينتقم الله . فالمخاصمة لحظِّ النَّفْس تُطفئ نور الرضا وتُذهب بهجته ،
وتُبدِّل بالمرارة حلاوته ، وتُكدِّر صَفْوه .
والشرط الثالث : الخلاص من المسألةِ للخلْق والإلحاح . قال
تعالى: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياءَ من التَّعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون
الناس إلحافًا ﴾ [ البقرة: ٢٧٣]. قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم
يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداءً .
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، قال: سألت رسول الله عَبيه،
فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (( يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَةٌ
حُلوة ، فمن أخذه بسخاوةِ نَفْسٍ ، بُورك له فيه . ومن أخذه بإشرافٍ
نفسٍ ، لم يُبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع . واليدُ العُلْيا خيّرٌ
من اليد السُّفلى )) . قال حكيم : فقلت: يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق ،
لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أُفارق الدنيا . وكان أبو بكر رضي الله عنه
يدعو حكيمًا إلى العطاء ، فيأبى أن يقبله منه . ثم إن عمر رضي الله عنه
دعاه ليعطيه ، فأبى أن يقبل منه شيئًا ، فقال عمر : إني أُشهد كم يا معشر
المسلمين على حكيم : أني أعرضُ عليه حقَّه من هذا الفيء ، فيأبى أن يأخذه .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٥٠٨
فلم يَرْزأ حكيم - رضي الله عنه - أحدًا من الناس بعد رسول الله عَليه
حتى توفي . متفق على صحته .
وعن أبي مسلم الخَوْلاني رضي الله عنه قال : حدَّثني الحبيب الأمين -
أمّا هو : فحبيب إلَّي، وأمّا هو عندي : فأمين ؛ عوف بن مالك الأشجعي -
رضي الله عنه قال: ((كنا عند رسول الله عَ له تسعة - أو ثمانية، أو
سبعة - فقال: (( ألا تبايعون رسول الله؟ )). وكنا حديثي عهدٍ ببيعته ،
فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله ؟)).
فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: (( ألا تبايعون رسول الله؟)).
قال : فبسطنا أيدينا ، وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلامَ نبايعكَ ؟
قال: ((أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس ، وتطيعوا الله -
وأسَرَّ كلمةً خفيَّة - ولا تسألوا الناس شيئًا)). فلقد رأيتُ بعض أولئك النفر
يسقط سوْط أحدهم ، فما يسأل أحدًا يناوله إيّاه)). رواه مسلم.
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((مَن يتقبّل
لي بواحدة، وأتقبل له بالجنة؟)) قلت: أنا. قال: (( لا تسألٍ الناس
شيئًا)) . فكان ثوبان يقعُ سوطه ، وهو راكب ، فلا يقول لأحد : ناولنيه .
حتى ينزل هو فيتناوله . رواه الإِمام أحمد وأهل السنن .
تَذْكِرة لعُلاة الهمَّة :
مراتب الرضا عن الله، والرحمة عند المصائب :
قد تنزل بالإِنسان مصيبة كموت ولدٍ ، فيبكي رحمةً للصَّبِّ ، وهذا
لا يُنافي مقام الرضا، فقد بكى رسول الله عَ ظ له يوم مات ابنه إبراهيم، وأخبر
أن القلب يحزن ، والعين تدمع ، ولا نقول إلّ ما يُرضي الرّبّ ..
والرسول عَ ليه في أعلى مقامات الرضا . وأقل منه درجة الفضيل بن
:
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٠٩
عياض ، لما مات ابنه رُئِي في الجنازة ضاحكًا ، فقيل له : أتضحك وقد
مات ابنك ؟ فقال : إن الله قضى بقضاءٍ ، فأحببت أن أرضى بقضائه .
والتحقيق: أن قلب رسول الله عَ ليه اتسع لتكميل جميع المراتب،
من الرضا عن الله ، والبكاء رحمةً للصبي ، فكان له مقام الرضا ، ومقام
الرحمة ورقّة القلب . والفضيل لم يتّسع قلبه لمقام الرضا ومقام الرحمة ،
فلم يجتمع له الأمران . والناس في ذلك على أربع مراتب : أحدها : من
اجتمع له الرضا بالقضاء ورحمة الطفل ، فدمعت عيناه رحمةً والقلب راضٍ .
الثاني : من غَيَّه الرضا عن الرحمة ، فلم يَتَّسِع للأمرين ، بل غيَّه أحدُهما
عن الآخر . والثالث : من غيَّيْه الرحمة والرّقّة عن الرضا فلم يشهدْه ، بل
فني عن الرضا . الرابع : من لا رضا عنده ولا رحمة ، وإنما يكون حزنه
لفوات حظّه من الميِّت . وهذا حال أكثر الخلق ، فلا إحسان ، ولا رضا
عن الرحمن . والله المستعان .
فالأول في أعلى مراتب الرضا . والثاني دونه . والثالث دون الثاني .
والرابع هو الساخط .
يقول ابن القيم في مدارج السالكين ٢ / ٢١١ - ٢١٢: ((إن
الرضا معقد نظام الدين ظاهره وباطنه ، فإن القضايا لا تخلو من خمسة
أنواع ، فتنقسم قسمين : دينية ، وكونية . وهي مأمورات ، ومنهيات ،
ومباحات ، ونعم مُلذّة ، وبلايا مؤلمة . فإذا استعمل العبد الرضا في ذلك
كله، فقد أخذ بالحظِّ الوافر من الإِسلام وفاز بالقدح المُعَلّى )).
الرضا مقام رفيع يليق بعالي الهمَّة :
. إن النبي ◌َّ ◌ُلِّ كان يندب إلى أعلى المقامات ، فإن عجز العبد عنه ،
حطَّهُ إلى المقام الوسط، كما قال: ((اعبد الله كأنك تراه)). فهذا مقام
بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٥١٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
المراقبة الجامع لمقامات الإِسلام والإِيمان والإِحسان ، ثم قال: (( فإن لم
تكن تراه فإنه يراك )). فحطَّهُ عند العجز عن المقام الأول إلى المقام
الثاني ، وهو العلم باطّلاع الله عليه ورؤيته له ، ومشاهدته لعبده في الملأ
والخلاء. وكذا الحديث الآخر: ((إن استطعتَ أن تعمل لله بالرضا مع
اليقين فافعل . فإن لم تستطع ، فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا)).
فرفعه إلى أعلى المقامات ، ثم ردَّه إلى أوسطها إن لم يستطع الأعلى .
فالأول : مقام الإِحسان . والذي حطّه إليه : مقام الإِيمان . وليس دون ذلك
إلا مقام الخسران .
كما أنه معَ ◌ِّ أثنى على الراضين بمُرِّ القضاء، بالحكم والعلم والفقه والقُرب
من درجة النبوة ، كما في حديث الوفد الذين قدموا على رسول الله عَ ليه.
فقال ((ما أنتم؟)). فقالوا: مؤمنون. فقال: ((ما علامة إيمانكم؟)).
فقالوا : الصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء ، والرضا بمُرِّ القضاء،
والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال: (( حكماء
علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء )). والرضا آخِذٌ بزمام مقامات
الدِّين كلها ، وهو رُوحُها وحياتها ، فإنه روح التَّوكّل وحقيقته ، وروح
اليقين ، وروح المحبة، وصحة المُحِبّ ، ودليل صدق المحبة ، وروح
الشكر ودليله .
قال الربيع بن أنس : علامة حب الله : كثرة ذكره ؛ فإنك لا تحب
شيئًا إلا أكثرتَ من ذكْرِه . وعلامة الدِّين: الإِخلاص لله في السر والعلانية.
وعلامة الشكر : الرضا بقَدَرِ الله والتسليم لقضائه .
وقال أحمد بن أبي الحواري : ذاكرتُ أبا سليمان في الخبر المرويّ :
(( أول مَنْ يُدْعَى إلى الجنة الحمَّادون)). فقال: ويحك، ليس هو أن
تحمده على المصيبة وقلبك يتعصَّى عليك ، إذا كنت كذلك فارجع إلى
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٥١١
الصابرين ، إنما الحمد : أن تحمده وقلبك مسلِّم راضٍ .
فصار الرضا كالروح لهذه المقامات ، والأساس الذي تنبني عليه ،
ولا يصحّ شيء منها بدونه ألبتة . والله أعلم .
والرضا يقوم مقام كثير من التَّعُّدات التي تشقّ على البدن ، فيكون
رضاه أسهل عليه ، وألذَّ له، وأرفع في درجته . وقد ذُكر في أثر إسرائيلي :
أن عابدًا عبد الله دهرًا طويلًا، فأُرِيَ في المنام : أن فلانة الراعية رفيقتك
في الجنة . فسأل عنها ، إلى أن وجدها ، فاستضافها ثلاثًا لينظر إلى عملها ،
فكان يبيت قائمًا وتبيت نائمة ، ويظلّ صائمًا وتظلّ مفطرة ، فقال لها :
أما لك عمل غير ما رأيت ؟ قالت : ما هو والله غير ما رأيت - أو قالت :
إلَّا ما رأيت - لا أعرف غيره . فلم يَزَل يقول لها: تذكّري . حتى قالت :
◌ُخُصَيْلة واحدة هي فَّي، وذلك أني إن كنتُ في شدَّةٍ ، لم أتمنّ أني في
رخاء . وإن كنتُ في مرضٍ ، لم أتمنّ أني في صحةٍ . وإن كنت في
الشمس ، لم أتمنّ أني في الظّل . قال : فوضع العابد يده على رأسه .
وقال : أهذه خصيلة ؟! هذه والله خصلةٌ عظيمة يعجز عنها العُبَّاد .
وفي وصية لقمان لابنه: (( أوصيك بخصالٍ تقرِّبك من الله ،
وتُباعِدك من سخطه : أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا . وأن ترضى بقدر
الله فيما أحببت وكرهت )).
وقال بعض العارفين : مَنْ يتوكّل على الله ، ويَرْضَ بقدر الله ، فقد
أقام الإِيمان ، وفرغ يديه ورجليه لكسْب الخير ، وأقام الأخلاق الصالحة
التي تُصلح للعبد أمره .
والرضا يفتح باب حُسن الخلق مع الله تعالى ومع الناس ، فإن حُسن
الخلق من الرضا ، وسوء الخلق من السخط . وحسن الخلق يبلغ بصاحبه
درجة الصائم القائم ، وسوء الخلق يأكُلُ الحسناتِ كما تأكل النار الحطب .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٥١٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
والرضا يُثمِر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور ، وَطِيبَ النفس
وسكونها في كلِّ حال ، وطُمأنينة القلب عند كل مفزعٍ مُهْلِع من أمور
الدنيا ، وبرد القناعة ، واغتباط العبد بقَسْمه من ربه ، وفرحه بقيام مولاه
عليه ، واستسلامه لمولاه في كل شيء ، ورضاه منه بما يُجريه عليه ،
وتسليمه له الأحكام والقضايا ، واعتقاد حسن تدبيره ، وكمال حكمته ،
ويُذهب عنه شكوى ربّه إلى غيره وتبُرُّمه بأَقْضِيَتِهِ، ولهذا سمَّى بعضُ العارفين
الرضا : حسن الخلق مع الله ؛ فإنه يُوجِب ترك الاعتراض عليه في ملكه ،
وحذْف فضول الكلام التي تقدح في حُسن خُلقه ، فلا يقول : ما أحوج
الناس إلى مطر. ولا يقول : هذا يومٌ شديد الحرّ ، أو شديد البرد . ولا
يقول : الفقر بلاء ، والعيال هَمٍّ وَغَمّ . ولا يُسَمِّي شيئًا قضاه الله وقَدَّره
باسمٍ مذمومٍ إذا لم يذمه الله سبحانه وتعالى ، فإن هذا كلَّه يُنافي رضاه .
قال ابن أبي الحواري - أو قيل له - : إن فلانًا قال : وددت أن
الليل أطول مما هو . فقال: قد أحسن، وقد أساء ؛ أحسن حيث تمنَّى
طُولَهُ للعبادة والمناجاة، وأساء حيث تمنَّى ما لم يُرِده الله، وأحبَّ ما لم
يحبّه الله .
(( وقال عمر بن الخطاب يومًا لامرأته عاتكة - أُختِ سعيد بن
زيد - وقد غضب عليها : والله لأَسُوأُنَّكِ. فقالت : أتستطيع أن تصرفني
عن الإِسلام ، بعد إذ هداني الله له ؟ قال : لا . فقالت : فأي شيءٍ تسوءني
به إذًا ؟!)). تريد أنها راضية بمواقع القدر ، لا يسوءها منه شيء إلّا صَرْفها
عن الإِسلام . ولا سبيل له إليه .
وقال الثوري يومًّا عند رابعةً: اللهمَّ ارْضَ عنَّا . فقالت : أما تستحي
أن تسأله الرضا عنك ، وأنت غير راضٍ عنه ؟ فقال: أستغفر الله . ثم قال
لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيًا عن الله ؟ فقالت : إذا كان
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥١٣
سروره بالمصيبة مِثْل سروره بالنعمة .
ما لأولياء الله والهمّ بالدنيا ؟! إن الهمَّ بالدنيا يُذهب حلاوة المناجاة
من قلوبهم . أولياء الله أَرْضَى عنه من أن يسألوه أن ينقلهم إلى معيشةٍ
حتی یکون هو الذي يختار لهم .
والرغبةُ إلى الله عز وجل ولوازمُها : صفةُ أهل الهمَّة ، وهذه الرغبة
ولوازمها لا تتمّ إلا باليقين والرضا عن الله، ولهذا قال سهل : حظُّ الخلْق
من اليقين على قدر حظّهم من الرضا ، وحظُّهم من الرضا على قدْر رغبتهم
في الله .
ومما يدل على علوّ قدر الرضا، وأنه بأهل الهمم العالية: ((أن النبي
عَ لَّم سأل الله الرضا بالقضاء، كما في المسند والسنن: ((اللهم بعِلْمِك
الغيبَ ، وقُدْرَتِكَ على الخلق ، أحْيِنِي إذا كانت الحياة خيرًا لي ، وتوفّنِي
إذا كانت الوفاة خيرًا لي . وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة . وأسألك
كلمة الحق في الغضب والرضا . وأسألك القصْد في الفقر والغنى . وأسألك
نعيمًا لا ينفد . وأسألك قُرّة عينٍ لا تنقطع . وأسألك الرضا بعد القضاء .
وأسألك برد العيش بعد الموت . وأسألك لَذَّة النظر إلى وجهك الكريم .
وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضَرَّاءَ مُضِّة ، ولا فتنة مُضِلَّةٍ . اللهم زَيِّنَا
بزينة الإِيمان. واجعلنا هُداةً مهتدين ))(١). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -
قدَّس الله روحه - يقول: سأله الرضا بعد القضاء ؛ لأنه حينئذٍ تبيَّن حقيقة
الرضا . وأمَّا الرضا قبله : فإنما هو عزم على أنه يرضى إذا أصابه . وإنما
يتحقَّق الرضا
(١) صحيح: رواه النسائي والحاكم عن عمار بن ياسر، وصححه الألباني في صحيح
الجامع ( رقم ١٣٠١ ).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥١٤
بعده ))(١).
=
يا عالي الهِمَّة ، ليس لأعمال القلوب نهاية :
قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية: ((إن أعمال الجوارح تُضاعَف
إلى حدٍّ معلومٍ محسوبٍ ، وأمَّا أعمال القلوب ، فلا ينتهي تضعيفها ؛ وذلك
لأن أعمال الجوارح لها حَدٌّ تنتهي إليه وتقف عنده ، فيكون جزاؤها بِحَسَب
حدِّها ، وأمَّا أعمال القلوب ، فهي دائمةٌ مُتَّصِلة ، وإن تَوَارَى شهود العبد
لها . مثاله : أن المحبة والرضا حال المحبِّ الراضي ، لا تُفارقه أصلًا ، وإن
تواَرَى حُكمها ، فصاحبها في مزيدٍ مُتَّصِل . فمزيد المحب الراضي : متّصل
بدوام هذه الحال له ، فهو في مزيدٍ ، ولو فَترتْ جوارحه ، بل قد يكون
مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيدٍ كثيرٍ من أهل النَّوافل بما لا نِسْبَةً
بينهما ، ويبلُغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيدُه في حال نومه، أكْثَرَ من
مزيدٍ كثيرٍ من أهل القيام ، وأكْلُه أكْثَر من مزيدٍ كثيرٍ من أهل الصِّيام
والجوع . فإن أنكرتَ هذا، فتأمَّلْ مزيد نائمٍ بالله، وقيام غافلٍ عن الله .
فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم ، لا إلى صُوَر الأعمال .
وقيمةُ العبد: همَّتُه وإرادته . فمن لا يُرضيه غير الله ، ولو أُعطي الدنيا
بحذافيرها ، له شأنٌ . ومن يُرضيه أدنى حظٍّ من حظوظها ، له شأن . وإن
كانت أعمالهما في الصورة واحدة . وقد تكون أعمال المُلتفت إلى الحظوظ
أكثر وأشق ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألةٍ ، وهي : هل للرضا حدٌّ ينتهي إليه ؟
فقال أبو سليمان الداراني : ثلاث مقاماتٍ لا حدَّ لها : الزهد ، والورع ،
والرضا . وخالفه سليمانُ ابنُهُ - وكان عارفًا ، حتى إن من الناس من كان
(١) مدارج السالكين ٢ / ٢٢٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥١٥
يُقدِّمه على أبيه - فقال : بل مَنْ تورَّع في كل شيءٍ ، فقد بلغَ حدَّ الورع .
ومَنْ زهد في غير الله ، فقد بلغَ حدَّ الزهد . ومن رضي عن الله في كل
شيء، فقد بلغَ حدَّ الرضا ))(١).
أهل الرِّضا وعلوّ همَّتهم :
الخليل إبراهيم عليه السلام :
عن أبي رجاء محمد بن سيف قال : سمعت الحسن يقول في قوله : ﴿ وإذ
ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ ... ﴾. قال: (( ابتلاه بالكوكب فرضي عنه ،
وابتلاه بذبح ابنه فرضي عنه ، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه ، وابتلاه بالنار
فرضي عنه ، وابتلاه بالختان))(٢).
سعد بن أبي وَقَّاص :
« لمَّا قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة ، وقد كان كُفّ بصره ، جاءه
الناس يهرعون إليه ، كلّ واحدٍ يسأله أن يدعو له ، فيدعو لهذا ولهذا ، وكان
مجاب الدعوة . قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام ، فتعرّفت عليه
فعرفني وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت : نعم . فذكر قصةً قال في
آخرها : فقلت له : يا عمّ ، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله
عليك بصرك ! فتبسَّم وقال : يا بُنَّي ، قضاء الله سبحانه عندي أحْسَنُ من
بصري )) (٣).
عمران بن حُصَين :
((عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: (( أتيت عمران بن حصين
(١) مدارج السالكين ٢ / ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) صحيح وإسناده حسن. انظر الرضا عن الله لابن أبي الدنيا .
(٣) الإِحياء ٤ / ٣٦٨، ومدارج السالكين ٢ / ٢٢٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥١٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
يومًا ، فقلت له : إني لأدع إتيانك لِمَا أراك فيه ، ولما أراك تَلْقَى. قال:
فلا تفعل ، فوالله إن أحَبَّهُ إلَّي أحبّه إلى الله))(١).
((كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنُه، فبقي مُلقِّى على ظهره
ثلاثين سنةً ، لا يقوم ولا يقعد ، قد نُقِب له في سريرٍ من جريدٍ كان عليه -
موضعٌ لقضاء حاجته ، فدخل عليه مطرّف وأخوه العلاء ، فجعل يبكي لما
يراه من حاله ، فقال : لم تبكي ؟ قال : لأني أراك على هذه الحالة
العظيمة . قال : لا تبكِ، فإن أحَبَّهُ إلى الله تعالى، أحبّه إلَّي. ثم قال:
أُحدِّثك حديثًا لعلَّ الله أن ينفعك به ، واكْتُمْ علَّي حتى أموت ، إن الملائكة
تزورني فآنَسُ بها ، وتُسلِّم علَّ فأسمع تسليمها ، فأعلمُ بذلك أن هذا
البلاء ليس بعقوبةٍ ، إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة ، فمن يشاهد هذا
في بلائه، كيف لا يكون راضيًا به ؟!))(٢).
أبو الدرداء رضي الله عنه :
عن سعيد بن مرثد الهمداني ، أن أبا الدرداء قال: (( ذروة الإِيمان
أربع خلالٍ: الصبر للحُكم، والرضا بالقدر ، والإِخلاص للتّوكَّل ، والاستسلام
للَّبِّ عَّ وجل))(٣).
(١) الرضا عن الله صـ ٩٢، ٩٣ .
(٢) الإِحياء .
(٣) إسناده صحيح : وأخرجه ابن المبارك ١٢٣، كما في زوائد نعيم بن حماد ، وزاد :
(( ولولا ثلاث خلالٍ، صلُح الناس: شحٌّ مطاع، وهوَّى مُتَّبَع، وإعجاب المرء
بنفسه)) .
انظر الرضا عن الله صـ ٩١ تحقيق مجدي السيد إبراهيم - مكتبة القرآن .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥١٧
عمر بن عبد العزيز :
عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: ((ما لي في الأمور
هُوَّى سوى مواضع قضاء الله عز وجل فيها)). وفي رواية: ((ما لي هوَّى
في شيءٍ سوى ما قضى الله عزّ وجل))(١).
وقال سليمان بن حبيب: ((لمَّا مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز(٢)،
دخل عليه سليمان بن الغاز فعزَّاه ، فقال عمر : وأنا أعوذ بالله أن يكون
لي محبّةٌ في شيءٍ من الأمور يخالف محبة الله ؛ فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه
عندي ، وإحسانه إلَي))(٣).
وعن عبد العزيز بن سبرة عن أبيه عن جده قال: «لمَّا هلك عبدُ الملك
ابن عمر بن عبد العزيز ، وسهلُ بن عبد العزيز ، ومزاحمٌ مولى عمر ، في
أيامٍ متتابعة ، دخل عليه الربيع بن سبرة فقال : عظّم الله أجرك يا أمير
المؤمنين ، ما رأيت أحدًا أُصيب بأعظم من مصيبتك في أيامٍ متتابعة ، والله
ما رأيت مِثْل ابنك ابنًا ، ولا مثْل أخيك أخًا ، ولا مثل مولاك مولَّى قطُّ .
فطأطأ رأسَهُ ، فقال لي رجل معه على الوساد : لقد هيَّجتَ عليه . قال :
ثم رفع رأسه فقال : كيف قلتَ لي يا ربيع؟ فأعدتُ عليه ما قلت أولًا ،
فقال: لا ، والذي قضى عليه - أو قال: عليهم - الموت ، ما أُحبّ أن
شيئًا كان من ذلك لم يكن )) (٤).
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (( لقد تركتني هؤلاء الدعوات ،
(١) إسناده صحيح، والرواية الأخيرة للبيهقي في شعب الإِيمان.
(٢) كان من الزاهدين ، ومات قبل أبيه .
(٣) الرضا عن الله صـ ١١٢ .
(٤) إسناده لا بأس به .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٥١٨
صلاح الأمة في غُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
وما لي شيءٍ من الأمور كلها أربٌّ إلَّا في مواقع قَدَر الله . وكان كثيرًا
ما يدعو : اللهم رضِّي بقضائك ، وبارك لي في قدرك ، حتى لا أحبّ
تعجيل شيءٍ أَخّرتَهُ ، ولا تأخير شيءٍ عجَّلْتَهُ)) (١).
أبو العالية :
قال سيار بن سلامة: ((دخل رجل على أبي العالية في مرضه الذي
مات فيه ، فقال: إن أحبَّه إلَّي، أحبُّه إلى الله عزَّ وجل))(٢).
أبو معاوية الأسود :
قال عمرو بن أسلم العابد: ((سمعت أبا معاوية الأسود يقول في
قوله: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً ﴾ [ النحل: ٩٧]. قال: الرضا والقناعة))(٣).
الربيع بن خثيم :
عن الأعمش بن عمرو بن مرة قال: ((كان الربيع بن خثيم قد أصابه
فالج ، قال : فسال من فيه ماء فجرى على لحيته ، فرفع يده فلم يستطع
أن يمسحه ، فقام إليه بكر بن ماعز فمسحه عنه ، فلحظّهُ ربيعٌ ثم قال :
يا بكر ، والله ما أُحبُّ أن هذا الذي بي بأعتى الدَّيْلم(٤) على الله))(٥).
وكان الربيع - رحمه الله - يقول في شدَّة مرضه : ما أُحبّ أن الله
نقصني منه قُلامة ظفر .
(١) مدارج السالكين ٢ / ٢٢٥ .
(٢) الرضا عن الله صـ ٧٤ .
(٣) إسناده حسن . وبنفس القول قال علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة ومجاهد ،
ومحمد بن كعب القرظي .
(٤) أي بأشد الأعداء. وفي الحلية: ((بأغنى الديلم)). الرضا عن الله صـ ١٠٧.
(٥) الرضا عن الله صـ ١٠٦، ١٠٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
:

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٥١٩
سويد بن مثعبة :
عن أبي حيّان التيمي قال: ((دخلوا على سويد بن مثعبة ، وكان من
أفاضل أصحاب عبد الله وأهله ، يقول له : نفسي فداؤك ، أما نُطعمك ؟
أما نسقيك ؟ قال : فأجابه بصوتٍ له ضعيف : دَبِرَت الحراقفُ وطالت
الضَّجعة ، والله ما يسُّني أن الله نقصني منه قَدْر قُلامة)) (١).
أم الأسود بن يزيد :
عن إبراهيم النَّخَعَّ: (( أن أم الأسود قُعدت من رجليها ، فجزعتْ
ابنة لها ، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرًا فزِدْ))(٢).
محمد الباقر :
عن سفيان بن عيينة ، عن رجل ، عن محمد بن علي بن الحسين
أبي جعفر الباقر: (( أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه ، ثم أخبر بموته فسُرِّي
عنه ، فقيل له ، فقال : ندعو الله فيما نُحبُّ ، فإذا وقع ما نكره ، لم
نُخالف الله فيما أحبَّ))(٣).
الحسن البصري :
قال سفيان: قال الحسن: ((من رضي بما قسم الله له، وَسِعَهُ ،
وبارك الله له فيه ، ومن لم يرضَ لم يَسَعْهُ، ولم يبارك له فيه ))(٤).
(١) صحيح . انظر الرضا عن الله صـ ١٠٨ .
(٢) إسناده صحيح . انظر الرضا عن الله صـ ٩٤، ٩٥ .
(٣) صحيح . الرضا عن الله صـ ١١٦.
(٤) إسناده حسن. الرضا عن الله صـ ١٢٢، ١٢٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٥٢٠
سفيان :
عن الحسن ، عن سفيان قال: ((سمعت المفسِّرين من كل جانب يقولون
في قوله : ﴿أغنى﴾ [النجم: ٤٨]: أرضى. قال سفيان: لا يكون غنيًّا
أبدًا حتى يرضى بما قسم الله له ، فذلك الغِنَى))(١).
وعن مصعب بن ماهان ، عن سفيان ، في قوله: ﴿وبشّر المخبتين
[ الحج : ٣٤] قال: المطمئنّين ، الراضين بقضائه ، المستسلمين له .
الفضيل بن عياض :
قال الفضيل: ((إن لم تصبر على تقدير الله، لم تصبر على تقدير
نفسك))(٢) .
قال الفضيل بن عياض لبشرٍ الحافي: (( الرضا أفضل من الزهد في
الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنّى فوق منزلته))(٣).
قال إبراهيم بن الأشعث : سمعت الفضيل يقول: ((الراضي لا يتمنّى
فوق منزلته )).
وهيب بن الورد :
اجتمع وهيب بن الورد ، وسفيان الثوريّ ، ويوسف بن أسباط ،
فقال الثوري : قد كنت أكره موت الفُجَاءَة قبل اليوم ، وأمَّا اليوم فوددتُ
أني مَيِّتٌ . فقال له يوسف بن أسباط : وَلِمَ ؟ فقال: لِمَا أَتَخَوَّف من الفتنة.
فقال يوسف : لكني لا أكره طُول البقاء . فقال الثوري : ولِم تكره الموت ؟
(١) إسناده حسن . انظر الرضا عن الله صـ ١٢٣.
(٢) الإِحياء ٤ / ٣٦٥.
(٣) مدارج السالكين ٢ / ١٧٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/