النص المفهرس
صفحات 481-500
https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٤٨١ على وجود مَن أرسلك ، وأنَّه مُطاع ، وأنَّه أهلٌ أنْ يُغشى بابه . لَكُنْتَ في دعوى الفُتَوَّة زنيمًا. فكيف بمن وجودُه ووحدانيَّته وقدرته ، وربوبيّته وإلهيّته ، أظهرُ من كلِّ دليل تطلبه ؟! فما مِن دليلٍ يُستدل به ، إلَّا ووحدانيّة الله وكماله أظهر منه ، فإقرارُ الفِطَرِ بالربِّ سبحانه خالق العالم ، لم يُوقفها عليه مُوقِف ، ولم تحتجْ فيه إلى نظر واستدلال ، ولهذا لم تدعُ الرسلُ قطُّ الأممَ إلى الإِقرار بالصانِعِ سبحانه وتعالى ، وإنما دعَوْهم إلى عبادته وتوحيده ، وخاطَبوهم خطابَ مَن لا شبهة عنده قطّ في الإِقرار بالله تعالى ، ولا هو محتاجٌ إلى الاستدلال عليه، ولهذا ﴿قالتْ لهمْ رسلُهُمْ أَفِي اللهِ شكٌّ فَاطِرِ السمواتِ والأرض ... ) الآية [ إبراهيم: ١٠]، وكيف يصحُّ الاستدلال على مدلولٍ هو أظهرُ من دليله ؟! حتى قال بعضهم : كيف أطلب الدليل على مَن هو دليلٌ على كلِّ شيء ؟! فتقْبيد السائر بالدليل وتوقُّقه عليه دليلٌ على عدم يقينه ، بل إنما يتقيّد بالدليل الموصّل له إلى المطلوب بعد معرفته به ؛ فإنه يحتاج بعد معرفته إلى دليل يُوصله إليه ويدلّه على طريق الوصول إليه، وهذا الدليل هو الرسول عَ ليه ، فهو موقوف عليه يتقيَّد به ، لا يخطو خطوةً إلّ وراءه عَّهِ، فيكون علْمُه ويقينه ونورُ بصيرته ، مغنيًّا له عن كثيرٍ من الأدلّة التي يتكلّفها المتكلّفون وأرباب القَال ؛ فإنه مشغول عنها بما هو أهمّ منها ، وهو الغاية المطلوبة . مثاله : أنَّ المتكلّمَ يُفني زمانه في تقرير حدوث العالَم ، وإثبات وجود الصانع ، وذلك أمْر مفروغ منه عند السالك الصادق ، صاحب اليقين . فالذي يطلبه هذا بالاستدلال الذي هو عُرضة الشُّبَه والأسئلة والإِرادات ، التي لا نهاية لها ؛ هو كشفٌ ويقين للسالك ، فتقييده في سلوكه بحالٍ هذا المتكلِّم انقطاعٌ وخروج عن الفتّة . وهذا حقٌّ لا يُنازِع فيه عارف ، فترى المتكلم يبحث في الزمان https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٨٢ صلاح الأمة في عُلَوّ الهمة - المجلد الرابع والمكان ، والجواهر والأعراض والأكوان ، وهمّته مقصورة عليها لا يعدوها ، ليصل منها إلى المكوّن وعبوديته . والسالك قد جاوزها إلى جمْع القلب على المكون وعبوديته ، بمقتضى أسمائه وصفاته ، لا يلتفتُ إلى غيره ، ولا يشتغل قلبه بسواه . فالمتكلّم متفرّقٌ مُشتغِل في معرفة حقيقة الزمان والمكان . والعارف قد شحّ بالزمان أنْ يذهب ضائعًا في غير السَّيْر إلى ربِّ الزمان والمكان . فصاحب التسليم لا يتعلّق في سيره بدليل )). الشُّبُهات والشَّهَوَات سببُ الانقطاع : تمامُ التَّسْلِيم : ((وتمام التسليم بالخلاصِ من شُبهة تُعارِض الخبر ، أو شهوة تعارِض الأمر ، أو إرادة تُعارِض الإِخلاص ، أو اعتراضٍ يُعارِض القدَر والشرع . وصاحب هذا التخلّص : هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلّا مَن أتى الله به ، فإنَّ التسليم ضدُّ المنازَعة . والمنازَعة: إمَّا بشبهة فاسدة ، تُعارض الإِيمان بالخبر عمّا وَصَفَ اللهُ به نفسه من صفاته وأفعاله ، وما أخبر به عن اليوم الآخر ، وغير ذلك . فالتسليم له : تْكُ منازعته بشبهات المتكلّمين الباطلة . وإمّا بشهوةٍ تعارِض أمْر الله عز وجل : فالتسليم للأمر بالتخلُّص منها . أو إرادة تُعارِض مراد الله من عبده ، فتعارضه إرادة تتعلَّق بمراد العبد من الربّ . فالتسليم : بالتخلّص منها . أو اعتراضٍ يُعارض حِكْمته في خلقه وأمره ، بأنْ يظنَّ أنَّ مقتضى الحكمة خلافُ ما شرعَ ، وخلاف ما قضى وقدّر . فالتسليم : التخلُّص من تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ : i تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٤٨٣ هذه المنازعات كلّها . وبهذا يتبيّن أنه مِن أجَلّ مقامات الإِيمان ، وأعلى طرق الخاصة ، وأنَّ ((التسليم )) هو مَحْضُ الصِّدِّيقية التي هي بعد درجة النبوة، وأنَّ أكملَ الناس تسليمًا أكملُهم صِدِّيقية))(١). أكملُ التسليمِ تسليمُ الخليلِ وولَدِهِ إسماعيل صلى الله عليهما وسَلَّم : قال اللهُ مُئنيًّا على خليله إبراهيم عَ له: ﴿إِذْ جَاءَ رَبّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [ الصافات: ٨٤]، سليم ممّا سوى الله عز وجل .. سلّم لربّه كلّ شيءٍ .. يأمره الله عز وجل بوضْع ولده وزوجته في صحراء ، لا مكان فيها لقطرة ماء أو طعام أو إنسٍ ، فُسَلِّم، ويشبُّ ولده النجيب الذي أُعطيه على الكبر وهو الشيخ الطاعن في السن ، المهاجر من الأهل والقرابة والدار ، فيأمره بذبحه بإشارة في المنام ، وليس أمرًا صريحًا في اليقظة، فُيُسَلّم، حتى ولو كان الأمر منامًا ، فكيفي أنه من الله ليسلّم ، ويريد إبراهيم أن يذوق ابنُه جَمَالَ التسليم وحلاوة الرضا ، فيقول لابنه : ﴿ يا بُني إنّي أرى في المنامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فانظر ماذا ترى ﴾ فماذا يكون من إسماعيل الحليم ابن الخليل ؟ ويُزَرَعُ إِلَّ فِي مَنَابِتِهِ النخلُ وهل يُنبتُ الخطِّي إلَّا وشيجُه قالَ يا أبتِ افعلْ ما تُؤمِرُ ستجدُني إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابرينَ فلمَّا أسلمًا وتلَّهُ للجبين ونادَيْنَاهُ أنْ يا إبراهيمُ قدْ صدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كذلكَ نَجزِي المحسنينَ إنَّ هذا لهو البلاءُ المبينُ وفدَيْناهُ بذبحٍ عظيمٍ وتركْنَا عليه في الآخرينَ سلامٌ على إبراهيمَ ﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٩]. ويبقى هذا الحادث الوحيد الفريد منارةً للتسليم وجماله ، والرضا (١) تهذيب مدارج السالكين صـ ٣٤٨ - ٣٤٩ لعبد المنعم صالح العلي - مكتبة لينة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٤٨٤ ومذاقه الطيِّب ، استحقَّ به إبراهيمُ وولدُه سلامَ الله عز وجل ، يُرقم في السِّجُلِّ الخالد ، وكتابهِ المرقوم . ومن علوّ الهمّة في التسليم: ((تسليمُ العلْم إلى الحال . ولا يُراد تحكيمُ الحال على العلم ، وإنما الانتقال من الوقوف عند صُوَر العلم الظاهرة ، إلى معانيها وحقائقها الباطنة ، وثمراتها المقصودة منها ، مثل الانتقال من مخْض التقليد والخبر إلى العيان واليقين ، حتى كأنّه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول معَ له، كما قال تعالى: ﴿ويرى الذينَ أُوتُوا العلمَ الذي أُنزلَ إليكَ من ربِّكَ هُوَ الحقّ﴾ [سبأ: ٦]. وقال تعالى: ﴿أفمنْ يعلمُ أنَّ مَا أُنزِلَ إليكَ مِن رَبِّكَ الحقُّ كَمَنْ هَوَ أعمُ﴾ [ الرعد: ١٩]، فينتقل من العلم إلى اليقين ، ومن اليقين إلى عين اليقين ، ومن علم الإِيمان إلى ذوق طعم الإِيمان ووجدان حلاوته ، فإن هذا قدْرٌ زائد على مجرّد علمه ، ومن عِلْم التوكّل إلى حاله ، وأشباه ذلك . فيسلّم العلْمُ إلى الحال الصحيح ، فإنّ سلطان الحال أقوى من سلطان العلم ، فإذا كان الحال مخالفًا للعلم فهو مَلِكٌ ظالم ، فلْيخرج عليه بسيف العلْم ولُيُحكّمه فيه . ومن أعلى التسليم : تسليمُ ما دون الحقِّ إلى الحقّ ، مع السلامة من رؤية التسليم ، بمعاينة تسليم الحقِّ إِيَّاك إليه ، أي : ينكشف لك - حين تسلّم ما دون الحقِّ إلى الحقِّ ، وتضمحلُ الخلائق عند شهود الحقِّ - أنَّ الحقَّ تعالى هو الذي سلّم إلى نفسه ما دونه ، فالحق تعالى هو الذي سلّمك إليه ، فهو المسلِّم وهو المسلَّم إليه ، وأنت آلةُ التسليم ، فمن شهد هذا المشهد وجد ذاته مسلَّمة إلى الحقّ ، وما سلّمها إلى الحقّ غير الحقّ ، فقد سَلِمَ العبد من دعوى التسليم))(١). (١) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الرابع ٤٨٥ فأُولو التدبير هلكى لا تدبّرْ لكَ أمرًا نحنُ أَوْلِى بِكَ مِنْكًا سَلِّمِ الأمرَ تجدْنَا https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد الفصْلُ السَّابِعِ عُلُوُ الهِمَّةِ في الرِّضَا (( الرضا مِنْ أَعْمَالِ القلوبِ ، نظيرُ الجهادِ مِن أعمالٍ الجوارح ، فإنّ كلّ واحدٍ منهما ذروةُ سنَامِ الإِيمان )» [ ابن قيم الجوزية ] . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد - https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٨٩ علوُّ الِهِمَّة فى الرِّضا الرضا ثمرةٌ من ثمار المحبّة ، وهو من أعلى مقامات المقرّبين ، وحقيقته غامضة على الأكثرين . وهو باب الله الأعظم ، ومستراحُ العارفين ، وجنة الدنيا ، فجدير بمن نصح نفسه أنْ تشتدّ رغبتُه فيه ، وأن لا يستبدل بغيره منه . ورضا الله عن العبد أكبرُ من الجنة وما فيها ؛ لأنَّ الرضا صفة الله والجنة خلقُه، قال تعالى: ﴿ورِضوانٌ مِنَ اللهِ أكبر﴾ [ التوبة: ٧٢ ] ، بعد قوله: ﴿وَدَ اللهُ المؤمنينَ والمؤمناتِ جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدينَ فيها ومساكنَ طيبةً في جناتِ عَذْنٍ ورضوان من الله أكبر * ذلكَ هُو الفوزُ العظيم﴾. وهذا الرضا جزاءٌ على رضاهم عنه في الدنيا ، ولمّا كان هذا الجزاء أفضل الجزاء ، كان سببُه أفضل الأعمال . والسخط باب الهمِّ والغمِّ والحزن وشتات القلب ، وكَسْف البال ، وسُوء الحال، والظنّ بالله خلاف ما هو أهلُه ، والرضا يخلّصه من ذلك كلّه ، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة . فالرضا يُوجب له الطمأنينة وبَرد القلب وسكونه وقراره ، والسخط يُوجب اضطراب قلبه ، وريبته وانزعاجه ، وعدم قراره . والسُّخط يُوجب تلوُّن العبد ، وعدم ثباته مع الله ، فإنه لا يرضى إلَّا بما يلائم طبعه ونفسه ، والمقادير تجري دائمًا بما يلائمه وما لا يلائمه، وكلّما جرى عليه منها ما لا يلائمه أسخطه ، فلا تثبُتْ له قدم على العبودية ، فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات ، استقرّت قدمُه في مقام العبودية ، فلا يُزيل التلوّن عن العبد شيءٌ مثلُ الرضا . والرضا يفرّغ القلب لله ، والسُّخط يُفرّغ القلب من الله، فإنَّ مَن ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٤٩٠ ملأ قلبه من الرضا ، ملأ الله صدره غنّى وأمنًا وقناعة ، وفّغ قلبه لمحبّته والإِنابة إليه والتوكُّل عليه، ومَن فاته حظّه من الرضا امتلأ قلبه بضدٌّ ذلك ، واشتغل عمّا فيه سعادته وفلاحه . الرضا ذِرْوة سَنام أعمالِ القلوب : والرضا مِن أعمال القلوب ، نظير الجهاد من أعمال الجوارح ؛ فإنّ كلَّ واحد منهما ذروةُ سَنام الإِيمان. قال أبو الدرداء: ((ذروة سَنام الإِيمان: الصبر للحكْم ، والرضا بالقدر)) (١) . وبداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من جملة المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبة ، فأوَّله مقام ونهايته حالٌ . وقد مدح الله أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه ، فدلَّ ذلك على أنّه مقدور لهم. وقد قال رسول الله عَ ليه: ((ذاق طعمَ الإِيمانِ مَن رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًاً))(٢). وقال رسول الله عَ ليه: ((مَن قال حين يَسمع المؤذِّن: وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وَحدَه لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمدًا عبدهُ ورسوله ، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإِسلام دينًا . غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه ))(٣) . (( وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين ، وإليهما ينتهي . وقد تضمّنا الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته ، والرضا برسوله ، والانقياد له . (١) مدارج السالكين ٢ / ٢١٤ . (٢) رواه أحمد ، ومسلم ، والترمذي ، عن العباس بن عبد المطلب . (٣) رواه أحمد، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، عن سعد . ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٩١ صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الرابع والرضا بدينه ، والتسليم له . ومَن اجتمعت له هذه الأربعة ، فهو الصديق حقًّا ، وهي سهلة بالدعوى واللسان ، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان ، ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادَها ، من ذلك تبيّن أن الرضا كان لسانه به ناطقًا ، فهو على لسانه لا على حاله . فالرضا بالهيته : يتضمن الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ، ورجائه ، والإِنابة إليه ، والتبتُّل إليه ، وانجذاب قوى الإِرادة والحبّ كلها إليه . فعل الراضي بمحبوبه كلّ الرضا . وذلك يتضمّن عبادته والإِخلاص له . والرضا بربوبيّته : يتضمّن الرضا بتدبيره لعبده ، ويتضمّن إفراده بالتوكل عليه ، والاستعانة به ، والثقة به ، والاعتماد عليه . وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به . فالأول : يتضمن رضاه بما يُؤْمر به ، والثاني : يتضمّن رضاه بما يُقدَّر عليه . وأما الرضا بنبيّه رسولًا : فيتضمّن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقّى الهدى إلا من مواقع كلماته ، ولا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكّم عليه غيره ، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة ، لا في شيء من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله ، ولا في شيءٍ من أذواق حقائق الإِيمان ومقاماته ، ولا في شيءٍ مِن أحكامٍ ظاهره وباطنه ، لا يرضى في ذلك بحكم غيره ، ولا يرضى إلا بحكمه ، فإنْ عجز عنه كان تحكيمُه غيرَه من باب غذاءٍ المضطر إذا لم يجد ما يقيتُهُ إلا مِن الميتة والدم ، وأحسن أحواله : أن يكون من باب التراب ، الذي إنما يُتيمَّم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور . وأما الرضا بدينه : فإذا قال ، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى : رضي كل الرضا ، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه ، وسَلّم له تسليمًا ، ولو كان https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٩٢ صلاح الأمة في عُلوّ الهمة - المجلد الرابع مخالفًا لمراد نفسه أو هواها ، أو قوْل مُقلِّده وشيخه وطائفته . وهاهنا يوحشك الناسُ كلهم إلا الغرباء في العالم ، فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفُّد ، فإنّه واللهِ عينُ العزّة ، والصحبة مع الله ورسوله ، وروح الأنس به، والرضا به ربًّا، وبمحمد عَ لّه رسولًا، وبالإِسلام دينًا. بل الصادق كُلّما وجد مسَّ الاغتراب ، وذاق حلاوته ، وتَنَسَّمَ روحه ، قال : اللهمّ زدني اغترابًا ، ووحشة مِن العالم ، وأُنسًا بك، وكلّما ذاقَ حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفُّد ، رأى الوحشة عيْنَ الأنس بالناس ، والذلَّ عينَ العَزِّ بهم، والجهلَ عينَ الوقوفِ مع آرائهم، وزِبالة أذهانهم ، والانقطاعَ عينَ التقيد برسومهم وأوضاعهم ، فلم يُؤْثِر بنصيبهِ مِن الله أحدًا من الخلق ، ولم يَعْ حظّه من الله بموافقتهم فيما لا يُجْدِي عليه إلا الحرمان . وغايته : مودَّةً بينهم في الحياة الدنيا ، فإذا انقطعتِ الأسباب . وَحَقَّتٍ الحقائق ، وبُعثِر ما في القبور ، وَحُصِّلَ ما في الصدور ، وبُليتِ السرائر ، ولم يجد مِن دون مولاه الحقّ مِن قوة ولا ناصر : تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران ، وما الذي يَخفّ أو يرجح به الميزان ، والله المستعان ، وعليه التكلان ))(١). (( فالرضا كسْبِّي باعتبار سببه ، موهبّ باعتبار حقيقته ، فيمكن أنْ يُقال بالكسب لأسبابه ، فإذا تمكّن من أسبابه وغَرَس شجرتَه ، اجتنى منها ثمرة الرضا ، فإن الرضا آخر التوكّل ، فمَن رسخ قدمه في التوكّل والتسليم والتفويض ، حصل له الرضا ولا بدّ، ولكنْ لعَّته وعدم إجابة أكثَر النفوس له ، وصعوبته عليها - لم يُوجبه الله على خلقه ، رحمة بهم ، وتخفيفًا عنهم ، لكنْ ندبهم إليه ، وأثنى على أهله ، وأخبر أنّ ثوابَه رضاه عنهم ، (١) مدارج السالكين ٢ / ١٧٢ - ١٧٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٤٩٣ الذي هو أعظم وأكبر وأجلّ من الجِنان وما فيها ، فمن رضي عن ربِّه رضي الله عنه ، بل رضا العبدِ عن الله من نتائج رضا الله عنه ، فهو محفوف بنوعيْن من رضاه عن عبده : رضًا قبله ، أوجب له أن يرضى عنه ، ورضًا بعده ، هو ثمرة رضاه عنه . ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبّن ، ونعيم العابدين ، وقُّة عيون المشتاقين . ومن أعظم أسباب حصول الرضا : أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه ، فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بدّ . قيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال : إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يُعامل به ربَّه ، فيقول : إن أعطيتَني قبلتُ ، وإنْ منعتَني رضيتُ ، وإنْ تركتني عبدتُ ، وإن دعوتَني أجبتُ . وقال الجنيد : الرضا هو صحّة العلْم الواصل إلى القلب ، فإذا باشَر القلب حقيقة العلم ، أدّاه إلى الرضا . وليس ((الرضا والمحبة)) كالرجاء والخوف؛ فإنّ الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة ، لا يفارقان المتليِّس بهما في الدنيا ، ولا في البرزخ ، ولا في الآخرة ، بخلاف الخوف والرجاء ، فإنّهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه ، وأمّنهم مما كانوا يخافونه ، وإن كان رجاؤهم لما ينالون مِن كرامته دائمًا لكنّه ليس رجاءً مشوبًا بشكِّ ، بل هو رجاءٌ واثق بوعد صادق ، من حبيب قادر ، فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون . وقال ابن عطاء : الرضا سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنَّه اختار له الأفضل ، فيرضى به . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٤٩٤ قلت : وهذا رضًا بما منه ، وأما الرضا به : فأعلى من هذا وأفضل ، ففرقٌ بينَ مَن هو راضٍ بمحبوبه ، وبين من هو راضٍ بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه. والله أعلم )) (١). الهمَّةُ العاليةُ شِيمَتُهَا الرِّضا : قال ابن القيم رحمه الله: ((وطريق الرضا طريق مختصرة ، قريبة جدًّا، موصّلة إلى أجَلِّ غايةٍ ، ولكن فيها مشقّة ، ومع هذا فليست مشقَّتُها بأصعبَ من مشقةِ طريق المجاهدةِ ، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها ، وإنما عقبتها همّة عالية ، ونفسٌ زكيّة ، وتوطين النفس على كلّ ما يرد عليها من الله . ويسهّل ذلك على العبد : علمُه بضعفه وعَجْزه ورحمته به ، وشفقته عليه ، وبّه به ، فإذا شهد هذا وهذا ، ولم يطرحْ نفسَه بين يديه ، ويرضى به وعنه ، وتنجذب دواعي حبِّه ورضاه كلها إليه ؛ فنفسه نفسٌ مطرودة عن الله، بعيدة عنه ، ليست مؤهّلَةً لقْبه وموالاته ، أو نفس ممتحَنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن . فطريق الرضا والمحبة : تُسَيِّر العبدَ وهو مستلقٍ على فراشهِ ، فيصبح أمام الَّكْب بمراحل . وثمرة الرضا : الفرح والسرور بالربّ تبارك وتعالى . ورأيتُ شيخَ الإِسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه - في المنام ، وكأني ذكرتُ له شيئًا من أعمال القلب ، وأخذت في تعظيمه ومنفعته - لا أُذْكُرُه الآن - فقال : أمّا أنا فطريقتي : الفرح بالله ، والسرور به ، أو نحو هذا من العبارة . (١) مدارج السالكين ١٧٤ - ١٧٥ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٤٩٥ وهكذا كانت حاله في الحياة ، يبدو ذلك على ظاهره ، ويُنادي به عليه حالُه . لكن قد قال الواسطي : استعملِ الرضا جهدك ، ولا تدع الرضا يستعملك ، فتكون محجوبًا بلّته ورؤيته عن حقيقة ما تُطالع . وهذا الذي أشار إليه الواسطي هو عقبة عظيمة عند القوم ، ومقطع لهم ، فإنَّ مُساكنة الأحوال ، والسكون إليها ، والوقوف عندها ؛ استلذاذًا ومحبة : حجابٌ بينهم وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم ، وهي عقبة لا يجوزها إلَّا أولو العزائم . وكان الواسطي كثير التحذير من هذه العقبة ، شديد التنبيه عليها . ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات ، فإنها سموم قاتلة . فهذا معنى قوله : (( استعملِ الرضا جهدك، ولا تدع الرضا يستعملك)) . أي: لا يكون عملك لأجلٍ حصول حلاوة الرضا ، بحيث تكون هي الباعثة لك عليه ، بلِ اجعْله آلةً لك وسببًا موصِّلًا إلى قصدك ومطلوبك ، فتكون مستعملًا له ، لا أنه مستعملٌ لك . وهذا لا يختصُّ بالرضا ، بل هو عامٌّ في جميع الأحوال والمقامات القلبية ، التي يسكن إليها القلب ، حتى إنه أيضًا لا يكون عاملا على المحبّة لأجْل المحبة ، وما فيها من اللذة والسرور والنعيم به ، بل يستعمل المحبة في مرضاة المحبوب ، لا يقف عندها ، فهذا من عِلل المحبة . وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام الرضا : تركُ الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحبّ في حشو البلاء . وقيل للحسين بن علي رضي الله عنهما : إنّ أبا ذرِّ رضي الله عنه يقول : الفقر أحبُّ إلَّ من الغنى، والسقم أحبُّ إلَّي من الصحة . فقال : تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٩٦ رحِمَ الله أبا ذر ، أمَّا أنا ، فأقول : مَن اتّكل على حُسْن اختيار الله له ، لم يتمنَّ غير ما اختار الله له . وقال الفضيل بن عياض لبشْر الحافي : الرضا أفضل من الزهد في الدنيا ؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته . وسئل أبو عثمان عن قول النبي عَّ له: ((أسألك الرضا بعد القضاء)). فقال : لأنَّ الرضا قبل القضاء عزمٌ على الرضا ، والرضا بعد القضاء هو الرضا . وقيل : الرضا ارتفاع الجزّع في أيِّ حكمٍ كان . وقيل : رفع الاختيار . وقيل : استقبال الأحكام بالفرح . وقيل : سكونُ القلب تحت مجاري الأحكام . وقيل : نظرُ القلب إلى قديم اختيار الله للعبد ، وهو ترك السخط . وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما: ((أما بعد، فإنّ الخير كلّه في الرضا ، فإن استطعتَ أنْ ترضى ، وإلّا فاصبر)). وقال أبو علّ الدقَّاق : الإِنسان خزف ، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحقِّ تعالى . وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حالٍ فكرهتُه ، وما نقلني إلى غيره فسخطتُه . والرضا ثلاثة أقسام : رضا العوامِّ بما قسمه الله وأعطاه . ورضا الخواصِّ بما قدّره وقضاه، ورضا خواصِّ الخواصِّ به بدلًا من كلّ ما سواه ))(١). (١) مدارج السالكين ٢ / ١٧٥ - ١٧٧ . 1 ۔ --- 1 تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٩٧ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع الرِّضا خروجٌ عن الحُظوظ ، ووُقوفٌ صادقٌ مع مُراد اللهِ : قال تعالى: ﴿ يَأَيَّتُهَا النفسُ المطمئنةُ ارجعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضيةً فَادْخُلِي فِي عِبَادي وادْخلي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. اعلم يا أخي أنَّ أولَ الرضا خروجٌ عن الحظوظ ، والرضا هو الوقوف الصادق مع مراد الله تبارك وتعالى الديني حقيقةً ، من غير تردُّد في ذلك ولا معارضة ، وهذا مطلوب القوم السابقين ، وهو الوقوف الصادق مع محابِّ الربِّ تعالى، من غير أنْ يشوبَ ذلك تردّدٌ ، ولا يزاحمه مراد . يقف العبد حيثما وقفه ربُّه، لا يطلب تقدُّمًا ولا تأخّرًا، وهذا إنما يكون فيما يَقِفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلَّق بالأمر والنهي ، وأمَّا إذا وقَفه في مراد ديني ، فكماله بطلب التقدُّم فيه دائمًا ، فإنّه إنْ لم تكن همّته التقدُّم إلى الله في كلِّ لحظة ، رجع من حيث لا يدري ، فلا وقوف في الطريق ألبتة ، ولكن إذا وقف في مقامٍ - من الغنى والفقر ، والراحة والتعب ، والعافية والسقم ، والاستيطان ومفارقة الأوطان - يقف حيث وقفه ، لا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه الله فيها ، وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له ، والفناء به عن اختياره لنفسه . أرفعُ الرِّضا : الرِّضا باللهِ ربًّا، وهو أعلى مِنَ الرِّضَا عن الله: الرضا بالله ربًّا، وتسخّط عبادة ما دونه : قَطْبُ رحى الإِسلام. الرضا بالله ربًّ: أنْ لا يتخذ رَبًّا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره ، ويُنزل به حوائجه ، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبغي رَبَّا وَهَوَ ربُّ كلِّ شيءٍ ﴾ [ الأنعام: ١٦٤]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ((سَيِّدًا وإلهًا)). يعني: فكيف أطلب رَبًّا غيره ، وهو ربُّ كلّ شيءٍ ؟! وقال في أول السورة : قُلْ أَغيرَ اللهِ أتخذُ وليًّا فاطرِ السمواتِ والأرضِ ﴾ [ الأنعام: ١٤ ]. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٩٨ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الرابع يعني معبودًا وناصرًا ومُعينًا ومَلجأ . وهو من الموالاة التي تتضمَّن الحبّ والطاعة. وقال في وسطها : ﴿ أَفغيرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وهو الذي أنزلَ إليكُمُ الكتابَ مُفَصَّلًا ﴾ [ الأنعام: ١١٤ ]. أي : أَفغير الله أبتغي مَنْ يحكم بيني وبينكم ، فنتحاكَمُ إليه فيما اختلفنا فيه ؟! وهذا كتابه سيّد الحكّام ، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه ، وقد أنزله مفصّلًا ، مبينًا كافيًا شافيًا ؟! وأنت إذا تأملتَ هذه الآيات الثلاث حقَّ التأمُّل، رأيتَها هي نفس الرضا بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد عَّ له رسولًا، ورأيتَ الحديث يترجم عنها ، ومشتقّ منها ، فكثير من الناس يرضى بالله ربًّا ، ولا يبغي ربًّا سواه ، لكنّه لا يرضى به وحدَه وليًّا وناصرًا، بل يُوالي من دونه أولياء، ظنًا منه أنهم يقرّبونه إلى الله ، وأنَّ موالاتهم كموالاة خواصّ الملك ، وهذا عيْنُ الشّرّكِ . بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء ، والقرآن مملوء من وَصْف المشركين بأنهم اتخذوا مِن دونه أولياء . وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله ، وعباده المؤمنين فيه ؛ فإنَّ هذا من تمام الإِيمان ومن تمام موالاته ، فموالاة أوليائه لوْن ، واتخاذ الولّ مِن دُونه لوْن، ومَن لم يفهمِ الفُرقان بينهما ، فليطلبِ التوحيد من أساسه ، فإنّ هذه المسألة أصلُ التوحيد وأساسه . وكثير من الناس يبتغي غيرَه حَكَمًّا ، يتحاكم إليه ، ويخاصم إليه ، ويرضى بحكمه ، وهذه المقامات الثلاث هي أركانُ التوحيد : أن لا يتخذ سواه رَبًّا، ولا إلهًا، ولا غيره حَكَمًا . وتفسير الرضا بالله رَبًّا : أنْ يسخط عبادةَ ما دونه . هذا هو الرضا بالله إلهًا، وهو من تمام الرضا بالله ربًّا، فمن أعطى ((الرضا به رَبًّا)) حَقَّهُ، سَخِطَ عبادةَ ما دونه قطعًا ؛ لأنَّ الرضا بتجريد ربوبيّته يستلزم تجريد عبادته ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٩٩ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع كما أنّ العلم بتوحيد الربوبيّة يستلزم العلم بتوحيد الإِلهية . ومدارُ رحى الإِسلام على أنْ يرضى العبد بعبادة ربِّه وحده ، وأن يسخطَ عبادة غيره . قال الهروي : ((وهو يصحُّ بثلاثة شروط : أنْ يكون الله عز وجل أحبَّ الأشياءِ إلى العبد ، وأوْلَى الأشياء بالتعظيم ، وأحقَّ الأشياءِ بالطاعة )) . قال ابن القيم: ((يعني أنّ هذا النَّوْعَ من الرضا إنما يصحُّ بثلاثة أشياء أيضًا : أحدها : أن يكون الله عز وجلَّ أحبَّ شيءٍ إلى العبد . وهذه تُعرف بثلاثة أشياء أيضًا : أحدها : أن تَسبق محبَّتَهُ إلى القلب كلّ محبة ، فتتقدَّم محبّته المحابَّ كلّها . الثاني : أن تَقْهر محبَّتُه كلَّ محبّة . فتكون محبّته إلى القلب سابقة قاهرة ، ومحبّة غيره متخلّفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبّته . الثالث : أن تكون محبّة غيره تابعةً لمحبته . فيكون هو المحبوب بالذات ، والقصد الأول ، وغيره محبوبًا تبعًا لحبه ، كما يُطاع تبعًا لطاعته ، فهو في الحقيقة المطاع المحبوب . وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضًا . فالحاصل : أن يكون الله وحده المحبوب المعظّم المطاع ، فمن لم يحبّه ، ولم يطعْه، ولم يعظّمه : فهو متكبِّر عليه . ومتى أحبَّ معه سواه ، وعظّم معه سواه ، وأطاع معه سواه : فهو مشرك . ومتى أفرده وحده بالحبِّ والتعظيم والطاعة: فهو عبد موحِّد . والله سبحانه وتعالى أعلم . والرضا بالله أعلى شأنًا وأرفعُ قدرًا من الرضا عن الله في أحكامه تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٥٠٠ وأقضيته ؛ فإنّها مختصّة ، والرضا عن الله مشترك ، فإنّ الرضا بالقضاء يصحّ من المؤمن والكافر ، وغايته التسليم لقضاء الله وقدره ، فأينَ هذا من الرضا به ربًّا وإلهًا ومعبودًا ؟! والرضا به ربًّا فرضٌ، بل هو من آكَدِ الفروض باتّفاق الأُمَّة ، فمن لم يرضَ به ربًّا، لم يصحَّ له إسلامٌ ولا عملٌ ولا حال . وأما الرضا بقضائه : فأكثر الناس على أنه مستحبٌّ وليس بواجب ، وقيل : بل هو واجب . وهما قولانِ في مذهب أحمد . فالفرق بين الدرجتيْن فرقُ ما بَيْن الفرضِ والنَّذْب . وفي الحديث الإِلهي الصحيح: ((يقول الله عز وجل : ما تقرّب إلَّي عبدِي بمثل أداء ما افترضتُ عليه )) . فدلَّ على أنَّ التقُّب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقُّب إليه بالنوافل . وأيضًا : فإنّ الرضا به ربًّا يتضمَّن الرضا عنه ويستلزمه ؛ فإنّ الرضا بربوبيته : هو رضا العبد بما يأمره به وينهاه عنه ، ويقسّمه له وَيُقَدِّره عليه ، ويُعطيه إياه ويمنعه منه . فمتى لم يرضَ بذلك كلّه ، لم يكن قد رضي بالله ربًّا من جميع الوجوه . وإن كان راضيًا به ربًّا من بعضها . فالرضا به ربًّا من كلّ وجهٍ : يستلزم الرضا عنه، ويتضمَّنه بلا ريبٍ . وأيضًا : فالرضا به ربًّا متعلِّق بذاته وصفاته وأسمائه ، وربوبيته العامّة والخاصّة. فهو الرضا به خالقًا ومدبّرًا، وآمرًا وناهيًا، وملِكًا ومعطيًا ومانعًا، وحكمًا ، ووكيلًا ووليًّا، وناصرًا ومعينًا، وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا، ومبتليًا ومعافيًّا ، وقابضًا وباسطًا ، إلى غير ذلك من صفات ربوبيّته . وأما الرضا عنه : فهو رضا العبد بما يفعله به ، ويُعطيه إياه . ولهذا لم يجئ إلا في الثواب والجزاء، كقوله تعالى: ﴿ يَأَيَّتُهَا النفسُ المطمئنةُ :". تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/