النص المفهرس

صفحات 441-460

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٤٤١
واليد العليا : هي المنفقة . والسفلى : هي السائلة .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عَ لّه قال:
((من سأل الناس تكتُّرًا، فإنما يسأل جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلّ أُو لِيَسْتَكْثِرِ)).
وفي الترمذي عن سَمُرة بن جندب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله
عَ له: ((إن المسألة كَدٌّ يَكُدُّ بها الرجل وَجْهَهُ، إلا أن يسأل الرجلُ
سلطانًا، أو في الأمر الذي لا بُدَّ منه)) . قال الترمذي : حديث صحيح .
وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: (( مَنْ أَصَابَتْهُ فاقةٌ ،
فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته ، ومَنْ أنزلها بالله فيوشِكُ الله له برزقٍ عاجِل
أو آجل)).
وفي السنن والمسند عن ثوبان رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله
عٍَّ: ((من تكفَّل لي أن لا يسأل الناس شيئًا، أتكفَّل له بالجنة)).
فقلت : أنا . فكان لا يسألُ أحدًا شيئًا .
وفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه، عن النبي عَ ◌ّجٍ: ((إن
المسألة لا تحلّ إلَّا لأحَدٍ ثلاثةٍ: رَجُل تحمَّل حمالةً، فحلَّتْ له المسألةُ
حتى يُصيبها ، ثم يُمسك . ورجلٌ أصابتْهُ جائحةٌ اجتاحتْ مالَهُ ، فحلّتْ
له المسألة حتى يُصيب قوامًا مِنْ عيشٍ - أو قال : سدادًا من عيش - .
ورَجُل أصابَتْهُ فاقةٌ حتى يقولَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجًا من قومه : لقد أصابت
فلانًا فاقةٌ . فحلَّتْ له المسألةُ حتى يُصيب قوامًا من عيشٍ - أو قال :
سدادًا من عيش - . فما سواهُنَّ من المسألة يا قبيصة ، فَسُحْتٌ يأكُلُهَا
صاحبها سُحْتًا )).
فالتَّوكُّل مع إسقاط هذا الطَّلَب والسؤال ، هو مَحْضُ العبودية .
قوله: ((وغضّ العين عن التَّسُبُّب، اجتهادًا في تصحيح التَّوكَّل)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٤٤٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
معناه : أنه يُعرض عن الاشتغال بالسبب ، لتصحيح التّوكّل بامتحان
النفس . لأن المتعاطي للسبب قد يظنّ أنه حَصَّل التّوكَّل ، ولم يُحصِّلْه
لثقته بمعلومه ، فإذا أعرضَ عن السبب ، صحَّ له التَّوكُّل .
وهذا الذي أشار إليه : مذهب قومٍ من العُبَّاد والسالكين ، وكثير
منهم كان يدخل البادية بلا زاد ، ويرى حمل الزاد قدْحًا في التّوكّل ، ولهم
في ذلك حكايات مشهورة ، وهؤلاء في خفارة صدقهم ، وإلّا فدرجتُهم
ناقصةٌ عن العارفين ، ومع هذا فلا يُمكن بشرًا ألبتة تْك الأسباب جملةً .
فهذا إبراهيم الخوَّاص كان مجرَّدًا في التّوكّل يُدقّق فيه ، ويدخل البادية
بغير زاد ، وكان لا تفارقه الإِبرة والخيط والركوة والمقراض ، فقيل له :
لِمَ تحمل هذا ، وأنت تمنع من كل شيء ؟ فقال : مثل هذا لا ينقص من
التّوكُّل ؛ لأن الله علينا فرائض ، والفقير لا يكون عليه إلا ثوبٌ واحد ،
فربما تخَّق ثوبه ، فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته ، فتفسد
عليه صلاته ، وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته ، وإذا رأيت
الفقيرَ بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط ، فاتَّهِمْه في صلاته .
أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب ؟ أو ليست حركة أقدامه
ونَقْلها في الطريق والاستدلال على أعلامها - إذا خفيت عليه - من الأسباب ؟
فالتَّجُّد من الأسباب جملةً : ممتنعٌ عقلًا وشرعًا وحسًّا . نعم، قد تعرض
للصادق أحيانًا قوة ثقةٍ بالله ، وحال مع الله ، تحمله على ترك كلٍّ سببٍ
مفروض عليه ، كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة ، ويكون
ذلك الوقت بالله لا به ، فيأتيه مددٌ من الله على مقتضى حاله ، ولكن
لا تدوم له هذه الحال ، وليست في مقتضى الطبيعة ؛ فإنها كانت هجمة
هجمتْ عليه بلا استدعاء فحمل عليها ، فإذا استدعى مِثْلَها وتكلَّفها ، لم
يُجَب إلى ذلك ، وفي تلك الحال: إذا تَرَكَ السبب يكون معذورًا ؛ لقوة
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٤٣
الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب ، فيكون في وارده عونٌ له ، ويكون
حاملًا له ، فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد ، وقع في المحال .
وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكى عن القوم ، فهي جزئيَّة حصلت
لهم أحيانًا ، ليست طريقًا مأمورًا بسلوكها ، ولا مقدورة ، وصارت فتنة
الطائفتين ؛ طائفة ظنتها طريقًا ومقامًا ، فعملوا عليها ، فمنهم من انقطع ،
ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها ، بل انقلب على عقبيه . وطائفة
قدحوا في أربابها ، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل ، مدَّعِين لأنفسهم
حالًا أكمل من حال رسول الله عَّ له وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحَدٌ قطَّ
يفعل ذلك، ولا أخلَّ بشيءٍ من الأسباب، وقد ظاهَرَ رسول الله عَليه
بين درعيْن يوم أُحُد ، ولم يحضر الصَّ قطُّ عُريانًا، كما يفعله من لا علم
عنده ولا معرفة ، واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه ، يدلُّه على طريق
الهجرة ، وقد هدى الله به العالمين ، وعصمه من الناس أجمعين ، وكان
يَدَّخِر لأهله قُوتَ سنةٍ وهو سيِّد المتوكِّلين ، وكان إذا سافر في جهادٍ أو
حجٌّ أو عمرةٍ ، حَمَلَ الزاد والمزاد .
قوله: ((وقمعًا لشَّرَف النفس)).
يريد : أن المتسبّب قد يكون متسبًِّا بالولايات الشريفة في العبادة ،
أو التِّجارات الرفيعة ، والأسباب التي له بها جاهٌ وشرف في الناس ، فإذا
تَّرَكَهَا ، يكون تركها قمعًا لشرف نفسه ، وإيثارًا للتواضع .
وقوله: ((وتفرّغًّا لحفظ الواجبات )).
أي يتفرّغ بتركها لحفظ واجباتها التي تُزاحمها تلك الأسباب . والله
أعلم .
قال: ((الدرجة الثالثة: التَّوكُّل مع معرفة التّوكّل ، النازعة إلى الخلاص
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٤٤
من عِلَّة التّوكّل . وهي أن يعلم أن مِلْكَةَ الحقِّ تعالى للأشياء هي مِلْكة عِزَّة،
لا يُشاركه فيها مُشارِك، فَيَكِل شركتَهُ إليه ؛ فإنّ مِنْ ضرورةِ العبوديةِ :
أن يعلم العبد أن الحقَّ سبحانه هو مالك الأشياء وَحْدَه )).
يريد أن صاحب هذه الدرجة ، متى قَطَعَ الأسباب والطَّلَب، وتعدَّى
تينك الدرجتين ، فتوكُّلُه فوقَ توكُّلِ مَنْ قَبْلَهُ . وهو إنما يكون بعد معرفته
بحقيقة التّوكُّلِ ، وأنه دون مقامه ، فتكون معرفته به وبحقيقته نازِعة - أي
باعثة وداعية - إلى تخلُّصِهِ من علَّة التّوكُّل ، أي لا يعرف علَّة التّوكُّل حتى
يعرف حقيقتَهُ ، فحينئذٍ يعرف التَّوكُّل المعرفةَ التي تدعوه إلى التخلّص من
علّته .
ثم بَيَّن المعرفة التي يعلم بها علَّة التَّوكُّل فقال: (( أن يعلم أن مِلْكَة
الحقِّ للأشياء مِلْكة عزّة))؛ أي مِلْكة امتناع وقوة وقهر، تمنع أن يشاركه
في مُلْكِهِ لشيءٍ من الأشياء مُشارِك ، فهو العزيز في مُلْكه ، الذي لا يُشاركه
غيره في ذرَّةٍ منه ، كما هو المنفرد بعزَّته التي لا يُشاركه فيها مشارك .
فالمتوكِّل يرى أن له شيئًا قد وكَّل الحق فيه ، وأنه سبحانه صار
وكيله عليه . وهذا مخالفٌ لحقيقة الأمر ؛ إذ ليس لأحدٍ من الأمر مع الله
شيء، فلهذا قال: ((لا يُشاركه فيه مُشارِك، فَيَكِلُ شركته إليه))، فلسان
الحال يقول لمن جعل الرب تعالى وكيله : في ماذا وكَّلتَ ربَّك ؟ أفي
ما هو له وحده ؟ أو لك وحدك ؟ أو بينكما ؟ فالثاني والثالث ممتنع بتفُرُّده
بالملك وحده . والتوكيل في الأول ممتنع ، فكيف توكِّله فيما ليس لك
منه شيء ألبتة ؟!
فيقال : هاهنا أمران : توكُّل ، وتوكيل . فالتَّوكُّل: محض الاعتماد
والثقة، والسكون إلى مَنْ له الأمر كلُّه . وعِلْم العبد بتفرُّد الحقِّ تعالى
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٤٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
وحده بملك الأشياء كلِّها ، وأنه ليس له مُشارك في ذَرَّةٍ من ذَرَّات الكون :
من أقوىُ أسباب توكَّلِهِ وأعظم دواعيه . فإذا تحقّق ذلك علمًا ومعرفةً ،
وباشر قلبه حالًا، لم يجد بُدًّا من اعتماد قلبه على الحقِّ وحده وثقته به ،
وسكونه إليه وحده ، وطمأنينته به وحده ؛ لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته ،
وجميع مصالحه كلها ، بيده وَحْدَهُ لا بيدٍ غيرِهِ ، فأين يَجِد قلبه مناصًا
من التَّوكُّل بعد هذا ؟!
فَعِلَّة التوكل حينئذٍ : التفات قلبه إلى مَنْ ليس له شركة في ملك
الحق ، ولا يملك مثقال ذرةٍ في السموات ولا في الأرض . هذه علَّة
توكَّلِهِ ، فهو يعمل على تخليص توكِّله من هذه العلّة.
نعم ، ومن علَّةٍ أُخرى ، وهي رؤيةُ توكُّله ، فإنه التفاتٌ إلى عوالم
نفسه .
وعلة ثالثة : وهي صَرْفه قوة توكُّله إلى شيءٍ : غيرُهُ أحبُّ إلى الله
منه .
فهذه العِلَل الثلاث هي عللُ التوكيل .
وأمَّا التَّوكُّل: فليس المراد منه إلَّا مجرّد التَّفْوِيض . وهو من أخصِّ
مقامات العارفين ، كما كان النبي عَّ يقول: ((اللهم إني أسلمتُ نفسي
إليك، وَفَوَّضْتُ أمري إليك)). وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وأُفوّض
أمري إلى الله إن الله بصيرٌ بالعباد) فكان جزاء هذا التفويض قوله :
فوقاه الله سيئاتِ ما مكروا ﴾ [غافر : ٤٤، ٤٥] . فإن كان التَّوكُّل معلولًا
بما ذكره ، فالتفويضُ أيضًا كذلك . وليس ، فليس .
ولولا أن الحق لله ورسوله ، وأن كل ما عدا الله ورسوله ، فمأخوذٌ
من قوله ومتروك ، وهو عُرضة الوهم والخطأ ، لما اعترضْنا على من لا نلحق
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٤٦
غُبارهم ، ولا نجري معهم في مضمارهم ، ونراهم فوقنا في مقامات الإِيمان ،
a
ومنازل السائرين ، كالنجوم الدراري . ومن كان عنده علم فليُرشدنا إليه ،
ومن رأى في كلامنا زيغًا، أو نقصًا وخطأ ، فليُهدِ إلينا الصواب ، نشكر
له سعيه ، ونقابله بالقبول والإِذعان والانقياد والتسليم . والله أعلم ، وهو
الموفِّق)) (١).
أعلى التَّوكُل توكُّل الأنبياء وَوَرَثَتهم
في فتح بصائر القلوب
لا يستوي في شرفه وهمَّته مَنْ تَوكَّلَ على الله في رغيف ، ومن توكِّل
على الله في نُصرة دينه .
فالتَّوكُّل على الله في معلومِ الرزق المضمون ، والاشتغال به عن التَّوكُّل
في نصرة الحقّ والدِّين من أَوْهَى المنازل . والناس بعدُ في التَّوكَّل على حَسَب
هِمَمهم ومقاصدهم .
فأفضلُ التَّوكُّل: التّوكّل في الواجب - أعني واجب الحق ، وواجب الخلْق ،
وواجب النفس - وأوسعه وأنْفَعُه: التَّوكُّل في التأثير في الخارج في مصلحةٍ
دينية ، أو دفْع مفسدةٍ دينية ، وهو توكُّل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد
المفسدين في الأرض ، وهذا توكُّل ورثتهم .
توكل الخليلين : إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم :
في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حسبنا الله ونعم
الوكيل. قالها إبراهيم عَ له، حين ألقي في النار، وقالها محمد عدّ له حين قالوا
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٣٠ - ١٣٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
٤٤٧
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
له : ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله
ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: ١٧٣ ] .
إبراهيم الخليل الأنموذج المثالي للمتوكِّلين :
قال أبو يعقوب النهر جوري: ((التّوكُّل على كمال الحقيقة وَقَعَ لإِبراهيم
خليل الرحمن في تلك الحال ، إلى أن قال لجبريل عليه السلام : أمَّا إليك
فلا . لأنه غائب عن نفسه بالله ، فلم يَرَ مع الله غير الله ، وكان ذهابه بالله
من الله إلى الله بلا واسطة وهو من عاليات التوحيد ، وإظهار القُدرة لنبيه
إبراهيم عليه السلام)) .
اعترضه وتعرَّض لحوائجه المَلَك، حين قطع بَيْدَاءَ الهَوَىُ وسَلَكَ ،
فقال له بلسان الحال : مَعِي مَنْ مَلَك، إِيَّك والتعريض بما ليس لَك، فلمَّا
لم يتعلَّق بخلْقِ دون الله إذا أُضيم ﴿ قُلنا يا نارُ كُوني بردًا وسلامًا على
إبراهيم ﴾ [ الأنبياء : ٦٩ ] .
تعرّضت له الأُمْلاك فكفَّها كَفّا ، فلمَّا رَآه ربُّه لا يمدُّ إلى غيره كَفّا ،
مَدَحَه ويكفي في مدحه له ﴿الذي وفّى﴾ [ النجم: ٣٧]، واجتمع الخلائق
صَفّا، ينظرون مَنْ صَفِّى، فلمَّا أتى ربَّهُ بقلبٍ سليم ، قال تعالى: ﴿ قُلْنا
يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم ﴾ .
تنحّ يا جبريل، فما ذا موضعُ زحمة ، وخلّني وخليلي فإليه الرحمة ، وهل
بذلت له إلَّا لحمة تَبْلى أو شحْمة ، فلمَّا وطَّنَ نَفْسَه على أن يصير فحمة،
وحُوشي من ذلك الكريم ﴿ قُلنا يا نار كوني بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم ﴾ .
وعلى طريقة الهِمَّة العالية في التَّوكُّل ، سار رَكْبُ النبيين صلوات الله
وسلامه عليهم .
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٤٨
منارة التَّوكُّل :
توكُّل نبينا عَ ◌ّله ، درسٌ عظيم من أُحُد :
قبل الخروج لأحدٍ شاور رسول الله عَ لّمِ أصحابه، وبعد الشورى
كان الدرس الرباني النبوي للأُمَّة: ﴿فإذا عزمت فتوكَّل على الله إن الله
يحب المتوكلين﴾ [ آل عمران: ١٥٩]. التّوكَّل على الله وإسلام النفس لقدره.
والتوكل على الله خلَّة يحبها الله ويحب أهلها ، وهي الخلة التي ينبغي أن يحرص
عليها المؤمنون ، بل هي التي تميِّز المؤمنين .
(( والتوكل على الله، ورَدُّ الأمر إليه في النهاية، هو خطُّ التوازن الأخير
في التَّصور الإِسلامي وفي الحياة الإِسلامية ، وهو التَّعامُل مع الحقيقة الكبيرة:
حقيقة أن مردّ الأمر كلّه لله ، وأن الله فعّال لما يريد .
لقد كان هذا درسًا من دروس ((أُحُد)) الكبار .. هو رصيد الأُمَّة
المسلمة في أجيالها كلِّها ، وليس رصيد جيلٍ بعينه في زمن من الأزمان .
ولتقرير حقيقة التَّوكُّل على الله وإقامتها على أصولها الثابتة ، يمضي
السياق فيقرِّر أن القوة في النصر والخذلان ، هي قوة الله ، فعندها يُلتمس
النصر ، ومنها تُتَّقى الهزيمة ، وإليها يكون التَّوجُّه ، وعليها يكون التَّوكُّل .
﴿ إن ينصر كم الله فلا غالب لكم وإن يخذلکم فمن ذا الذي ينصر كم
من بعده وعلى الله فليتوكّل المتوكّلُون ﴾ [آل عمران: ١٦٠ ] .
وبذلك يخلُص تصور المسلم من التماس شيءٍ من عند غير الله ، ويتصل
قلبه مباشرةً بالله ، فينفض يده من كلِّ الأشباح الزائفة ، والأسباب الباطلة
للنُّصرة والحماية والالتجاء ؛ ويتوكَّل على الله وحده في إحداث النتائج ،
وتحقيق المصاير ، وتدبير الأمر بحكمته، وتقبُّل ما يجيء به قدر الله في اطمئنانٍ ،
أيًّا كان .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

٤٤٩
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
إنه التوازن العجيب الذي لا يعرفه القلب البشري إلّا في الإِسلام))(١).
الرسول عَ لّم يُعلّم أصحابه الدرس الثاني بعد أحد :
التَّوكّل أَبْهَى صُوَر العقيدة :
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ
لِلَّذِينَ أُحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَحْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ "
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ
ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ٧٢
الله ما أحلى هذا الدرس: كان يوم ((أُحُد)) يوم السبت النصف من
شوال ، فلمَّا كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ،
أَذَّن مؤذِّن رسول الله عَ لّه في الناس يطلب العدوّ، وأُذّن مؤذّنه أن لا يخرجنّ
معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس. دعاهم الرسول عَ ◌ّةٍ إلى الخروج
معه كرَّةً أُخرى غداة المعركة المريرة ، وهم مثخنون بالجراح ، وهم ناجون
بشقِّ الأنفس من الموت أمس في المعركة ، وهم لم ينسوا بعد هوْل الدَّعْكة
ومرارة الهزيمة وشدَّة الكرب ، وقد فقدوا من أعزَّائهم من فقدوا ، فقلّ
عَدَدُهم، فوق ما هم مثخنون بالجراح! لقد دعاهم الرسول عَّله ، ودعاهم
وحدهم ، وكانت هذه الدعوة وما تلاها من استجابةٍ ، تحملُ إيحاءاتٍ شتَّى ،
وتُومئ إلى حقائق كبرى ؛ لعلَّ رسول الله عَ ليه شاء أن يُشْعر المسلمين،
وأن يُشعر الدنيا كلَّها من ورائهم ، بقيام هذه الحقيقة الجديدة التي
وُجِدت في هذه الأرض ... حقيقة أن هناك عقيدةً هي كلّ شيء في نفوس
أصحابها ، ليس لهم من أربٍ في الدنيا غيرها ، وليس لهم من غاية في حياتهم
(١) الظلال ١ / ٥٠٣ - ٥٠٤ بتصرف .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٥٠
سواها ، عقيدة يعيشون لها وحدها ، فلا يبقى لهم في أنفسهم شيء بعدها ،
ولا يستبقون هم لأنفسهم بقيةً في أنفسهم لا يبذلونها لها ، ولا يُقدِّمونها
فداها .
لقد كان هذا أمرًا جديدًا في هذه الأرض في ذلك الحين ، ولم يكن
بُدٌّ أن تشعر الأرض كلها - بعد أن يشعر المؤمنون - بقيام هذا الأمر
الجديد ، وبوجود هذه الحقيقة الكبيرة . ولم يكن أقوى في التعبير عن
ميلاد هذه الحقيقة من خروج هؤلاء الذين استجابوا الله والرسول من بعد
ما أصابهم القرح ، ومن خروجهم بهذه الصورة الناصعة الرائعة الهائلة :
صورة التَّوكَّل على الله وحده ، وعدم المُبالاة بمقالة الناس وتخويفهم لهم
من جمْع قريشٍ لهم - كما أبلغهم رُسُل أبي سفيان - وكما هَوَّل المنافقون
في أمر قريش . هذه الصورة الرائعة الهائلة ، كانت إعلانًا قويًّا عن ميلاد
هذه الحقيقة الكبيرة ، وكان هذا بعض ما تُشير إليه الخُطَّة النبويّة الحكيمة .
بهذا يسجل الله لهم في كتابه الخالد ، وفي كلامه الذي تتجاوب به جوانب
الكون كله ، صورتهم هذه ، وموقفهم هذا ، وهي صورة رفيعة ، وهو
موقف كريم لنفوسٍ كبيرة لا تعرف إلَّا الله وكيلًا، وترضى به وحده
وتكتفي ، وتزداد إيمانًا به في ساعة الشِّدَّة ، وتقول في مواجهة تخويف
الناس لهم بالناس: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [ آل عمران: ١٧٣ ]. هذا
هو الدرس الجميل العالي ، الذي علَّمه سيِّد المتوكِّلين لأصحابه ، وأخرجوه
هم إلى عالم الواقع .
أنبياء الله قِمَمٌ عالية في التَّوكُّل :
قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِِّلُكُمْ
وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن تَأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ
إلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ إبراهيم: ١١].
.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٥١
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
يطلقها الرسل حقيقة دائمة ... فعلى الله وحده يتوكّل المؤمن ،
لا يلتفت قلبه إلى سواه ، ولا يرجو عونًا إلَّا منه، ولا يرتكن إلا إلى حماه.
ثم يواجهون الطغيان بالإِيمان ، ويواجهون الأذى بالثبات .
: وَمَا لَنَآ أَلَّا تَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ
ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ ﴾ [ إبراهيم: ١٢].
إنها كلمة المُطمئِنّ إلى موقفه وطريقه ، المالى يديه من وليِّه وناصره ،
المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بدّ أن ينصر ويعين، وماذا يهمّ حتى
ولو لم يتمّ في الحياة الدنيا نصرٌ ، إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل
والقلب الذي يحسّ بأن عناية الله سبحانه تقود خطاه ، وتهديه السبيل ، هو
قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بألوهيته القاهرة المسيطرة ، وهو شعور
لا مجال معه للتَّردُّد في المضي في الطريق ، أَيًّا كانت العقبات في الطريق ،
وأيًّا كانت قوى الطاغوت التي تتربَّص في هذا الطريق، ومن ثَمَّ هذا الرَّبْط
في ردّ الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بين شعورهم بهداية الله لهم ،
وبين توكَّلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت ، ثم إصرارهم
على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد .
وهذه الحقيقة - حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله ،
وبين بديهيّة التّوكَّل عليه - لا تستشعرها إلا القلوب التي تُزاول الحركة في
مواجهة الطواغيت ، والتي تستشعر في أعماقها رحمته وعنايته وهي تفتح لها
كُوَى النور ، فتبصر الآفاق المشرقة ، وتستروح أنسام الإِيمان والمعرفة ،
وتحسّ الأُنس والقربى .. وحينئذٍ لا تحفل بما يتوعَّدها به طواغيت الأرض ،
ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد ، وهي تحتقر طواغيت الأرض
وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل .. وماذا يخاف القلب الموصول
بالله على هذا النحو ؟! وماذا يُخيفه من أولئك العبيد ؟!
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٥٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
وما لنا ألَّا نتوكَّل على الله وقد هدانا سُبُلنا ولنصبرنَّ على ما
آذيتمونا﴾ لنصبرنّ، لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نَهِن ، ولا
تتزعزع ولا نشُكُّ ، ولا نُفرِّط ولا نحيد ﴿ وعلى الله فليتوكّل المتوكلون ﴾
[ إبراهيم : ١٢ ] .
مشهد باهر في علوّ الهمَّة في التَّوكُّل لنبي الله هود عَ لّهِ:
بعد أن قصَّ الله ما بذل هود من النُّصح لقومه ، وبعد أن تودَّد إليهم
وهو يدعوهم غاية التَّدُّد ، يسجِّل القرآن موقفًا باهرًا في الاستعلاء بالحق
والثقة بالله، وتحدِّيًا سافرًا وحسمًا كاملًا ومُفاصَلَةً، قَذَفَ بها في وجوه
قومه ، فقال تعالى: ﴿ .. قال إني أُشهد الله واشهدوا أني بريءٌ مما تشركون *
من دونه فکیدوني جمیعًا ثم لا تُنظرون « إفي تو کّلت على الله ربي وربّكم ما
من دائَّةٍ إلَّا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ﴾ [ هود: ٥٤ - ٥٥ ].
إن أصحاب الدعوة إلى الله في كلِّ مكانٍ وفي كلّ زمانٍ ، في حاجةٍ إلى
أن يقفوا طويلًا أمام هذا المشهد الباهر ؛ رجل واحد ، لم يؤمن معه إلا قليل ،
يواجه أعتى أهل الأرض، وأغنى أهل الأرض، وأكثر أهل الأرض حضارةً ماديَّةً
في زمانهم: ﴿أتبنون بكلِّ ريعٍ آية تعبئون " وتتَّخذون مصانع لعلكم
تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ [ الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠ ].
هؤلاء هم الذين واجههم هود - عليه السلام - هذه المواجهة ، في
شجاعة المؤمن واستعلائه وثقته واطمئنانه ، وفاصَلَهم هذه المُفَاصَلَة الحاسمة
الكاملة - وهم قومه - وتحدَّاهم أن يكيدوه بلا إمهال ، وأن يفعلوا ما في
وسعهم ، فلا يُياليهم بحال !
لقد وقف هود هذه الوقفة الباهرة؛ لأنه يجد الفهم كلَّ الفهم لمعنى
التَّوكُّل في أبهى صُوَره ، ويُوقن أن أولئك الجبَّارين العُتاة المتمتِّعين المتبطّرين،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٥٣
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
إنما هم من الدواب ! وهو مُستيقن أنه ما من دابّةٍ ، إلا وربُّه آخِذٌ بناصيتها ،
ففيم يحفل إذن هؤلاء الدوابّ ؟! وأن ربَّه هو الذي أعطاهم ما أعطاهم
للابتلاء لا لمطلق العطاء ، وأن ربَّه يملك أن يذهب بهم ويستخلف غيرهم
إذا شاء، ولا يضرّونه شيئًا، ولا يردُّون له قضاءً، ففيم إذن يَهُولُه شيء
ممَّا هم فيه ، وربّه هو الذي يُعطي ويسلب حين يشاء كيف شاء .. عموم
قدرة ، وكمال ملك ، وتمام حكمة وعدل وإحسان ، في خلقه ، وأمره
ونهيه ، وثوابه وعقابه ، وقضائه وقدره ، ومنعه وعطائه ، وعافيته وبلائه ،
وإفقاره وإعزازه ، وإذلاله وإنعامه ، وانتقامه وثوابه ، وإحيائه وإماتته . وهذه
المعرفة بالله لا تكون إلا للأنبياء وورثتهم .. وعلى قدر هذه المعرفة يكون
قدْر التَّوكُّل في قلب العبد .
إن أصحاب الدعوة إلى الله لا بُدّ أن يجدوا هذه الحقيقة في نفوسهم
على هذا النحو ، حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قُوَى
الجاهلية الطاغية من حولهم ، وهم مستيقنون أن ربَّهم آخِذٌ بناصية كلٌّ
دابَّة ، وأن الناس - كل الناس - إن هم إلا دوابّ من الدوابّ !
ويوم تتمّ هذه المفاصلة ، يتحقَّق وعد الله بالنصر لأوليائه ، والتدمير
على أعدائه ، في صورةٍ من الصور التي قد تخطر وقد لا تخطر على البال .
وخطيبُ الأنبياءِ شُعِيب ◌َِّ قِمَّةٌ سامية :
قال تعالى على لسانه: ﴿ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من
ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن
أريد إلّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلتُ وإليه
أُنيب ﴾ [ هود : ٨٨ ] .
فخطيب الأنبياء شعيب عَّ المه لا يبغي كسبًا شخصيًّا، إنما يريد إصلاحًا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٥٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
عامًّا للمجتمع ، ويتوكّل على الله في المقصد الشريف والغاية النبيلة العظيمة .
أُمّ إسماعيل وعلوّ توكُّلها :
إِذَنْ لا يُضَيِّعنا :
في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء إبراهيم بأمِّ
إسماعيل وبابنها إسماعيل ، حتى وضعها عند البيت ، عند دَوْحَةٍ فوق زمزم
في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذٍ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما
هنالك ، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء ، ثم قفّى(١) إبراهيم
منطلقًا ، فَتَبِعَتْه أُّ إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا
الوادي ، الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء ؟ فقالت له : الله أمرك بهذا ؟ قال :
نعم . قالت : إذن لا يُضيِّعنا . ثم رجعتْ .
إيه يا جبال فاران ... موضع مكة الآن ، حدِّثي عن توكُّل أم إسماعيل
وتفويضها في أعلى وأغلى قمم التّوكّل وصوره . وفي سمع الأيام يبقى صوت
أم إسماعيل: ((إذن لا يُضيِّعنا)) وهي لا ترى إلَّا حَرَّةً ملتهبة، وعطشًا
منهكًا، وجهدًا يهدّ، ورضيعًا يتلوَّى .
وقالتْها لجبريل حين قال لها : مَنْ أنتِ ؟ قالت : أنا هاجر . أو : أُمّ
ولد إبراهيم . قال : فإلى من وكلكما ؟ قالت : إلى الله . قال : وكلكما
إلى كافٍ .
موقف أم إسماعيل وتوكُّلها يعجز عنه الرجال ... لكأن كل قطرةٍ
من هذا الماء تحكي قصةً تُروى ، وتحوي ظلّا وديعًا لطيفًا يُرِّي هجير دنيانا
بثمرة توكّل أم إسماعيل. وصدق رسول الله عَ لٍ حين قال ، عن السعي
(١) أي ولّى راجعًا .
·تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٤٥٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
بين الصفا والمروة: ((هذا ما أورثتكموه أُّ إسماعيل)) .. ورث الصحابة
منها أعلى التّوكُّل .
هِمَمُ الصحابة في التَّوكُّل أعلى الهِمَم :
قال ابن القيم عن الصحابة: (( هم أُولو التَّوكُّل حقًّا ، وأكمل المتوكِّلين
بعدهم : هو من اشتمَّ رائحة توكُّلهم من مسيرةٍ بعيدة ، أو لحق أثّرًا من
غُبارهم . فحالُ النبي عَ ◌ّهِ وحال أصحابه محُّ الأحوال وميزانها، بها يُعلم
صحيحها من سقيمها ؛ فإن هممهم كانت في التّوكّل أعلى مِنْ همم مَنْ
بَعْدَهم ، فإن توكَّلهم كان في فتح بصائر القلوب ، وأن يُعبد الله في جميع
البلاد ، وأن يُوخِّده جميع العباد ، وأن تشرق شمس الدين الحق على قلوب
العباد ، فَمَلَئُوا بذلك التوكُّلِ القلوبَ هُدَّى وإيمانًا ، وفتحوا بلاد الكفر ،
وجعلوها دار إيمانٍ، وهَبَّتْ رياحُ روح نسماتِ التّوكّل على قلوب أتباعهم ،
فملأْها يقينًا وإيمانًا . فكانت همم الصحابة - رضي الله عنهم - أعلى وأجلّ
من أن يصرف أحَدُهم قوةَ توكَّلِهِ واعتماده على الله في شيءٍ يحصُل بأدنى
حيلةٍ وسعي ، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قويّ توكُّله))(١).
عكاشة بن محصن المتوكّل حقًّا :
عن هشيم بن بشير ، عن حصين قال : كنا جلوسًا مع سعيد بن جبير
ذات غداةٍ ، فقال لنا: أيْكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة(٢)؟ قال:
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٣٥.
(٢) فائدة : أخرج أحمد والحاكم بسندٍ صحيح ، عن محمد بن سيرين قال : كُنَّا مع
أبي قتادة على ظهر بيتنا ، فرأى كوكبًا انقضَّ فنظروا إليه ، فقال أبو قتادة :
إِنَّا قد نُهينا أن نُتبعه أبصارنا . صححه الحاكم ووافقه الذهبي . وقال الهيثمي
في المجمع: ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وقوله: ((نُهينا)) مرفوع إلى =
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٤٥٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
قلت : أنا. قال : ثم استدركت نفسي ، فقلت : إن سهري لم يكن في
صلاةٍ ، ولكنْ لدغتني عقربٌ فسهرتُ . فقال سعيد بن جبير : كيف صنعتَ ؟
قلت : صنعت أنِ استرقيتُ . قال : وما حملك على ذلك ؟، قال : قلت :
حديثٌ حدَّثنيه الشعبي . قال : وما حدَّثكم ؟ قال : قلت : حدثنا الشعبي ،
عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ، أنه قال: لا رُقيّة إلَّا من عينٍ أو حُمة (١).
فقال سعيد بن جبير : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع . ثم قال سعيد
ابن جبير: حدَّثنا ابن عباس، أن رسول الله عَّ المه قال: ((عُرِضَت علَّ
الأُمم (٢) ، فرأيت النبي يمُّ ومعه الرَّهط، والنبي يمرّ ومعه الثلاثة والاثنان ،
والنبي يمرّ ومعه الرجل الواحد ، والنبي يمرّ وليس معه أحد ، إلى أن رُفِعَ
لي سواءٌ عظيم فقلت : هذه أُمَّتي . قيل : ليس بأُمّتك ، هذا موسى وقومه .
إلى أن رفع لي سواد عظيم. قد سدَّ الأفق ، فقيل : هذه أُمّتك ، ومعهم
سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب)). قال: ثم دخل
النبي - عَ ◌ّهِ - فخضنا في أولئك السبعين ، وجعلنا نقول : من الذين
يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب؟ أهم الذين صحبوا النبي عَ ◌ّةٍ؟
أم هم الذين وُلدوا في الإِسلام ولم يُشركوا بالله شيئًا ؟ إلى أن خرج النبي
عَّ له فقال: ((ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه؟)). قال: فأخبروه،
النبي عَ ◌ّم على الصحيح الذي قاله الجمهور . انظر التوكل على الله عز وجل ،
=
ابن أبي الدنيا صـ ٧٣ هامش (١ ).
(١) الحُمَة: بالتخفيف: السُّم، وقد يُشدَّد، وقد روي هذا الأثر مرفوعًا عن النبي
عٍَّ من حديث عمران بن حصين بسندٍ جيّد . انظر التوكل ، ابن أبي الدنيا
صـ ٧٤ هامش ( ٢).
(٢) في رواية الترمذي والنسائي - وهي صحيحة - أن عرض الأمم كان ليلة الإسراء.
التوكل ، ابن أبي الدنيا صـ ٧٤، هامش (٣ ).
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٥٧
فقال: ((هم الذين لا يَسْتْقُون ولا يكتوون، وعلى ربِّهم يتوكّلُون)).
فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: ((أنت منهم)).
وقام رجل آخر من المهاجرين فقال : أنا منهم يا رسول الله ؟ قال :
((سبقك بها عكاشة))(١).
ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله :
سُئل الأستاذ أبو سهل محمد بن سليمان، عن قول النبي عَ لم لأبي بكر
الصديق رضي الله عنه: (( ما أبقيت لأهلك؟ )) قال : الله ورسوله .
قال: هو تجريد لله بالكليّة، وإدخال الرسول عَ لّه فيه ؛ لمكان الإِيمان
وحقيقة التعلُّق بالسبب في الوصول إلى المسبّب ، لا على أن إليه انقطاعه .
فإذا كمل توكُّل المتوكِّل ، وتحقَّق فيه ، أخبر إن شاء عن السبب ، وإن شاء
عن المسبب ؛ لأن الكلّ عنده واحدٌ ؛ لتعلّق الفروع في الكُلِّ بالأصل .
(١) أخرجه أحمد، والبخاري، ومن طريقه البغوي في شرح السنة ، ومسلم ،
والترمذي وقال : حسن صحيح . والنسائي في الكبرى - كما في تحفة الأشراف -
والطبراني في الكبير ، والبيهقي في الشعب من طرقٍ عن حصين بن عبد الرحمن
به ، واللفظ لأحمد ومسلم والبيهقي ، واقتصر الباقون على المرفوع منه .
وأخرجه الطيالسي ومن طريقه القشيري في الرسالة ، وأحمد ، وابن حبان بسند
حسن ، وحسنه العراقي في تخريج الإِحياء .
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ، والحاكم وصححه وأقره الذهبي ، وأبو نعيم
في الحلية .
وصححه ابن كثير في تفسيره ، والحافظ في الفتح ، وقال الهيثمي في المجمع :
وأحد أسانيد أحمد والبزار رجاله رجال الصحيح . انظر التوكل ، ابن أبي الدنيا ،
هامش ٣٩ صـ ٧٣ ، ٧٤، صـ ٧٣ - ٧٦ .
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٥٨
عمر بن الخطاب يوضّح الطريق :
عن معاوية بن قَّة ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لقي
ناسًا من أهل اليمن فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكِّلون . قال : بل أنتم
المُتَّكِلُونَ ، إنما المتوكِّل من يُلقي حَبَّهُ في الأرض ويتوكّل على الله عزَّ وجل(١).
عن المعرور بن سويد ، عن عمر رضي الله عنه ، أنه قال : يا معشر
القُرَّاء ، ارفعوا رؤوسكم ، ما أوضح الطريق ، فاستبقوا الخيرات ، ولا تكونوا
كُلَّا على المسلمين(٢).
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
عن مغيرة بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود
قال : والذي لا إله غيره، ما يضُرُّ عبدًا يصبح على الإِسلام ويُمسي عليه ،
ماذا أصابه من الدنيا (٣).
عبد الله بن سلام وسلمان :
عن سعيد بن المسيب ، قال : التقى عبد الله بن سلام وسلمان ، فقال
أحدهما لصاحبه : إن متَّ قبلي فالقني فأخبرني ما لقيتَ من ربِّك ، وإن أنا
متُّ قبلك لقيتُك فأخبرتُك . فقال أحدهما للآخر : أوَ يلقى الأموات الأحياء ؟!
قال : نعم ، أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءتْ . قال : فمات فلان
فلقيه في المنام فقال : توكِّل وأَبْشِر ، فلم أرَ مِثْلَ التَّوكُّل قطُّ ، توكِّلْ وأبشر ،
فلم أرَ مثل التّوكّل قط (٤).
(١) التوكل لابن أبي الدنيا صـ ٤٨. وإسناده صحيح . انظر تحقيق الدوسري .
(٢) إسناده حسن. ثلاث شعب من الجامع لشعب الإِيمان ٢ / ١٣٦ .
(٣) إسناده صحيح . الجامع لشعب الإِيمان .
(٤) إسناده صحيح . التوكل لابن أبي الدنيا صـ ٤٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
قال سعيد بن جبير : التَّوكُّل على الله - عز وجلّ - جماعُ الإِيمان .
أبو حازم سلمة بن دينار :
قال رحمه الله: ((وجدت الدنيا شيئين : شيء هو لي ، وشيء هو
لغيري . فأمَّ الذي هو لي ، فلو طلبتُه قبل أجله بحيل السموات والأرض ،
لم أقدر عليه ، وأمَّ الذي هو لغيري، فلم أُصِبْه فيما مضى، ولم أرجُهُ
فيما بقي ، يُمنع رزقي من غيري ، كما يُمنع رزق غيري مني ؟ ففي أي هذين
أُفني عمري ؟ ! .
وقيل له ، رحمه الله : ما مالُك ؟ قال: خير مالي ثقتي بالله تعالى ،
وإياسي مما في أيدي الناس ))(١).
عامر بن عبد قيس :
قال عامر رحمه الله : (( ثلاث آياتٍ من كتاب الله عز وجل اكتفيتُ
بهنَّ عن جميع الخلائق ؛ أوَّلُهن: ﴿وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له
إلا هو وإن يُرِدك بخيرٍ فلا رادَّ لفضله ﴾ [ يونس: ١٠٧ ] .
والآية الثانية : ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا مُمسك لها وما
يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ﴾ [فاطر : ٢].
والثالثة: ﴿ وما من داَّة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرّها
ومستودعها كلٍّ في كتابٍ مبين ﴾(٢) [ هود :
أبو الصهباء صلة بن أشيم :
قال صلة : طلبتُ الرزق مظانّه ، فأعياني إلّا رزق يوم بيوم ، فعلمتُ
(١، ٢) الجامع لشعب الإِيمان .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٥٩

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٤٦٠
أنه خير لي ، وإن امرأً جعل رزقه يومًا بيوم، فلم يعلم أنه خيرٌ له لعاجز
الرَّأي .
قال الحليمي رحمه الله : وفي المسألة وجه ثالث ؛ وهو أن من كان
قويّ العزم ، يقدر على تجريد الصبر وترك مجاوزته إلّ إلى الدعاء ، وكان
إذا تصبّر مدَّةً فلم ينكشف عنه ضُرُّه ؛ لم يَعُد إلى التَّسُبُّب ولم يندم على
اختياره التَّصبُّر عليه ، أو لم يكن في عامَّة أوقاته شاكًّا في أن الصبر الذي
أَثْرَه أَعْوَدُ عليه ، أو التَّسُبُّب ؛ فالصبر له أفْضَل . ومن كان ضعيف العزم ،
وكان لا يصبر إلَّا متكلّفًا ، ولا يزال - خلالَ الصبر - شاكًّا في أن ذلك
كان أَوْلَى به ، أو التَّسُبُّب ، وكان إذا صبر وقتًا ، لم يثبت على صبره وعاد
إلى التَّسبُّب ؛ فينبغي له أن يكون مع المتسبِبين ، وجعْل نظير ذلك الاستكثار
من نوافل الصيام والصلاة ، إذا لم يتبَّم بها ولم يستثقلها . وعلى هذا أكثر
أهل المعرفة .
الحسن البصري :
عن معتمر بن سليمان ، عن عبد الجليل قال : سمعت الحسن يقول :
إن من توكِّل العبد أن يكون الله - عز وجل - هو ثقته .
وعن أبي رجاء العطاردي قال : سُئل الحسن عن التَّوكُّل ، فقال :
الرضا عن الله عز وجل .
وقال رحمه الله : ابن آدم ، لا تحمل همَّ سنةٍ على يومٍ ، كفى يومك
بما فيه ، فإن تكُن السنة من عمرك ، يأتِكَ الله فيها برزقك ، وإلَّا تكُن من
عمرك ، فأراك تطلب ما ليس لك .
سفيان الثوري :
وعن سفيان الثوري : ﴿ إنه ليس له سلطانٌ على الذين آمنوا وعلى
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/