النص المفهرس

صفحات 421-440

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
الفصْلُ السَّادس
عُلُوُّ الهِمَّةِ في الثَّوَكُل
(( لَوْ أَنَّكُمْ تَوكَّتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ توكُلِهِ ،
لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرِزِقُ الطير ، تغدو خِمَاصًا ،
[ حديثٌ صحيحٌ ]
وتُرُوح بِطانًا ))
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٢٣
عُلُوُّ الهِمَّةِ فِي التوكُّل
اعلمْ يا أخي أنّ التوكُّل هو من أجلِّ السُّبُل عند الخاصّة وأعظمها
قدرًا ، وقد أمَرَ اللهُ رسوله بذلك ، وحضَّه عليه هو والمؤمنين ، فقال تعالى
الرسوله: ﴿ قُلْ هو الرحمنُ آمنًا بِهِ وعليهِ توكَّلْنا فستعلمُونَ مَن هُو في
ضلالٍ مُبِينٍ﴾ [ الملك: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فتوكّلْ على اللهِ إِنَّكَ على
الحقُّ المبين ﴾ [ النمل: ٧٩ ]، وقال له : ﴿ وتو گل على الله و کفی بالله و كيلا
[ النساء: ٨١]، وقال له: ﴿وتوكّلْ على الحِّ الذي لا يموتُ وسبِّحْ بحمدِه ◌َ
[ الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عزمْتَ فتوكَّلْ على اللهِ إِنَّ اللّهِ يحبُّ
المتوكِّلِين﴾ [ آل عمران : ١٥٩ /٠
وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وما لنا ألَّا نتوكَّلَ على اللهِ وقدْ هدانا سُبُلَنَا
وَلَنَصْبِرَنَّ على ما آذيْتُمونا وعلى اللهِ فَلْيتوكَّلِ المتوكّلُون ﴾ [ إبراهيم : ١٢ ].
وقال تعالى عن أصحاب نبيِّه: ﴿الذينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إِنَّ الناسَ
قد جمعُوا لكمْ فاحْشَوْهُمْ فزادهُمْ إيمانًا وقالُوا حسبُنا اللهُ ونعْمَ الوكيل
[ آل عمران: ١٧٣ ] .
وقال تعالى عن أوليائه: ﴿ربَّنا عليكَ توكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنْنَا وإليكَ
المصيرُ ﴾ [ الممتحنة : ٤] .
وقال تعالى للمؤمنين: ﴿وعلى اللهِ فتوكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مؤمنين ﴾ [ المائدة :
٢٦]، وقال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكَّلِ المؤمنون ﴾ [ إبراهيم: ١١].
ولم يخاطب الله بالتوكُّل في كتابه إلَّ خواصَّ خلقه، وأقربهم إليه ،
وأكرمهم عليه ، وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكّلين، والمعلَّقُ على الشرط
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٢٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
يعدم عند عدمه ، وهذا يدلّ على انتفاء الإِيمان عند انتفاء التوكَّل ، فمَن
لا توكُّلَ له لا إيمانَ له .
وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنونَ الذينَ إِذَا ذُكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُليتْ عليهِمْ آيَاتُهُ زادتهم إيمانًا وعلى ربِّهم يتوكّلونَ﴾ [الأنفال: ٢] . وهذا
يدلُّ على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة .
وأخبر تعالى عن رسله بأنّ التوكُّل مَلْجُوُّهُم ومعاذُهم ، وأمرَ به رسولَه
في أربعةِ مواضعَ من كتابه ، وقال: ﴿وقال موسى يا قوم إنْ كنتمْ آمنتمْ
باللهِ فعليهِ توكَّلوا إنْ كنتمْ مؤمنينَ ، فقالُوا على اللهِ توكَّلْنا ربَّنا لا تجعلْنَا
فتنةً للقومِ الظالمينَ ﴾ [ يونس: ٨٤ - ٨٥ ].
والتوكل مِن أصعبِ منازل العامّة عليهم، لأَنّ العامّة لم يَخرجوا عن
نفوسهم ومألوفاتهم ، ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصّة ، وهي التي
تشهد التوكيل ، فهم في رِقُّ الأسباب ، فيصعب عليهم الخروج عنها ، وخُلُوُّ
القلب منها ، والاشتغال بملاحظة المسبِّب وحده .
والله تبارك وتعالى يُوكّل العبد ويُقيمه في حفْظ ما وَكَّله فيه ، والعبدُ
يوكل الربَّ ويعتمد عليه .
فأما وكالة الربِّ عبدَه : ففي قوله تعالى: ﴿ فإنْ يَكْفُرْ بها هؤلاءِ
فقد وكَّلْنا بِها قومًا ليسُوا بها بكافرين﴾ [الأنعام: ٨٩]. قال قتادة: وكَّلنا
بها الأنبياءَ الثمانيةَ عشرَ الذين ذكرناهم . يعني : قبل هذه الآية . وقال
أبو رجاء العطاردي : معناه : إنْ يكفر بها أهل الأرض ، فقد وكّلنا بها أهل
السماء ، وهم الملائكة . وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة .
والصواب : أنّ المراد مَن قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونُصرةً ، فهؤلاء
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٢٥
هم الذين وكّلهم الله بها .
فإن قلتَ : فهل يصحُّ أنْ يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله ؟
قلتُ : لا ؛ فإنّ الوكيل مَن يتصرف عن موكِّله بطريق النيابة ، والله
عز وجل لا نائبَ له ، ولا يَخلُفه أحد، بل هو الذي يُخلِفُ عبدَه ، كما
قال النبي عَّةِ: ((اللهمّ أنت الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل)).
على أنّه لا يمتنع أنْ يُطلق ذلك باعتبارِ أنّه مأمورٌ بحفظ ما وكّله فيه ،
ورعايته والقيام به .
وأما توكيل العبدِ ربَّه : فهو تفويضُه إليه ، وعزْل نفسه عن التصرف ،
وإثباته لأهله ووليّه . ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية ، وقيامها
بالعبودية . وهذا معنى كوْن الربِّ وكيلَ عبده ، أي : كافيه ، والقائم
بأموره ومصالحه ؛ لأنَّه نائبُه في التصرف . فوكالة الربِّ عبدَه أمرٌ وتعبُّدٌ
وإحسان له ، وخُلعة منه عليه ، لا عن حاجة منه ، وافتقارٍ إليه كموالاته .
وأما توكيل العبدِ ربَّه : فتسليمٌ لربوبيته ، وقيامٌ بعبوديته .
معنى التوكُّل :
قال الإِمام أحمد : التوكُّل عمل القلب . ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي ،
ليس بقول اللسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات.
ومن الناس : مَن يجعله من باب المعارف والعلوم ، فيقول : هو علم
القلب بكفاية الربّ للعبد .
ومنهم : من يفسّرّه بالسكون ، وحمود حركة القلب . فيقول : التوكل
هو انطراح القلب بين يدي الرب ، كانطراح الميت بين يدي الغاسل ، يُقلبه
كيف يشاء . وهو ترك الاختيار ، والاسترسال مع مجاري الأقدار .
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
٤٢٦
قال سهل : التوكل: الاسترسال مع الله مع ما يريد .
ومنهم : من يفسّرّه بالرضا ، فيقول : هو الرضا بالمقدور .
قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلتُ على الله . يكذب على الله،
لو توكَّل على الله ، رضي بما يفعل الله .
وسُئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكّلًا ؟ فقال : إذا رضي
بالله وكيلاً .
ومنهم : من يفسره بالثقة بالله ، والطمأنينة إليه ، والسكون إليه .
قال ابن عطاء : التوكل: أن لا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب ، مع شِدّة
فاقتِك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحقّ مع وقوفك عليها .
قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة ،
وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أنّ الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو
فيه .
وقال بعضهم : التوكل : التعلّق بالله في كلّ حال .
وقيل : التوكل: أنْ ترِد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلَّا إلى مَن
إليه الكفايات .
وقيل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك .
وقال ذو النون : خلْع الأرباب ، وقطع الأسباب . يريد قطعها من
تعلُّق القلب بها ، لا من مُلاَبَسة الجوارح لها .
ومنهم : من جعله مُرَكَّبًا من أمريْن أو أمور .
فقال أبو سعيد الخراز : التوكّل : اضطراب بلا سكون ، وسكون
بلا اضطراب . يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ، وسكون
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٤٢٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
إلى المسبّب ، وركون إليه ، ولا يضطرب قلبه معه ، ولا تسكن حركته
عن الأسباب الموصلة إلى رضاه .
وقال أبو تراب النَّخْشَبي : هو طرح البدن في العبودية ، وتعلُّق القلب
بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية ؛ فإن أُعْطِي شكر، وإن مُنع صبر .
فجعلَه مركّبًا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية ، وتعلُّق
القلب بتدبير الرب ، وسكونه إلى قضائه وقدره ، وطمأنينته وكفايته له ،
وشكْره إذا أُعطي ، وصبره إذا مُنع .
وأجمع القوم على أنَّ التوكل لا ينافي القيام بالأسباب . فلا يصحُّ
التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد .
قال سهل بن عبد الله : مَن طَعن في الحركة فقد طعن في السنة ،
ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإِيمان .
فالتوكل حالُ النبيِ عَّهِ، والكسْب سنَّتْه، فمن عمل على حاله
فلا يتركنّ سنتَه ، وهذا معنى قول أبي سعيد: ((هو اضطرابٌ بلا سكون ،
وسكون بلا اضطراب )) . وقول سهلٍ أبين وأرفع .
وقيل : التوكل: قطْع علائق القلب بغير الله .
وسئل سهل عن التوكل ، فقال : قلب عاش مع الله بلا عَلاقة .
وقيل : التوكل: هجْر العلائق ، ومواصلة الحقائق .
وقيل: التوكل: أنْ يستوي عندك الإِكثار والإِقلال . وهذا مِن موجباته
وآثاره ؛ لأنه حقيقته .
ومنهم : من جعل التوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية .
قال أبو علي الدقَّاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٢٨
ثم التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ،
وصاحب التفويض يرضى بحكمه . فالتوكل بداية ، والتسليم واسطة ،
والتفويض نهاية . فالتوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء ، والتفويض
صفة الموحّدين . التوكل صفة العوام ، والتسليم صفة الخواصّ ، والتفويض
صفةُ خاصّة الخاصّة . التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم الخليل ،
والتفويض صفة نبيّنا محمد علّ له وعليهم أجمعين.
هذا كلّه كلام الدقّاق ، ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل ،
وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوعِ اقتراحِ عليه ، وإرادةٍ وشائبةٍ
منازَعَةٍ ، فإذا سلّم إليه زال عنه ذلك ، ورضي بما يفعله وكيله ، وحال
المفوّض فوق هذا ، فإنّه طالب مريد ممّن فوّض إليه ، ملتمسٌ منه أن يتولّى
أموره ، فهو رضًا واختيار ، وتسليمٌ واعتماد . فالتوكل يندرج في التسليم ،
وهو والتسليم يندرجان في التفويض ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وكُلِّ أشار إلى واحد أو اثنين أو أكثر مِن حال؛ رُكِّب التوكّلُ من
مجموعها .
التوكُّل على اللهِ حقَّ التَّوكُّل :
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ ليه
يقول: ((لو أنَّكم توكَّلتم على الله عزّ وجل حقّ توكُّلِهِ، لَرَزَقَكُم كما يرزق
الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا))(٢٠١).
(١) خماصًا : أي ضامرة البطون من الجوع. وبطانًا : أي ممتلئة البطون.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد والطيالسي في مسنده ، والترمذي ، والنسائي في
الكبرى ، وأبو نعيم في الحلية ، والبغوي في شرح السنة ، وأخرجه أحمد في
المسند ، والفسوي في المعرفة ، وابن حبان ، والحاكم ، وصححه ، ووافقه =
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٤٢٩
عن ابن عباس: أن رسول الله عَ لمه كان يقول: ((اللهم لك أسلمت،
وبك آمنت ، وعليك توكَّلت ، وإليك أنْتُ، وبك خاصمتُ ، أعوذ بعزَّتك ،
لا إله إلّا أنت ، الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون))(١).
قال شيخ الإسلام ابن القيم: ((إن التَّوكُّل حالٌ مركّبة من مجموع
أمورٍ ، لا تتمّ حقيقة التوكل إلّا بها .
فأوَّل ذلك معرفةٌ بالَّبِّ وصفاته : من قدرته ، وكفايته ، وقُيُّومِيَّتِهِ ،
وانتهاء الأمور إلى علمه ، وصدورها عن مشيئته وقدرته . وهذه المعرفة أول
درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل . قال شيخنا رضي الله عنه :
ولذلك لا يصحُّ التوكل ولا يُتصوَّر من فيلسوف ، ولا من القَدَرِيّةِ النُّقاة ،
القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء . ولا يستقيم أيضًا من الجَهْمِيّة النّفاة
لصفات الرب جل جلاله . ولا يستقيم التوكَّل إلا من أهل الإِثبات .
فأتّ توكُّلٍ لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيّات العالم سُفليّه وعلويّه ،
ولا هو فاعل باختياره ، ولا له إرادة ومشيئة ، ولا يقوم به صفة ؟! فكلُّ
مَنْ كان بالله وصفاته أَعْلَمَ وَأَعْرَفَ ، كان توكُّلُهُ أصحَّ وأقوى . والله سبحانه
.
وتعالى أعلم .
والتوكل من أَعَمِّ المقامات تعلُّقًا بالأسماء الحسنى ؛ فإن له تعلُّقًا خاصًّا
بعامَّة أسماء الأفعال ، وأسماء الصفات . فله تعلُّق باسم الغفّار ، والتّاب ،
الذهبي ، والبيهقي في الشعب ، وأخرجه أحمد وابن ماجه ، وأبو نعيم في أخبار
=
أصفهان ، وصححه المناوي في التيسير ، وصححه الألباني في صحيح الجامع
( رقم ٥٢٥٤ ) والصحيحة (رقم ٣١٠).
(١) أخرجه أحمد، ومسلم بلفظ: (( ... لا إله إلا أنت أن تُضلني، أنت الحّي ... )).
وأخرجه البخاري مختصرًا. التوكل على الله عز وجل ، ابن أبي الدنيا ، صـ ٣٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٤٣٠
والعَفُوّ، والرّءوف، والرّحيم. وتعلُّق باسم الفتّاح، والوهّاب، والرّزّاق،
والمعطي ، والمُحِسن . وتعلَّق باسم المُعِزّ ، المُذِلّ ، الحافظ ، الرّافع،
المانع ، من جهة توكُّله عليه في إذلال أعداء دينه ، وخفضهم ومنعهم
أسباب النصر . وتعلّق بأسماء القدرة ، والإِرادة . وله تعلَّق عامّ بجميع
الأسماء الحسنى . ولهذا فسَّرِه مَنْ فسَّره من الأئمة بأنه المعرفة بالله . وإنما
أراد أنه بحَسَبِ معرفة العبد ، يصحُّ له مقام التّوكُّل . وكلما كان بالله
أَعْرَفَ ، كان توكُّلُه عليه أقوىُ .
الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات : فإن مَنْ نفاها
فتوكُلُه مدخول . وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب
يَقْدَح في التَّوكُّل ، وأن نَفْيها تمام التّوكُّل . فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم
لهم توكَّل ألبتّة ؛ لأن التّوكُّل من أقوى الأسباب في حصول المتوكّل فيه ،
فهو كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به . فإذا اعتقد العبد
أن توكُّله لم ينصبه اللهُ سبًا ، ولا جَعَلَ دعاءه سيبًا لنيلِ شيءٍ ، فإن المتوكّل
فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قُدِّر ؛ حَصَلَ ، توكَّلَ أو لم يتوكَّلْ ،
دعا أو لم يَدْعُ. وإن لم يُقَدَّرْ؛ لم يحصُلْ، توكَّلَ أيضًا أو تَرَكَ التّوكُلَ.
وصرَّح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبوديّة محضة ، لا فائدة لهما إلا ذلك .
ولو تَرَكَ العبد التّوكَّلَ والدعاء، ما فاتَهُ شيء مما قُدِّر له . وَمِنْ غُلاتهم
مَنْ يجعل الدعاء بعَدَم المؤاخذة على الخطأ والنسيان ، عديم الفائدة ، إذ
هو مضمون الحصول . ورأيتُ بعض متعمِّقي هؤلاء - في كتابٍ له -
لا يُجوِّز الدعاء بهذا، وإنما يجوِّزه تلاوةً لا دعاءً. قال: لأن الدعاء به
يتضمَّن الشَّكَّ في وقوعه ؛ لأن الداعي بين الخوف والرجاء ، والشّكّ في
وقوع ذلك : شكّ في خبر الله . فانظر إلى ما قاد إنكار الأسباب من
العظائم ، وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٣١
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
ولم يزل المسلمون - من عهد نبيهم عَةٍ وإلى الآن - يدعون به في
مقامات الدعاء ، وهو من أفضل الدعوات . وجواب هذا الوهم الباطل ،
أن يقال : بقي قسمٌ ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه ، وهو
الواقع ؛ وهو أن يكون قُضي بحصول الشيء عند حصول سَبَبِهِ من التَّوكُّل
والدعاء ، فنصب الدعاء والتَّوكَّل سَبَبَيْن لحصول المطلوب ، وقضى الله
بحصوله إذا فَعَلَ العبدُ سببه ، فإذا لم يأتِ بالسبب ، امتنع المسبّب . وهذا
كما قضي بحصول الولد إذا جامع الرجل مَنْ يُحبلها ، فإذا لم يُجامع لم
يُخلق الولد . وقضي بحصول الشِّبَع إذا أكل ، والّ إذا شرب ، فإذا لم
يفعل لم يشبع ولم يُروَ . وقضي بحصول الحجّ والوصول إلى مكة إذا سافر
وركب الطريق . فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة . وقضي بدخول
الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة ، فإذا ترك الإِسلام ولم يعمل
الصالحات ، لم يدخلها أبدًا . وقضي بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته .
وقضي بطلوع الحبوب التي تزرع بشقّ الأرض ، وإلقاء البذر فيها ، فما
لم يأتِ بذلك لم يحصل إلا الخيبة .
فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كلّ مِن هؤلاء السببَ
الموصِّلَ ، ويقول : إن كان قُضي لي وسبق في الأزل حصول الولد والشَّبَع
والّ والحجّ ونحوها ، فلا بد أن يصل إلَّي، تحرّكتُ أو سكنتُ ،
وتزوَّجت أو تركت ، سافرت أو قعدت . وإن لم يكن قد قُضي لي ، لم
يحصُل لي أيضًا ، فعلتُ أو تركت . فهل يعُدُّ أَحَدٌ هذا من جملة العقلاء ؟!
وهل البهائم إلَّا أَفْقَه منه ؟! فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة .
فالتَّوكُّل من أعظم الأسباب التي يحصُل بها المطلوب ، ويندفع بها
المكروه . فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التّوكَّل . ولكنْ مِن تمام
التّوكُّل : عدم الُّكُون إلى الأسباب ، وقطْع علاقة القلب بها ، فيكون حال
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٣٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بَدَنِهِ قيامه بها . فالأسباب محلّ حكمة الله
وأمره ودينه ، والتَّوكَّل متعلِّق بربوبيته وقضائه وقدره . فلا تقوم عبودية
الأسباب إلّا على ساقِ التّوكّل ، ولا يقوم ساق التّوكّل إلَّا على قَدَم العبودية .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التَّوكَّل : فإنه لا يستقيم
توكَّل العبد حتى يصحّ له توحيده . بل حقيقة التّوكَّل : توحيد القلب.
فما دامت فيه علائق الشرك ، فتوكُّلُه معلولٌ مدخولٌ ، وعلى قدر تجريد
التوحيد ، تكون صحَّة التّوكّل ، فإن العبد متى التفت إلى غير الله ، أخَذَ
ذلك الالتفاتُ شُعبةً من شُعَب قلبه ، فنقص من توكَّله على الله بقدْر ذَهاب
تلك الشُّعبة، ومن هاهنا ظنَّ مَنْ ظنّ، أن التَّوكُّل لا يصحُّ إلا برفض الأسباب ،
وهذا حقٌّ . لكنَّ رَفْضها عن القلب لا عن الجوارح ، فالتوكل لا يتمّ إلا برفض
الأسباب عن القلب ، وتعلّق الجوارح بها ، فيكون منقطعًا منها متَّصِلًا بها .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله ، واستناده إليه ، وسكونه
إليه : بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكونٌ إليها .
بل يخلع السكونَ إليها من قلبه ، ويُلبسه السكونَ إلى مسبِّبها . وعلامة هذا :
أنه لا يُبالي بإقبالها وإدبارها ، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب
منها ، وإقبال ما يكره ؛ لأن اعتماده على الله ، وسكونه إليه ، واستناده إليه ،
قد حصَّنه من خوفها ورجائها ، فحاله حالُ مَنْ خرج عليه عدوٌّ عظيم
لا طاقة له به ، فرأى حِصنًا مفتوحًا ، فأدخله ربُّه إليه ، وأغلق عليه باب
الحصن . فهو يشاهد عدوَّه خارج الحِصن ، فاضطرابُ قلبِه وخوفُه من
عدوّه في هذه الحال ، لا معنى له . وكذلك من أعطاه ملكٌ درهمًا، فسُرق
منه ، فقال له الملك : عندي أضعافه فلا تهتمَّ ، متى جئتَ إلَّ أعطيتُك من
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٣٣
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
خزائني أضعافه . فإذا علم صحة قوْل الملك ، وَوَثِقَ به واطمأنّ إليه ، وعلم
أن خزائنه مليئة بذلك - لم يُحِنه فَوْتُهُ. وقد مثّل ذلك بحال الطفل الرضيع
في اعتماده وسكونه ، وطُمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره ، وليس في قلبه
التفاتٌ إلى غيره ، كما قال بعض العارفين : المتوكّل كالطفل ، لا يعرف
شيئًا يأوي إليه إلا ثدي أمه ، كذلك المتوكِّل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه .
الدرجة الخامسة : حُسن الظن بالله عز وجل : فعلى قدر حسن
ظِّك بربك ورجائك له ، يكون توكُّلُك عليه ، ولذلك فَسَّرَ بعضهم التوكل
بحُسن الظن بالله . والتحقيق : أن حُسن الظَّنّ به يدعوه إلى التوكُّل عليه .
إذ لا يتصوَّر التّوكُّل على من ساء ظنُّك به ، ولا التّوكُّل على من لا ترجوه .
والله أعلم .
الدرجة السادسة : استسلام القلب له ، وانجذاب دواعيه كلِّها
إليه ، وقطع منازعاته : وبهذا فسَّره من قال : أن يكون العبد بين يدي الله ،
كالميِّت بين يدي الغاسِل ، يُقلِّبه كيف أراد ، لا يكون له حركة ولا تدبير .
وهذا معنى قول بعضهم : التَّوكَّل إسقاط التدبير . يعني الاستسلام لتدبير
الرب لك ، وهذا في غير باب الأمر والنهي ، بل فيما يفعله بك ، لا فيما
أمرك بفعله . فالاستسلام كتسليم العبدِ الذليل نَفْسَهُ لسيِّده ، وانقياده له ،
وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده . والله سبحانه وتعالى أعلم .
ولله دَرُّ القائل :
فَأُولُو الَّذْبِيرِ هَلْكَى
لا تُدبِّرْ لك أمْرا
نحنُ أُوْلَى بِكَ مِنْكَا
سَلِّمِ الأَمْرَ تَجِدْنَا
الدرجة السابعة : التفويض : وهو رُوح التَّوكُّل ولُبُّهُ وحقيقته . وهو
إلقاء أمورِهِ كلِّها إلى الله ، وإنزالها به طَلَبًا واختيارًا، لا كُرْهًا واضطرارًا،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٤٣٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
بل كتفويضِ الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره ، كلَّ أموره إلى
أبيه ، العالم بشفقته عليه ورحمته ، وتمام كفايته ، وحُسن ولايته له ،
وتدبيره له ، فهو يرى أن تدبير أبيه له ، خيرٌ من تدبيره لنفسه ، وقيامه
بمصالحه وتولِّيه لها ، خيرٌ من قيامه هو بمصالح نفسه وتولّيه لها ، فلا يجد
له أصْلَح ولا أرْفَق من تفويضه أموره كلّها إلى أبيه ، وراحته من حَمْلِ كُلَفِها
وثقل حِمْلها ، مع عجزه عنها ، وجهله بوجوه المصالح فيها ، وعلمه
بكمال علّم من فوّض إليه ، وقدرته وشفقته . فإذا وضع قَدَمه في هذه
الدرجة ، انتقل منها إلى :
درجة الرضا : وهي الدرجة الثامنة : وهي ثمرة التَّوكُّل . ومن فسَّر
التّوكُّل بها ، فإنما فسّره بأجَلِّ ثمراته وأعظم فوائده ، فإنه إذا توكَّلَ حقَّ
التّوكُّل ، رضي بما يفعله وكيلُه . وكان شيخنا - رضي الله عنه - يقول :
المقدور يكتنفه أمران : التّوكُّل قَبْلَه والرضا بعده ، فمن توكَّلَ على الله قَبْل
الفعل ، ورضي بالمقضي له بعد الفعل ، فقد قام بالعبودية . أو معنى هذا .
قلت: وهذا معنى قول النبي عَّةٍ في دعاء الاستخارة: ((اللهم إني أستخيرك
بعلمك ، وأسْتَقْدِرُكَ بقُدْرتك، وأسألك من فضلك العظيم)). فهذا توكُّل
وتفويض. ثم قال: ((فإنك تعلم ولا أعلم ، وتقدر ولا أقدر ، وأنت علَّام
الغيوب )). فهذا تبُّؤ إلى الله من العلْم والحوْل والقُوَّة، وتوسُّلٌ إليه -
سبحانه - بصفاته التي هي أحبُّ ما توسّل إليه بها المتوسِّلون . ثم سأل ربه
أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحتُه عاجلاً أو آجلا ، وأن يصرفه
عنه إن كان فيه مَضَرَّتُه عاجلاً أو آجلا ، فهذا هو حاجته التي سألها .
فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له ، فقال: (( وَأَقْدِرْ لِي الخَيْرَ حيثُ كَانَ ،
ثم رَضِّنِي به)) . فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية ، والحقائق
الإِيمانية ، التي من جملتها : التَّوكُّلُ والتفويض قَبْلَ وقوعِ المقدور . والرضا
https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٣٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
بعده ، وهو ثمرة التّوكُّل. والتفويض علامةُ صحّتِهِ . فإن لم يَرْضَ بما
قُضِيَ له ، فتفويضه معلولٌ فاسد .
فباستكمال هذه الدرجات الثمان ، يستكمل العبد مقام التَّوكُّل ،
وتثبت قدمُه فيه . وهذا معنى قول بشرٍ الحافي : يقول أحدهم : توكَّلتُ
على الله . يكذبُ على الله ؛ لو توكَّلَ على الله لرضي بما يفعله الله به .
وقول يحيى بن معاذ وقد سُئل : متى يكون الرجل متوكِّلًا ؟ فقال :
إذا رضي بالله وكيلاً))(١).
اشتباه المحمود الكامل من التَّوكُّل بالمذموم الناقص :
يقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية: (( وكثيرًا ما يشتبه في هذا
الباب : المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص . فيشتبه التفويض بالإِضاعة ، فيضيِّع
العبد حظّه ، ظنًّا منه أن ذلك تفويضٌ وتوكُّل . وإنما هو تضييعٌ لا تفويض ؛
فالتضييع في حقِّ الله ، والتفويض في حقِّك .
ومنه : اشتباه التوكل بالراحة ، وإلقاء حمل الكُلِّ . فيظنُّ صاحبه أنه
متوكِّل، وإنما هو عامٌ على عدم الراحة . وعلامة ذلك: أن المتوكّل مجتهدٌ
في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد ، مستريحٌ مِنْ غيرها لتعبه بها . والعامل
على الراحة آخِذٌ من الأمر مقدارَ ما تندفع به الضرورة ، وتسقُط به عنه
مُطالَبَة الشرع . فهذا لون ، وهذا لون .
ومنه : اشتباه خَلْع الأسباب بتعطيلها . فخلعُها توحيد ، وتعطيلُها
إلحاد وزندقة . فخلِّعُهَا عَدَم اعتماد القلب عليها ، ووثوقه وركونه إليها مع
قيامه بها . وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح .
(١) مدارج السالكين ٢ / ١١٧ - ١٢٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٤٣٦
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
ومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز . والفَرْق بينهما : أن الواثق
بالله قد فَعَلَ ما أمره الله به ، ووثق بالله في طلوع ثمرته ، وتنميتها وتزكيتها ،
كغارس الشجرة ، وباذر الأرض . والمغتُّ العاجِز : قد فرط فيما أمر به ،
وزعم أنه واثق بالله . والثقة إنما تصحُّ بعد بذل المجهود .
ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه ، بالطمأنينة إلى المعلوم ،
وسكون القلب إليه . ولا يميِّز بينهما إلَّا صاحب البصيرة ، كما يُذكر عن
أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئًا إلا شَرْبَةً من
ماء زمزم ، فمضى عليه أيام ، فقال له أبو سليمان يومًا : أرأيت لو غارت
زمزم ، أيّ شيءٍ كنت تشرب؟ فقام وقبّل رأسه ، وقال : جزاك الله خيرًا،
حيث أرشدتني ، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام . . ثم تركه ومضى .
وأكْثَر المتوكِّلين سكونُهم وطُمأْنِينَتُهُم إلى المعلوم ، وهم يظنون أنه
إلى الله . وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلومُ أَحَدِهم ، حَضَرَه هَمّه وَبَنُّه
وخوفه ، فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله .
ومنه : اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه -
بالعزم على ذلك ، وحديث النفْس به . وذلك شيءٌ، والحقيقة شيءٌ آخر،
كما يُحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أُعطِيت طرفًا من
الرضا ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيًا . فسمعتُ شيخ الإِسلام
ابن تيمية يقول : هذا عزمٌ منه على الرضا وحديثُ نفسٍ به . ولو أَدْخَلَهُ
النار، لم يكن من ذلك شيءٌ . وَفَرْقٌ بين العزم على الشيء وبين حقيقته .
ومنه : اشتباه عِلْم التَّوكُّل بحال التّوكّل . فكثيرٌ من الناس يعرف
التّوكُّل وحقيقته وتفاصيله ، فيظنّ أنه متوكِّل ، وليس من أهل التوكل .
فحال التّوكّل : أمرٌ آخر مِنْ وراء العلم به . وهذا كمعرفة المحبة والعلم
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٣٧
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
بها وأسبابها ودواعيها . وحال المحبّ العاشق وراء ذلك . وكمعرفة علم
الخوف ، وحال الخائف وراء ذلك . وهو شبيهٌ بمعرفة المريض ماهيَّة
الصحة وحقيقتها ، وحالُهُ بخلافها .
فهذا الباب يكثر اشتباهُ الدَّعاوى فيه بالحقائق ، والعوارض بالمطالب ،
والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة . والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم )) (١).
توكَّل العاجِز القاصِر الهمَّة المغبون في توكُّله :
يقول شيخ الإسلام ابن القيم: ((كثيرٌ من المتوكِّلين يكون مغبونًا في
توكُّله ، وقد توكَّلَ حقيقةَ التّوكّلِ وهو مغبون ؛ كمن صَرَفَ توكُلَه إِلى
حاجةٍ جزئيّة استفرغَ فيها قوةَ توكُّله ، ويمكنه نيلُها بأيسر شيءٍ ، وتفريغُ
قلبه للتّوكّل في زيادة الإِيمان والعلم ، ونصرة الدين ، والتأثير في العالم خبرًا .
فهذا توكُّل العاجز القاصر الهمَّة، كما يصرف بعضهم همَّتَهُ وتوكُّلَه ودعاءَهُ
إلى وَجَع يمكن مداواته بأدنى شيء ، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيفٍ
أو نصفٍ درهم ، أو نصرٍ على عدوّ أو زوجة أو ولد ، ونحو ذلك ، ويَدَع
صْفه إلى نُصرة الدين ، وقمْع المبتدعين ، وزيادة الإِيمان ، ومصالح المسلمين .
والله أعلم .
ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حُصُول الإِتم والفواحش ، فإن
أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه ،
بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات ؛ ولهذا
يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك ، معتمدين على الله أن يسلِّمهم ، ويظفرهم
بمطالبهم)).
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٢٣ - ١٢٥ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٣٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
فالتَّوكُّل أوسع المنازل وأجمعها ، ولا تزال معمورة بالنَّازِلِين ، لسعة
متعلَّق التّوكّل ، وكثرة حوائج العالمين ، وعموم التّوكّل ، ووقوعه من
المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، والطير والوحش والبهائم . فأهل
السموات والأرض - المكلَّفون وغيرهم - في مقام التَّوكَّل ، وإن تباينَ
متعلّق توكُلهم .
درجات التَّوكُّل :
قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) شارحًا كلام شيخ الإِسلام
الأنصاري: ((قال: ((وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى: التَّوكُّل مع الطَّلَب ، ومعاطاة السبب على ◌ِيَّة شغل
النفس بالسبب مخافة ، ونفع الخلق ، وتّرْك الدَّعوى)).
يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله ، ولا يترك الأسباب ،
بل يتعطاها على نيَّة شغل النَّفْس بالسبب ، مخافةً أن تفرغ فتشتغل بالهوى
والحظوظ . فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلتْه بما يضُرّه ، لا سيما إذا
كان الفراغ مع حدَّة الشباب ، وملْك الجِدَة ، وميْل النفس إلى الهوى ،
وتوالي الغفلات ، كما قيل :
إِن الشبابَ والفراغَ والِدَهْ مَفْسَدَةٌ للمرء أّ مفسدهْ
ويكون أيضًا قيامه بالسبب على نيَّة نفع النفس ، ونفع الناس بذلك ،
فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره .
وأمَّا تضمُّن ذلك لترك الدعوى: فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلَّصَ من
إشارة الخلْق إليه ، الموجِبة لحُسن ظنّه بنفسه ، الموجب لدعواه . فالسبب
سْرٌ لحاله ومقامه ، وحجابٌ مُسْبَل عليه .
ومن وجهٍ آخر ، وهو أن يَشْهَد به فقره وذُلَّه ، وامتهانه امتهانَ العبيد
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٤٣٩
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
والفَعَلَة . فيتخلَّص من رعونةِ دعوى النفس ، فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة
الأسباب ، سَلِمَ من هذه الأمراض .
فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورًا بها ، ففيها فائدةٌ أجلُّ من هذه
الثلاث ، وهي المقصودة بالقصد الأول ، وهذه مقصودة قصد الوسائل .
وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خُلق له العبد ، وأُرسلت به الرسل ،
وأُنزلت لأجله الكتب ، وبه قامت السموات والأرض ، وله وُجِدت الجنة
والنار . فالقيام بالأسباب المأمور بها : مَحْضُ العبودية ، وحقّ الله على
عبده الذي توجّهت به نحوه المطالب ، وترتَّب عليه الثواب والعقاب . والله
سبحانه أعلم .
قال: ((الدرجة الثانية: التَّوكَّل مع إسقاط الطلب، وغَضّ العين
عن السبب ؛ اجتهادًا لتصحيح التّوكّل ، وقمعًا لشرف النفس ، وتفرُّغًا إلى
حِفْظ الواجبات )).
قوله: ((مع إسقاط الطلب)) ؛ أي من الخلق لا من الحق ، فلا يطلب
من أحدٍ شيئًا . وهذا من أحْسَن الكلام وأَنْفَعه للمريد ؛ فإن الطَّلَب من
الخلْق في الأصل محظورٌ ، وغايته أن يُباح للضرورة ، كإباحة الميتة للمضطرّ ،
ونصَّ أحمد على أنه لا يجب . وكذلك كان شيخنا يُشير إلى أنه لا يجب الطلب
والسؤال . وسمعتُهُ يقول في السؤال : هو ظُلم في حقِّ الربوبية ، وظلم في
حق الخلق ، وظلم في حق النفس .
أمّا في حق الربوبية ؛ فَلِمَا فيه مِن الذُّلّ لغير الله ، وإراقة ماء الوجه
لغير خالقه ، والتَّعُّض عن سؤاله بسؤال المخلوقين ، والتَّعُرُّض لمقته إذا سأل
وعنده ما يكفيه يومه . وأمّا في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال ،
واستخراجه منهم ، وأبغض ما إليهم : مَنْ يسألهم ما في أيديهم . وأحبُّ ما إليهم:
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
٤٤٠
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
من لا يسألهم ؛ فإن أموالهم محبوباتهم ، ومن سألك محبوبك فقد تعرَّض
لمقتك وبغضك . وأمَّا ظلم السائل نفسه : فحيثُ امْتَهَنَهَا وأقامها في مقام
ذُلّ السؤال ، ورضي لها بذُلِّ الطلب ممن هو مِثْلُه ، أو لعل السائل خير
منه وأعلى قَدْرًا، وتَرَكَ سؤالٍ مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .
فقد أقام السائل نفسه مقامَ الذُّلّ، وأهانها بذلك، ورضي أن يكون شخَّاذًا
مِن شحّاذٍ مثله ، فإن من تشحذه فهو أيضًا شحّاذ مثلك ، والله وحده هو
الغني الحميد . فسؤال المخلوق للمخلوق : سؤال الفقير للفقير . والرب
تعالى كلَّما سألتَهُ كَرُمْتَ عليه ، ورضي عنك، وأحبَّك . والمخلوق كلما
سألته هُنت عليه وأبغضَك ومَقَتَكْ وَقَلَاكَ ، كما قيل :
الله يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ وَبِنُّي آدَمَ حينَ يُسألُ يغضبُ
وقبيحٌ بالعبد المريد : أن يتعرّض لسؤال العبيد ، وهو يجد عند مولاه
كلّ ما يريد . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله
عنه، قال: كُنّا عند رسول الله عَّ لمه تسعة - أو ثمانية ، أو سبعة - فقال :
(( ألا تُبايعون رسول الله؟ )). وكنّا حديثي عهدٍ ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعناك
يا رسول الله، ثم قال: (( ألا تُبايعون رسول الله ؟)). فبسطْنا أيدينا وقلنا:
قد بايعناك يا رسول الله ، فعلام نُبايعك؟ فقال: (( أن تعبدوا الله ، ولا
تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس - وأسرَّ كلمةً خفيَّةً - ولا تسألوا
الناس شيئًا)). قال: ولقد رأيت بعضَ أولئك النَّفَر يسقط سَوْطُ أَحَدِهم،
فما يسأل أحدًا أن يُناوله إياه .
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي عَ ◌ّم قال:
(( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزْعة لحم)).
وفيهما أيضًا عنه، أن رسول الله عَ لّه قال - وهو على المنبر، وَذَكَرَ
الصَّدَقة والتَّعفُّف عن المسألة -: ((واليَدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى)).
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد