النص المفهرس
صفحات 421-440
ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد الفصْلُ السَّادس عُلُوُّ الهِمَّةِ في الثَّوَكُل (( لَوْ أَنَّكُمْ تَوكَّتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ توكُلِهِ ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرِزِقُ الطير ، تغدو خِمَاصًا ، [ حديثٌ صحيحٌ ] وتُرُوح بِطانًا )) https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٤٢٣ عُلُوُّ الهِمَّةِ فِي التوكُّل اعلمْ يا أخي أنّ التوكُّل هو من أجلِّ السُّبُل عند الخاصّة وأعظمها قدرًا ، وقد أمَرَ اللهُ رسوله بذلك ، وحضَّه عليه هو والمؤمنين ، فقال تعالى الرسوله: ﴿ قُلْ هو الرحمنُ آمنًا بِهِ وعليهِ توكَّلْنا فستعلمُونَ مَن هُو في ضلالٍ مُبِينٍ﴾ [ الملك: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿فتوكّلْ على اللهِ إِنَّكَ على الحقُّ المبين ﴾ [ النمل: ٧٩ ]، وقال له : ﴿ وتو گل على الله و کفی بالله و كيلا [ النساء: ٨١]، وقال له: ﴿وتوكّلْ على الحِّ الذي لا يموتُ وسبِّحْ بحمدِه ◌َ [ الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عزمْتَ فتوكَّلْ على اللهِ إِنَّ اللّهِ يحبُّ المتوكِّلِين﴾ [ آل عمران : ١٥٩ /٠ وقال عن أنبيائه ورسله: ﴿وما لنا ألَّا نتوكَّلَ على اللهِ وقدْ هدانا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ على ما آذيْتُمونا وعلى اللهِ فَلْيتوكَّلِ المتوكّلُون ﴾ [ إبراهيم : ١٢ ]. وقال تعالى عن أصحاب نبيِّه: ﴿الذينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إِنَّ الناسَ قد جمعُوا لكمْ فاحْشَوْهُمْ فزادهُمْ إيمانًا وقالُوا حسبُنا اللهُ ونعْمَ الوكيل [ آل عمران: ١٧٣ ] . وقال تعالى عن أوليائه: ﴿ربَّنا عليكَ توكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنْنَا وإليكَ المصيرُ ﴾ [ الممتحنة : ٤] . وقال تعالى للمؤمنين: ﴿وعلى اللهِ فتوكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مؤمنين ﴾ [ المائدة : ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكَّلِ المؤمنون ﴾ [ إبراهيم: ١١]. ولم يخاطب الله بالتوكُّل في كتابه إلَّ خواصَّ خلقه، وأقربهم إليه ، وأكرمهم عليه ، وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكّلين، والمعلَّقُ على الشرط تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٢٤ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع يعدم عند عدمه ، وهذا يدلّ على انتفاء الإِيمان عند انتفاء التوكَّل ، فمَن لا توكُّلَ له لا إيمانَ له . وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنونَ الذينَ إِذَا ذُكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُليتْ عليهِمْ آيَاتُهُ زادتهم إيمانًا وعلى ربِّهم يتوكّلونَ﴾ [الأنفال: ٢] . وهذا يدلُّ على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة . وأخبر تعالى عن رسله بأنّ التوكُّل مَلْجُوُّهُم ومعاذُهم ، وأمرَ به رسولَه في أربعةِ مواضعَ من كتابه ، وقال: ﴿وقال موسى يا قوم إنْ كنتمْ آمنتمْ باللهِ فعليهِ توكَّلوا إنْ كنتمْ مؤمنينَ ، فقالُوا على اللهِ توكَّلْنا ربَّنا لا تجعلْنَا فتنةً للقومِ الظالمينَ ﴾ [ يونس: ٨٤ - ٨٥ ]. والتوكل مِن أصعبِ منازل العامّة عليهم، لأَنّ العامّة لم يَخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم ، ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصّة ، وهي التي تشهد التوكيل ، فهم في رِقُّ الأسباب ، فيصعب عليهم الخروج عنها ، وخُلُوُّ القلب منها ، والاشتغال بملاحظة المسبِّب وحده . والله تبارك وتعالى يُوكّل العبد ويُقيمه في حفْظ ما وَكَّله فيه ، والعبدُ يوكل الربَّ ويعتمد عليه . فأما وكالة الربِّ عبدَه : ففي قوله تعالى: ﴿ فإنْ يَكْفُرْ بها هؤلاءِ فقد وكَّلْنا بِها قومًا ليسُوا بها بكافرين﴾ [الأنعام: ٨٩]. قال قتادة: وكَّلنا بها الأنبياءَ الثمانيةَ عشرَ الذين ذكرناهم . يعني : قبل هذه الآية . وقال أبو رجاء العطاردي : معناه : إنْ يكفر بها أهل الأرض ، فقد وكّلنا بها أهل السماء ، وهم الملائكة . وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة . والصواب : أنّ المراد مَن قام بها إيمانًا ودعوةً وجهادًا ونُصرةً ، فهؤلاء تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٢٥ هم الذين وكّلهم الله بها . فإن قلتَ : فهل يصحُّ أنْ يقال: إنَّ أحدًا وكيل الله ؟ قلتُ : لا ؛ فإنّ الوكيل مَن يتصرف عن موكِّله بطريق النيابة ، والله عز وجل لا نائبَ له ، ولا يَخلُفه أحد، بل هو الذي يُخلِفُ عبدَه ، كما قال النبي عَّةِ: ((اللهمّ أنت الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل)). على أنّه لا يمتنع أنْ يُطلق ذلك باعتبارِ أنّه مأمورٌ بحفظ ما وكّله فيه ، ورعايته والقيام به . وأما توكيل العبدِ ربَّه : فهو تفويضُه إليه ، وعزْل نفسه عن التصرف ، وإثباته لأهله ووليّه . ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية ، وقيامها بالعبودية . وهذا معنى كوْن الربِّ وكيلَ عبده ، أي : كافيه ، والقائم بأموره ومصالحه ؛ لأنَّه نائبُه في التصرف . فوكالة الربِّ عبدَه أمرٌ وتعبُّدٌ وإحسان له ، وخُلعة منه عليه ، لا عن حاجة منه ، وافتقارٍ إليه كموالاته . وأما توكيل العبدِ ربَّه : فتسليمٌ لربوبيته ، وقيامٌ بعبوديته . معنى التوكُّل : قال الإِمام أحمد : التوكُّل عمل القلب . ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي ، ليس بقول اللسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات. ومن الناس : مَن يجعله من باب المعارف والعلوم ، فيقول : هو علم القلب بكفاية الربّ للعبد . ومنهم : من يفسّرّه بالسكون ، وحمود حركة القلب . فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب ، كانطراح الميت بين يدي الغاسل ، يُقلبه كيف يشاء . وهو ترك الاختيار ، والاسترسال مع مجاري الأقدار . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٤٢٦ قال سهل : التوكل: الاسترسال مع الله مع ما يريد . ومنهم : من يفسّرّه بالرضا ، فيقول : هو الرضا بالمقدور . قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلتُ على الله . يكذب على الله، لو توكَّل على الله ، رضي بما يفعل الله . وسُئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكّلًا ؟ فقال : إذا رضي بالله وكيلاً . ومنهم : من يفسره بالثقة بالله ، والطمأنينة إليه ، والسكون إليه . قال ابن عطاء : التوكل: أن لا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب ، مع شِدّة فاقتِك إليها ، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحقّ مع وقوفك عليها . قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس ، والانخلاع من الحول والقوة ، وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أنّ الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه . وقال بعضهم : التوكل : التعلّق بالله في كلّ حال . وقيل : التوكل: أنْ ترِد عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلَّا إلى مَن إليه الكفايات . وقيل : نفي الشكوك ، والتفويض إلى مالك الملوك . وقال ذو النون : خلْع الأرباب ، وقطع الأسباب . يريد قطعها من تعلُّق القلب بها ، لا من مُلاَبَسة الجوارح لها . ومنهم : من جعله مُرَكَّبًا من أمريْن أو أمور . فقال أبو سعيد الخراز : التوكّل : اضطراب بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب . يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ، وسكون https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٤٢٧ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع إلى المسبّب ، وركون إليه ، ولا يضطرب قلبه معه ، ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه . وقال أبو تراب النَّخْشَبي : هو طرح البدن في العبودية ، وتعلُّق القلب بالربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية ؛ فإن أُعْطِي شكر، وإن مُنع صبر . فجعلَه مركّبًا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية ، وتعلُّق القلب بتدبير الرب ، وسكونه إلى قضائه وقدره ، وطمأنينته وكفايته له ، وشكْره إذا أُعطي ، وصبره إذا مُنع . وأجمع القوم على أنَّ التوكل لا ينافي القيام بالأسباب . فلا يصحُّ التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد . قال سهل بن عبد الله : مَن طَعن في الحركة فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإِيمان . فالتوكل حالُ النبيِ عَّهِ، والكسْب سنَّتْه، فمن عمل على حاله فلا يتركنّ سنتَه ، وهذا معنى قول أبي سعيد: ((هو اضطرابٌ بلا سكون ، وسكون بلا اضطراب )) . وقول سهلٍ أبين وأرفع . وقيل : التوكل: قطْع علائق القلب بغير الله . وسئل سهل عن التوكل ، فقال : قلب عاش مع الله بلا عَلاقة . وقيل : التوكل: هجْر العلائق ، ومواصلة الحقائق . وقيل: التوكل: أنْ يستوي عندك الإِكثار والإِقلال . وهذا مِن موجباته وآثاره ؛ لأنه حقيقته . ومنهم : من جعل التوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . قال أبو علي الدقَّاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ، ثم التسليم ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٢٨ ثم التفويض . فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه . فالتوكل بداية ، والتسليم واسطة ، والتفويض نهاية . فالتوكل صفة المؤمنين ، والتسليم صفة الأولياء ، والتفويض صفة الموحّدين . التوكل صفة العوام ، والتسليم صفة الخواصّ ، والتفويض صفةُ خاصّة الخاصّة . التوكل صفة الأنبياء ، والتسليم صفة إبراهيم الخليل ، والتفويض صفة نبيّنا محمد علّ له وعليهم أجمعين. هذا كلّه كلام الدقّاق ، ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل ، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوعِ اقتراحِ عليه ، وإرادةٍ وشائبةٍ منازَعَةٍ ، فإذا سلّم إليه زال عنه ذلك ، ورضي بما يفعله وكيله ، وحال المفوّض فوق هذا ، فإنّه طالب مريد ممّن فوّض إليه ، ملتمسٌ منه أن يتولّى أموره ، فهو رضًا واختيار ، وتسليمٌ واعتماد . فالتوكل يندرج في التسليم ، وهو والتسليم يندرجان في التفويض ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وكُلِّ أشار إلى واحد أو اثنين أو أكثر مِن حال؛ رُكِّب التوكّلُ من مجموعها . التوكُّل على اللهِ حقَّ التَّوكُّل : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((لو أنَّكم توكَّلتم على الله عزّ وجل حقّ توكُّلِهِ، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا))(٢٠١). (١) خماصًا : أي ضامرة البطون من الجوع. وبطانًا : أي ممتلئة البطون. (٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد والطيالسي في مسنده ، والترمذي ، والنسائي في الكبرى ، وأبو نعيم في الحلية ، والبغوي في شرح السنة ، وأخرجه أحمد في المسند ، والفسوي في المعرفة ، وابن حبان ، والحاكم ، وصححه ، ووافقه = تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٤٢٩ عن ابن عباس: أن رسول الله عَ لمه كان يقول: ((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت ، وعليك توكَّلت ، وإليك أنْتُ، وبك خاصمتُ ، أعوذ بعزَّتك ، لا إله إلّا أنت ، الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون))(١). قال شيخ الإسلام ابن القيم: ((إن التَّوكُّل حالٌ مركّبة من مجموع أمورٍ ، لا تتمّ حقيقة التوكل إلّا بها . فأوَّل ذلك معرفةٌ بالَّبِّ وصفاته : من قدرته ، وكفايته ، وقُيُّومِيَّتِهِ ، وانتهاء الأمور إلى علمه ، وصدورها عن مشيئته وقدرته . وهذه المعرفة أول درجةٍ يضع بها العبد قدمه في مقام التوكُّل . قال شيخنا رضي الله عنه : ولذلك لا يصحُّ التوكل ولا يُتصوَّر من فيلسوف ، ولا من القَدَرِيّةِ النُّقاة ، القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء . ولا يستقيم أيضًا من الجَهْمِيّة النّفاة لصفات الرب جل جلاله . ولا يستقيم التوكَّل إلا من أهل الإِثبات . فأتّ توكُّلٍ لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيّات العالم سُفليّه وعلويّه ، ولا هو فاعل باختياره ، ولا له إرادة ومشيئة ، ولا يقوم به صفة ؟! فكلُّ مَنْ كان بالله وصفاته أَعْلَمَ وَأَعْرَفَ ، كان توكُّلُهُ أصحَّ وأقوى . والله سبحانه . وتعالى أعلم . والتوكل من أَعَمِّ المقامات تعلُّقًا بالأسماء الحسنى ؛ فإن له تعلُّقًا خاصًّا بعامَّة أسماء الأفعال ، وأسماء الصفات . فله تعلُّق باسم الغفّار ، والتّاب ، الذهبي ، والبيهقي في الشعب ، وأخرجه أحمد وابن ماجه ، وأبو نعيم في أخبار = أصفهان ، وصححه المناوي في التيسير ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( رقم ٥٢٥٤ ) والصحيحة (رقم ٣١٠). (١) أخرجه أحمد، ومسلم بلفظ: (( ... لا إله إلا أنت أن تُضلني، أنت الحّي ... )). وأخرجه البخاري مختصرًا. التوكل على الله عز وجل ، ابن أبي الدنيا ، صـ ٣٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٣٠ والعَفُوّ، والرّءوف، والرّحيم. وتعلُّق باسم الفتّاح، والوهّاب، والرّزّاق، والمعطي ، والمُحِسن . وتعلَّق باسم المُعِزّ ، المُذِلّ ، الحافظ ، الرّافع، المانع ، من جهة توكُّله عليه في إذلال أعداء دينه ، وخفضهم ومنعهم أسباب النصر . وتعلّق بأسماء القدرة ، والإِرادة . وله تعلَّق عامّ بجميع الأسماء الحسنى . ولهذا فسَّرِه مَنْ فسَّره من الأئمة بأنه المعرفة بالله . وإنما أراد أنه بحَسَبِ معرفة العبد ، يصحُّ له مقام التّوكُّل . وكلما كان بالله أَعْرَفَ ، كان توكُّلُه عليه أقوىُ . الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات : فإن مَنْ نفاها فتوكُلُه مدخول . وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب يَقْدَح في التَّوكُّل ، وأن نَفْيها تمام التّوكُّل . فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكَّل ألبتّة ؛ لأن التّوكُّل من أقوى الأسباب في حصول المتوكّل فيه ، فهو كالدعاء الذي جعله الله سببًا في حصول المدعو به . فإذا اعتقد العبد أن توكُّله لم ينصبه اللهُ سبًا ، ولا جَعَلَ دعاءه سيبًا لنيلِ شيءٍ ، فإن المتوكّل فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قُدِّر ؛ حَصَلَ ، توكَّلَ أو لم يتوكَّلْ ، دعا أو لم يَدْعُ. وإن لم يُقَدَّرْ؛ لم يحصُلْ، توكَّلَ أيضًا أو تَرَكَ التّوكُلَ. وصرَّح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبوديّة محضة ، لا فائدة لهما إلا ذلك . ولو تَرَكَ العبد التّوكَّلَ والدعاء، ما فاتَهُ شيء مما قُدِّر له . وَمِنْ غُلاتهم مَنْ يجعل الدعاء بعَدَم المؤاخذة على الخطأ والنسيان ، عديم الفائدة ، إذ هو مضمون الحصول . ورأيتُ بعض متعمِّقي هؤلاء - في كتابٍ له - لا يُجوِّز الدعاء بهذا، وإنما يجوِّزه تلاوةً لا دعاءً. قال: لأن الدعاء به يتضمَّن الشَّكَّ في وقوعه ؛ لأن الداعي بين الخوف والرجاء ، والشّكّ في وقوع ذلك : شكّ في خبر الله . فانظر إلى ما قاد إنكار الأسباب من العظائم ، وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣١ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ولم يزل المسلمون - من عهد نبيهم عَةٍ وإلى الآن - يدعون به في مقامات الدعاء ، وهو من أفضل الدعوات . وجواب هذا الوهم الباطل ، أن يقال : بقي قسمٌ ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه ، وهو الواقع ؛ وهو أن يكون قُضي بحصول الشيء عند حصول سَبَبِهِ من التَّوكُّل والدعاء ، فنصب الدعاء والتَّوكَّل سَبَبَيْن لحصول المطلوب ، وقضى الله بحصوله إذا فَعَلَ العبدُ سببه ، فإذا لم يأتِ بالسبب ، امتنع المسبّب . وهذا كما قضي بحصول الولد إذا جامع الرجل مَنْ يُحبلها ، فإذا لم يُجامع لم يُخلق الولد . وقضي بحصول الشِّبَع إذا أكل ، والّ إذا شرب ، فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يُروَ . وقضي بحصول الحجّ والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق . فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة . وقضي بدخول الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة ، فإذا ترك الإِسلام ولم يعمل الصالحات ، لم يدخلها أبدًا . وقضي بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته . وقضي بطلوع الحبوب التي تزرع بشقّ الأرض ، وإلقاء البذر فيها ، فما لم يأتِ بذلك لم يحصل إلا الخيبة . فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كلّ مِن هؤلاء السببَ الموصِّلَ ، ويقول : إن كان قُضي لي وسبق في الأزل حصول الولد والشَّبَع والّ والحجّ ونحوها ، فلا بد أن يصل إلَّي، تحرّكتُ أو سكنتُ ، وتزوَّجت أو تركت ، سافرت أو قعدت . وإن لم يكن قد قُضي لي ، لم يحصُل لي أيضًا ، فعلتُ أو تركت . فهل يعُدُّ أَحَدٌ هذا من جملة العقلاء ؟! وهل البهائم إلَّا أَفْقَه منه ؟! فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة . فالتَّوكُّل من أعظم الأسباب التي يحصُل بها المطلوب ، ويندفع بها المكروه . فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التّوكَّل . ولكنْ مِن تمام التّوكُّل : عدم الُّكُون إلى الأسباب ، وقطْع علاقة القلب بها ، فيكون حال تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بَدَنِهِ قيامه بها . فالأسباب محلّ حكمة الله وأمره ودينه ، والتَّوكَّل متعلِّق بربوبيته وقضائه وقدره . فلا تقوم عبودية الأسباب إلّا على ساقِ التّوكّل ، ولا يقوم ساق التّوكّل إلَّا على قَدَم العبودية . والله سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التَّوكَّل : فإنه لا يستقيم توكَّل العبد حتى يصحّ له توحيده . بل حقيقة التّوكَّل : توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك ، فتوكُّلُه معلولٌ مدخولٌ ، وعلى قدر تجريد التوحيد ، تكون صحَّة التّوكّل ، فإن العبد متى التفت إلى غير الله ، أخَذَ ذلك الالتفاتُ شُعبةً من شُعَب قلبه ، فنقص من توكَّله على الله بقدْر ذَهاب تلك الشُّعبة، ومن هاهنا ظنَّ مَنْ ظنّ، أن التَّوكُّل لا يصحُّ إلا برفض الأسباب ، وهذا حقٌّ . لكنَّ رَفْضها عن القلب لا عن الجوارح ، فالتوكل لا يتمّ إلا برفض الأسباب عن القلب ، وتعلّق الجوارح بها ، فيكون منقطعًا منها متَّصِلًا بها . والله سبحانه وتعالى أعلم . الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله ، واستناده إليه ، وسكونه إليه : بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ، ولا سكونٌ إليها . بل يخلع السكونَ إليها من قلبه ، ويُلبسه السكونَ إلى مسبِّبها . وعلامة هذا : أنه لا يُبالي بإقبالها وإدبارها ، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها ، وإقبال ما يكره ؛ لأن اعتماده على الله ، وسكونه إليه ، واستناده إليه ، قد حصَّنه من خوفها ورجائها ، فحاله حالُ مَنْ خرج عليه عدوٌّ عظيم لا طاقة له به ، فرأى حِصنًا مفتوحًا ، فأدخله ربُّه إليه ، وأغلق عليه باب الحصن . فهو يشاهد عدوَّه خارج الحِصن ، فاضطرابُ قلبِه وخوفُه من عدوّه في هذه الحال ، لا معنى له . وكذلك من أعطاه ملكٌ درهمًا، فسُرق منه ، فقال له الملك : عندي أضعافه فلا تهتمَّ ، متى جئتَ إلَّ أعطيتُك من https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٣ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع خزائني أضعافه . فإذا علم صحة قوْل الملك ، وَوَثِقَ به واطمأنّ إليه ، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك - لم يُحِنه فَوْتُهُ. وقد مثّل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه ، وطُمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره ، وليس في قلبه التفاتٌ إلى غيره ، كما قال بعض العارفين : المتوكّل كالطفل ، لا يعرف شيئًا يأوي إليه إلا ثدي أمه ، كذلك المتوكِّل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه . الدرجة الخامسة : حُسن الظن بالله عز وجل : فعلى قدر حسن ظِّك بربك ورجائك له ، يكون توكُّلُك عليه ، ولذلك فَسَّرَ بعضهم التوكل بحُسن الظن بالله . والتحقيق : أن حُسن الظَّنّ به يدعوه إلى التوكُّل عليه . إذ لا يتصوَّر التّوكُّل على من ساء ظنُّك به ، ولا التّوكُّل على من لا ترجوه . والله أعلم . الدرجة السادسة : استسلام القلب له ، وانجذاب دواعيه كلِّها إليه ، وقطع منازعاته : وبهذا فسَّره من قال : أن يكون العبد بين يدي الله ، كالميِّت بين يدي الغاسِل ، يُقلِّبه كيف أراد ، لا يكون له حركة ولا تدبير . وهذا معنى قول بعضهم : التَّوكَّل إسقاط التدبير . يعني الاستسلام لتدبير الرب لك ، وهذا في غير باب الأمر والنهي ، بل فيما يفعله بك ، لا فيما أمرك بفعله . فالاستسلام كتسليم العبدِ الذليل نَفْسَهُ لسيِّده ، وانقياده له ، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده . والله سبحانه وتعالى أعلم . ولله دَرُّ القائل : فَأُولُو الَّذْبِيرِ هَلْكَى لا تُدبِّرْ لك أمْرا نحنُ أُوْلَى بِكَ مِنْكَا سَلِّمِ الأَمْرَ تَجِدْنَا الدرجة السابعة : التفويض : وهو رُوح التَّوكُّل ولُبُّهُ وحقيقته . وهو إلقاء أمورِهِ كلِّها إلى الله ، وإنزالها به طَلَبًا واختيارًا، لا كُرْهًا واضطرارًا، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٣٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع بل كتفويضِ الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره ، كلَّ أموره إلى أبيه ، العالم بشفقته عليه ورحمته ، وتمام كفايته ، وحُسن ولايته له ، وتدبيره له ، فهو يرى أن تدبير أبيه له ، خيرٌ من تدبيره لنفسه ، وقيامه بمصالحه وتولِّيه لها ، خيرٌ من قيامه هو بمصالح نفسه وتولّيه لها ، فلا يجد له أصْلَح ولا أرْفَق من تفويضه أموره كلّها إلى أبيه ، وراحته من حَمْلِ كُلَفِها وثقل حِمْلها ، مع عجزه عنها ، وجهله بوجوه المصالح فيها ، وعلمه بكمال علّم من فوّض إليه ، وقدرته وشفقته . فإذا وضع قَدَمه في هذه الدرجة ، انتقل منها إلى : درجة الرضا : وهي الدرجة الثامنة : وهي ثمرة التَّوكُّل . ومن فسَّر التّوكُّل بها ، فإنما فسّره بأجَلِّ ثمراته وأعظم فوائده ، فإنه إذا توكَّلَ حقَّ التّوكُّل ، رضي بما يفعله وكيلُه . وكان شيخنا - رضي الله عنه - يقول : المقدور يكتنفه أمران : التّوكُّل قَبْلَه والرضا بعده ، فمن توكَّلَ على الله قَبْل الفعل ، ورضي بالمقضي له بعد الفعل ، فقد قام بالعبودية . أو معنى هذا . قلت: وهذا معنى قول النبي عَّةٍ في دعاء الاستخارة: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأسْتَقْدِرُكَ بقُدْرتك، وأسألك من فضلك العظيم)). فهذا توكُّل وتفويض. ثم قال: ((فإنك تعلم ولا أعلم ، وتقدر ولا أقدر ، وأنت علَّام الغيوب )). فهذا تبُّؤ إلى الله من العلْم والحوْل والقُوَّة، وتوسُّلٌ إليه - سبحانه - بصفاته التي هي أحبُّ ما توسّل إليه بها المتوسِّلون . ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحتُه عاجلاً أو آجلا ، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مَضَرَّتُه عاجلاً أو آجلا ، فهذا هو حاجته التي سألها . فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له ، فقال: (( وَأَقْدِرْ لِي الخَيْرَ حيثُ كَانَ ، ثم رَضِّنِي به)) . فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية ، والحقائق الإِيمانية ، التي من جملتها : التَّوكُّلُ والتفويض قَبْلَ وقوعِ المقدور . والرضا https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٥ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع بعده ، وهو ثمرة التّوكُّل. والتفويض علامةُ صحّتِهِ . فإن لم يَرْضَ بما قُضِيَ له ، فتفويضه معلولٌ فاسد . فباستكمال هذه الدرجات الثمان ، يستكمل العبد مقام التَّوكُّل ، وتثبت قدمُه فيه . وهذا معنى قول بشرٍ الحافي : يقول أحدهم : توكَّلتُ على الله . يكذبُ على الله ؛ لو توكَّلَ على الله لرضي بما يفعله الله به . وقول يحيى بن معاذ وقد سُئل : متى يكون الرجل متوكِّلًا ؟ فقال : إذا رضي بالله وكيلاً))(١). اشتباه المحمود الكامل من التَّوكُّل بالمذموم الناقص : يقول شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية: (( وكثيرًا ما يشتبه في هذا الباب : المحمودُ الكامل بالمذموم الناقص . فيشتبه التفويض بالإِضاعة ، فيضيِّع العبد حظّه ، ظنًّا منه أن ذلك تفويضٌ وتوكُّل . وإنما هو تضييعٌ لا تفويض ؛ فالتضييع في حقِّ الله ، والتفويض في حقِّك . ومنه : اشتباه التوكل بالراحة ، وإلقاء حمل الكُلِّ . فيظنُّ صاحبه أنه متوكِّل، وإنما هو عامٌ على عدم الراحة . وعلامة ذلك: أن المتوكّل مجتهدٌ في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد ، مستريحٌ مِنْ غيرها لتعبه بها . والعامل على الراحة آخِذٌ من الأمر مقدارَ ما تندفع به الضرورة ، وتسقُط به عنه مُطالَبَة الشرع . فهذا لون ، وهذا لون . ومنه : اشتباه خَلْع الأسباب بتعطيلها . فخلعُها توحيد ، وتعطيلُها إلحاد وزندقة . فخلِّعُهَا عَدَم اعتماد القلب عليها ، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها . وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح . (١) مدارج السالكين ٢ / ١١٧ - ١٢٣. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز . والفَرْق بينهما : أن الواثق بالله قد فَعَلَ ما أمره الله به ، ووثق بالله في طلوع ثمرته ، وتنميتها وتزكيتها ، كغارس الشجرة ، وباذر الأرض . والمغتُّ العاجِز : قد فرط فيما أمر به ، وزعم أنه واثق بالله . والثقة إنما تصحُّ بعد بذل المجهود . ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه ، بالطمأنينة إلى المعلوم ، وسكون القلب إليه . ولا يميِّز بينهما إلَّا صاحب البصيرة ، كما يُذكر عن أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئًا إلا شَرْبَةً من ماء زمزم ، فمضى عليه أيام ، فقال له أبو سليمان يومًا : أرأيت لو غارت زمزم ، أيّ شيءٍ كنت تشرب؟ فقام وقبّل رأسه ، وقال : جزاك الله خيرًا، حيث أرشدتني ، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام . . ثم تركه ومضى . وأكْثَر المتوكِّلين سكونُهم وطُمأْنِينَتُهُم إلى المعلوم ، وهم يظنون أنه إلى الله . وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلومُ أَحَدِهم ، حَضَرَه هَمّه وَبَنُّه وخوفه ، فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله . ومنه : اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك ، وحديث النفْس به . وذلك شيءٌ، والحقيقة شيءٌ آخر، كما يُحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أُعطِيت طرفًا من الرضا ، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيًا . فسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية يقول : هذا عزمٌ منه على الرضا وحديثُ نفسٍ به . ولو أَدْخَلَهُ النار، لم يكن من ذلك شيءٌ . وَفَرْقٌ بين العزم على الشيء وبين حقيقته . ومنه : اشتباه عِلْم التَّوكُّل بحال التّوكّل . فكثيرٌ من الناس يعرف التّوكُّل وحقيقته وتفاصيله ، فيظنّ أنه متوكِّل ، وليس من أهل التوكل . فحال التّوكّل : أمرٌ آخر مِنْ وراء العلم به . وهذا كمعرفة المحبة والعلم ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٧ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع بها وأسبابها ودواعيها . وحال المحبّ العاشق وراء ذلك . وكمعرفة علم الخوف ، وحال الخائف وراء ذلك . وهو شبيهٌ بمعرفة المريض ماهيَّة الصحة وحقيقتها ، وحالُهُ بخلافها . فهذا الباب يكثر اشتباهُ الدَّعاوى فيه بالحقائق ، والعوارض بالمطالب ، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة . والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )) (١). توكَّل العاجِز القاصِر الهمَّة المغبون في توكُّله : يقول شيخ الإسلام ابن القيم: ((كثيرٌ من المتوكِّلين يكون مغبونًا في توكُّله ، وقد توكَّلَ حقيقةَ التّوكّلِ وهو مغبون ؛ كمن صَرَفَ توكُلَه إِلى حاجةٍ جزئيّة استفرغَ فيها قوةَ توكُّله ، ويمكنه نيلُها بأيسر شيءٍ ، وتفريغُ قلبه للتّوكّل في زيادة الإِيمان والعلم ، ونصرة الدين ، والتأثير في العالم خبرًا . فهذا توكُّل العاجز القاصر الهمَّة، كما يصرف بعضهم همَّتَهُ وتوكُّلَه ودعاءَهُ إلى وَجَع يمكن مداواته بأدنى شيء ، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيفٍ أو نصفٍ درهم ، أو نصرٍ على عدوّ أو زوجة أو ولد ، ونحو ذلك ، ويَدَع صْفه إلى نُصرة الدين ، وقمْع المبتدعين ، وزيادة الإِيمان ، ومصالح المسلمين . والله أعلم . ودون هؤلاء من يتوكَّل عليه في حُصُول الإِتم والفواحش ، فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه ، بل قد يكون توكُّلهم أقوى من توكّل كثيرٍ من أصحاب الطاعات ؛ ولهذا يُلقون أنفسهم في المتالف والمهالك ، معتمدين على الله أن يسلِّمهم ، ويظفرهم بمطالبهم)). (١) مدارج السالكين ٢ / ١٢٣ - ١٢٥ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٨ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع فالتَّوكُّل أوسع المنازل وأجمعها ، ولا تزال معمورة بالنَّازِلِين ، لسعة متعلَّق التّوكّل ، وكثرة حوائج العالمين ، وعموم التّوكّل ، ووقوعه من المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، والطير والوحش والبهائم . فأهل السموات والأرض - المكلَّفون وغيرهم - في مقام التَّوكَّل ، وإن تباينَ متعلّق توكُلهم . درجات التَّوكُّل : قال ابن القيم في ((مدارج السالكين)) شارحًا كلام شيخ الإِسلام الأنصاري: ((قال: ((وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى: التَّوكُّل مع الطَّلَب ، ومعاطاة السبب على ◌ِيَّة شغل النفس بالسبب مخافة ، ونفع الخلق ، وتّرْك الدَّعوى)). يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله ، ولا يترك الأسباب ، بل يتعطاها على نيَّة شغل النَّفْس بالسبب ، مخافةً أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ . فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلتْه بما يضُرّه ، لا سيما إذا كان الفراغ مع حدَّة الشباب ، وملْك الجِدَة ، وميْل النفس إلى الهوى ، وتوالي الغفلات ، كما قيل : إِن الشبابَ والفراغَ والِدَهْ مَفْسَدَةٌ للمرء أّ مفسدهْ ويكون أيضًا قيامه بالسبب على نيَّة نفع النفس ، ونفع الناس بذلك ، فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره . وأمَّا تضمُّن ذلك لترك الدعوى: فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلَّصَ من إشارة الخلْق إليه ، الموجِبة لحُسن ظنّه بنفسه ، الموجب لدعواه . فالسبب سْرٌ لحاله ومقامه ، وحجابٌ مُسْبَل عليه . ومن وجهٍ آخر ، وهو أن يَشْهَد به فقره وذُلَّه ، وامتهانه امتهانَ العبيد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٩ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع والفَعَلَة . فيتخلَّص من رعونةِ دعوى النفس ، فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب ، سَلِمَ من هذه الأمراض . فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورًا بها ، ففيها فائدةٌ أجلُّ من هذه الثلاث ، وهي المقصودة بالقصد الأول ، وهذه مقصودة قصد الوسائل . وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خُلق له العبد ، وأُرسلت به الرسل ، وأُنزلت لأجله الكتب ، وبه قامت السموات والأرض ، وله وُجِدت الجنة والنار . فالقيام بالأسباب المأمور بها : مَحْضُ العبودية ، وحقّ الله على عبده الذي توجّهت به نحوه المطالب ، وترتَّب عليه الثواب والعقاب . والله سبحانه أعلم . قال: ((الدرجة الثانية: التَّوكَّل مع إسقاط الطلب، وغَضّ العين عن السبب ؛ اجتهادًا لتصحيح التّوكّل ، وقمعًا لشرف النفس ، وتفرُّغًا إلى حِفْظ الواجبات )). قوله: ((مع إسقاط الطلب)) ؛ أي من الخلق لا من الحق ، فلا يطلب من أحدٍ شيئًا . وهذا من أحْسَن الكلام وأَنْفَعه للمريد ؛ فإن الطَّلَب من الخلْق في الأصل محظورٌ ، وغايته أن يُباح للضرورة ، كإباحة الميتة للمضطرّ ، ونصَّ أحمد على أنه لا يجب . وكذلك كان شيخنا يُشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال . وسمعتُهُ يقول في السؤال : هو ظُلم في حقِّ الربوبية ، وظلم في حق الخلق ، وظلم في حق النفس . أمّا في حق الربوبية ؛ فَلِمَا فيه مِن الذُّلّ لغير الله ، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه ، والتَّعُّض عن سؤاله بسؤال المخلوقين ، والتَّعُرُّض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه . وأمّا في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال ، واستخراجه منهم ، وأبغض ما إليهم : مَنْ يسألهم ما في أيديهم . وأحبُّ ما إليهم: https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٤٤٠ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع من لا يسألهم ؛ فإن أموالهم محبوباتهم ، ومن سألك محبوبك فقد تعرَّض لمقتك وبغضك . وأمَّا ظلم السائل نفسه : فحيثُ امْتَهَنَهَا وأقامها في مقام ذُلّ السؤال ، ورضي لها بذُلِّ الطلب ممن هو مِثْلُه ، أو لعل السائل خير منه وأعلى قَدْرًا، وتَرَكَ سؤالٍ مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . فقد أقام السائل نفسه مقامَ الذُّلّ، وأهانها بذلك، ورضي أن يكون شخَّاذًا مِن شحّاذٍ مثله ، فإن من تشحذه فهو أيضًا شحّاذ مثلك ، والله وحده هو الغني الحميد . فسؤال المخلوق للمخلوق : سؤال الفقير للفقير . والرب تعالى كلَّما سألتَهُ كَرُمْتَ عليه ، ورضي عنك، وأحبَّك . والمخلوق كلما سألته هُنت عليه وأبغضَك ومَقَتَكْ وَقَلَاكَ ، كما قيل : الله يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ وَبِنُّي آدَمَ حينَ يُسألُ يغضبُ وقبيحٌ بالعبد المريد : أن يتعرّض لسؤال العبيد ، وهو يجد عند مولاه كلّ ما يريد . وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قال: كُنّا عند رسول الله عَّ لمه تسعة - أو ثمانية ، أو سبعة - فقال : (( ألا تُبايعون رسول الله؟ )). وكنّا حديثي عهدٍ ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: (( ألا تُبايعون رسول الله ؟)). فبسطْنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ، فعلام نُبايعك؟ فقال: (( أن تعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس - وأسرَّ كلمةً خفيَّةً - ولا تسألوا الناس شيئًا)). قال: ولقد رأيت بعضَ أولئك النَّفَر يسقط سَوْطُ أَحَدِهم، فما يسأل أحدًا أن يُناوله إياه . وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي عَ ◌ّم قال: (( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزْعة لحم)). وفيهما أيضًا عنه، أن رسول الله عَ لّه قال - وهو على المنبر، وَذَكَرَ الصَّدَقة والتَّعفُّف عن المسألة -: ((واليَدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى)). https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد