النص المفهرس

صفحات 381-400

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨١
علو الهمة في الصَّبْرِ
((إِنَّ اللهَ سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يَكْبُو، وصارمًا لا ينبو ،
وجندًا لا يُهزَم ، وحصنًا لا يُهدَم، ولا يُثْلَم ، فهو والنصر أخوان شقيقان ،
وهو أَنصُرُ لصاحبه مِن الرجال بلا عُدَّة ولا عَدَدٍ ، ومحلُّه مِنَ الظَّفَر محلّ
الرأسِ مِنَ الجسد .
وللصابرين مَعِيَّةٌ مع الله ، ظفروا بها بخير الدنيا والآخرة ، وفازوا بها
يِنِعَمِهِ الظَّاهرة والباطنة ، وجعل اللهُ سبحانه الإِمامة في الدين مَنُوطَةً بالصبر
واليقين؛ فقال تعالى - وبقوْله اهتدى المُهتَدُونَ -: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِئًا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [ السجدة: ٢٤].
قال ابن تيمية : إنما تُنَالُ الإِمامةُ في الدين بالصبر واليقين .
وقال ابن عيينة: ((لمَّا أخذوا برأس الأمر، صارُوا رؤوسًا)).
وأخبرَ سبحانه أنَّ الصبر خيرٌ لأهلِهِ مؤكِّدًا باليمين ، فقال تعالى :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصابِرِينَ ﴾ [النحل: ١٢٦].
وأخبر عن محبَّته للصابرين ، ولقد بشَّر الصابرين بثلاثٍ ، كلٌّ منها
خيّرٌ ممَّا عليه أهل الدنيا يتحاسدون ، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ »
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلْهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [ البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وأوصى عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين ؛
فقال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ
[ البقرة : ٤٥ ] .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٢
وَجَعَلَ الفوزَ بالجنةِ والنجاةَ مِنَ النَّارِ لا يحظى بِهِ إِلَّ الصابرون ؛
فقال تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَّرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ ﴾
[ المؤمنون : ١١١ ] .
وأخبر أنَّ الصبر والمغفرةَ من العزائم ، التي تجارةُ أربابها لا تُبُور ؛ فقال
تَعَالَى: ﴿ وَلَمَنِ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ ﴾ [ الشورى: ٤٣] .
وفي الصحيح عن رسولنا عَ له: ((وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيّرًا وأوسعَ
مِن الصبر)). وأخبر عَ لَّهِ أنَّ الصبر ضياءٌ.
قال عمر رضي الله عنه: (( أفضلُ عيشٍ أدركناه بالصبر ، ولو أنَّ
الصبر كان من الرجال كان كريمًا )).
وقال علّ بنُ أبي طالب : الصبر مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو .
وقال الحسن : الصبرُ كَثْر مِن كنوز الجنة ، لا يُعطيهِ اللهُ إلا لعبدٍ
کریمٍ عنده .
وقال عمر بن عبد العزيز : ما أنعمَ اللهُ على عبدٍ نعمةً فانتزعَهَا منه
فعاضه مكانها الصبر ، إلّا كان ما عَوَّضه خيرًا ممّا انتزعه .
وقال ميمون بن مهران : ما نال أحدٌ شيئًا مِن ختم الخير فما دونه
إلّ الصبر .
وقال سليمان بن القاسم : كلّ عملٍ يُعَرَف ثوابُه إلّا الصبر؛ قال
تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفِّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِساب﴾، قال : كالماء
المُنْهمر ))(١).
(١) عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم صـ ٦٤، ٩٠ - ٩١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٣
قال ابن القيم: ((الإِنسان منّا إذا غلب صبرُه باعِثَ الهوى والشهوة ،
الْتَحَقَ بالملائكة ، وإن غلب باعِتُ الهوى والشهوة صبرَه،التحق بالشياطين ،
وإنْ غلب باعثُ طبْعه - من الأكل والشرب والجماع - صبرَه ، الْتحق
بالبهائم . قال قتادة : خلَق الله سبحانه الملائكة عقولًا بلا شهوات ، وخلق
البهائم شهواتٍ بلا عقول ، وخلق الإِنسان وجعل له عقلًا وشهوة ، فمَن غلب
عقلُه شهوَتَه فهو مع الملائكة ، ومن غلبتْ شهوتُه عقلَه فهو كالبهائم))(١).
أنواع الصبر :
والصبر نوعان: اختياري واضطراري ، والاختياريُ أكمل من الاضطراري ،
أو صبرٌ على ما يتعلق بالكسب ، وصبر على ما لا كسب للعبد فيه .
أو بلفظٍ آخر : هو على ثلاثة أنواع : صبرٌ على طاعة الله ، وصبر
عن معصية الله ، وصبر على امتحان الله .
والصبر المتعلق بالتكليف - وهو الأمر والنهي - أفضل من الصبر على
مجرّد القَدَر ، فإنَّ هذا الصبر يأتي به البُر والفاجر، والمؤمن والكافر ، فلا بدّ
لكلّ أحدٍ من الصبر على القَدَر اختيارًا أو اضطرارًا .
فأما الصبر على الأوامر والنواهي - الصبر عن المعصية والصبر على
الطاعة - فهو صبرُ أنْباعِ الرُّسل، وأعظمهم اتِباعًا أصبرُهم في ذلك .
والصبر على الاضطراري - وهو الصبر على الامتحان والقَدَر - مع
عِظَم جزائه فهو أقُّ رتبةً من الصبر عن المعصية .
قال ابن تيمية - قدَّس اللهُ روحه -: ((كان صبرُ يوسف عن
مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكملَ من صبره على إلْقاءِ إخوته له في الجُبِّ ،
(١) عدة الصابرين صـ ١٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٤
وبيِّعه ، وتفريقهم بينه وبين أبيه ؛ فإنَّ هذه أمورٌ جرتْ عليه بغير اختياره ،
لا كسبَ له فيها ، ليس للعبد فيها حِيلةٌ غير الصبر ، وأمَّا صبره عن
المعصية: فصبر اختيار، ومحاربةٌ للنفس ))(١).
قال ابن القيم في المدارج (٢ / ١٦٩): ((الصبر على طاعته،
والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على أقداره ؛ فإنّ الصبر فيها صبر
اختيارٍ وإيثارٍ ومحبّة ، والصبر على أحكامه الكونية صبرُ ضرورة ، وبينهما
مِن البَوْن ما قد عَرَفتَ . وكذلك كان صبر نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى
عليهم الصلاة والسلام ، على ما نالهم في الله ، باختيارهم وفعْلهم ومقاومتهم
قَوْمَهم - أكملَ من صَبْرٍ أيوب على ما ناله في الله ، من ابتلائه وامتحانه
بما ليس مُسَبِّبًا عن فعْله .
وكذلك كان صبر إسماعيل الذَّبيح ، وصبر أبيه إبراهيم عليهما
السلام على تنفيذ أمر اللهِ - أكملَ من صبرٍ يعقوب على فَقْدٍ يوسف)).
وكان ابن تيمية رحمه الله يقول: ((الصبر على أداءِ الطاعات أكملُ
من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل ؛ فإنَّ مصلحة فعْل الطاعة أحبُّ
إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدْم الطاعةِ أَبْغَضُ إليه
وأكره من مفسدة وجود المعصية))(٢).
وهو أيضًا على ثلاثة أنواع: صبرٌ بالله ، وصبر لله ، وصبر مع الله :
فالأول : الاستعانة به ، ورؤيته أنَّه هو المصبِّر ، وأنَّ صبرَ العبد بربِّه
لا بنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ﴾ [ النحل : ١٢٧].
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٥٦ .
(٢) المدارج ٢ / ١٥٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٥
والصبر بالله : بقاء ؛ لأنَّ العبد إذا كان بالله هان عليه كلَّ شيءٍ ،
ويتحمَّل الأثقال ولم يجد لها حِمْلًا ؛ فإنه إذا كان بالله لا بالخلق ولا بنفسه ،
كان لقلبهِ وروحه وجودٌ آخر وشأن آخر ، غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق ،
وبهذا الحال لا يجد عَناء الصبر ولا مرارته ، وتنقلب مشاقُّ التكليف له
نعيمًا وقُرَّةَ عين ، كما قال ثابت البناني: ((عالجتُ قيامَ الليل عشرين سنةً،
وتنعَّمتُ به عشرين سنة)) . ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها
مشقَّة وكُلْفَةٌ .
والثاني : الصبر لله : وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبّة الله ،
وإرادة وجهه ، والتقرُّب إليه ، لا لإظهار قوة النفس ، والاستحماد إلى
الخلق ، وغير ذلك من الأعراض .
(( والصبر لله فوقَ الصبر بالله ، وأعلى درجةٌ منه وأجلّ ؛ فإنَّ الصبرَ للهِ
متعلّق بإلهيَّته ، والصبر به متعلِّق بربوبيّته ، وما تعلَّق بإلهيته أكملُ وأعلى
ممَّا تعلق بربوبيّته . ولأنَّ الصبرَ له : عبادةٌ ، والصبرَ به : استعانةٌ ، والعبادة :
غايةٌ، والاستعانة : وسيلة، والغاية : مُرَادَةٌ لنفسها . ولأنّ الصبرَ له : صبرٌ
فيما هو حقٌّ له ، محبوبٌ له مَرْضِّ له ، والصبر به قد يكون في ذلك وقد
يكون فيما هو مسخوطٌ له ، وقد يكون في مكروه أو مباح، فأين هذا
مِن هذا ؟! )).
والثالث : الصبر مع الله : وهو دوران العبد مع مراد الله الديني
منه ، ومع أحكامه الدينية ، صابرًا نفسه معها ، سائرًا بسيْرها، مُقيمًا
بإقامتها ، يتوجَّه معها أين توجَّهت ركائبها ، وينزل معها أين استقلَّتْ مضاربُها ،
فهو قد جعل نفسه وقفًا على أوامره ومحابِّه . وهذا أشدُّ أنواعِ الصبر وأصعبها ،
وهو صبر الصِّدِّيقين .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٨٦
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
قال الجنيد : ((السَّيْر من الدنيا إلى الآخرة سَهْلُ هَيِّن على المؤمن ،
وَهُجْران الخلْق في جنْبِ الله شديد ، والمسير من النفس إلى الله صَعْبٌ
شديد ، والصبر مع الله أشدُّ )) .
والصبر مع الله وفاء ، لا يُزيغ القلبَ عن الإِنابة ، ولا الجوارحَ عن
الطاعة ، فتُعْطَى المعية حقّها مِن التوفية ، كما قال تعالى: ﴿ وإبراهيمَ الذي
وَقّى﴾ [ النجم: ٣٧]، أي وَفَّى ما أُمر به ، بصبْره مع الله على أوامره .
مَرَاتِبُ الصبر :
قال ابن القيم في المدارج (٢ / ١٦٩ - ١٧٠): ((المراتب أربعة:
إحداها : مرتبة الكمال : وهي مرتبة أولي العزائم ، وهي الصبر الله وبالله .
فيكون في صبره مبتغيًا وجهَ الله صابرًا به ، متبِّئًا مِن حوْله وقوّته . فهذا
أقوىُ المراتبِ وأرفعُها وأفضلها .
الثانية : أنْ لا يكون فيه لا هذا ولا هذا . فهو أُخسُّ المراتب، وأردأُ
الخلق ، فهو جديرٌ بكلِّ خُذْلانٍ وبكلِّ حِرْمَانٍ .
الثالثة : مرتبة مَن فيه صبرٌ بالله ، وهو مستعينٌ متوكِّل على حوله
وقّته ، ولكنّ صبره ليس لله ، إذْ ليس صبرُه فيما هو مراد الله الديني منه ،
فهذا يُنال مطلوبُه ، ولكن لا عاقبة له ، وربما كانت عاقبتُه شَرّ العواقب،
وفي هذا المقام خفراء الكفار وأربابُ الأحوال الشيطانية ؛ فإنَّ صبرهم بالله ،
لا لله ، ولا في الله .
الرابعة: مَن فيه صبرٌ لله ، لكنَّه ضعيفُ النصيب من الصبر به ، والتوكَّل
عليه ، والثقة به ، فهذا له عاقبة حميدة ، ولكنه ضعيفٌ عاجزٌ مخذولٌ في
كثيرٍ مِن مطالبه ، لضعفٍ نصيبه مِن ﴿ إِيَّاكَ نعبُدُ وإِيَّاكَ نستعينُ ﴾،
فنصيبُه مِن الله أقوىُ مِن نصيبه بالله ، فهذا حال المؤمن الضعيف .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٧
صابرٌ بالله ؛ لا لله : حال الفاجر القويّ ، وصابر لله وبالله : حال
المؤمن القوي ، والمؤمن القويّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف .
فصابِر الله وبالله : عزيز حميد ، ومَن ليس لله ولا بالله مذمومٌ مخذول ،
ومن هو بالله ، لا لله : قادرٌ مذموم ، ومَن هو الله لا بالله عاجزٌ محمود )).
الصَّبر على البَلاءِ :
الصبر على البلاءِ بضاعة الصِّدِّيقين ؛ فإنَّ ذلك شديدٌ على النفس ،
ولذلك قال عَّه: ((أسألك مِن اليقين ما تُهُوِّن علَّ به مصائب الدنيا))(١).
فهذا صبر مستندُه حُسْن اليقين .
والصبر من آكَدِ المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبِّين ، وهم أحوج
إلى منزلته من كلِّ منزلة ، وهو مِن أعرف المنازل في طريق التوحيد وأَبْيَنِهَا .
وبهذا الصبر يُعْلَم صحيحُ المحبَّة من معلولها ، وصادقُها من كاذِبها ؛ فإنّ بقوة
الصبر على المكاره في مراد المحبوب يُعلم صحةُ محبّته .
ومن هاهنا كانت محبّة أكثر الناس كاذبة ؛ لأنّهم كلهم ادّعوا محبة الله
تعالى ، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة ، ولم يثبت معه
إلَّا الصابرون، فلولا تحمُّل المشاقّ، وتجشُّم المكاره بالصبر ، لَمَا ثبتَتْ صحة
محبتهم ، وقد تبيَّن بذلك أنَّ أعظمهم محبَّةً أشدُّهم صبرًا .
ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائِه وأحبابه ، فقال عن حبيبه
أُيُوب: ﴿ إِنَّ وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ ثمَّ أثنى عليه فقال: ﴿ نِعْمَ العبدُ إنَّه
أُوَّابٌ ﴾ [ص: ٤٤]، فصلّى اللهُ على نبيّه أُّوب، فكمْ كانَ صبرُه حتى
(١) جزءٌ من حديث أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وصحّحه من حديث ابن عمر ،
وحسّنه الترمذي .
ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
٣٨٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
ضُرب به المثل، وكم كان أدبه في صبره إذْ قال تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ
نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [ الأنبياء: ٨٣]، فقال:
مسَّني ، ولم يقل : هَدَّني .
قال رسول الله عَ لّه: ((أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الصالحون؛
لقد كان أحدُهم يُبتلى بالفقر حتَّى ما يجدُ إلا العباءة، يجوبها(١)، فيلبسها،
ويُبتلى بالقمْلِ حتى يقتله ، وَلَأَحدُهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاءِ من أحدكم
بالعطاء))(٢).
وقال رسول الله عَّهِ: ((لَيَودَّنَّ أهلُ العافية يوم القيامة أنَّ جلودهم
قُرِضَتْ بالمقاريض ، ممَّا يَرَوْنَ من ثواب أهل البلاء))(٣).
المرأة السَّوْداء التي كانت تصْرَع :
((عن عطاء : قال لي ابن عباسٍ : أَا أُريك امرأةً من أهل الجنة ؟!
هذه المرأة السوداء، أتتْ إلى رسول الله عَ لّه، فقالت له: يا رسول الله،
إني أُصرع، فادْعُ اللهَ لي. فقال: (( إنْ شِئْتِ ، صبرتِ ولكِ الجنة ، وإنْ
شِئْتِ ، دعوتُ الله أنْ يعافيكِ)) . فقالت: أصبر . ثم قالت : يا رسول الله،
إني أتكشَّفُ فادعُ الله لي أن لا أتكشَّف . فدعا لها )) . فرضي الله عنها ،
صبرتْ على الصَّرَع ونالت الجنة ، فما أعقلها وما أصبَّرَها !!
(١) أي : يقطع وسطها ليلبسها .
(٢) صحيح ، رواه ابن ماجه وأبو يعلى في مسنده ، والحاكم في المستدرك عن أبي سعيد ،
وكذا رواه ابن سعد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٣١ .
(٣) حسن ، رواه الترمذي والضياء عن جابرٍ ، ورواه الخطيب وابن عساكر ،
والطبراني في الكبير عن ابن عباس ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم
٥٤٨٤ ، والصحيحة ٢٢٠٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
٣٨٩
الأخْنف بن قيس :
(( قال مغيرة : ذهبتْ عيْنُ الأَحْنف ، فقال : ذهبتْ من أربعين سنة ،
ما شكوتُها إلى أحد )) (١). فَرَضِيَ اللهُ عن سيّد أهلِ المشرق ... لسانُ حاله
يقول :
وَإِذَا شَكَوتَ إلى ابنِ آدَمَ إِنَّمَا
تشكُو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُكْ
قال ابن تيمية : ((الصبر الجميلُ هو الذي لا شكوىُ فيهِ ولا مَعَهُ)).
عروة بن الزبير :
قال ابن القيم: ((قَدِمَ عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه
ابنه محمد ، وكان من أحسن الناس وجهًا ، فدخل يومًا على الوليد في ثيابِ
وشي ، وله غديرتان وهو يضرب بيده ، فقال الوليد : هكذا تكون فتيان
قريش . فعانه(٢) ، فخرج من عنده متوسّنًا ، فوقع في إصطبل الدوابِّ،
فلم تزل الدوابُّ تطؤه بأرجلها حتى مات ، ثم إنَّ الأكلة وقعتْ في رِجْل
عروة ، فبعث إليه الوليدُ الأطباء ، فقالوا : إنْ لم تقطعْها ، سَرَتْ إلى باقي
الجسد فتهلك . فعزم على قطعها ، فنشروها بالمنشار ، فلمَّا صار المنشار إلى
القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة ، فَغُشِيَ عليه ، ثم أفاق والعَرَق يتحدَّر
على وجهه وهو يهِّل ويكبّر ، فأخذها وجعل يقبّلها في يده ، ثم قال :
أمَا والذي حَمَلني عليكِ، إنه لَيَعلم أني ما مَشَيْتُ بكِ إلى حرام ، ولا إلى
معصية ، ولا إلى ما لا يُرضي اللهَ. ثم أمر بها ، فغسِّلَتْ وطيِّبتْ وكُفِّنت
في قطيفة ، ثم يُعِثَ بها إلى مقابر المسلمين ، فلمّا قدِم مِن عند الوليد المدينة ،
تلقّاهُ أهلُ بيته وأصدقاؤه يُعَزّونه، فجعل يقول: ﴿ لَقَدْ لَقِيْنَا مِنْ سَفَرِنَا
(١) سير أعلام النبلاء ٤ / ٩٢ .
(٢) أي : أصابه بعينه ، حسَده.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٣٩٠
هذَا نَصَبًا ﴾ [الكهف: ٦٢]، ولم يزدْ عليه.
قال ابن القيم : ولمّا أرادُوا قطع رجله ، قالوا له: لو سَقَيْنَاك شيئًا كي لا
تشعر بالوجع . فقال: إنما ابتلاني لِيَرى صبري، أفا عارض أمرَه؟! ))(١).
إِنْ سلبتَ فَلَطالما أعطيتَ ، وإنْ أخذتَ فطالما أبقيتَ ، وأَبقيتَ لنا فيكَ
الأملَ ، يا بُّ يا وَصُول .
وأصيبَ ( مُطَرَّف بنُ عبد الله ) في ابنٍ له ، فأتاه قومٌ يُعَزُّونه ،
فخرج إليهم أحسن ما كان بِشْرًا ، ثم قال: (( إِنِّي لَأَسْتحيي من الله أنْ
أتضعضعَ لمصيبةٍ))(٢) .
وكان الإِمام أحمد يَئِنُّ في مرضه ، فلمّا أخبروه أنَّ طاووسًا يقول :
إِنّ أنينَ المريض شكوى ، فما أنَّ حتى مات ، رحمه الله .
الإِمامُ إبراهيم الحربِّ وصَبْرُه على الجوعِ والفقر :
قال رحمه الله: ((قميصي أَنْظَفُ قميصٍ ، وإزاري أوسَخُ إزارٍ ، ما
حدّثتُ نفسي أنهما يستويانِ قطُّ ، وفردُ عقبي(٣) صحيح والآخر مقطوع ،
ولا أحدّث نفسي أنْ أصلحَهما ، ولا شكوتُ إلى أهلي وأقاربي حُمَّى أجدها ،
لا يغمُّ الرجل نفسه وعياله ، ولي عشرُ سنين أُبصر بِفَرْدِ عَيْنٍ ، ما أخبرتُ
به أحدًا ، وأفنيتُ من عُمري ثلاثين سنة برغيفَيْن، إنْ جَاءَتْني بهما أُمّي
أو أختي ، وإلّ بقيتُ جائعًا إلى الليلة الثانية ، وأفنيتُ ثلاثين سنةً برغيفٍ
في اليوم والليلة ، إن جاءتني امرأتي أو بناتي به ، وإلَّ بقيتُ جائعًا، والآنَ
عُدَّة الصابرين صـ ٩١ - ٩٢ .
(١)
عُدَّة الصابرين صـ ٩٤ .
(٢)
(٣) العقب هنا : النعل على سبيلِ المجاز .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩١
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
آكُل نصف رغيف وأربعَ عشرة تمرةً ، وقام إفطاري في رمضان هذا بدرهم
ودانِقَيْن ونصف)) .
وقال رحمه الله: (( ما كنا نعرف من هذه الأَطْبخةِ شيئًا، كنتُ
أجيءُ من عَشي إلى عَشي، وقد هيَّْت لي أُمّي باذنجانة مشويَّة، أو لَعْقَة
بِنِّ(١)، أو باقة فجْل))(٢).
للهِ دَرُّه ... جوعٌ قليل وعُري قليل ، ثم بعد ذلك الجنة !!
ما ضرهم ما أصابهم ... جَبَرَ اللهُ لهم بالجنةِ كلّ مصيبة .
أبو قَلَابَةَ الإِمامُ صاحبُ ابْنِ عِبَّاسِ وَصَبْرُهُ الجَميل :
(( قال أيُّوب السختياني - وذكر أبا قلابة - : كان - والله - من
الفقهاء ذوي الألباب ، إني وجدتُ أعلم الناس بالقضاء أشدَّهم منه فرارًا ،
وأشدَّهم منه فَرَقًّا ، وما أدركتُ بهذا المِصر أعلَمَ بالقضاء من أبي قلابة .
وعن مسلم بن يَسَار قال: لو كان أبو قلابة مِن العَجَم ، لَكَان مَوبَذَ
موبذان . يعني : قاضي القضاة .
يُروى أنَّ أبا قلابة عَطِشَ وهو صائم، فأكرمه اللهُ لمّا دعا، بأن ظلّلتْه
سحابة وأمطرتْ على جسده، فذهبَ عطشُه))(٣).
قال الذهبي في السير: ((إنَّ أبا قلابة ممَّن ابْتُلِي في بدنه ودينه ، أُرِيدَ
على القضاء ، فهرب إلى الشام ، فمات بعريض مصر سنة أربع ، وقد ذهبتْ
يداه ورجلاه وبصره ، وهو مع ذلك حامدٌ
(١) البن : الطبقة مِن الشحم.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٦٧ .
(٣) سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٦٨ - ٤٧٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
٣٩٢
شَاكِرٌ))(١).
وقد روى ابن حبان قصة صبره الكريم الجميل النبيل : قال ابن حبان :
(( حدَّثني بقصَّةِ موتِهِ محمدُ بن المنذر بن سعيد ، قال : ثني يعقوب بن
إسحاق بن الجراح ، قال : ثني الفضل بن عيسى ، عن بَقيَّة بن الوليد ،
حدثني الأوزاعي ، عن عبد الله بن محمد ، قال : خرجت إلى ساحل البحر
مرابطًا وكان رابطُنا يومئذ عريش مصر . قال : فلمّا انتهيتُ إلى الساحل
فإذا أنا ببطيحة ، وفي البطيحة خيمة ، فيها رجل قد ذهبَ يداه ورجلاه ،
وَثَقُل سمعه وبصره ، وما له من جارحةٍ تنفعه إلّا لسانه ، وهو يقول :
(( اللهمَّ أَوْزِعني أن أحمدك حمدًا، أكافئ به شكرَ نعمتك التي أنعمتَ بها
علَّ، وفضَّلتني على كثيرٍ ممّن خلقتَ تفضِيلًا )). قال الأوزاعي : قال
عبد الله : قلتُ : واللهِ لآتينَّ هذا الرجل ، وَلَأَسْلَّه أَتّى له هذا الكلام ،
فَهْمٌ أَمْ عِلمٌ أم إلهامٌ أُلهِمَ ؟ فأتيتُ الرجل فسلّمتُ عليه ، فقلت: سمعتُك
وأنت تقول: (( اللهم ..... تفضيلًا))، فأيّ نعمة مِن نِعَم الله عليك تحمده
عليها ، وأنّ فضيلةٍ تفضّلَ بها عليك تشكُرُه عليها ؟ قال : وما ترى ما
صنع ربّي ؟! واللهِ لو أرسل السماء علَّ نارًا فأحرقتْني ، وأمر الجبال
فدمَّرتْني ، وأمر البحار فأغرقتني ، وأمر الأرض فبلعتني ، ما ازددتُ لِربِّي
إلّا شكرًا ، لِمَا أنعم علّ من لساني هذا ، ولكن يا عبد الله إذْ أتيتني ،
لي إليك حاجة ، قد تراني على أيّ حالة أنا ، أنا لستُ أقدر لنفسي على
ضُرِّ ولا نفْع، ولقد كان معي بنِّي لي يتعاهدني في وقت صلاتي،
فيوضّني ، وإذا جعتُ أطعمني ، وإذا عطشتُ سقاني ، ولقد فقدتُه منذ
ثلاثة أيام ، فتحسَّسْه لي رحمك الله . فقلتُ : واللهِ ما مشى خلقٌ في حاجةٍ
(١) السير ٤ / ٤٧٥ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٣٩٣
خلقٍ ، كان أعظم عند الله أجرًا ممَّن يمشي في حاجةِ مثلك . فمضيتُ
في طلب الغلام ، فما مضيتُ غيّرَ بعيدٍ ، حتى صرتُ بين كثبان من الرمل ،
فإذا أنا بالغلام قد افترسه سَبعٌ وأكل لحمه ، فاسترجعْتُ وقلت : أَتَّى لي
وجّةٌ رقيقٌ آتي به الرجل ؟! فبينما أنا مُقْبل نحوه ، إذْ خطر على قلبي ذكْرُ
أُوب النبي عَ لِّ، فلمَّا أتيتُهُ سلَّمتُ عليه، فردّ علَّي السلام ، فقال: ألستَ
بصاحبي ؟ قلت : بلى . قال : ما فعلتَ في حاجتي ؟ فقلت : أنت أكرم
على الله أمْ أُيُوبُ النبي ؟ قال : بل أُيُّوب النبي . قلت : هل علمتَ ما صنع
به ربُّه ؟ أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده ؟ قال : بلى . قلتُ : فكيف
وَجَدَه ؟ قال : وجده صابرا شاكرًا حامدًا. قلتُ: لمْ يَرضَ منه ذلك حتى
أوحشَ مِن أقربائه وأحبّائه ؟ قال: نعم . قلت : فكيف وجدَه ربُّه ؟ قال :
وجدَه صابرا شاكرًا حامدًا. قلتُ : فلمْ يَرْضَ منه بذلك حتى صيّره عَرَضًا
لمارّ الطريق ، هل علمتَ ؟ قال: نعم . قلتُ : فكيف وجدَه ربُّه ؟ قال :
صابرًا شاكرًا حامدًا، أوجِزْ رحمك الله . قلتُ له : إنَّ الغلام الذي أرسلتَني
في طَلَبه وجدتُه بين كثبان الرمل ، وقد افترسه سبعٌ فأكل لحمه ، فأعظم اللهُ
لكَ الأجرَ وألهمَك الصبر . فقال المبتلى : الحمد لله الذي لم يخلقْ من
ذَرِّيتي خلقًا يعصيه ، فيعذِّبه بالنار . ثم استرجَعَ ، وشَهِقَ شهقةً فمات ،
فقلتُ: إِنّا لله وإنّا إليه راجعون، عظُمت مصيبتي، رجلٌ مثل هذا إنْ تركتُه
أُكلَتْهُ السباع ، وإنْ قعدتُ ، لم أقدر على ضرِّ ولا نفْع. فسجَّيْتُه بشمْلةٍ
كانتَ علّ ، وقعدتُ عند رأسه باكيًا، فبينما أنا قاعدٌ إذْ تهجَّم علّ أربعة
رجال ، فقالوا : يا عبدَ الله ، ما حالك ؟ وما قصَُّك ؟ فقصصْتُ عليهم
قصَّتَي وقصَّتُه ، فقالوا لي : اكشفْ لنا عن وجهِهِ ، فعسى أنْ نعرفه .
فكشفتُ عن وجهه ، فانكبَّ القوم عليه ، يقبِلون عينيْه مرةً ، ويديْه أُخرى ،
ويقول : بأبي عَيْنٌ طالما غُضّتْ عن محارم الله، وبأبي جِسْمٌ طالَمَا كان
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع
٣٩٤
ساجدًا والناس نِيَام . فقلتُ : مَن هذا يرحمكم الله ؟ فقالوا : هذا أبو قلابة
الجرمي ، صاحب ابن عباس، لقد كان شديدَ الحبِّ لله وللنبّ عَّةٍ.
فغسَّلناه وكفّاه بأثواب كانت معنا ، وصلَّينا عليه ودفنّاه . فانصرف القوم
وانصرفتُ إلى رباطي ، فلمّا أنْ جَنَّ علّ الليلُ ، وضعت رأسي ، فرأيتُه
فيما يَرَى النائم في روضةٍ من رياض الجنة، وعليه حُلَّانِ من حُلَل الجنة ،
وهو يتلُو الوحي: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [ الرعد :
٢٤ ]، فقلتُ: ألستَ بصاحبي؟ قال: بلى . قلتُ: أَنَّى لك هذا ؟ قال:
إِنَّ للهِ درجاتٍ لا تُنالُ إلَّا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الَّخَاء، مع
خشية الله عز وجل في السّرّ والعلانية))(١).
وهذه همّة إمامٍ تستمطرُ الدمع ... لسانُ حالِهِ يقول: (( إذا علمتَ
أَنَّ لُطْفَ اللطيف لا ينفكُ عنه أبدًا، وأنَّ اللطيف لطيفٌ على الدَّوَام ، صار
المنع عَيْنَ العطاء )).
صَبْرُ امرأةٍ تَفْضُلُ مَلابِينَ الرِّجالِ :
((هذه زوجة فتْحِ المَوْصلي ، انقطعتْ إصبعها ، فضحكتْ ، فقال
لها بعض مَن معها : أتضحكين ، وقد انقطع إصبعك ؟! فقالت : أخاطبك
على قدْر عقلك ، حلاوة أجْرِها أنسْني مرارةً قطْعها)).
قال ابن القيم: (( إشارةً إلى أنَّ عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام ، مِن
ملاحظة المبتلي ، ومشاهدة حسْن اختياره لها في ذلك البلاء ، وتلذُّذها بالشكر
له والرضا عنه ، ومقابلة ما جاء من قِبَله بالحمد والشكر ، كما قيل :
فقدْ سرَّني أنّي خطرتُ ببالِكًا))(٢)
لَئِنْ سَاءَنِي أَنْ نِلتَني بمساءَةٍ
(١) ((الثقات)) لابن حبان ٥ / ٢ - ٥ .
(٢) مدارج السالكين ٢ / ١٦٧ - ١٦٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
٣٩٥
لله دَرُّهَا مِن عابدةٍ وَلِيَّةٍ تقيَّة !! وكيف لا ، وهي زوجة فتْحِ الموصلّ ،
ولّ مِن كبار أولياء هذه الأمة ؟!
قال أبو بكر المروزي : ((ذكرتُ لأبي عبد الله - أحمد بن حنبل -
الفضل وعزيه ، وفتح الموصلي وعزيه وصبره ، فتغْغَرَتْ عينه ، وقال :
رحمهم الله ، كان يُقال : عند ذكّر الصالحين، تنزل الرحمة))(١).
وزوجُهَا صبرُهُ يَفُوقُ الخَيَال :
قال إبراهيم بن عبد الله: (( صدع فتح الموصلي ، فقال: يا ربِّ،
ابتليتني ببلاءِ الأنبياء، فشُكْرُ هذا أنْ أصلي الليلة أربعمائة ركعة))(٢).
وقال بشر بن الحارث: ((بلغني أنّ بِنتًا لفتْح الموصلي عَرِيت ، فقيل
له : ألا تطلب مَن يكسوها ؟ فقال: لا ، أدعها حتى يرى الله عز وجلّ
عْبها وصبري عليها . قال : وكان إذا كان ليالي الشتاء ، جمع عياله وقام
بكسائه عليهم ، ثم قال : اللهمَّ أفقرتني وأفقرت عيالي ، وجوّعتَني وجوّعتَ
عيالي ، وأعريتَني وأعريتَ عيالي ، بأيّ وسيلةٍ توسلتُها إليك ، وإنما تفعل
هذا بأوليائك وأحبابِك ، فهل أنا منهم حتى أفرح؟ )) (٣).
واللهِ لَأَحْبَارُ فَتْحٍ وزوجه أعطُرُ من أريجِ الزهور .. بل بطيبها تطيبُ
المجالس !
إبراهيمُ بنُ أدهمَ أستاذُ الشيوخ ، وصبرُه العجيب :
أمّا إبراهيم بن أدهم ... فهو لا يجارى ولا يبارى ..
عن حذيفة المرعشيّ قال : دخلنا مكة مع إبراهيم بن أدهم ، فإذا
(١) (( الورع)) لأحمد صـ ٤٦.
(٢، ٣) الحلية ٨ / ٢٩٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٣٩٦
شقيق البلخّ قد حجَّ في تلك السنة ، فاجتمعنا في شقّ الطواف ، فقال
إبراهيم لشقيق : على أيّ شيءٍ أَصَلْتم أصلَكم ؟ قال : أصلُنا أصلنا على
أنّا إذا رُزقنا أكلنا، وإذا مُنعْنَا صبرنا . فقال إبراهيم : هكذا تفعل كلابُ
((بلخ)) . فقال له شقيق : فعلى ماذا أصّلتم ؟ قال: أصّلنا على أنّا إذا رزقنا
آثرنا ، وإذا مُنعنا شكرنا وحمدنا . فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم ،
فقال: يا أستاذ، أنت أستاذنًا))(١) ... وفي رواية: ((إِنَّا قومٌ نصبر عند
الرخاء ، ونشكر عند البلاء)).
لله درُّه ، فهذا والله صبر الملوك !! وله أسوة ؛ فقد قال رسولنا عَي:
((وَلَأَحَدُهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاءِ من أحدِكم بالعطاء)) ... لا يتمنّى
البلاء ، فإن نزل به فَرِحَ ... الله دَرُّه ... أما قال ذلك عبد الرحمن بن
عوف: (( ابْتُلِينَا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسَرَّاء فلم نصبر))(٢).
لله دَرُّ امرأةٍ فَتْح !! لله دَرُّ فتْح الموصلي زوجها !! لله دَرُّ أستاذ
الشيوخ الكبار إبراهيم بن أدهم !! وما أعطر ذوقه السَّنّ !!
كذاك شرابُ الطَّيِّبِينَ يَطِيبُ
شربنا شرابًا طَيِّبًا عندَ طَيِّبِ
وَالأَرْضِ مِنْ كأسِ الكرامِ نَصِيبُ
شربنا وأهْرِقنا على الأرضِ فَضْلَهُ
يقول الهروي في درجات الصبر: ((الدرجة الثالثة : الصبر في البلاء ،
بملاحظة حسْن الجزاء ، وانتظار روح الفرج ، وتهوين البليّة بِعَدِ أيَادِي
المِنَن ، وبذكْر سوالفِ النِّعَم )).
قال ابن القيم : ((هذه ثلاثة أشياء تبعث المتَلِّسَ بها على الصبر في
البلاء :
(١) الحلية ٨ / ٣٧ .
(٢) انظر كلام ابن القيم في عدّة الصابرين صـ ٢١٠ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩٧
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
إحداها : ((ملاحظةُ حسْن الجزاء )): وعلى حسب ملاحظته والوثوق
به ومطالعته ، يخفّ حمْل البلاء لشهود العِوَض ، وما أقدم أحدٌ على تحمُّل
مشقَّةٍ عاجلة إلَّا لثمرة مؤجّلة ، فالنفسُ موكّلة بحبِّ العاجل ، وإنّما خاصّة
العقل: تَلمُّحُ العواقب، ومطالعة الغايات . وأجمع عقلاء كلّ أمّة على أنَّ
النعيم لا يُدرك بالنعيم ، وأَنَّ مَنْ رافَقَ الراحة فارق الراحة ، وحصل على
المشقة وَقْتَ الراحة ، فإنَّه على قَدْر التعب تكون الراحة .
وَتأتي على قَدْرِ الكريمِ الكرائِمُ
على قدر أهلِ العَزْمِ تأتي العَزَائِمُ
وتصْغُرُ فِي عَيْنِ العظيمِ العظائمُ
ويكبُرُ فِي عَيْنِ الصغيرِ صَغِيرُهَا
والقصد : أنَّ ملاحظة حُسْن العاقبة تُعين على الصبر فيما تتحمّله
باختيارك وغير اختيارك .
والثاني: ((انتظار روح الفرج)): يعني راحته ونسيمه وَلَذَّته ، فإنَّ
انتظاره ومطالعته وترقُّبه يخفِّفُ حمل المشقّة ، ولا سيّما عند قوّة الرجاء ؛
فإنّه يجد في حشْو البلاء مِن روح الفرج ونسيمه وراحته ، ما هو مِن خفّ
الألطاف ، وما هو فرج معجّل، وبه وبغيره يُفهم معنى اسمه: اللطيف)).
يَدِقُّ خَفَاهُ عنِ فَهْمَ الذَّكِّ
وكمْ لِلهِ منْ لُطْفٍ خَفِيّ
والثالث: ((تهوين البليّة)) بأمريْن:
أحدهما : أنْ يَعِدّ نِعَمَ الله عليه وأياديه عنده ، فإذا عجَز عن عَدِّها ،
وأيس من حصْرها ، هان عليه ما هو فيه مِن البلاء ورآه - بالنسبة إلى
أيادي الله ونعمه - كقطرةٍ من بَحْر .
الثاني : تذكُّر سوالِفِ النِّعم التي أنعم الله بها عليه ، فهذا يتعلّق
بالماضي . وتعداد أيادي المنن : يتعلّق بالحال . وملاحظة حسن الجزاء ،
وانتظار روح الفرج : يتعلق بالمستقبل ، وأحدهما في الدنيا ، والثاني يوم
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
٣٩٨
الجزاء)) (١).
(١)
عن يونس بن يزيد قال: ((سألتُ ربيعة بن أبي عبد الرحمن : ما
منتهى الصَّبر؟ قال : أن يكون يومَ تُصيبُه المصيبةُ مثلَه قبل أنْ تُصيبه )).
((وقال قيْس بن الحجاج في قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ﴾
[ المعارج: ٥ ١، قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعَرَف مَن هو)).
ملكتُ دموع العين حتى رددتها إلى ناظري فالعين في القلب تدمعُ
الصَّبْرِ عنِ المَعْصية :
قيل لوهيب بن الورد : هل يذوق حلاوة الإِيمان مَن عصى ؟ قال :
لا ، ولا مَنْ همّ .
((قال ميمون بن مهران : الصبر صبران : فالصبر على المصيبة حسن ،
وأفضل منه الصبر عن المعصية))(٢).
وقال ابن القيم: ((مَشَقَّة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته
على العبد ، فإذا اجتمع في الفعل هذانِ الأمرانِ ، كان الصبر عنه أشقّ شيءٍ
على الصابر . ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم ، وصبر الشابِّ عن
الفاحشة ، وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات - عند الله بمكان .
ولذلك استحقّ المذكورون في الحديث ، الذين يظلّهم الله في ظلِّ عَرْشه،
لكمال صبرهم ومشقّته ؛ فإنّ صبر الإِمام المتسلّط على العدل في قسْمه
وحكمه ورضاه وغضبه ، وصبر الشابِّ على عبادة الله ومخالفة هواه ، وصبر
الرجل على ملازمة المسجد ، وصبر المتصدِّق على إخفاء الصَّدقة حتى عن
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٦٦ - ١٦٧ .
(٢) عدة الصابرين صـ ٦٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩٩
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
بعضِهِ ، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع كمال جمال الداعي ومنصبه ،
وصبر المتحابين في الله على ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما ، وصبر
الباكي مِن خشية الله على كتمانِ ذلك وعدم إظهاره للناس - من أشقِّ
الصبر . ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني والملِك الكذّاب والفقير المختال
أشدَّ العقوبة ، لسهولة الصبر عن هذه الأشياء المحرّمات عليهم ، لضعْف
دواعيها في حقّهم ، فكان تركُهم الصبر عنها مع سهولته عليهم دليلاً على
تمرُّدهم على الله وعُتّهم عليه . ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان
والفرج من أصعب أنواع الصبر ))(١).
الكريمُ بنُ الكريمِ بنِ الكريمِ بن الكريم : يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ
ابنِ إبراهيمَ ، عليهم السلام :
قال ابن القيم رحمه الله: ((سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله
روحه - يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها ،
أكملَ من صبره على إلقاء إخوته له في الجُبِّ ..... فصبره عن المعصية صبرُ
اختيار ورضَّى ومحاربة للنفس ، ولا سيّما مع الأسباب التي تقوى معها
دواعي الموافقة :
فإنّه كان شابًّا، وداعيةُ الشباب إليها قويّة . وعَزَبًا ليس له ما يعوِّضه
ريرةُ شهوته . وغريبًا : والغريبُ لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه
مَنْ بين أصحابه ومعارفه وأهله . ومملوكًا : والمملوك أيضًا ليس له وازعُه
كوازعِ الحرّ . والمرأة جميلة ، وذات منصب، وهي سيِّدته . وقد غاب
الرقيب . وهي الداعية له إلى نفسها ، والحريصة على ذلك أشدَّ الحرص ،
ومع ذلك توعَّدته إنْ لم يفعل : بالسجن والصَّغار . ومع هذه الدواعي
(١) عدّة الصابرين صـ٦٦ - ٦٧ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
٤٠٠
كلِّها : صبرَ اختيارًا، وإيثارًا لِمَا عند الله، وأين هذا مِن صبره في الجُبِّ
على ما ليس مِن كسْبه ؟!))(١).
يوسف الصِّدِّيق المحْسِن ما وقَع منهُ همٌّ بالمعصية ألبتةَ، لعُلوِّ قَدْره وهمّتِه :
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كذلِكَ
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: ٢٤].
اختيار الشيخ أبي حَيَّن : أنَّ يوسف لم يقع منه همٌّ - بالمعصية -
أصلًا. قال الشَّنْقِيطي: ((هذا الوجه الذي اختارَهُ أبو حيان وغيره هو أجْرَى
الأقوال على قواعد اللغة العربية"؛ لأنَّ الغالب في القرآن وفي كلام العرب
أنَّ الجواب المحذوف يُذكَر قبله ما يدلُّ عليه، كَقَوْله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ
كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [ يونس: ٨٤]، أي: إنْ كنتم مسلمين فتوكَّلوا عليه . فمعنى
الآية: وهمَّ بها لولا أنْ رأى برهانَ رَبِّه . أي: لولا أنْ رآه ، هَمَّ بها .
ونظيرُ ذُلك قولُه تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتَبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا ... ) الآية [ القصص: ١٠]، أي: لولا أنْ ربطنا على قلبها لَكادتْ
تُبدي به )).
إنَّ الذي يستلِفِتُ النظرَ كثرةُ تَكْرار الإِحسان عند يوسف ، فكان
محسنًا مع ربِّه وأيضًا مع الناس :
وقد سمّى الله قصَّتَه ﴿أحسنَ القَصَصِ ﴾.
وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغْ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذْلِكَ نَجْزِي
المُحْسِنِينَ ﴾ [ يوسف: ٢٢].
(١) مدارج السالكين ٢ / ١٥٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com