النص المفهرس
صفحات 281-300
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨١ والنوم : فلقد غلبَاني ، والله لأُضارَنَّهُما جهدي . قال الحسن : فأضرّ - واللهِ - بهما . وفي رواية : الدنيا أربعة أجزاء : المال والنساء ، والنوم والطعام ؛ أمّا المال والنساء : فلا حاجة لي بهما، وأما الآخرانِ: فأَيْمُ الله، لأَضُرّنَّ بهما . وقال : لأجعلنَّ الهمَّ واحدًا . وفي رواية : والله لئنِ استطعتُ ، لأجعلنَّ الهمَّ همَّا واحدًا . قال الحسن : ففعلَ وربِّ الكعبة)) (١). قال شيخ الحرم أبو سعيد بن الأعرابي : وهذا على ما قيل في الزهد أن يكون الهمّ همَّا واحدًا لله عز وجل وحده ، وهو غاية الزهد . مَسرُوق بن الأجْدع : ((غاب رحمه الله عاملًا على السلسلة سنتين، ثم قدم ، فنظر أهلُه في ◌ُخْرْجِه فأصابوا فأسًا، فقالوا: غِبتَ ثم جئتَنَا بفأس بلا عُودٍ . قال : إنا للهِ؛ استعرناها ، نسينا نردُّها))(٢). قال مسروق رحمه الله: ((إني أحسن ما أكون ظنًّا، حين يقول لي الخادم: ليس في البيت قفيزٌ ولا درهم)). قال الأصمعي : كان مسروق يتمثّل : وأُرخي عليه السّرُ ملحٌ وجَرْدق ويَكفيكَ ممَّا أُغلق البابُ دُونَهُ تعارِضُ أصحابَ الثَّرِيدِ المُلَيَّقْ وماءٌ فراتٌ باردٌ ثمَّ تَعْتَدي غُذيتَ بألوانِ الطعامِ المُفَتَّقْ(٣) تجشأ إذَا ما همْ تجشَّوْا كأنَّما (١) الزهد الكبير ٨٨ - ٨٩، والحلية ٨٧/٢ - ٩١ . (٢) السير ٦٦/٤. (٣) الحلية ٩٧/٢ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٢ الحسن البصري : الفقيهُ الزاهد ، المتشمِّر العابد : كان الفضول الدنيا وزينتها نابذًا، ولِشهوةِ النفس ونخْوتها واقذًا (١). وكان رحمه الله إذا ذُكر صاحب الدنيا، يقول: (( والله ما بقيتْ له ولا بقي لها ، ولا سَلِم من تبعَتِها ولا شرِّها ولا حسابها ، لقد أخرج منها في خرق )»(٢). وقال الحسن: رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدًا. رحم الله رجلاً لبس خَلِقًا ، وأكل كِسرة ، ولصِقٍ بالأرض ، وبكى على الخطيئة ، ودأب في العبادة ، وهرب من العقوبة ابتغاءَ الرحمة ، حتى يأتيه أجلُه وهو على ذلك . ((عن حميد الطويل قال : خطب رجل إلى الحسن ، وكنت أنا السفير بينهما . قال : فكانْ قد رضيه ، فذهبتُ يومًا أُثني عليه بين يديْه ، فقلت : يا أبا سعيد ، وأزيدك أنّ له خمسين ألفٍ درهم. قال: له خمسون ألفًّا ، ما اجتمعت من حلال . قلت : يا أبا سعيد، إنه - كما علمتُ - ورِعٌ مسلم . قال : إنْ كان جمَعها من حلال ، فقد ضَنّ بها عن حقٍّ ، لا والله ، لا جَرَىُ بيننا وبينه صهرٌ أبدًا))(٣). وقال الحسن رحمه الله : وأيُمُ الله ، ما من عبدٍ قُسم له رزقُ يومٍ بيومٍ ، فلم يعلم أنه قد خير له ، إلّا عاجزٌ أو غبّي الرأي . وقال هشام : سمعتُ الحسن يحلف بالله: ما أعزَّ أحدٌ الدرهمَ إلّا أذَلَّه اللهُ. (١) الوقذ : الضرب حتى يُشرف على الموت. (٢) الحلية ١٤٤/٢ . الحلية ١٥١/٢ . (٣) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٣ وعن ابن شَوْذب ، قال : لمّا مات الحجّاج ووَلي سليمان فاقطع الناس الموت ، فجعل الناسُ يَأخذون . فقال ابن الحسن لأبيه : لو أخذنا كما يأخذ الناس ؟ فقال: اسكت ، ما يسرّني لو أنّ لي ما بين الجسْرِيْن بزنبيلِ ترابٍ . وقال أبو موسى: كنا عند الحسن ، فجاءَ ابنه فقال : أي أَبَهْ ، إنّ هذا السهم قد انكسر . فنظر إليه الحسن ، فقال : الأمر أعجلُ مِن ذلك . ((وقال الحسن: لمّا بعث الله عز وجل محمدًا عَّ ◌َلمه ، يعرفون وجهه ويعرفون نسبه ، قال : هذا نبِّي ، هذا خياري ، خذوا من سنته وسبيله ، أما واللهِ ما كان يُغدى عليه بالجفانِ ولا يُراح ، ولا يُغلق دونَه الأبواب ، ولا تقوم دونه الحَجَبَه ، كان يجلس بالأرض ، ويُوُضَع طعامُه بالأرض ، ويلبس الغليظ ، ويركب الحمار ، ويُرْدِف خلفه، وكان يلعَق يده . قال الحسن: ما أكثر الراغبين عن سنة نبي الله عَ ◌ّه، وما أكثر الثَّاركين لها . ثم إنّ ◌ُلوجًا فُسَّاقًا، أَكَلَة ربًا وغلوٍ - قد شغلهم ربي عز وجل ومَقَتَهم - زعموا أنْ لا بأسَ عليهم فيما أكلوا وشربوا ، وستروا البيوت وزخرفوها . ويقولون : مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه ؛ إنما جعل الله ذلك لأولياء الشيطان . الزينةُ ما رُكِبَ ظَهْرُه ، والطيبات ما جعل الله تعالى في بطونها ، فَيَعمَد أحدهم إلى نعمة الله عليه ، فيجعلها مَلاعبَ لبطْنِهِ وفرجه وظَهْره ، ولو شاء الله - إذْ أعطى العبادَ ما أعطاهم - أباح ذلك لهم ، ولكن تعقّبها بما يسمعون: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ولا تسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحبُّ المُسْرِفِين﴾ [الأعراف: ٣١]، فمَن أخذ نعمة الله وطُعْمتَهُ، أكل بها هنيئًا مريئًا، ومَن جعلها ملاعبَ لبطنه وفرجه وعلى ظهره ، جعلها وَبالًا يوم القيامة))(١). (١) الحلية ١٥٣/٢ - ١٥٤. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٨٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع وقال رحمه الله: ((من رأى محمدًا عَّ له، فقد رآه غاديًا رائحًا، لم يضع لَبِنَةً على لبنة ، ولا قصبةً على قصبة ، رُفع له عَلَمٌ فشمّر له . النَّجا النَّجا، ثم الوَحَا الوَحَا . على ما تعرجون ، وقد أسرع بخياركم ، وذَهب نبيّكم عَّهِ، وأنتم في كلِّ يومٍ ترذلون؟ العيانَ العَيَانَ)(١). وقال رحمه الله: (( والله لقد أدركتُ سبعين بدريًّا، أكثر لباسهم الصوف ، لو رأيتموهم لقلتم : مجانين ، ولو رأوا خياركم ، لقالوا : ما لهؤلاءٍ مِن خَلاق ، ولو رأوا شرارَكم ، لقالوا : ما يُؤْمِن بيوم الحساب .. ولقد رأيتُ أقوامًا ، كانت الدنيا أهونَ على أحدهم من التراب تحت قدميْه ، ولقد رأيتُ أقوامًا ، يُمسي أحدهم لا يجدُ عشاءً إلا قوتًا، فيقول: لا أجعل هذا كلّه في بطني ، لأجعلنَّ بعضَه لله عز وجل . فيتصدّق ببعضه ، وإنّ كان هو أحوج ممَّن يتصدّق عليه ))(٢). قال رحمه الله : أدركتُ أقوامًا وصحبتُ طوائف ، ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقْبَل ، ولا يأسفون على شيءٍ منها أدبر ، ولَهَي كانت في أعينهم أهونَ من التراب : كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة ، لم يُطْوَ له ثوب، ولم يُنصب له قِدْر ، ولم يَجعل بينه وبين الأرض شيئًا ، ولا أمر في بيته بصنعة طعامٍ قطَّ ، فإذا كان الليل ؛ فقيامٌ على أقدامهم ، يفترشون وجوههم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يُناجون ربَّهم في فِكَاك رقابهم ، كانوا إذا عملوا الحسنة دأَبُوا في شُكْرها ، وسألوا الله أنْ يقبلها ، وإذا عملوا السيئة أحزنتْهم ، وسألوا الله أن يغفرها لهم ، فلم يزالوا على ذلك ، واللهِ ما سلموا من الذنوب ، ولا نَجوا إلّا بالمغفرة ، رحمة الله عليهم ورضوانه(٣). (١) الحلية ١٥٤/٢. (٢) زهد الثمانية من التابعين ص ٦٥ - ٦٦ . (٣) الإِحياء ٢٣٩/٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٥ قال سلام بن مسكين: كان الحسن كثيرًا ما يقول : يا معشرَ الشباب ، عليكم بالآخرة فاطلبوها ، فكثيرًا ما رأينا مَن طلب الآخرة ، فأدركها مع الدنيا ، وما رأينا أحدًا طلب الدنيا ، فأدرك الآخرة مع الدنيا . وكان الحسنُ يقول عن الدنيا : (( خَبَاتُ ! كلُّ عيدانِك مضضْنَا ، فوجدنا عاقبته مُّا )). اللهِ ما أحلى هذا الكلام مِن الحسن، الذي يُشبِه كلامُه كلامَ الأنبياء !!. وقال الحسن : الزاهد : الذي إذا رأى أحدًا، قال : هذا أفضلُ مني . إبراهيم التيمي : قال رحمه الله : كم بينكم وبين القوم ؟! أقبلتْ عليهم الدنيا فهربوا منها ، وأدبرتْ عنكم فاتّبعتموها (١) . وقال ( بلال بن سعد ): عباد الرحمن ، أمّا ما وكلكم الله به فتضيّعون ، وأما ما تكفّل الله لكم به فتطْلُبون ، ما هكذا بعث الله عباده المُوقنين . ذوو عقول في طلب الدنيا ، وبُلْه عمّا خُلِقْتم له ؟! فكما ترجون اللهَ بما تُوُّدُّون في طاعته ، فكذلك : أشفقوا من عقاب الله بما تنتهكون من معاصي الله(٢). نعم العاقل مَن زهِد في الدنيا وطَّلَب الآخرة : ((قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لئنْ حلفتم لي على رجل منكم أنه أزهدكم، لَأَحلفنَّ لكم أنه خيركم )) . (١) الزهد والرقائق لابن المبارك ص١٩٤. (٢) الزهد الكبير ص٨٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٨٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع وقال عبد الله بن مسعود : مَن أراد الآخرة أضرّ بالدنيا ، ومَن أراد الدنيا أضّ بالآخرة ، يا قوم ، فأضُرُّوا بالفاني للباقي . (( ودخل رجل على أبي ذرِّ ، فجعل يُقلّب بصرَه في بيته ، فقال : يا أبا ذرِّ، ما أرى في بيتك متاعًا، ولا غير ذلك مِن الأثاث ! فقال : إنّ لنا بيتًا نوجِّه إليه صالِحَ متاعنا . فقال: إنه لا بدَّ لك مِن متاعٍ، ما دمتَ ها هنا . فقال: إنّ صاحب المنزل لا يَدَعُنا فيه ))(١). عمر بن عبد العزيز : قال مالك بن دينار : يقولون : مالكٌ زاهد ، أنّ زهدٍ عند مالك، وله جُبَّة وكِساء ؟! إنما الزاهد : عمر بن عبد العزيز ؛ أتْه الدنيا فاغرةً فَاهَا ، فتركها(٢) . وعن عوْن بن المُعمّر ، أنَّ عمر بن عبد العزيز دخل على فاطمة ، فقال : يا فاطمة ، عندكَ درهم أشتري به عِنبًا ؟ قالت : لا . قال : فعندك الفلوس أشتري به عِنبًا ؟ قالت : لا . وأقبلتْ عليه ، فقالت : أنت أمير المؤمنين ، لا تقدر على درهم تشتري به عنبًا ، ولا فلوسٍ تشتري به عنبًا ؟! قال : هذا أهونُ علّ مِن معالجةِ الأغلال غدًا في جهنّم(٢). نَعَمْ .. عمر بن عبد العزيز هو الزاهد حقًّا، ((فليس مَن زهِد في الدنيا تقذُّرًا، مثل مَن زهد في الدنيا تصبُّرًا))، كما قال السَّري. قال ميمون بن مهران: أقمتُ عند عمر بن عبد العزيز ستّةً أشهر، ما رأيتُه غَيّر رداءه ، كان يُغْسل من الجمعة إلى الجمعة ، ويُبَيَّنُ بشيءٍ مِن زعفران(٤). وعن مسلمة بن عبد الملك قال : دخلتُ على عمر ، وقميصُه وَسِخٌ ، (١) الإِحياء ٢٥٢/٤. (٢) الزهد الكبير ص ١٠٠ . (٣) الزهد الكبير ص ١٠٠ - ١٠١ . (٤) السير ١٣٢/٥. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٧ فقلت لامرأته - وهي أخت مسلمة -: اغسلوه . قالت : نفعل ، ثم عُدتُ ، فإذا القميص على حاله ، فقلتُ لها ، فقالت: واللهِ ما له قميصٌ غيره (١). الله دُك يا أُشجّ بني أمية ، ومَن أولى منك بهذا ؟! لَبِسُوا البيوتَ وزرَّرُوا الأبوابا قوْمٌ إذا غَسلوا الثيابَ رأيْتَهم صِلةُ بنُ أَشيم العَدَويّ : ((قال صلة : طلبتُ الدنيا مَظانَّ حَلالِها(٢)، فجعلتُ لا أصيب منها إلا قُوتًا، أمّا أنا فلا أُعيل(٣) فيها، وأمّا هي فلا تجاوزني، فلمّا رأيتُ ذلك، قلتُ: أي نفسُ ، جُعل رزقُك كَفافًا، فاربعي(٤). قال: فَرَبَعتْ، ولمْ تكِدّ ))(٥). محمد بن واسع : ذكر ابن كثير في ((البداية والنهاية))، في أحداث سنة ثمانٍ وتسعين (١٨٣/٩)، في فتح يزيد بن المهلب لجرجان: ((قالوا : أصاب يزيد بن المهلب أموالًا كثيرة جدًّا، فكان من جملتها تاجٌ فيه جواهر نفيسة ، فقال: أترون أحدًا يزهد في هذا ؟ قالوا : لا نعلمه . فقال: والله إني لأعلمُ رجلًا ، لو عُرض عليه هذا وأمثاله ، لزهِد فيه . ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان في الجيش مغازيًا - فعرض عليه أخْذَ التاج ، فقال: لا حاجة لي فيه . فقال : أقسمتُ عليك لَتأخذنَّهُ. فأخذه ، وخرج به من عنده ، فأمر يزيدُ رجلًا أنْ يتبعَه ، فينظر ماذا يصنع بالتاج ، فمَّ بسائل ، فطلب منه شيئًا ، فأعطاه التاج بكماله وانصرف ، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج ، وعَوَّضه عنه مالًا كثيرًا)). (١) السير ١٣٤/٥. يعني : مواضع الحلال . (٢) (٣) لا أعيل فيها : لا أفتقر . (٤) اقتصري على هذا ، وأرْضَي به . الزهد الكبير ص ١١٠ . (٥) تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٨ يزيدُ بنُ مَرْثد ، القدوة ، الزاهد في الرئاسة : عن الوضين بن عطاء، قال: (( أراد الوليد بن عبد الملك أنْ يُولّي يزيد بن مرثد ، فبلغ ذلك يزيد بن مرثد ، فلبس فروه قد قَلَبه ، فجعل الجلد على ظهره والصوفَ خارجًا ، وأخذ بيده رغيفًا وعِرقًا ، وخرج بلا رداءٍ ، ولا قلنسوةٍ ولا نعل ولا خفِّ ، وجعل يمشي في الأسواق ، ويأكل الخبز واللحم ، فقيل للوليد : إنّ يزيد بن مرثد قد اختلطَ ، وأخبر بما فعله ، فتركه))(١) وبعدها شُفي الشيخُ مِن الجنون . فرضي الله عنك أيُّها البَكّاء الموجد ، يزيد بن مرتد ! لقد نفعك التلقّي عن أبي الدرداء ، وأبي ذر ، ومعاذ بن جبل . إبراهيمُ بنُ أذْهَم: القدوة، الإِمام، العارِفُ، سيّد الزُّهاد، أبو إِسْحاق: لله دُّ رجلٍ يصفه الذهبي بأنه ((الإِمام العارف، سيد الزهاد)). زهِد في الرئاسة والجاه والمنصب ، وهو ابن الملوك . قال إبراهيم بن أدهم: ((كان أبي مِن أهل ((بلخ))، وكان من ملوك خراسان ، وكان من المياسر ، وحُبِّبَ إلينا الصيد ، فخرجتُ راكبًا فرسي ، وكلبي معي ، فبينما أنا كذلك، فثار أرنبٌ أو ثعلبٌ ، فحركتُ فرسي ، فسمعت نداءً من ورائي : ليس لهذا خُلقتَ ، ولا بذا أُمِرْتَ . فوقفتُ أنظر يَمْنَةً ويسْرةً فلا أرى أحدًا، فقلت: لعَن الله إبليس ، ثم حرّكتُ فرسي ، فأسمعُ نداءً أجهَرَ من ذلك : يا إبراهيم ، ليس لذا خلقتَ ، ولا بذا أمرتَ . فوقفتُ أنظر يمنة ويسرة فلا أرى أحدًا ، فقلت : لعن الله إبليس ، ثم حرّكتُ فرسي ، فأسمع نداءً من قربوسٍ سَرْجي : يا إبراهيم ، ما لذا خُلقتَ ، ولا بذا أمرتَ . فوقفت فقلتُ : أُنْبهتُ ، أَنبهتُ ؛ جاءني نذيرٌ من رب (١) حلية الأولياء ١٦٥/٥. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ . 1 ttps://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٩ العالمين ، والله لا عصيت الله بعد يومي ذا ما عصمني ربي ، فرجعتُ إلى أهلي فخلّيتُ عن فرسي ، ثم جئتُ إلى رعاةٍ لأبي ، فأخذتُ منه جُبَّة وكساء ، وألقيتُ ثيابي إليه ، ثم أقبلتُ إلى العراق، أرضٌ ترفعني وأرضٌ تضعني ، حتى وصلتُ إلى العراق ، فعملتُ بها أيّامًا، فلم يَصْفُ لي منها شيءٌ مِن الحلال ، فسألتُ بعض المشايخ عن الحلال ، فقالوا لي : إذا أردتَ الحلال ، فعليك ببلاد الشام ، فصرتُ إلى بلاد الشام ، فصرتُ إلى مدينة يقال لها : المنصورة - وهي المصيصة - فعملتُ بها أيَّامًا ، فلم يَصْفُ لي شيءٌ مِن الحلال ، فسألتُ بعض المشايخ ، فقالوا لي : إن أردتَ الحلال الصّافي ، فعليك بطرسوس ؛ فإنَّ فيها المباحات والعمل الكثير ، فتوجَّهتُ إلى طرسوس، فعملتُ بها أيّامًا أنطر (١) البساتين، وأحصد الحصاد))(٢). قال عبد العزيز بن أبي رواد : رحم الله إبراهيم بن أدهم ، لقد لقيتُه بخراسان ، إذا ركِب حضَر بين يديْه نحوٌ من عشرين شاكِريٌّ . ولكنه رحمه الله طلب بحبوحة الجنة (٣). (( وقال خلف بن تميم : قال لي إبراهيم بن أدهم : كنتُ في بعض السواحل ، وكانوا يستخدموني ويبعثوني في حوائجهم ، وربما يتبعني الصبيانُ حتى يضربوا ساقي بالحصى ، إذْ جاء قومٌ من أصحابي فأحدقُوا بي فأكرموني ، فلما رأوا أولئك إكرامهم لي أكرموني ، فلو رأيتموني والصبيان يرموني بالحصى ، وذلك أحلى في قلبي منهم حيث أحدقوا بي ))(٤). وقال إبراهيم رحمه الله : أخاف أنْ لا أُؤْجَرَ في تركي أطايب الطعام ؛ (١) يحرس . فالناطور هو حارس البستان . (٢) حلية الأولياء ٣٦٨/٧ . (٣) (٤) الحلية ٣٧١/٧ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٢٩٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع لأني لا أشتهيهِ ، وكان إذا جلس على طعام طيِّب ، قدّم إلى أصحابه ، وقنَع بالخبز والزيتون (١). ((وعن خلف بن تميم قال : دخل إبراهيم الجبل ، واشترى فأُسًا، فقطع خَطَبًا، وباعه واشتري ناطفًا (٢)، وقدّمه إلى أصحابه ، فأكلوا ، فقال يُبَاسِطُهم : كأنّكم تأكلون في رهْن))(٣). (( قال علي بن بكّار: كان إبراهيم من بني عجل ، كريمَ الحَسَب ، وإذا حصد ارتجز ، وقال : اتخذِ اللهَ صاحبَا ودعِ الناسَ جانبًا وكان يلبَس فروًا بلا قميص ، وفي الصيف شَقّتَيْن بأربع دراهم ؛ إزار ورداء ، ويصومُ في الحَضَر والسفر ، ولا ينام الليل ، وكان يتفكّر ، ويقبض أصحابُه أجرته ، فلا يمسّها بيده ، ويقول : كُلُوا بها شهواتكم . وكان ينطر (٤)، وكان يطحن بيدٍ واحدة مُدَّيْنٍ من قمح)). هذا زهد الرباني إبراهيم بن أدهم ، الذي قال عنه سفيان الثوري : (( كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل ، ولو كان في الصحابة ، لكان رجلاً فاضاًا))(٥). وقال إبراهيم بن بشار : كنتُ مع إبراهيم بن أدهم ، فأتينا على قبر مُسَنَّمٍ ، فترجَّم عليه، وقال : هذا قبر حُمَيْد بن جابر ، أمير هذه المدن كلها ، كان غارقًا في بحار الدنيا ، ثم أخرجه الله منها ، بلغني أنه سُرّ ذات (١) سير أعلام النبلاء ٣٩١/٧ - ٣٩٢. الناطف : ضرب من الحلوى ، يُصنع من اللوز والجوز والفستق . (٢) (٣) السير ٣٩٢/٧ . كذا عمل بالنطارة سفيان الثوري . (٤) (٥) السير ٣٩٠/٧ . https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٩١ يوم بشيءٍ ، ونام ، فرأى رجلاً بيده كتابٌ ، ففتحه ، فإذا هو كتابٌ بالذهب : لا تُؤْثَرَنَّ فانيًا على باقٍ ، ولا تَغترنَّ بملكِكَ ، فإنّ ما أنت فيه جسيمٌ ، لولا أنه عديمٌ، وهو مُلكٌ لولا أنّ بعده هُلكًا ، وفرحٌ وسرورٌ لولا أنه غرورٌ، وهو يومٌ ، لو كان يُوثق له بِغَدٍ ، فسارعْ إلى أمر الله ، فإِنَّ الله قال: ﴿ وَسَارِعُوا إلى مغفرةٍ منْ ربِّكُمْ وجنَّةٍ عرضُها السمواتُ والأرض أُعدَّتْ للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فانتبَه فَزِعًا وقال: هذا تنبيهٌ من الله وموعظة . فخرج من ملكه وقصَد هذا الجبل ، فعبد اللهَ فيه حتى مات(١). (( قال إبراهيم بن بشّار الصُّوفي : خرجتُ أنا وإبراهيم بن أدهم وأبو يوسف الغسولي ، وأبو عبد الله السنجاري ، نريدُ الإِسكندرية ، فمررنا بنهرٍ يقال له: ((نهر الأردن))، فقعدنا نستريحُ، وكان مع أبي يوسف كُسَيْراتٌ يابِساتٌ، فألقاهنَّ بين أيدينا ، فأكلنا وحمدنا الله ، فقمتُ أسعى أتناول ماءً لإِبراهيم ، فبادَر إبراهيم، فدخل النهر، حتى بلغ الماءُ ركبتَيْه، فقال بكفَّيْه في الماء فملأهما ، ثم قال : بسم الله . وشرب ، فقال : الحمد لله . ثم إنه خرج من النهر ، فمدّ رِجْلَيه، قال: يا أبا يوسف ، لو عَلِم الملوك وأبناءُ الملوك ، ما نحن فيه من النعيم والسرور ، لجالدونا بالسيوف أيام الحياة ، على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلّة التعب ، فقلت له : يا أبا إسحاق ، طلَب القومُ الراحةَ والنعيم ، فأخطئوا الطريق المستقيم . فتبسم ، ثم قال : من أين لك هذا الكلام ؟))(٢). ((وقال إبراهيم بن بشار : أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ذاتَ ليلة ، وليس معنا شيءٌ نُفطر عليه ، ولا لنا حيلة ، فرآني مُغتمّا حزينًا ، فقال : يا إبراهيم ابن بشار : ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين ، مِن النعيم والراحة في الدنيا (١) السير ٣٩٥/٧ . (٢) الحلية ٣٧١/٨، وصفة الصفوة ١٢٧/٤، والزهد الكبير ص١٠٨، واللفظ له. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٩٢ والآخرة ، لا يسألهم يومَ القيامة عن زكاة ولا حجٍّ ، ولا عن صدقةٍ ، ولا عن صلةِ رحِمٍ ، ولا عن مؤاساة ، وإنما يُسأل ويحاسَبُ على هذا هؤلاء المساكين ، أغنياءُ في الدنيا فقراءُ في الآخرة ، أعزّةٌ في الدنيا أذلّةٌ يوم القيامة . لا تغتمَّ ولا تحزنْ؛ فرزقُ الله مضمونٌ ، سيأتيك . نحن والله الملوك الأغنياء ، نحن الذين قد تعجّلنا الراحة في الدنيا ، لا نبالي على أيّ حالٍ - أصبحنا وأمسينا - إذا أطعَمَنا اللهُ . ثم قام إلى صلاته وقمتُ إلى صلاتي ، فما لبثّنا إلّا ساعة ، فإذا نحن برجل قد جاء بثمانية أرغفةٍ وتمر كثير ، فوضعه بين أيدينا ، فقال : كُلوا ، رحمكم الله . قال : فسلّم، ثم قال : كُلْ يا مغموم . فدخل سائلٌ فقال: أطعِمونا شيئًا . فأخذ ثلاثة أرغفةٍ مع تمرٍ، فدفعه إليه، وأعطاني ثلاثة، وأكل رغيفين ، وقال: المؤاساة من أخلاق المؤمنين ))(١). بشر بن الحارث الحافي : قال عنه الذهبي في السير (٤٦٩/١٠): ((الإِمام العالم المُحدِّث الَّاهد الربَّاني القدوة شيخ الإسلام أبو نصرٍ المروزي)). وقال أبو نعيم عن بشر: ((المكتفي بكفاية الكافي ، اكتفى فاشتَفى)). قال بشر رحمه الله: (( قل لمن طَلَب الدنيا تَهيَّأُ للدُّل)). وقال رحمه الله: ((لو سقطتْ قلنسوةٌ من السماء، ما سقطتْ إلا على رأس من لا يريدها))(٢). وكان الإِمام أحمد إذا سُئل عن الزهد، فيقول : أتسألوني عن الزهد وفيكم بشر ؟! (١) الزهد الكبير ص١٠٨، والحلية ٣٧٠/٩ . (٢) الحلية ٣٥٥/٨. https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٩٣ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع (( أقام بشر رحمه الله بعبَّادان، يشربُ ماء البحر ، ولا يشرب من حياض السلطان ، حتى أضَرَّ بجوفه ، ورجع إلى أخته وجعًا ، وكان يعمل المغازل ويبيعها ، فذاك كسبه ))(١) . وكان رحمه الله يمشي حافيًا ويقول : الأرض بساطة . ((وقيل لأحمد: مات بشر. قال: مات والله وما له نظير ، إلّا عامر ابن عبدٍ قيس ، فإنَّ عامًا مات ولم يترك شيئًا. ثم قال أحمد: لو تزوج))(٢). قال بشر رحمه الله : مساكين أهل الدنيا ، هُمْ والله مَوْضعُ رحمةٍ . ((وقال بشر : ليس الزُّهد في الدنيا ترك الدنيا ، إنما الزهد أن يُزهد في كلِّ ما سوى الله ، هذا داود وسليمان عليهما السلام قد مَلَكًا الدنيا ، وكانا عند الله من الزاهدين . إنْ لم يكن داود النبي زاهدًا فمن يكون ؟! وقد كان مع مُلْكه يَأْكُلُ من عمل يده )) . وقال بشر: قال فضيل بن عياض : يا بشر ، الرِّضاء الأكبر عن الله عز وجل الزهدُ في الدنيا . قال : قلت : كيف هذا يا أبا علي ؟ قال : يكون العطاءُ في قلبك والمنعُ بمنزلةٍ واحدة . سفيان الثوري : قال الذهبي في السير (٢٤١/٧): ((قد كان سفيان رأسًا في الزهد ، والثّالُه والخوف )). قال حفص بن غياث : كنا نتعزَّى عن الدنيا بمجلس سفيان . (١) السير ٤٧١/١٠. (٢) السير ٤٧٤/١٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٩٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع وقال سفيان رحمه الله : وجدتُ قلبي يَصْلح بين مكة والمدينة ، مع قوم غرباء أصحاب صوفٍ وعباء(١) . وقال رحمه الله : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، وأول ذلك زهدك في نفسك(٢). وقال رحمه الله : ما أنفقتُ درهمًا في بناءٍ(٣). قال يحيى بن يمانٍ : ما رأيت مثل سفيان ! أقبلتِ الدنيا عليه ، فصرف وَجْهَه عنها . وعن ابن مهدي قال : قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه ، فأجَّر نفسه لحفظ ثماره ، فمرّ به بعض العشَّارين ، فقال : من أنت يا شيخ ؟ قال : من أهل الكوفة . قال : أُرُطبُ البصرة أحلى أم رطب الكوفة ؟ قال : لم أذق رطب البصرة . قال : ما أكذبك ! البُّ والفاجر والكلاب يأكلون الرطب الساعة . ورجع إلى العامل ، فأخبره ليُعجبه ، فقال : ثكلتك أمك ! أُدْرِكْه ، فإن كنت صادقًا ، فإنه سفيان الثوري ، فخُذْه لنتقَرَّبَ بِهِ إلى أمير المؤمنين . فرجع في طلبه فما قدر عليه(٤) . الله دَرُّك يا إمام من زاهدٍ ومن وَرِعٍ . عن يوسف بن أسباط ، سمعت سفيان يقول: (( ما رأيتُ الزهد في شيءٍ أقّ منه في الرِّئاسة ؛ ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب ، فإن نُوزع الرئاسة حامى عليها وعَادى))(٥). (١) (٢) السير ٢٦٨/٧، والحلية ٦٩/٧. (٣) السير ٢٥٧/٧ . (٤) السير ٢٥٨/٧ . (٥) السير ٢٦٢/٧. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٢٩٥ وعن وكيعٍ قال : قال سفيان الثوري : الزُّهد في الدنيا قِصَرُ الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا لبس العبا . وعن بشر بن الحارث قال : قيل لسفيان الثوري : أيكون الرجل زاهدًا ويكون له المال ؟ قال: نعم. إذا ابتُلي صبر ، وإذا أُعطي شكر . وقال سفيان في قوله تعالى: ﴿ لَيَبْلُوكم أيُّكم أحسن عملا ﴾ : الزهد في الدنيا . قال بعضهم : قوَّمتُ ثوبِي سفيان ونعليْه بدرهمٍ وأربعة دوانق . أبو معاوية الأسود : قال يحيى بن معين : رأيت أبا معاوية الأسود وهو يلتقط الخِرَقَ من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها . فقلت : إنك تُكسي خيرًا من هذا !! فقال : ما ضرّهم ما أصابهم في الدنيا ، جَبَر الله لهم بالجنة كلّ مصيبة . فجعل يحيى بن معين يحدِّب بها ويبكي(١). اللهَ اللهَ ... ولِمَ لا يبكي يحيى ، رقيق القلب ... وهو يرى قولًا يُصَدقه العملُ ... وهو يرى الُّهد في كماله ... وجواهَرَ الكَلِم تخرج من الأفواه الطَّاهرة لساداتٍ عن الدنيا مسافرة ، ولدارِ الآخرة دومًا راحلة .. وخلَّفوا وراءهم قومًا يرفعون الطين ، ويضعون الدين ، ويهملجون بالبراذين كلاب الأماني .. أصبح دينُ أحدهم لَعْقةً على لسانه ؛ يقول : أومن بيوم القيامة ، وكَذبَ ومَالكِ يوم الدين .. معروف الكرخي : عن الفاني مصروف، وبالباقي مشغوف، وبالتُّحَف محفوف، الكرخي أبو محفوظ معروف . (١) الإِحياء ٢٤٩/٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٩٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع قال عنه الذهبي في ((السير)) (٣٣٩/٩): ((عَلَم الزّهّاد ، بركة العصر)) . ((قال إسماعيل بن شدّاد : قال لنا سفيان بن عيينة : ما فعل ذلك الحَبْر الذي فيكم ببغداد ؟ قلنا : من هو ؟ قال : أبو محفوظ معروف . قلنا : بخير . قال : لا يزال أهل تلك المدينة بخيرٍ ما بقي فيهم))(١). قال أبو بكر الزَّجَّاج: قيل لمعروف الكرخي في علَّته : أوصِ . فقال : إذا متُّ فتصدّقوا بقميصي هذا ، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانًا ، كما دخلت إليها عريانًا . والله هذه الغاية التي تقصر دونها همم الرجال ... فكيف بلغها معروف وطار بسبقها . وإن كان الزهد هو قصر الأمل ، فقد كان معروف رأسًا في قصر الأمل . (( قال أحمد بن إبراهيم الدورقي : حضرت الصلاة فقال معروف لأبي نوبة : صلِّ بنا ، فقال : إن صلّيتُ بكم هذه الصلاة ، لا أُصلّي بكم غيرها . فقال معروف : وأنت تُحدِّث نفسك أن تصلي صلاةً أُخرى ، نعوذ بالله من طول الأمل ؛ فإنه يمنع خير العمل ))(٢). الإِمام الزاهد شيخ خراسان ، شقيق البَلْخي : الرائد العقيق ، الزاهد الحقيق ، أبو علِيّ البلخي شقيق : قال علي بن محمد بن شقيق : كان لجدي ثلاثمائة قرية ، ثم يوم قتل بواشكرد لم يكن له كفن يكفَّن فيه ، قدَّمه كلَّه بين يديه . قال : وقد كان (١) الحلية ٣٦٦/٨، وتاريخ بغداد ٢٠١/١٣، والسير ٣٤٠/٩. (٢) الزهد الكبير ص٢٣٧ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٩٧ خرج إلى بلاد الترك لتجارةٍ وهو حَدَث، إلى قومٍ يقال لهم ((الخصوصيّة)) وهم يعبدون الأصنام ، فدخل إلى بيت أصنامهم ، وعالمهم فيه حَلَق رأسه ولحيته ، ولبس ثيابًا حمراء أُرجُوانِيَّة ، فقال له شقيق : إن هذا الذي أنت فيه باطل ، ولهؤلاء ولك ولهذا الخلق خالق وصانع ليس كمثله شيء ، له الدنيا والآخرة ، قادر على كل شيء ، رازق كل شيء . فقال له الخادم : ليس يُوافق قَوْلَك فِعْلُك . فقال له شقيق : كيف ذاك ؟ قال : زعمت أن لك خالقًا رازقًا قادرًا على كل شيء ، وقد تغيَّتَ إلى هاهنا لطلب الرزق ، ولو كان كما تقول ، فإن الذي رزقك هاهنا هو الذي يرزقك ثمَّ ، فتربح العَنَا . قال شقيق: وكان سبب زهدي كلام التّرْكِّ . فرجع فتصدّق بجميع ما ملك ، وطلبَ العلم(١) . (( وعن شقيق قال: كنتُ شاعرًا فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاثمائة ألف درهم ، ولبست الصوف عشرين سنة ، ولا أدري أني مُراءٍ ، حتى لقيت عبد العزيز بن أبي روَّاد ، فقال : ليس الشأن في أكْل الشعير ولُبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك ، ولا تُشرك به شيئًا ، وأن ترضى عن الله ، وأن يكون بما في يد الله أوْثَق منك بما في أيدي الناس))(٢). عن شقيق قال : أخذت لباس الدُّون عن سفيان ، وأخذت الخشوع من إسرائيل ، وأخذت العبادة من عبَّاد بن كثير، والفقه من زُفَر(٣). وقال رحمه الله : سبعة أبواب يُسلك بها طريق الزُّهّاد : الصبر على الجوع بالسرور لا بالفتور ، بالرضا لا بالجزع ، والصبر على العُري بالفرح (١) حلية الأولياء ٥٩/٨، والسير ٣١٣/٩. (٢) حلية الأولياء ٥٩/٨، والسير ٣١٤/٩. (٣) السير ٣١٥/٩. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٩٨ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع لا بالحزن ، والصبر على طول الصيام بالتفضل لا بالتَّعسُّف ، كأنه طاعِمٌ ناعِم ، والصبر على الذُّلّ بطيب نفسه لا بالتكُرُّه ، والصبر على البؤس بالرضا لا بالسخط ، وطول الفكرة فيما يُودع بطنه من المطعم والمشرب ، ويكسو به ظهره : من أين ، وكيف ، ولعلّ ، وعسى . فإذا كان في هذه الأبواب السبعة ، فقد سلك صدرًا من طريق الزهاد ، وذلك الفضل العظيم . وقال رحمه الله: (( ثلاث خصال هي تاج الزاهد ؛ الأولى : أن يميل على الهوى ولا يميل مع الهوى . والثانية : ينقطع الزاهد إلى الزهد بقلبه . والثالثة : أن يذكر كلّما خلا بنفسه كيف مدخله في قبره ، وكيف مخرجه ، ويذكر الجوع والعطش والعري ، وطول القيامة والحساب والصراط ، وطول الحساب والفضيحة البادية ، فإذا ذكر ذلك شَغَلَه عن ذكّر دار الغرور . فإذا كان ذلك، كان من مُحِّي الزُّهَاد ، ومن أحبهم كان معهم )) . وكان رحمه الله يقول: ((كما لا يُطالبكم بصلاة غدٍ ، فلا تطلبوا منه رزق غٍ ، عسى أن لا تصيروا إلى غد ))(١). ((وقال الحاكم: قدم شقيقٌ نيسابور في ثلاثمائةٍ من الزُّهّاد ، فطلب المأمون أن يجتمع به ، فامتنع)) . وهذا ( حاتم الأصمّ ): (( يدخل على محمد بن مقاتل قاضي الرّيّ وهو عليل ، فإذا دار نور ، وأمتعة وستور ، وجمع ، وإذا فُرُشٌ وطيئة ، فقال له: في ما أدَّه جبريل عن الله، وأدّاه إلى رسول الله عَ ليه، وأدّاه رسول الله عَ لّه إلى أصحابه، وأدّاه أصحابه إلى الثقات، وأدّاه الثقات إليك ، (١) السير ٣١٥/٩. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٩٩ هل سمعت في العلم مَنْ كان في داره أمير أو منعة أكثر ، كانت له المنزلة عند الله أكثر ؟ قال : لا . قال : فكيف سمعت من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحبَّ المساكين وقدَّم لآخرته ، كان له عند الله المنزلة أكثر ؟ قال حاتم: فأنت بمن اقتنعتَ؟ بالنبي عَّم وأصحابه والصالحين ؟ أم بفرعون ونمرود أوَّل مَنْ بنى بالجصّ والآجُرّ ، يا علماء السوء مِثْلكم يراه الجاهل الطالب للدنيا ، الراغب فيها ، فيقول : العالم على هذه الحالة ، لا أكون أنا شّا منه. وخرج من عنده ، فازداد ابنُ مقاتل مرضًا . فبلغ ذلك أهل الّيّ ، ما جرى بينه وبين ابن مقاتل ، فقالوا له : يا أبا عبد الرحمن ، إن الطنافسي بقزوين أكثر شيء من هذا . قال : فسار إليه متعمِّدًا فدخل عليه ، فقال له : رحمك الله ، أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أوّل مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي ، وكيف أتوضّأ للصلاة . قال : نعم وكرامة ، يا غلام ، إناء فيه ماء . فأتي بإناءٍ فيه ماء ، فقعد الطنافسي فتوضّاً ثلاثًا ثلاثًا ثم قال : يا هذا ، هكذا تتوضأ . قال حاتم : مكانك - يرحمك الله - حتى أتوضأ بين يديك ، فيكون أوْكَد لما أريد . فقام الطنافسي فقعد حاتم فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ، حتى إذا بلغ غسْل الذراعين ، غسل أربعًا ، فقال له الطنافسي : يا هذا ، أسرفتَ . قال له حاتم : فبماذا ؟ قال : غسلتَ ذراعيك أربعةً . فقال حاتم : يا سبحان الله !! أنا في كفّ من ماءٍ أسرفت ، وأنت في هذا الجمْع كلِّه لم تُسرف ؟ !! فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك . ولما دخل إلى المدينة المنورة استقبله أهل المدينة ، فقال : يا قوم أيّ مدينةٍ هذه؟ قالوا: مدينة رسول الله عَ له. قال: فأين قصر رسول الله عَ له فأُصلِّي فيه ركعتين ؟ قالوا : ما كان له قصر ، إنما كان له بيت لاطىء. قال : فأين قصور أصحابه بعده ؟ قالوا : ما كان لهم قصور ، إنما كانت لهم بيوت لاطئة . قال حاتم : يا قوم ، هذه مدينة فرعون وجنوده . فذهبوا به إلى السلطان فقالوا : هذا العجمي يقول : هذه مدينة فرعون وجنوده . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٣٠٠ قال الوالي : ولم ذاك ؟ قال حاتم : لا تعجل علَّ ، أنا رجل أعجمي غريب ، دخلتُ المدينة فقلت : مدينة من هذه ؟ قالوا : مدينة رسول الله عَو ◌ّه. قلت: فأين قصر رسول الله عَ لمه فأصلي فيه ركعتين ؟ قالوا: ما كان له قصر ، إنما كان له بيتٌ لاطىء . قلت : فلأصحابه بعده . قالوا : ما كان لهم قصور ، إنما كانت بيوتهم لاطئة . وقال الله تعالى: ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ ﴾ [ الأحزاب: ٢١] فأنتم بمن تأسَّيْتم ؛ برسول الله عَ ◌ّله وأصحابه، أو بفرعون أَوَّل من بنى بالجصِّ والآجرّ ؟ !! فخلّوا عنه وعرفوه ))(١) . فلله دَرُّ حاتم من فقيه دعوةٍ ومربي رجالٍ . الخليل بن أحمد الفراهيدي : قال عنه الحافظ الذهبي: ((وهو معدود من الزُّهّاد . كان يقول: إني لأُغلق علّ بابي فما يجاوزه همّي)). وقيل : كان متقشِّفًا متعبِّدًا . قال النضر : أقام الخليل في خصِّ له بالبصرة لا يقدر على فلسين ، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال ، وكان كثيرًا ما ينشد : وإذا افتقرتَ إلى الذخائرِ لم تجدْ ذُخْرًا يكون كصالح الأعمال(٢). وقال رحمه الله : حَسْبُك مِن دهرِكَ هذا القُوتُ ما أَكْثَرَ القوتَ لِمَنْ يموتُ(٣). الإِمام الوليّ أبو داود عمر بن سعد الحفري : ((قال وكيع بن الجَّاح: (( إنْ كان يُدفع بأحدٍ في زماننا ، فبأبي داود (١) الحلية ٨٠/٨ - ٨٢ . (٢) السير ٤٣٠/٧، ٤٣١ . (٣) الزهد الكبير ص ١١٠. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد