النص المفهرس
صفحات 261-280
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦١ كانت الدموعُ اتخذتْ مَجْرِّى في وجههِ (١). سُلَيْمان بنُ داودَ عليهما السلام : قال الحسن في كتابه لعمر بن عبد العزيز: (( ولو شئْتُ ربّعتُ بسليمان بن داود عليهما السلام ، فليس دُونهم في العجب ؛ يأكل خُبْزَ الشعير في خاصَّته، ويُطْعِم أهلَه الخشكار(٢) والناسَ الدّرمك، فإذا جنَّه الليلُ لِبِسَ المَسُوخ ، وغَلَّ اليدَ إلى العنق ، وبات باكيًا حتى يُصبح ، يأكل الخشِنَ مِن الطعام)). ومن قبله كان داودُ صاحبُ المزامير ، وقارئُ أهل الجنة، ((يعمل سفائفَ الخُوص بيده ، ويقول لجُلَسائه : أَيُّكم يكفيني بَيْعَها ؟ ويأكل قُرْص الشعيرِ مِن ثَمَنِها ». عُثمانُ بنُ مَظعُون رضي الله عنه ، المتقشِّفُ المحْزُون : كان إلى الاستجابة للهِ سابقًا، وبمعالي الأحوالِ لاحقًا ، وفي العبادة ناسِكًا، لم تنقِصْه الدنيا، ولم تَحطّهُ عن العَلْيَا . ويكفي في عُلوِّ زهدِه شهادةُ رسول الله عَ ليه له بذلك: فعن أبي النضر، قال: لما مُرَّ بجنازةِ عثمانَ بن مظعون ، قال رسول الله عَ له: ((ذَهَبْتَ ولم تَلَّسْ منها بشيءٍ))(٣). نعم ، ما تلَّسَ منها بشيءٍ ! ربما لِبِس النَّمِرة قد تخلَّلتْ ، فرقّعَها بقطعةٍ من فروة .. فرضي الله عنك أبا السائب صاحبَ الهِجْرتَيْن . ((عن عائشة، أن رسول الله عَ لّه قبّل عثمانَ بنَ مظعون وهو مَيِّتْ، (١) الزهد والرقائق ص١٩٤ . الخشكار : رديءُ الدقيق ، والدرمك : الدقيق الحواري . (٢) (٣) أخرجه مالك في الجنائز مرسلًا ، وقال الزرقاني : وصلَه ابنُ عبد البِّرِّ من طريق يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسم ، عن عائشة . ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦٢ ودموعُهُ تسيلُ على خَدِّ عثمانَ بن مظعون))(١). العابِدُ الَّهيدُ ، والقانِتُ الوحيدُ، أبو ذَرِّ الغِفَاري : قال الذهبي عنه : (( أحدُ السابقين الأوَّلين، من نُجَبَاءِ أصحاب محمد عَ لٍّ ... وكان رأسًا في الزهد والصدق، والعلم والعمل)). قال أبو ذرِّ الغفاري: ((ما تُؤْيسُنِي رِقّةُ عَظْمي، ولا بياضُ شَعْري، أنْ ألقى عيسى بن مريم))(٢). وعن ابن سيرين : سألتُ ابنَ أُخْتٍ لأبي ذرٍّ : ما ترك أبو ذرِّ ؟ قال : ترك أَتائَيْن، وحمارًا، وأعنزًا ، وركائب . قد كان رضي الله عنه من أهلِ الصُّفَّة ، وكان في بداية أمْره ينامُ في المسجد ، لم يكنْ له بيتٌ . وأرسل إليه عثمانُ، وقال له : إنما أرسلْنا إليك لِتُجَاوَرَنا في المدينة. قال: لا حاجة لي في ذلك، اثْذَنْ لي إلى ((الرّبذة)). قال : نعم، ونأمر لك بنعم من نَعَم الصدقة ، تغدو عليك وتروح. قال : لا حاجة لي في ذلك ، يكفي أبا ذرِّ صُريمته(٣). فلما خرج قال : دونكم معاشر قريش ، دنياكم فاعْذِمُوها(٤)، ودعُونا وربَّنَا . وقال رضي الله عنه: ((لَيَوَدَّنَّ صاحبُ هذا المال لو كان عقاربُ في الدنيا تلسعُ السويداءَ مِن قلبه)»(٥). (١) حسن بشاهده عند البزار ، أخرجه الترمذي وصححه ، وأبو داود ، وصححه الحاكم ، وسكت عنه الذهبي . (٢) طبقات ابن سعد ٢٣٠/٤. الصُّريمة : تصغير الصرمة : وهي القطيع من الإِبل والغنم . (٣) (٤) أي: خذوها، والعذم: العضُّ والأكل بجفاء . (٥) إسناده صحيح ، سير أعلام النبلاء ٦٧/٢ - ٦٨، وطبقات ابن سعد ٣٣٢/٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦٣ رضي الله عنه ؛ لقد تعلّق بالأمر الشديد . (( وعن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذرِّ بالربذة، وعنده امرأة له سوداء مُشعثة ، ليس عليها أثر المجاسد والخَلوق ، فقال : ألا تنظرون ما تأمرني به ؟ تأمرني أن آتي العراق ، فإذا أتيتُها ، مالوا علّ بدنياهم ، وإنَّ خليلي عهِدَ إلّ: ((إنّ دون جسْر جهنم طريقًا ذا دحْضٍ ومزلة)) . وإنا أنَّى نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار ، أحرى أنْ ننجو مِن أنْ نأتي عليه ونحن مواقير))(١) . (( وقال ثابت البناني: بنى أبو الدرداء مسكنًا، فمر عليه أبو ذرٍّ ، فقال : ما هذا ! تعمر دارًا أذن اللهُ بخرابها ؟! لأن تكون رأيتُك تتمّغ في عَذِرة ، أحبّ إلّ من أن أكون رأيتُك فيما رأيتُك فيه))(٢). وعن أمّ طلقٍ ، قالت: (( دخلتُ على أبي ذرِّ فرأيتُه شعًا شاحبًا، بيده صوف ، قد جُعل عُودَيْن ، وهو يغزل بهما ، فلم أرَ في بيته شيئًا ، فناولتُه شيئًا مِن دقيق وسُوَيْق ، فقال لي : أمَّا ثوابك، فعلى الله))(٣) . وعندما مات بالربذة لم يكن عنده ثوبٌ يسعُه كفَنًا ، وكفّنه صحابة مُّوا به ، كفّنه فتى مِن الأنصار في عيبته مِن غزل أمِّه (٤). مُصْعَب بنُ عُمَير رضي الله عنه : عن خباب رضي الله عنه قال: ((هاجرْنا مع رسول الله عَيٍ، ونحن نبتغي وجه الله ، فوقع أجرُنا على الله ، فمنا مَن مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئًا ؛ منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد ، ولم يترك إلا نَمِرة ، كُنَّا إذا غطَّنا رأسه بدتْ رجلاه ، وإذا غطينا رجلَيْه بدا رأسه ، فقال رسول الله (١) أخرجه أحمد وابن سعد ورجاله ثقات . (٢)، (٣) السير ٧٤/٢ . (٤) العيبة: ما تُجعل فيه الثياب ، السير ٧٧/٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٦٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع عَ ◌ّه: «غَطّوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإِذْخَر)). ومّنا مَن أَيْنعتْ له ثمرتُه ، فهو یُهَدِّبُها )»(١). (( وعن سعد بن إبراهيم ، سمع أباه يقول: أُتي عبد الرحمن بن عوف بطعامٍ ، جعل يبكي ، فقال : قتل حمزة ، فلم يُوجد ما يُكَفّن فيه إلّا ثوبًا واحدًا ، وقُتل مصعب بن عمير ، فلم يوجد ما يكفّن فيه إلا ثوبًا واحدًا ، لقد خشيتُ أن يكون عُجّلتْ لنا طيباتُنا في حياتنا الدنيا. وجعل يبكي))(٢). سَلْمانُ الفارسي : عن مالك أنَّ سلمان كان يستظل بالفيءٍ حيثما دار ، ولم يكن له بيت ، فقيل : ألا نبني لك بيتًا تسكن به ؟ قال : نعم . فلمّا أَدْبر القائلُ سأله سلمان : كيف تبنيه ؟ قال : إنْ قمتَ فيه أصابَ رأسك ، وإنْ نِمتَ أصابَ رجلك(٢). (( قال النعمان بن حُميد : دخلتُ مع خالي على سلمان بالمدائن - وهو أميرٌ عليها - فسمعته يقول : أشتري خُوصًا بدرهم ، فأبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهمًا فيه ، وأنفق درهمًا على عيالي ، وأتصدَّق بدرهم ، ولو أن عمر نهاني عنه ما انتهيت)) (٤) . وقال الحسن : كان عطاء سلمان خمسة آلاف ، وكان على ثلاثين ألفًا من الناس ، يخطب في عباءَة ، يفرش نصفَها ، ويلبس نصفها ، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل مِن سفيف يده ، رضي الله عنه(٥). (١) رواه أحمد، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي. (٢) رواه البخاري . (٣) أخرجه عبد الرزاق ؛ وابن سعد ، وأبو نعيم . (٤) ابن سعد وأبو نعيم في الحلية، والإصابة ٢٢٥/٤، وأسد الغابة ٤٢٠/٢ والاستيعاب . (٥) الحلية ١٩٨/١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦٥ وإِنْ تعجبْ لأميرٍ المدائن سلمان فاعجبْ : ((قال جرير بن حازم : سمعت شيخًا من بني عبس يذكر عن أبيه قال : أتيتُ السوق ، فاشتريت عَلفًّا بدرهم ، فرأيتُ سلمان - ولا أعرفه - فسخّرتُه ، فحملتُ عليه العلف ، فمرّ بقوم فقالوا : نحمل عنك يا أبا عبد الله ؟ فقلت: مَنْ ذا؟ قالوا: هذا سلمان صاحب رسول الله عَ لّه. فقلت له: لم أعرفك ، ضعْه. فأبى حتى أتى المنزل))(١). (( وعن أنس رضي الله عنه قال : دخل سعد وابن مسعود على سلمان عند الموت ، فبكى فقيل له : ما يُبكيك ؟ قال : عهدٌ عهِدَه إلينا رسول الله عَِّ لم نحفظه: قال: ((لِيكنْ بلاغُ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب)). وأمّا أنت يا سعدُ ، فَاتَّقِ اللهَ في حكمك إذا حكمت ، وفي قَسْمك إذا قسَمتَ ، وعند همّك إذا هممت . قال ثابت : فبلغني أنه ما ترك إلّا بضعةً وعشرين درهمًا، نُفَيْقةً كانت عنده))(٢). عثمانُ بنُ عقَّان ، رضي الله عنه : (( قال الحسن البصري : رأيتُ عثمان نائمًا في المسجد ، حتى جاءَه المؤذِّن فقام ، فرأيتُ أثر الحَصَى على جنبه))(٢). وكان رضي الله عنه - وهو خليفة - يحمِل حِزْمة الحطب على عاتِقِه . أهل الصُّفّة : عن فضالة بن عُبيد أن رسول الله عَّهِ كان إذا صلَّى بالناس، يخّ رجالٌ مِن قامتهم في الصلاة من الخصاصة ، وهمْ أصحابُ الصُّفة ، حتى تقول الأعراب : هؤلاء مجانينُ أو مجانون ، فإذا صَلّى - صلى الله عليه وسلم - (١) ابن سعد ٦٣/١/٤. (٢) صحيح ؛ أخرجه ابن ماجه ، وأبو نعيم في الحلية والطبراني . (٣) السير ٥٦٨/٤ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦٦ انصرف إليهم، فقال: ((لو تعلمونَ ما لكم عند الله ، لأحببتُم أن تزدادوا فاقة وحاجة)). قال فضالة: أنا يومئذٍ مع رسول الله عَ ليه(١). أبو هريرة ، رضي الله عنه : قال أبو هريرة: ((لقد رأيتُني وإني لأَخِرّ فيما بين منبرٍ رسول الله عَلٍِّ إلى حجرة عائشة مَغْشيًّا علّ، فيجيءُ الجاني فيضعُ رجله على عنقي ، ويرى أنّي مجنون ، وما بي مِن ◌ُنونٍ، ما بي إلّا الجوع))(٢). عُمَیر بنُ سعد ... نسيجُ وحدِه : الحافظُ للعهد ، الوافي بالوعد ، اللَّقن الحفيظ ، الخَشن الغليظ ، جمال الوُلاة ، وحُجّة الله على الرعاة . (( قال الذهبي : استعمله عمرُ على حمص ، وكان من الزُّهاد . قال عبد الرحمن بن عمير بن سعد الأنصاري : قال لي ابن عمر : ما كان مِن المسلمين رجلٌ مِن الصحابة أفضل من أبيك . وقال ابن سيرين : كان عُمر من عُجْبه بعُمير بن سعد يُسميه : ((نسيج وحده ))، وبعثه مّة على جيش. وقال المفضل الغلابي : زهّادُ الأنصار ثلاثة : أبو الدرداء ، وشدّاد بن أوس ، وعمير بن سعد ))(٣) . (( بعثه عمر بن الخطاب عاملًا على حمص، فمكث حوْلًا لا يأتيه خبرُه ، فقال عمر لكاتبه : اكتب إلى عُمير ، فواللهِ ما أراه إلا قد خاننا : (( إذا جاءك كتابي هذا فأقبل ، وأقبلْ بما جبيْتَ مِن فيء المسلمين ، حين (١) إسناده حسن : رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه ، وقال الأرناؤوط : إسناده حسن . (٢) رواه البخاري والترمذي. (٣) السير ١٠٤/٢ - ١٠٥. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٦٧ تنظر في كتابي هذا )) . فأخذ عُمير جرابه ، فجعل فيه زادَه وقصعتَه ، وعلق إداوته ، وأخذ عنزته ، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة . قال : فقدم وقد شحبَ لونُه واغبر وجهُه ، وطالت شعرته ، فدخل على عُمر وقال : السلامُ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فقال عمر : ما شأنك ؟ فقال عمير : ما ترى من شأني ؟! ألستَ تراني صحيح البدن ، طاهَرَ الدم ، معي الدنيا أُجُها بقْنها ؟! قال : وما معك ؟ فظن عمر رضي الله عنه أنه قد جاء بمال ، فقال : معي جرابي ، أجعل فيه زادي ، وقَصْعتي آكُلُ فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي ، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعَنزتي أتوكَّأ عليها، وأجاهد بها عدوًا إن عَرَض ، فواللهِ ما الدنيا إلا تَبَعٌ لمتاعي . قال عمر : فجئتَ تمشي ؟ قال : نعم . قال : أما كان لك أحدٌ يتبرّع لك بدابّة تركبها ؟ قال : ما فعلوا ، وما سألتُهم ذلك . فقال عمر : بئْس المسلمون خرجت مِن عندهم . فقال له عُمير : اتق اللهَ يا عمر ، قد نهاك اللهُ عن الغيبة ، وقد رأيتُهم يصلّون صلاة الغداة . قال عمر : فأين بعثتُك ؟ وأي شيءٍ صنعتَ ؟ قال : وما سؤالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : سبحان الله ! فقال عمير : أما لولا أني أخشى أن أغمّك ما أخبرتك ، بعثتَني حتى أتيتُ البلد ، فجمعتُ صلحاءَ أهلها ، فولَيْتُهم جباية فيْئهم ، حتى إذا جمعوه ، وضعتُه مواضعه ، ولو نالك منهُ شيءٌ لأتيتُك به . قال : فما جئتَنا بشيءٍ ؟ قال: لا . قال: جدِّدوا لعُمير عهدًا. قال: إنّ ذلك لشيءٌ،لا عملتُ لك، ولا لأحدٍ بعدك، والله ما سلِمْتُ ، بل لم أسلم ، لقد قلتُ لنصراني : أي أخزاكَ الله ، فهذا ما عرّضتني له يا عمر ، وإنّ أشقى أيامي يومَ خلفتُ معك . فاستأذنه فأذن له ، فرجع إلى منزله . قال : وبينه وبين المدينة أميالٌ ، فقال عمر - حين انصرف عُمير -: ما أراه إلا قد خاننا . فبعث رجلًا يُقال له : الحارث ، وأعطاه مائة دينار ، فقال له : انطلق إلى عمير ، حتى تنزل به كأنّك ضيف ، فإن رأيتَ أثر شيءٍ فأقْبل ، https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٦٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع وإن رأيت حالة شديدة فادفع إليه هذه المائة الدينار . فانطلق الحارث ، فإذا هو بعمير جالس يفلّي قميصه إلى جانب الحائط ، فسلّم عليه الرجل ، فقال له عمير : انزل ، رحمك الله . فنزل ثم سأله ؛ فقال : من أين جئت ؟ قال : من المدينة . قال : فكيف تركتَ أمير المؤمنين ؟ قال : صالحًا . قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين . قال: أليس يقيم الحدود ؟ قال : بلى ، ضرب ابنًا له أتى فاحشةً ، فمات من ضربه . فقال عمير : اللهمّ أعِنْ عمر ، فإني لا أعلمه إلا شديدًا حبُّه لك . قال : فنزل به ثلاثة أيام ، وليس لهم إلا قْصَةٌ مِن شعير ، كانوا يَخصُّونه بها ويَطْوون ، حتى أتاهم الجهد ، فقال له عمير : إنك قد أجعْتَنا ، فإنْ رأيتَ أن تتحوَّل عنّا فافعل . قال : فأخرج الدنانير ، فدفعها إليه ، فقال : بعَثَ بها إليك أمير المؤمنين ، فاستعن بها . قال : فصاح وقال : لا حاجة لي فيها ، رُدّها . فقالت له امرأته : إن احتجت إليها ، وإلّا فضعْها مواضعها. فقال عمير : واللهِ ما لي شيء أجعلها فيه . فشقّتِ امرأته أسفل دِرْعها ، فأعطته خِرْقة ، فجعلها فيها ، ثم خرج ، فقسّمها بين أبناءِ الشهداء والفقراء ، ثم رجع ، والرسول يظنُّ أنه يُعطيه منها شيئًا ، فقال له عمير : أقْرِأُ مني أميرَ المؤمنين السلامَ . فرجع الحارث إلى عمر ، فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيتُ يا أمير المؤمنين حالًا شديدًا. قال : فما صنع بالدنانير ؟ قال : لا أدري . قال : فكتب إليه عمر: ((إذا جاءَك كتابي هذا، فلا تضعْه من يدك حتى تُقبل)). فأقبل إلى عمر رضي الله تعالى عنه ، فدخل عليه ، فقال له عمر : ما صنعتَ بالدنانير ؟ قال : صنعتُ ما صنعتُ ، وما سؤالك عنها ؟! قال : أُنشد عليك ، لَتُخبرَنِّ ما صنعت بها ؟ قال : قدّمتُها لنفسي . قال : رحمك الله . فأمر له بسُويقٍ من طعام وثوبين ، فقال : أما الطعام فلا حاجة لي فيه ، قد تركتُ في المنزل صاعينٍ من شعيرٍ ، إلى أنْ آكلَ ذلك قد جاء الله تعالى بالرزق . ولم يأخذ الطعام ، وأمَّا الثوبانِ ، فقال : إنّ أَمَّ فلانٍ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٦٩ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع عارية . فأخذهما ورجع إلى منزله ، فلم يلبثْ أَنْ هَلَك رحمه الله ، فبلغ عمر ذلك ، فشقّ عليه وترحّم عليه ، فخرج يمشي - ومعه المشَّاءُون - إلى بقيع الغرْقَد ، فقال لأصحابه : لِيَتَمَنَّ كُلُّ رجلٍ منكم أمنيةً . فقال رجل : وددتُ يا أمير المؤمنين أنّ عندي مالًا، فأعتقُ لِوجه الله عز وجل كذا وكذا . وقال آخر : وددتُ يا أمير المؤمنين أنّ عندي مالًا، فأنفق في سبيل الله . وقال آخر: وددتُ أنَّ لي قوةً، فأمْتَحُ بدْوي زمزمَ لحُجَّاج بيت الله . فقال عمر : وددتُ أنَّ لي رجلًا مثلَ عمير بن سعد ، أستعين به في أعمال المسلمين ))(١). سعيدُ بن عامر الجُمَحي ، رضي الله عنه : زهِد في الدنيا الفتّانة السخَّارة، ونظر إلى طُلابها بعيْن الحَقارة ، وسلك منهج السابقين بالحثِّ والِّذَارة ، ورغِب عن الدنيا ، مع تقلِّدِه الولايات ، وقيامه فيها برعايته العهود والأمانات . قال حسّان بن عطية: لمّا عزَل عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاويةً عن الشام ، بعث سعيد بن عامر بن جُديم الجمحي . قال : فخرج معه بجارية من قريشٍ نضيرة الوجه ، فما لبث إلّا يسيرًا حتى أصابته حاجة شديدة ، قال : فبلغ ذلك عمر ، فبعث إليه بألف دينار . قال : فدخل بها على امرأته ، فقال : إنّ عمر بعث إلينا مما تَرَيْن . فقالت . لو أنك اشتريتَ لنا أَدَمًّا وطعامًا ، وادّخرتَ سائرها . فقال لها : أو لا أدلَّك على أفضلَ من ذلك ؟ نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه ، فنأكل مِن ربحها، وضمانها عليه . قالت : فنعم إذن . فاشترى أدمًا وطعامًا ، واشترى بعيريْن ، وغلاميْن يمتارانِ عليهما حوائجَهم ، وفّقها في المساكين وأهل الحاجة . قال : فما لبث إلّا يسيرًا حتى قالت له امرأته : إنه قد نفد كذا وكذا ، فلو أتيتَ ذلك الرجل فأخذتَ (١) الحلية ٢٤٧/١ - ٢٥٠. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٧٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع لنا من الربح فاشتريتَ لنا مكانه . قال : فسكت عنها . قال : ثم عاودتْه . قال : فسكت عنها حتى آذتَّه ، ولم يكن يدخل بيته إلّا من ليلٍ إلى ليلٍ . قال : وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله ، فقال لها : ما تصنعين ، إنك قد آذيْتِيه ؟ وإنه قد تصدّق بذلك المال . قال : فبكتْ أسفًا على ذلك المال ، ثم إنه دخل عليها يومًا ، فقال : على رسِلِك ، إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب ، ما أحبّ أني صددتُ عنهم وأنّ لي الدنيا وما فيها ، ولو أن خيرة من خيراتِ الحسان اطَّلِعتْ من السماء ، لأضاءَت لأهل الأرض ، ولَقَهر ضوءُ وجهها الشمسَ والقمَرَ ، ولَنصيفٌ تُكْسی خيرٌ من الدنيا وما فيها ، فلأنت أحرى في نفسي أنْ أدعكِ لهُنّ منْ أن أدعهن لك . قال : فسمحت ورضيت . (( قال خالد بن معدان : استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي ، فلمّا قدِم حمص ، قال : يا أهل حمص ، كيف وجدتم عاملَكم ؟ فشكَوْه إليه . وكان يُقال لأهل حمص : الكُوَيَفْة الصغرى ، لِشكايتهم العمال . قالوا : نشكو أربعًا ؛ لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار . قال : أعظِم بها . قال : وماذا ؟ قالوا: لا يجيب أحدًا بليلٍ . قال : وعظيمة . قال : وماذا ؟ قالوا : وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا . قال : عظيمة . قال : وماذا ؟ قالوا : يغنظ الغنظة بين الأيام . يعني : تأخذه مؤتة . قال : فجمع عمر بينهم وبينه ، وقال : اللهمّ لا تُفَيِّلْ(١) رأيي فيه اليوم ، ما تشكون منه ؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار . قال : واللهِ إنْ كنتُ لأكره ذكره ، ليس لأهلي خادم ، فأعجن عجيني ، ثم أجلس حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ ، ثم أخرج (١) لا تفيل : لا تُخَيِّبْ. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧١ إليهم . فقال : ما تشكون منه ؟ قالوا: لا يُجيب أحدًا بليلٍ . قال : ما تقول ؟ قال : إنْ كنتُ لأكرهُ ذكره ؛ إني جعلت النهار لهم ، وجعلت الليل لله عز وجل . قال : وما تشكون ؟ قالوا : إنّ له يومًا في الشهر لا يخرج إلينا فيه . قال : ما تقول ؟ قال : ليس لي خادم يغسل ثيابي ، ولا لي ثيابٌ أُبَدِّلها، فأجلس حتى تجفّ ، ثم أدلكها ، ثم أخرج إليهم مِن آخر النهار . قال : ما تشكون منه ؟ قالوا : يَعْنظ الغَنْظة بين الأيام . قال : ما تقول ؟ قال : شهدت مصْرَعَ خبيب الأنصاري بمكة ؛ وقد بضعتْ قريش لحمَه ، ثم حملوه على جذْعَة، فقالوا: أتحبُّ أنَّ محمدًا مكانك ؟ فقال : والله ما أحبُّ أني في أهلي وولدي، وأنّ محمدًا عَ لَّهِ شِيكَ بشوْكة . ثم نادى : يا محمد . فما ذكرتُ ذلك اليوم ، وتركي نُصْرته في تلك الحال - وأنا مشركٌ لا أؤمن بالله العظيم - إلا ظننتُ أنّ الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبدًا. قال : فتصيبني تلك الغَنْظَة . فقال عمر : الحمد لله الذي لم يُفَيِّلْ فراستي . فبعث إليه بألف دينار ، وقال : استعنْ بها على أمرك . فقالت امرأته : الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك . فقال لها : فهل لك في خير من ذلك : أدفعُها إلى من يأتينا بها أحوجَ ما نكون إليها ؟ قالت : نعم . فدعا رجلًا من أهل بيته يثق به ، فصرّها صُرَرًّا، ثم قال : انطلقْ بهذه إلى أرملة آل فلان ، وإلى يتيم آل فلان ، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مُبتَلَى آل فلان . فبقيتْ منها ذُهيْبَة ، فقال : أنفقي هذه. ثم عاد إلى عمله ، فقالت : أَلَا تشتري لنا خادمًا ؟ ما فعل ذلك المال ؟ قال : سيأتيك أحوجَ ما تكونين))(١). سعد بن أبي وقّاص : عن عامر بن سعد ، أنّ أباه سعدًا كان في غَنَمٍ له ، فجاء ابنه عمر ، (١) الحلية ٢٤٤/١ - ٢٤٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٧٢ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع فلما رآه قال : أعوذ بالله من شّ هذا الراكب . فلما انتهى إليه قال : يا أبتِ ، أَرضيتَ أنْ تكون أعرابيًّا في غَنَمِك ، والناس يتنازعون في المُلْك بالمدينة ؟! فضرب صدر عمر ، وقال : اسكت ؛ فإني سمعتُ رسول الله عَّ له يقول: ((إنَّ الله عز وجل يحبُّ العبد التقَّ الغَنَّ الخَفِّ))(١). عبد الرحمن بن عَوْف ، رضي الله عنه : عن المِسْور قال: لمّا وُلِي عبد الرحمن بن عوف الشورى ، كان أحبّ الناس إلّ أنْ يَلِيَه ؛ فإنْ تركَ فسعدٌ ، فلحقني عمرو بن العاص فقال : ما ظنُّ خالِك عبد الرحمن بالله، إنْ ولَّى هذا الأمر أحدًا ، وهو يعلم أنه خير منه ؟! فأتيتُ عبد الرحمن ، فذكرتُ ذلك له ، فقال: واللهِ لَأَنْ تؤخَذْ مديةٌ فتوضع في حلقي ، ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر ، أحب إلّ من ذلك(٢). وعن عبد الرحمن بن أزهر أن عثمان اشتكى رُعافًا ، فدعا حُمران فقال : اكتبْ لعبد الرحمن العَهْد من بعدي . فكتب له ، وانطلق حمرانُ إلى عبد الرحمن ، فقال : البُشْرى . قال : وما ذاك ؟ قال : إنّ عثمان قد كتب لك العهد من بعده . فقام بين القبر والمنبر ، فدعا ، فقال : اللهم إن كان مِن تولية عثمان إيّاي هذا الأمر ، فأَمِتْني قبله . فلم يمكثْ إلا ستة أشهر حتى قبضه الله(٣). قال الذهبي: (( مِن أفضل أعمال عبد الرحمن بن عوف : عزلُه نفسه من الأمر وقت الشورى ، واختياره للأمة مَن أشار به أهلُ الحَلِّ والعقْد ، فنهض في ذلك أتمَّ نهوضٍ على جمعِ الأمة على عثمان ، ولو كان محابيًا فيها ، لأخذها (١) أخرجه مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده . (٢) سير أعلام النبلاء ٨٧/١ - ٨٨، وابن سعد في الطبقات ٩٤/١/٣ . (٣) سير أعلام النبلاء ٨٨/١. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧٣ لنفسه، أوْ لَوَلَّاها ابنَ عمّه وأقرب الجماعة إليه: سعد بن أبي وقاص)) (١). قال أبو العُبَيْديْن لعبد الله بن مسعود : يا أصحابَ محمد ، لا تختلفوا فتشقُّوا علينا . فقال: يرحمك الله أبا العبيدين، إنما أصحاب محمد عوضيم الذين دُفنوا معه في البُرُد (٢). عبد الله بن عمر : قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيتُ أحدًا أشبه بأصحاب النبي عَ ◌ّم - الذين دُفنوا في النّمار - من عبد الله بن عمر(٣). وعن عبد الله بن المبارك قال : حدثنا وهيب أن ابن عمر باع حمارًا ، فقيل له : لو أمسكْته . فقال : لقد كان لنا موافقًا ، ولكنه أذهب بشُعبةٍ من قلبي ، فكرهت أنْ أشغل قلبي بشيءٍ(٤). عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما : قال عبد الله بن عمرو: مرّ علّ رسول الله عَ ليه ، ونحن نعالج خُصَّا لنا وهِيَ: فقال: ((ما هذا؟)). فقلنا: خُصٌّ لنا وَهِيَ فنحن نصلحه . فقال رسول الله عَ ليه: ((ما أرى الأمر إلا أعجل مِن ذلك)) (٥). وعنه رضي الله عنه قال: مّ بي رسول الله عَ لَّه، وأنا أُطيْنُ حائطًا (١) السير ٨٦/١ . (٢) يعني : دُفنوا في برودهم التي كانت على أجسامهم، لم يجدوا لهم كفنًا لما كانوا فيه من ضيق العيش . انظر الزهد والرقائق ص١٨٤ . (٣) الحلية ٣٠١/١ . (٤) الزهد والرقائق ص١٩٤ . (٥) رواه أبو داود ، وابن ماجه والترمذي ، وصححه الترمذي ، والألباني في صحيح أبي داود رقم ٤٣٦٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ ٢٧٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع لي، أنا وأمي، فقال: (( ما هذا يا عبد الله ؟ )). فقلتُ: يا رسول الله، شيء أصلحه. فقال: (( الأمر أسرع مِن ذاك))(١). فضالة بنُ عبيد ، والي مصر : ((رُئِي فضالة بن عبيد - وهو والي مصر - أشعثَ حافيًا ، فقيل له : أنت الأمير ، وتفعل هذا؟! فقال: نهانا رسول الله عَ لمه عن الإِرفاء ، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا ))(٢). عَمُرُو بن الأسود العَنْسي : قال رحمه الله: ((لا ألبس مشهورًا أبدًا، ولا أنام بليل أبدًا على دِثار أبدًا، ولا أركب على مأثور أبدًا، ولا أملأ جوْفي من طعامٍ أبدًا)). فقال عمر: ((مَن سّه أن ينظر إلى هدي رسول الله عَّه، فلينظر إلى عمرو بن الأسود))(٣). سُويد بن غَفَلة بن عَوْسجة ، الإِمام القدوة : كان رحمه الله إذا قيل له : أُعطيَ فلانٌ، ووُلِّي فلانْ. قال : حسبي كسرتي ومِلْحي . وعن علي بن المديني رحمه الله : دخلتُ منزلَ أحمد بن حنبل ، فما شبّهته إلّا بما وُصِف مِن بيت سُوَيد بن غَفَلة؛ من زهدِه وتواضعِه، رحمه الله(٤). أُوَيْس القرني: سيِّد التابعين، وشيخ الزُّهاد والعابدين، كبيرُ أولياء التابعين، الإِمام القدوة : ((قال علقمة بن مَرْثد : انتهى الزهد إلى ثمانيةٍ من التابعين : عامر بن (١) رواه أبو داود وابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم ٤٣٦١ . (٢) أخرجه أبو داود بإسناد جيد . (٣) رواه أحمد بإسناد جيد - الإحياء ٢٤٦/٤ . سير أعلام النبلاء ٧١/٤ - ٧٢ . (٤) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧٥ عبد الله، وأويس القرني، وهرم بن حيّان، والربيع بن ◌ُثيم، وأبو مسلم الخولاني، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، والحسن بن أبي الحسن))(١). قال علقمة بن مرثد: (( وأمّا أويس القرني، فإنّ أهلَه ظنُّوا أنه مجنون ، فبنَوْا له بيتًا على باب دارهم ، فكانت تأتي عليهم السَّنَة والسنون ، لا يرون له وجهًا ، وكان طعامه ممّا يُلتقَط من النوى ، فإذا أمسى باعه الإِفطاره ، وإنْ أصاب حَشَفةً حَبسها لإِفطاره ، فلما وُلّي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا أيُّها الناس ، قوموا بالموسم . فقاموا ، فقال: ألَا اجلسوا ، إلّا من كان من أهل الكوفة . فجلسوا ، فقال : أَا اجلسوا ، إلّا مَن كان مِن أهل اليمن . فجلسوا ، فقال: ألا اجلسوا ، إلا مَن كان مِن مراد . فجلسوا ، فقال : ألا اجلسوا إلا مَن كان مِن قرن . فجلسوا إلا رجل ، وكان عَمّ أُويس بن أنيس ، فقال له عمر : أَقَرِنِّي أنت ؟ قال : نعم . قال : أتعرف أويْسًا ؟ قال : وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين ؟! فوالله ما فينا أحمق منه ، ولا أجنّ منه ، ولا أحوج منه . فبكى عمر ، وقال : بكَ لا بهِ)). (( وعن أسير بن جابر قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، إذا أتى عليه أمدادُ أهل اليمن سألهم : أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى عليه أُوَيْس، فقال: أويسُ بن عامر؟ قال: نعم. قال: مِن ((مراد)) ثم مِن ((قرن)) ؟ قال: نعم . قال : فكان بك بَرَصٌ فبرْتَ منه إلا موضع درهم ؟ قال : نعم. قال: لك والدة ؟ قال: نعم. قال: رسول الله عَ له يقول: ((يأتي عليكم أويسُ بن عامر مع أمدادِ أهل اليمن مِن مراد ، ثم من قرن ، (١) زهد الثمانية من التابعين لعلقمة بن مرثد، رواية: ابن أبي حاتم ص٣٨ تحقيق: د . عبد الرحمن الفريوائي - مكتبة الدار ، بالمدينة المنورة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٧٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع كان به بَرَصٌ فبرئ منه إلا موضع درهم ، له والدة هو بِّ بها، لو أقسم على الله لَأَبَّرَهُ ... فإن استطعتَ أنْ يستغفر لك، فافعلْ)). فاستغفرْ لي ، فاستغفر له ، فقال له عمر: أين تريد ؟ قال : الكوفة . قال : ألا أكتب لك إلى عامِلها ؟ قال : أكون في غَبْراء الناسِ أَحَبُّ إلّ . فلما كان من العام المُقْبل ، حجَّ رجلٌ مِن أشرافهم ، فوافق عمرَ ، فسأله عن أُوَيْس ، قال: تركتُه رثَّ البيت، قليلَ المتاع. قال: سمعتُ رسول الله عَاله يقول ... ثم ذكر الحديث الذي تقدّم ، فأتى أوَيْسًا ، فقال : استغفر لي . قال : أنت أحدثُ عهدًا بسَفَرٍ صالحٍ ، فاستغفر لي . قال : استغْفِرْ لي . قال : أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ ، فاستغفر لي . قال : لقيتَ عمر ؟ قال : نعم ، فاستغفرَ له . ففطن له الناس ، فانطلق على وجهه ، قال أسير : وكسوتُه بُرْدة، فكان كلّما رآه إنسانٌ قال: مِن أينَ لأويس هذه الْبُردة))(١). وعن أسير بن جابر قال: ((كان بالكوفة رجلٌ يتكلم بكلامٍ لا أسمع أحدًا يتكلم به ، ففقدتُه ، فسألت عنه ، فقالوا : ذاك أويس . فاستدللْتُ عليه وأتيته ، فقلت : ما حبسك عنّا ؟ قال : العُرْيُ . قال : وكان أصحابه يسخرون به ويُؤْذُونه . قلت: هذا بُرْدٌ ، فخذْه . قال : لا تفعل ؛ فإنهم إِذَّا يؤذونني . فلم أزلْ به حتى لِبِسَه ، فخرج عليهم ، فقالوا : مَن تروْن خدَع عن هذا البرد ؟ قال : فجاء فوضعه ، فأتيتُ فقلتُ : ما تريدون مِن هذا الرجل فقد آذيْتموه ؟ الرجل يَعْرىُ مرةً ، ويكتسي أخرى ، وآخذتهم بلساني أخذًا شديدًا)) ... ثم نحوًا من رواية مسلم، وفي نهايته: (( فلما فشا الحديثُ ، هربَ فذهب))(٢). (١) رواه مسلم . (٢) سير أعلام النبلاء ٢٣/٤ - ٢٤، وطبقات ابن سعد ٦١/٦، والحلية ٧٩/٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧٧ (( وعن مغيرة : إن كان أويسُ القرني ليتصدّق بثيابه ، حتى يجلس عُريانًا ، لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة))(١). ((وعن سعيد بن المسيب قال: نادى عمر بـ ((مِنى))، على المنبر: يا أهل قرن . فقام مشايخ ، فقال : أفيكم مَن اسمه أويس ؟ فقال شيخ : يا أمير المؤمنين ، ذاك مجنون يسكن القِفار، لا يألفُ ولا يُؤْلَفُ. قال : ذاك الذي أعنيه ، فإذا عُدتم فاطلبوه ، وبلّغوه سلامي وسلام رسول الله عَ له. قال: عَّفني أميرُ المؤمنين وشهّر باسمي ، اللهمّ صلّ على محمد وعلى آله ، السلام على رسول الله ثم هامَ على وجهه ، فلم يُوقَف له بعد ذلك على أثر دَهْرًا ، ثم عاد في أيام علِّ رضي الله عنه، فاستُشهِد معه بـ ((صِفِين))، فنظروا فإذا عليه نيِّف وأربعون جراحة))(٢). قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ((الزهدُ زهدُ أويس، بلَغ مِن الغُرْي أنْ جلس في قَوْصَرة ))(٣). أبو مسلم الخولاني: (( سيّدُ التابعين وزاهدُ العصر)) (٤): قال عنه كعب : هذا حكيم هذه الأمة . عن علقمة بن مرثد قال: (( انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني ، وكان لا يجالس أحدًا قطَّ ، ولا يتكلّم في شيءٍ من أمر الدنيا إلّا تحوّل عنه ، فدخل ذات يوم المسجد ، فنظر إلى نفرٍ قد اجتمعوا ، فرجا أنْ يكونوا على ذكْر خير ، فجلس إليهم ، فإذا بعضهم (١) الحلية ٨٤/٢ . (٢) السير ٣٢/٢. الإِحياء ٢٤٣/٤ . (٣) (٤) هذا قول الذهبي في السير ٧/٤ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧٨ يقول : قدم غلامي فأصاب كذا وكذا . وقال آخر : جهّزتُ غلامي . فنظر إليهم فقال : سبحان الله ! أتدرون ما مَثَلي ومَثَلكم ؟ كرجلٍ أصابه مطر غزيّرُ وابِّلٌ . فالتفتَ فإذا هو بمصراعيْنِ عظيمْيْنِ ، فقال : لو دخلتُ هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر . فدخل ، فإذا البيتُ لا سقْفَ له ، جَلستُ إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكرٍ وخيرٍ ، فإذا أنتم أصحابُ الدنیا )»(١). وعن عطاء قال: ((كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله من المسجد ، كبّر على باب منزله ، فتُكبّر امرأتُه ، فإذا كان في صحْن داره. كبّر ، فتجيبه امرأته ، فانصرف ذات ليلة فكبّر عند باب داره فلم يجبه أحد ، وكان إذا دخل بيته ، أخذتِ امرأته رداءَه ونعلَيْه ، ثم أتْه بطعامه . قال : فدخل البيت ، فإذا البيت ليس فيه سِراج ، وإذا امرأته جالسةٌ في البيت مُنكِسَةٌ تنكُتُ بعُود معها ، فقال لها : ما لكِ ؟ قالت : أنت لك منزلة من معاوية ، وليس لنا خادم، فلو سألته ، فأخدَمَنا وأعطاك . فقال : اللهمّ مَن أفسد علّ امرأتي فَأَعْم بصره . قال : وقد جاءتها امرأةٌ قبل ذلك ، فقالت لها: زوجُك له منزلة من معاوية، فلو قلت له يسألُ معاوية، يخدمه ويعطيه ، عِشْتم . قال : فبينا تلك المرأة جالسةٌ في بيتها إذْ أنكرتْ بصَرَها ، فقالت : ما لِسِراجكم طُفِىءَ ؟ قالوا : لا ! فعرفت ذنبها ، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي ، وتسأله أن يدعو الله عز وجل لها أنْ يردَّ عليها بصرها . قال : فرحمها أبو مسلم ، فدعا الله لها ، فردّ عليها بصرها))(٢). صَفْوان بنُ مُحَيْرِیز : قال الحسن : دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في بيتٍ من قَصَب ، الحلية ١٢٣/٢ . (١) (٢) الحلية ١٣٠/٢ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢٧٩ قد مال عليه ، فقيل له : لو أصلحْتَه ؟ فقال : كمْ مِن رجلٍ قد مات ، وهذا قائمٌ على حاله (١). أبو حازم : قالت امرأةُ أبي حازم لأبي حازم : هذا الشتاء قد هجم علينا ، ولا بدَّ لنا من الطعام والثياب والحطب . فقال لها أبو حازم : مِن هذا كلِّه بٌّ، ولكن لا بدَّ لنا من الموت ، ثم البعث ، ثم الوقوف بين يدي الله تعالى ، ثم الجنة ، أو النار(٢). راهِبُ العرب : عامرُ بن عبدٍ قيْس : القدوة الولي الزاهد أبو عبد الله . قال العجلي : كان ثقة من عباد التابعين ، رآه كعب الأحبار ، فقال : هذا راهب هذه الأُمّة . عن الحسن ، أن عامرًا كان يقول: مَن أُقرىءُ ؟ فيأتيه ناسٌ ، فيُقرئهم القرآن ، ثم يقوم فيصلّي إلى الظهر ، ثم يصلّي إلى العصر ، ثم يُقرِىء الناس إلى المغرب ، ثم يصلّ ما بين العشاءَين ، ثم ينصرف إلى منزله ، فيأكل رغيفًا ، وينام نوْمةً خفيفةً ، ثم يقوم لصلاته ، ثم يتسخّر رغيفًا، ويخرج . قال بلال بن سعد: ((وشي بعامر بن عبد قيس إلى زياد ، فقالوا : ها هنا رجلٌ قيل له : ما إبراهيمُ عليه السلام خيرًا منك. فسكَتَ ، وقد ترك النساء . فكتب فيه إلى عثمان ، فكتب إليه : انفهِ إلى الشام على قَتَب(٣). فلمّا جاءه الكتاب ، أرسل إلى عامر ، فقال : أنت قيل لك : ما إبراهيم خيّرًا منك فسَكَتَّ ؟! قال : أما واللهِ ما سكوتي إلا تعجّبٌ ، (١) الإِحياء ٢٥٠/٤. الإِحياء ٢٣٩/٤ . (٢) (٣) الَّحْل الصغير على قدْر سنام البعير . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٢٨٠ ولَوَدِدتُ أني غبارُ قدميْه . قال : وتركتَ النساء ؟ قال : واللهِ ما تركتهنَّ إلّا أني قد علمتُ أنه يَجيءُ الولد، وتَشَعَّبُ فَّي الدنيا، فأحببتُ التخلِّي. فَأْلَاه على قَتَبِ إلى الشام ، فأنزله معاويةُ معه في الخضراء (١) وبعث إليه بجارية ، وأمرها أنْ تُعلمَه ما حاله. فكان يخرج من السَّحَر ، فلا تراه إلّا بعد العَتَمة ، فيبعث معاوية إليه بطعام ، فلا يعرض له ، ويَجيءُ معه بكِسَرٍ ، فيَبلُّها ويأكل ، ثم يقوم إلى أن يسمع النداء فيخرج ، فكتب معاوية إلى عثمان يذكر حاله ، فكتب : اجعلْه أوَّلَ داخلٍ وَآخِرَ خارجٍ ، ومُرْ له بعشرةٍ من الَّقيق ، وعشرةٍ من الظهْر. فأحضره وأخبره ، فقال : إنّ علّ شيطانًا قد غلبني ، فكيف أجمع علّ عشرة. وكانت له بغلة))(٢) . (( وعن ميمون بن مهران ، أن عامر بن عبد قيس بعث إليه أميرُ البصرة : ما لك لا تَزَوّجُ النساء ؟ قال : ما تركتُهنَّ ، وإني لدائبٌ في الخِطبة . قال : وما يمنعك أن تأتي الأمراء ؟ قال: إنَّ لدى أبوابكم طُلَّاب الحاجات ، فادعوهم واقضوا حاجاتِهم ، ودعُوا مَن لا حاجة له إليكم))(٣). الله ما أحلى هذه الكلمات ! تخرج من فم طاهرٍ ، وتفيض رقّة وعُذوبة ، وزهْدًا في الدنيا، وإقبالًا على الآخرة، وسعيًا حثيثًا للزّواج من الحُورِ العِين ، يترجمها بقوله : ((وإني لدائبٌ في الخِطْبة )). ((عن الحسن ، قال عامر بن عبد قيس: العيش في أربع : اللّباس، والطعام ، والنوم، والنساء ؛ فأمّا النساء ، فواللهِ ما أُبالي : امرأة رأيتُ أو جدارًا، وأمّا اللباس : فواللهِ ما أبالي ما واريتُ به عورتي ، وأما الطعام ، (١) وهي دار الإِمارة بدمشق . (٢) السير ١٦/٤ . (٣) السير ١٨/٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/