النص المفهرس
صفحات 201-220
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٠١ ربي الجنة(١). .(١) يزيد بن مرثد : عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : قلت ليزيد بن مرثد : ما لي أرى عينك لا تجفّ ؟ قال : وما مسألتك ؟! قلت : لعلّ الله أن ينفع به . قال : إن الله عز وجلّ توعّدني إنْ أنا عصيتُه أنْ يسجنني في النار ، والله لو توعّدني أن يسجنني في الحمّام كنت حريًّا أن لا يجف لي دمعٌ . فقلت : هكذا في خلْوتك ؟ قال : واللهِ إنه لَتُوضع القصعة بين أيدينا فيعرِض لي فأبكي ، ويبكي أهلي ، ويبكي صبياتُنا ، لا يدرون ما أبكانا . واللهِ إني لأسكُن إلى أهلي ، فيعرض لي ، فيحول بيني وبين ما أريد ، فيقول أهلي : يا ويحها ما خصّت به معك من طول الحزن ، ما تقرّ لي معك عينٌ(٢)! مالك بن دينار : قال مالك : الحزن تلقيح العمل الصالح (٣). وقال رحمه الله : لولا أن يقول الناس : جُنّ مالك، لَلَبِستُ المَسُوحِ ، ووضعتُ الَّماد على رأسي ، أنادي في الناس : مَن رآني فلا يَعْصِ ربَّه (٤). وقال رحمه الله : لو استطعت أن لا أنام لم أنمْ ؛ مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم ، ولو وجدتُ أعوانًا لفرّقتُهم ينادون في سائر الدنيا كلها : أيها الناس ، النارَ النارَ . (١) ثلاث شعب من الجامع ٢٢٥/١، ٢٥٨. (٢) الزهد لابن المبارك ص١٦٦، والزهد لأحمد ص٢٥٨، والفسوي في المعرفة ٣٧٨/٢، والحلية ١٦٤/٥. (٣) الهم والحزن لابن أبي الدنيا ص ٤/ب، وثلاث شعب ٢١٣/١ ، وصفة الصفوة ٢٧٧/٣ . (٤) الزهد لأحمد ص٣٩١، وأبو نعيم في الحلية ٣٧١/٢، وشعب الإِيمان. ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٢٠٢ وقال مالك : لقد هممتُ إذا أنا متُّ آمرهم أن يقيّدوني ويُغلّوني ، ثم ينطلقوا بي إلى ربي كما يُنطَلَق بالعبد الآبق إلى سيده(١). وقال رحمه الله: ((بينما أنا أطوف بالبيت إذْ أنا بجويرية متعبِّدة ، متعلِّقة بأستار الكعبة وهي تقول : يا ربِّ، كمْ شهوةٍ ذهبتْ لذَّتُها وبقيتْ تبعاتها ! يا رب ، أما كان لك أدبّ وعقوبة إلا النار ؟! وتبكي ، فما زال ذلك مقامها حتى طلع الفجر . قال مالك : فلما رأيتُ ذلك وضعتُ يدي على رأسي صارخًا أقول: ثكلتْ مالكًا أمُّه))(٢). عطاء السّليمي رحمه الله : قال عطاء : وجدوا بين يديه نُدُوّةً قدْر ما يتوضأ الرجل ، فأخبروه أن ذلك مِن دموعه . وكان عطاء السليمي يبكي حتى خشي على عيْنَيْه، فأُتي بطبيبٍ يداوي عينه ، قال : أداوي ، بشرط أن لا تبكي ثلاثة أيام . فاستكره ذلك ، وقال : لا حاجة لنا فيك . وقال رحمه الله : بكيتُ على ذنبٍ أربعين سنةً ؛ صِدتُ حمامةً ، وإني أحمد الله إليكم ، تصدقت بثمنها على المساكين ؟ قال البيهقي رحمه الله : وكأنه ارتاب بها ، هل هي مملوكة أو غير مملوكة . وكان رحمه الله يضرب بيده فزعًا إلى أعضائه ، يحسها؛ مخافة أن تكون قد غُيِّرتْ خلقته . وعن جعفر بن سليمان قال : التقى ثابت البناني وعطاء ثم تفرقا ، فلما كان عند الهاجرة ، جاء عطاء فخرجت الجارية إليه ، ثم دخلت وهو (١) الإِحياء ١٩٥/٤. الإحياء ١٩٤/٤ . (٢) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢٠٣ يريد القائلة ، فقالت : أخوك عطاء . فخرج إليه ، فقال : يا أخي ، في هذا الحِّ ؟! قال : ظللتُ صائمًا فاشتد علّ الحُّ ، فذكرت حَّ جهنم ، فأحببتُ أن تعينني على البكاء . فبكيا حتى سَقطا . وعن أبي سليمان قال : كان عطاء قد اشتد خوفه ، وكان لا يسأل أبدًا الجنة ، فإذا ذُكِرت عنده الجنة قال : نسأل الله العفوَ . وقيل له في مرضه : ألا تشتهي شيئًا ؟ فقال : إن خوف جهنم لم يدع في قلبي موضعًا للشهوة . قال نعيم بن مورّع : أتينا عطاء السليمي ، فجعل يقول : ليت عطاء لم تلده أمُّه ، وكرّر ذلك حتى اصفرتِ الشمس . وقال صالح المري : قلت له : يا شيخ ، قد خدعك إبليسُ ، فلو شربتَ ما تقوى به على صلاتك ووضوئك. فأعطاني ثلاثة دراهم وقال : تعاهدْني كلَّ يوم بشربة سُويقٍ . فشرب يوميْن وترك ، وقال : يا صالح ، إذا ذكرتُ جهنم ، ما يسعني طعام ولا شرابٌ(١) . بكى رحمه الله حتى عَمِش، وربما غُشِي عليه عند الموعظة . هشام الدّسْتوائي : (( قال عبيد الله العيشي : كان هشام الدستوائي إذا فقد السراج من بيته يتململ على فراشه ، فكانت امرأته تأتيه بالسراج ، فقالت له في ذلك ، فقال : إني إذا فقدتُ السراجَ ذكرتُ ظلمة القبر)). (( قال شاذ بن فيّاض : بكى هشام الدستوائي حتى فسدتْ عينه ، فكانت مفتوحةً وهو لا يكاد يبصر بها))(٢). (١) السِّير ٨٧/٦. (٢) السير ١٥٢/٧. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٠٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع عبد الله بن المبارك : قال نعيم بن حمّاد: ((كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق تغيّر ، كأنه ثور منحور - أو بقرةٌ منحورةٌ - من البكاء ، لا يجترىء أحدٌ منا أن يدنو منه أو يسأله عن شيءٍ إلا دفعه))(١) . قال الفضيل يومًا - وذكر عبد الله -: أما إني لأحبه ؛ لأنه يخشى الله عز وجل . وقال أبو إسحاق : قيل لابن المبارك : رجلانِ : أحدهما أخوف ، والآخر قُتل في سبيل الله ؟ قال : أحبّهُما إلّ أخوَفُهُما(٢) . وكان رحمه الله يتقلّب على فراشه من الغمِّ ويقول : مَن يصبر على أخذ الله ؛ إن أخذه أليمٌ شديدٌ ؟! وقال رحمه الله : مِن أعظم المصائب للرجل أن يعلم مِن نفسه تقصيرًا ، ثم لا يبالي ولا يحزن عليه(٣). وقال رحمه الله: (( إن البُصراء لا يأمنون مِن أربع خصالٍ : ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الربُّ فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ماذا فيه من الهلكات ، وفضل قد أعطي لعلةٍ واستدراج ، وضلالةٍ وقد زُيِّنتْ له فيراها هدَّى ، ومن زيْغ القلب ساعةً ساعةً ، أسرع من طرفة عينٍ قد يُسلب دينه وهو لا يشعر)) (٤). (( خرج ابن المبارك يومًا على أصحابه ، فقال : إني اجترأَتُ البارحة (١) تاريخ بغداد للخطيب ١٦٦/١٠، وصفة الصفوة ١٣٧/٤، وشعب الإِيمان. (٢) الجامع لشعب الإِيمان . (٣) الجامع لشعب الإِيمان . (٤) الجامع لشعب الإِيمان . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٠٥ على الله، سألتُه الجنة))(١). يا الله! أئمة ولا يرون أنفسهم أهلًا لسؤال الجنة ! لقد استولى عليهم الخوف من النار ، كحالٍ آخر رجلٍ يخرج من النار حَبْوًا ... يقول لربه عز وجل : اصرفْ وجهي عن النار ، لا أسألك شيئًا غير ذلك . وعلى هذا يتنزل كلام السادة أئمة الإِسلام . الفُضَيْلُ بنُ عِياض : قال هارون الرشيد : ما رأت عيناي مثل الفضيل بن عياض ؛ قال لي وقد دخلتُ عليه: يا أمير المؤمنين ، فرّغ قلبك للحزن والخوف حتى يسكناه ، فيقطعاك عن معاصي الله، ويباعداك من عذاب النار(٢). قال يحيى بن أيوب : ((دخلتُ مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض بالكوفة ، فإذا الفضيل وشيخٌ معه ، قال : فدخل زافر وأقعدني على الباب . قال زافر : فجعل الفضيل ينظر إلّ ، ثم قال : يا أبا سليمان ، هؤلاء أصحاب الحديث ، ليس شيءٌ أحبّ إليهم من قرب الإسناد ، ألا أخبرك بإسنادٍ لا شكَّ فيه، رسول الله عَ ليه ، عن جبريل عليه السلام، عن الله تعالى: ﴿نارًا وَقُودُها الناسُ والحجارةُ عليهَا مَلائكةٌ غِلَاظٌ شِدادٌ ... ﴾- قرأ الآية - فأنا وأنت يا أبا سليمان (٣) من الناس . قال : ثم غشي عليه وعلى الشيخ ، وجعل زافر ينظر إليهما . قال : ثم تحرّك الفضيل ، فخرج زافر وخرجتُ معه، والشيخ مغشّ عليه ))(٤). (١) إحياء علوم الدين ١٩٥/٤. (٢) سير أعلام النبلاء ٤٣٨/٨، والجامع لشعب الإِيمان. (٣) يعني : زافر بن سليمان. (٤) ((ثلاث شعب من الجامع لشعب الإِيمان)) ٢٦٠/١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٢٠٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع وعن إبراهيم بن الأشعث قال : كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة ، لا يزال يعظ ويذكّر ويبكي ، حتى لكأنه يودّع أصحابه ، ذاهب إلى الآخرة ، حتى يبلغ المقابر فيجلس ، فكأنه بين الموتى جلسَ ، من الحزن والبكاء، حتى يقوم ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها(١). وعن إسحاق بن إبراهيم : ما رأيتُ أحدًا أخوف على نفسه ، ولا أرجى للناس من الفضيل . وقال الفضيل رحمه الله : ما أَغْبِطُ مَلَكًا مقرّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا يعاين القيامة وأهوالها ، ما أغبِطُ إلا مَن لم يكُنْ شيئًا. وقال رحمه الله : طوبى لمن استوحش مِن الناس ، وكان الله أنيسَه ، وبكى على خطيئته . علّ بن الفضيل .. قتيلُ القرآن : قال محمد بن بشر المكِّي : كنا يومًا ماضينَ مع علي بن الفضيل ، فمررنا بمجلسٍ بني الحارث المخزومي ومعلِّمٌ يعلم الصبيان ، قال : ويقرأ لِيَجْزِيَ الذينَ أساءُوا بِمَا عملُوا وَيَجْزِيَ الذينَ أحْسَنُوا بالحُسْنَى ﴾﴾ [ النجم: ٣١]، فشهِق ابنُ الفضيل شهقةً خرّ مغشيًّا عليه ، فجاء الفضيل فقال : بأبي قتيلَ القرآن . ثم حُمِلَ ، فحدثني بعض من حَملَه أنَّ الفضيلَ أخبره أن عليًّا ابنه لم يُصلِّ ذلك اليوم الظهرَ ، ولا العصر ، ولا المغرب، ولا العشاء ، فلما كان في جوف الليل أفاق(٢) . (( وقال أبو بكر بن عياش : صلَّيْتُ خلف فضيل بن عياض صلاة المغرب ، وإلى جانبي علّي ابنه، فقرأ الفضيل ﴿ألهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فلما بلغ لَتَرُونَ الجَحِيمَ﴾ [ التكاثر: ٦]، سقط علّيّ مغشيًّا عليه، وبقي الفضيل (١) روضة الزاهدين لعبد الملك الكليب ص٣٨ . (٢) الجامع لشعب الإِيمان . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢٠٧ لا يقدر يجاوز الآية ، ثم صلى بنا صلاة خائفٍ ، قال : ثم رابطتُ عليًّا فما أفاق إلا في نصف الليل . وكان علِّي يومًا عند ابن عيينة ، فحدّث سفيانُ بحديثٍ فيه ذكْر النار ، وفي يد علِّ قرطاس في شيءٍ مربوط ، فشهِق شهْقةً ووقع ، ورمى بالقرطاس أو وقع مِن يده ، فالتفت إليه سفيانُ ، فقال : لو علمتُ أنك هاهنا ما حدّثتُ به. فما أفاق إلا بعد ما شاء الله))(١). وفي رواية: قال أبو بكر: ((فقلت في نفسي : ويحك ، أما عندك من الخوف ما عند الفضيل وعلّ ؟! فلم أزل أنتظر عليًّا، فما أفاق إلى ثلثٍ من الليل بقي )). (( قال الفضيل بن عياض : بكى علّ ابني ، فقلت : يا بني ، ما يُبكيكَ ؟ قال : أخاف ألا تجَمعَنا القيامةُ ))(٢). وقال الفضيل : أشرفتُ ليلةً على علِّي ، وهو في صحْن الدار وهو يقول : النار ، ومتى الخلاص مِنَ النار ؟! وقال لي : يا أَبُهْ، سَلِ الذي وهبني لك في الدنيا أن يهبني لك في الآخرة . ثم قال : لم يزلْ منكسرَ القلبِ حزينًا . ثم بكى الفضيل ، ثم قال : كان يساعدني على الحزن والبكاء . يا ثمرة قلبي ، شَكَر الله لك ما قد علمه فيك(٣). قال الفضيل : قال لي ابن المبارك : يا أبا علّ ، ما أحسنَ حالَ مَنٍ انقطع إلى الله ! فسمِع ذلك علّي ابني ، فسقط مغشيًّا عليه (٤). (١) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص ٢١ لابن رجب الحنبلي - طبع: مكتبة الإيمان ، والسير ٤٤٥/٨ . (٢) الحلية ٢٩٧/٨، وطبقات الأولياء ٢٧٠، والسير ٤٤٤/٨. (٣) الحلية ٢٩٩/٨، والسير ٤٤٤/٨، ٤٤٥. (٤) السير ٤٤٤/٨ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٢٠٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع قال محمد بن ناجية : صليتُ خلف الفضيل ، فقرأ ﴿ الحاقة ﴾ في الصبح ، فلما بلغ إلى قوله: ﴿خذُّوهُ فَغُلُّوهُ﴾، غلبه البكاءُ ، فسقط ابنُه علّي مغشيًّا عليه(١). (( قال الخطيب : مات قبل أبيه بمدَّةٍ ، من آيةٍ سمِعَها تُقْرأ ، فغُشي عليه وتُوفّي في الحال))(٢). ((وقال إبراهيم بن بشار : الآية التي مات فيها علّي بن الفضيل في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا على النارِ فقالوا يا ليْتَا ثُرَدُّ .. ) الآية [الأنعام: ٢٧]، مع هذا الموضع مات، وكنتُ فيمن صلى عليه، رحمه الله)) (٣). الموتُ مِن خشية الله : يالله .. ما أرق هذه الأفئدة . لله درُك يا ابن الفضيل .. يا مَن ضربتَ - سيدي - أروع الأمثلةِ في علو الهمة في الخوف .. يا ثمرة قلب الفضيل ، ويكفيك هذا النعت ، بل يا قتيل القرآن وقتيل جهنم ... وعلى دربك سار أناسٌ مِن قبلك ومِن بعدك ! (( فعن يعلى بن حكيم قال : قال سعيد بن جبير : ما رأيتُ أرعى الحُرْمة هذا البيت ، ولا أحرص عليه مِن أهل البصرة ؛ لقد رأيتُ جاريةً ذات ليلةٍ، تعلّقتْ بأستار الكعبة ، تدعو وتضرع وتبكي حتى ماتت))(٤). وانظر إلى أبي حاجب البصري ( زرارة بن أوفى ) قاضي البصرة : (( قال بهز بن حكيم : أمّنا زرارة بن أوفى في مسجد بني قشير ، فقرأ (١) السير ٤٤٤/٨ . (٢) السير ٤٤٣/٨ . (٣) السير ٤٤٦/٨، وطبقات الصوفية ٢٧١ . (٤) سير أعلام النبلاء ٣٣٤/٤، وقال الذهبى : إسنادها صحيح . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٢٠٩ ((المدثر))، فلما انتهى إلى هذه الآية: ﴿فإذا نُقِر في الناقور [ المدثر : ٨]، خرّ ميتًا. قال بهز: فكنت فيمن حضره)) (١) . وعن إسماعيل بن نصر العبدي قال : نادى مناد في مجلس صالح المري : ليقُمْ الباكون والمشتاقون إلى الجنة. فقام أبو جهث(٢)، فقال: اقرأ يا صالح: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فجعلْنَاهُ هَباءً مَنْتُورًا أصحابُ الجنةِ يومئذٍ خيرٌ مستقرًّا وأحسن مَقيلًا﴾ [ الفرقان: ٢٣، ٢٤]، فقال أبو جهث: ردّدْها يا صالح. فما فرغ من الآية حتى مات أبو جهث(٣). وقال أبو طارق : شهدتُ ثلاثة رجالٍ أَوْ نحوهم ماتوا في مجلس الذكر يمشون بأرجلهم صحاحًا إلى المجالس ، وأجوافهم - والله - قرحة ، فإذا سمعوا الموعظة انصدعتْ قلوبهم فماتوا . قال يحيى بن بسطام : فقلت لابن طارق : مجتمعين ؟ قال : لا ، بل متفرِّقين في المجلس ؛ الرجل والرجلان ، ونحو ذلك (٤). العمى مِن كثرة البكاء : والعمى كما قال عامر - لما قيل له : تعمى عينك -: تلك إذا لها شهادة . وممّن رزقهم الله أعينًا هطّالة بالبكاء حتى عميتْ : (١) أخرجه أحمد في الزهد عن أبي خباب القصّاب ، وابن سعد في الطبقات ، والحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في الحلية ، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٢٣٠/٣، والذهبي في السير ٥١٦/٤، وقال: صحّ، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين . (٢) في صفة الصفوة : أبو جهير مسعود الضرير . (٣) الجامع لشعب الإِيمان، وصفة الصفوة ٣٣٣/٣ . (٤) ثلاث شعب من الجامع لشعب الإِيمان ٢٤٨/١ . ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٢١٠ العلاء بن زياد : وكان ربائيًّا تقيًّا قانتًا لله، بكَّاءً من خشية الله. قال قتادة : كان العلاء قد بكى حتى غشي بصره . وكان إذا أراد أن يقرأ أو يتكلم جهشه البكاء ، وكان أبوه قد بكى حتى عمي (١). وعلي بن بكار : قال يوسف بن مسلم : بكى علي بن بكار حتى عمي ، وكان قد أَثَّرتِ الدموع في خذَّيْهِ(٢). ((وعن أبي زكريا الحلقاني الهمداني : كنا عند علي بن بكار ، فمّت سحابة ، فسألته عن شيءٍ ، فقال لي : اسكت ، حتى تَجوزَ هذه السحابة ، أما تخشى أن يكون فيها حجارةٌ نرمى بها؟!))(٢). والترمذيّ : (( قال عمر بن عَلّك: مات البخاري فلم يخلّف بخُراسَان مثلَ أبي عيسى في العلم، والحفظ، والورع، والزهد. بكى حتى عَمِي، وبقي ضريرًا سنين))(٣). الغَشُيُ من كَثِرَة الْبُكَاءِ : قال حوشب لمالك بن دينار : رأيت كأن مناديًا ينادي : الرحيلَ الرحيلَ ، فما ارتحل إلا محمد بن واسع . فبكى مالكٌ وخرّ مغشيًّا عليه . وعبد الله بن وهب إمام أهل مصر : (( قال خالد بن خداش : قُرىء على عبد الله بن وهب كتابُ أهوالٍ (١) السير ٢٠٢/٤، ٢٠٣. (٢) السير ٥٨٥/٩، والسير ٥٨٤/٩ . السير ٢٧٣/١٣، وتذكرة الحفاظ ٦٣٤/٢، وتهذيب التهذيب ٣٨٩/٩، (٣) وفيه : ((عمران بن علان)) بدلًا من: ((عمر بن علك)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢١١ يوم القيامة ( تأليفه )، فخرّ مغشيًّا عليه ، قال : فلم يتكلّم بكلمةٍ ، حتى مات بعد أيام، رحمه الله تعالى ))(١). الشَّافعي : (( قال سويد بن سعيد : كنتُ عند سفيان ، فجاء الشافعي فسلّم وجلس ، فروى ابن عيينة حديثًا رقيقًا ، فغُشي على الشافعي ، فقيل : يا أبا محمد ، مات محمد بن إدريس . فقال ابن عيينة : إن كان مات ، فقد مات أفضل أهل زمانه ))(٢). وسيمُ البلخيّ : قال خالد بن خداش : كنتُ أقعدُ إلى وسيم البلخي عمِّ قتيبة - ابن سعيد - وكان أعمى ، وكان يحدّث ويقول : أوه ! القبر وظلمته ، واللحد وضيقه ، كيف أصنع ؟! ثم يُغمى عليه(٣). سعيد بن عبد العزيز : قال أبو النضر إسحاق بن إبراهيم : كنت أسمع وقعَ دموعٍ سعيد بن عبد العزيز على الحصير في الصلاة (٤). وقال أبو عبد الرحمن الأسدي : قلت لسعيد بن عبد العزيز : ما هذا البكاء الذي يعرض لك في الصلاة ؟ فقال : يا ابن أخي ، وما سؤالك عن ذلك ؟ قلت : لعَّ الله أن ينفعني به . فقال: ما قمتُ إلى صلاةٍ إلّا مُثِّلَتْ (٥) لي جهنم(٥). (١) ((السير)) ٢٢٦/٩، و((الانتقاء)) لابن عبد البر ص ٤٩. (٢) السير ١٧/١٠، ١٨، وحلية الأولياء ٩٥/٩، وتاريخ ابن عساكر، ومناقب الرازي ١٧، ١٨ . (٣) الجامع لشعب الإِيمان ، وثلاث شعب من الجامع ٢٥٦/١. (٤) (٥) السير ٣٤/٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢١٢ صلاح الأمة في علوّ الهمة - المجلد الرابع عمر بن عبد العزيز : عن المغيرة بن حكيم قال : قالت لي فاطمة بنت عبد الملك ، امرأةٌ عمر بن عبد العزيز : يا مغيرة ، إنه يكون في الناس مَن هو أكثر صلاةً وصيامًا من عمر ، وما رأيتُ أحدًا قطُّ أشدَّ فَرَقًّا مِن ربِّه مِن عمر ؛ كان إذا صلى العشاء قعد في المسجد ، ثم يرفع يديه ، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه ، ثم ينتبه ، فلم يزل رافعًا يديْه يبكي حتى تغلبه عيناه(١) . وقال النضر بن عربي : دخلتُ على عمر بن عبد العزيز ، فكان ينتفض أبدًا، كأنّ عليه حزن الخلق(٢). وعن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة قال : شهدتُ عمر بن عبد العزيز ومحمدُ بن قيس يحدثه ، فرأيت عمر يبكي حتى اختلفتْ أضلاعه(٣). وعن ميمون بن مهران أن عمر بن عبد العزيز أتي بسلْقٍ وأقراصٍ فأكَلَ ، ثم اضطجع على فراشه ، وغطّ وجهه بطرف ردائه ، وجعل يبكي ويقول: عبدٌ بطيءٌ بطين(٤) يتباطأ ، ويتمنَّى على الله منازل الصالحين(٥)؟! قال المُفضَّل بن غسَّانَ الغلابي: كان عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله لا يجفّ دمعه من هذا البيت : ولا خيرَ في عيشِ امرئٍ لم یکنْ لَهُ مِنَ اللهِ في دارِ القرارِ نَصِيبُ (٦) (١) الزهد لأحمد ص ٣٦٣، والمعرفة والتاريخ للفسوي ٥٧١/١، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٠/٥، والسير للذهبي ١٣٧/٥. (٢) السير ١٣٧/٥. أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٥٨٤/١ . (٣) البطين : العظيم البطن ، والأكول . (٥) المعرفة والتاريخ ٥٨٥/١، وثلاث شعب من الجامع ٢٦٧/١. (٤) (٦) سير أعلام النبلاء ١٣٨/٥. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ : تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢١٣ وعن عبد السلام ، مولى مسلمة بن عبد الملك قال : بكى عمر ابن عبد العزيز ، فبكتْ فاطمة ، فبكى أهل الدار ، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء ، فلما تجلّى عنهم العَبْر ، قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ، مم بكيتَ ؟ قال : ذكرتُ يا فاطمة مُنصَرف القوم مِن بين يدي الله عز وجل ، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير . قال : ثم صرخ وغُشي عليه(١). الأوزاعي : قال العباس بن الوليد : كان الأوزاعي إذا أخذ في ذكْر المعاد ، أقول في نفسي : أتُرى في المجلس قلبٌ لم يبكِ(٢). وقال أبو مسهر: كان الأوزاعي يُحبي الليلَ صلاةً وقرآنًا وبكاءً، وأخبرني بعضُ إخواني مِن أهل بيروت أن أمَّ كانت تدخل منزلَ الأوزاعي ، وتتفقَّد موضع مصلاه، فتجدُه رَطبًا مِن دموعه من الليل(٣). الحسن بن صالح بن حيّ : قال يحيى بن أبي بكير : قلت للحسن بن صالح : صِفْ لنا غسلَ الميتِ . فما قدَر عليه من البكاء(٤). وقال الصّلت بن مسعود : خرج الحسن بن صالح بن حي يومًا من بيتي ، فنظر إلى جرادٍ يطير، فقال: ﴿يَحْرِجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِيرٌ ﴾ [القمر: ٧]، ثم خرّ مغشيًّا عليه(٥). (١) روضة الزاهدين ص٣٦. (٢) السير ١١٠/٧. (٣) السير ١٢٠/٧ . (٤) السير ٣٦٨/٧ . (٥) ثلاث شعب من الجامع ٢٣٣/١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ ٢١٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ((وقال عبيد الله بن موسى: كنتُ أقرأ على علّ بن صالح ، فلما بلغتُ إلى قوله: ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ... ﴾(١)، سقط الحسن بن صالح يخور كما يخور الثور، فقام إليه علّ فرفعه ، ومسَح على وجهه ، ورشّ عليه الماء ، وأسنده إليه ))(٢). منصورُ بن المُعْتَمِر : قال زائدة بن قدامة : كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت : رجلٌ قد أُصيبَ بمصيبةٍ ، ولقد قالت له أمُّه : ما هذا الذي تصنع بنفسك ، تبكي الليل عامَّتَهُ ، لا تكاد أن تسكت ! لعلك يا بُنَّ أُصبتَ نفسًا ، أقتلت قتيلًا ؟ فقال : يا أمَّهْ ، أنا أعلم بما صنعتْ نفسي(٣). الجوني : قال أبو عمران الجوني : أرتني أمِّي موضعًا من الدار قد انحفر ، فقالت : هذا موضعُ دموع أبيك . إمامُ أهل السُّنَّة أحمدُ بن حنبل : قال ابنه صالح : كنتُ أسمعُه كثيرًا يقول : اللهم سلِّمْ، سلِّمْ . ((قال المروذي : كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت خنقتْه العَبرة ، وكان يقول : الخوف يمنعني أُكْلَ الطعام والشراب ، وإذا ذكرتُ الموت هانَ علّ كلُّ أَمْر الدنيا ، إنما هو طعامٌ دون طعامٍ ، ولباسٌ دون لباسٍ ، وإنها أيام قلائل ، ما أعدلُ بالفقر شيئًا ، ولو وجدتُ السبيل لخرجتُ ، حتى لا يكون لي ذكرٌ)) (٤). (١) مريم: ٨٤ وتتمتها: ﴿ إنما نَعُدُّ لهمْ عدَّا﴾. (٢) الكامل لابن عدي ٧٢٤/٢، والسير للذهبي ٣٦٤/٧ . الهم والحزن لابن أبي الدنيا ، والحلية ٤١/٥، والذهبي في السير ٤٠٦/٥. (٣) السير ٢١٥/١١، ٢١٦. (٤) https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٢١٥ قال الإِمام أحمد: ((لقد رأيتُ قومًا صالحين ، رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جُبَّةٌ من لبودٍ قد أتتْ عليها سنون ، رأيت أبا داود الحفري وعليه جُبَّة مُخرَّقَةٌ ، قد خرج منها القطن ، وهو يصلي فيترجح من الجوع ، ورأيت أيوب النجار وقد خرج مِن كلِّ ما يملكه ، وكان في المسجد شابٌّ مصفر، يقال له : العوفي ، يقوم من أول الليل إلى الصباح، يبكي)) (١). محمد بن كعب القرظي : (( قالت أمُّ محمد بن كعب القرظي له : يا بُنَّي ، لولا أني أعرفك طيًّا صغيرًا وكبيرًا، لقلت : إنك أذنبتَ ذنبًا موبقًا ؛ لما أراك تصنع بنفسك. قال: يا أمَّاه ، وما يُؤْمِّنُني أن يكون اللهُ قد اطّلع علّ ، وأنا في بعض ذنوبي فمقتني، وقال : اذهب ، لا أغفر لك))(٢). الصَّحَّاك بنُ مُزَاحِم : قال قيْس بن مسلم: ((كان الضَّحّاك إذا أمسى بكى ، فيُقال له ، فيقول : لا أدري ما صعِدَ اليوم مِن عملي )). محمد بن المُنكَدِر : قال يحيى بن الفضل الأنيسي : سمعتُ بعضَ مَن يذكر عن محمد بن المنكدر ، أنه بينًا هو ذات ليلةٍ قائمٌ يصلي إذ استبكى ، فكثُر بكاؤه حتى فزع له أهله ، وسألوه فاستعجم عليهم ، وتمادى في البكاء ، فأرسلوا إلى أبي حازم فجاء إليه ، فقال : ما الذي أبكاك ؟ قال : مرتْ بي آيةٌ . قال : وما هي؟ قال: ﴿ ... وبَدَا لهم مِنَ اللَّهِ ما لم يكونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [ الزمر: ٤٧ ] . فبكى أبو حازم ، واشتد بكاؤهما (٣). (١) المدهش لابن الجوزي ٣١٢ . (٢) السير ٦٥/٥ - ٦٦ . السير ٣٥٥/٥ . (٣) ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٢١٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع هارونُ بنُ رِئاب : (( قال جعفر بن سليمان : عُدتُ هارون بنَ رئابٍ وهو يجود بنفسه ، فما فقدتُ وجْهَ رجلٍ فاضل إلا رأيتُه عنده ، فقال محمد بن واسع : كيف تجدك؟ فقال: هو ذا أخوكم، يُذهَب به إلى النار، أو يعفو الله))(١). يحيى بن أبي كثير : (( قال ابن حبان : كان مِنَ العباد ، إذا حضر جنازةً لم يتعشَّ تلك الليلة، ولا يكلِّمه أحدٌ))(٢). يزيدُ بن هارون : قال الحسن بن عرفة العبدي : رأيتُ يزيد بن هارون بواسط وهو من أحسن الناس عينَيْن ، ثم رأيته بعينٍ واحدةٍ ، ثم رأيتُه وقد ذهبتْ عيناه ، فقلت له : يا أبا خالدٍ ، ما فعلتِ العينانِ الجميلتانِ ؟ قال : ذهب بهما بكاءُ الأسحار(٣). حَمَّادُ بن عبد ربِّه : (( كان رحمه الله إذا جلس ، جلس مُستوفِرًا على قدمَيْه ، فيُقال له : لو اطمأننتَ ؟ فيقول : تلك جلسة الأمن ، وأنا غير آمنٍ ، إذْ عصيت الله تعالى ))(٤). حسَّانُ بن أبي سِنانَ : قال حمّاد بن زيد : كنتُ إذا رأيت حسّان بن أبي سنان كأنه أبدًا السير ٢٦٤/٥ . (١) (٢) السير ٢٨/٦ . تاريخ بغداد ٣٤١/١٤، وصفة الصفوة ١٨/٣. (٣) الإِحياء ١٩٤/٤ . (٤) تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في غُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٢١٧ مريضٌ. قال أبو جعفر : فذكرتُ ذلك لمخلد بن حسين ، فقال : هكذا كان ؛ إذا رأيته كأنه أبدًا ناقةٌ(١). قال محمد بن سوقة : إنّ المؤمنَ الذي يخاف الله لا يسمن ، ولا يزداد لونه إلا تغيُّرًا . وعن أبي هارون موسى قال : كان عون يحدثنا ولحيتُه ترتشُّ بالدموع . زيادُ بن جَریر : عن حفص بن حميدٍ قال : قال لي زياد بن جرير : اقرأ علَّ . فقرأتُ عليه ﴿أَلمْ نشَرَحْ لَكَ صِدْرَك ووضعْنَا عنكَ وِزْرَكَ الذي أنقضَ ظهْرَكَ ﴾، فقال: يا ابن أمّ زياد، أنقض ظهر رسول الله عَ ليه . فجعل يبكي كما يبكي الصبّي . سهْلُ بن علي المروزي : قال عنه أبو حاتم : روى عنه المراوزة كلامَه ، وتأدَّبُوا بِوَرَعِه . قال حفص بن حميد : رأيتُ سهل بن علي في المسجد يجول كأنه أبله ؛ من الخوف ، وهو يقول : النار ، النار . وترعد فرائصُه ، حتى أخذني البكاءُ(٢). عبد العزيز بنُ سُليمان : كان رحمه الله إذا ذكَر القيامة صرخ كما تصرخ الثَّكَّلى ، ويصرخ الخائفون مِن جوانب المسجد ، وربما رُفِع المِّتُ والمَيِّتانِ مِن جوانب مجلسه(٣). (١) روض الزاهدين ص ٣٥ . (٢) ثلاث شعب من الجامع لشعب الإِيمان ٢٢٣/١. (٣) الحلية ٢٤٣/٦، وصفة الصفوة ٣٧٧/٣. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الرابع ٢١٨ ◌ُتبةُ الغلامُ : قال عنبسة الخَوَّاص : كان عتبة الغلام يزورني ، فربّما بات عندي . قال : فبات عندي ذاتَ ليلةٍ فبكى في السحر بكاءً شديدًا ، فلما أصبح قلت : لقد فَّْتَ قلبي منذ الليلة ببكائك ، فيم ذاك يا أخي ؟ فقال : يا عنبسةُ ، والله إني ذكرتُ يوم العرض على الله. ثم مالَ ليسقُط فاحتضْتُه ، فجعلتُ أنظر إلى عينيْه يتقلبان ، قد اشتدت حمرتُهما ، وجعل يخور ، فناديته : عتبة ، عتبة ، أجبني. قال: فمكث ثلاثًا لا يجيبني. ثم هَذَى(١)، فناديتُه : عتبة ، عتبة ، فأجابني بصوتٍ خفِي: قطّع ذكْرُ العرض على الله أو صالَ المحبّين. قال : ثم جعل يحشرج حشْرَجَة الموت ، ويقول: أتراك تعذِّب مُحِبِيك وأنت الحُّ الكريم ؟! قال: فلم يزل يردِّدها حتى - والله - أبكاني(٢). قال عتبة : لولا ما نُهينا عنه من تمنِّي الموت لتمنَّيتُه . فقال له رياح القيسي : ولِمَ تتمنّى الموت ؟ قال: لي فيه خُلُّتَانِ حسَنتانِ . قلت : وما هما ؟ قال : الراحة من معاشرة الفُجَّار، ورجاءٌ المجاورة الأبرار . قال : ثم بكى وقال : أستغفرُ الله ؛ وما يُؤمنني أنْ يُقرن بيني وبين الشيطان في سلسلةٍ من حديدٍ ، ثم يُقذف بي في النار ؟! ثم غُشي عليه (٣). عبد العزيز بن أبي روّاد : قال عبد الله بن مرزوق : قلت لعبد العزيز بن أبي روّاد : ما أفضلُ العبادة ؟ قال : طُول الحزن في الليل والنهار . قال الجنيد بن محمد : سمعت السَّري يقول : إني لأنظر في أنفي كلَّ السَّريّ السقطيّ : (١) أي : تكلم بكلامٍ غيرِ مفهومٍ . (٢) الحلية لأبي نعيم ٢٣٥/٦، وصفة الصفوة ٣٧٢/٣. (٣) روضة الزاهدين ص٣٧، ٣٨. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع ٢١٩ يُؤْم مرارًا؛ مخافةَ أن يكون وجهي قد اسْودّ(١). وقال الجنيد : سمعتُ السري يقول : ما أحبُّ أن أموت حيث أُعْرِف ، فقيل له : ولمّ ذاك يا أبا الحسن ؟ قال : أخاف أن لا يقبلني قبري فأفْتضح(٢). قال السري رحمه الله : شيئانِ مفقودانِ: الخوف المُزْعج ، والشَّوْق المغلق(٢). أو المُقلِقِ. وقال رحمه الله: ((قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم ، وقلوب المقرّبين معلقة بالسَّوابق ؛ أولئك يقولون : ماذا مِنَ الله سَبق لنا ؟ وهؤلاء يقولون : بماذا يُختم لنا ؟))(٤). وكان ( يحيى بن معاذ الرازي ) يقول: يا مَن ذكْرُه أعُّ علّ مِنْ كلِّ شيءٍ ، لا تجعلني بين أعدائك غدًا أذَلَّ مِن كلِّ شيءٍ . وقال ( الجُنَيْد ) : ما كان العبد أعلم بالله كان له أشدَّ خوفًا ، والخائفون على طبقاتٍ : خائف من الإِجرام ، وخائف من الحسناتِ أن لا تُقبل، وخائف من العواقب ؛ قال الله تعالى: ﴿ولا يخافُ عُقْبَاهَا ، (٥) [ الشمس : ١٥ ]. وقال رحمه الله : مَن كان اللهُ هَمَّه طالَ حِزْنُهُ ، فقال الشبلي : لا (١)، (٢) أبو نعيم في الحلية ١١٦/١٠، والذهبي في السير ١٨٧/١٢، وابن تغربردي في النجوم الزاهرة ٣٣٩/٢ . (٣) المغلق : هو الذي يلازم صاحبه . من غلق الرهن : إذا بقي في يد المرتَهِن لا يقدر راهنُه على تخليصه . (٤) الحلية لأبي نعيم ١٢/١٠، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٣٧٩/٢. (٥) ثلاث شعب من الجامع ١٨٥/١ - ١٨٦. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ أ أ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ 1 صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٢٢٠ يا أبا القاسم ، بل مَن كان الله همَّه زال حزنُه . قال البيهقي رحمه الله : قوْلُ الجنيد محمولٌ على ذكر الدنيا ، وقول الشِّبلي محمولٌ على الآخرة ، وقوْل الجنيْدِ محمول على حزنِه عند رؤية التقصير من نفسه في القيام بواجباته ، وقوْل الشبلي محمول على سروره بما أُعطي من التوفيق في الوقت ، حتى جعل الهمَّ همَّ واحدًا ، والله أعلم . وقال الكتَّاني : روْعةُ ساعةٍ عند انتباه من غفلةٍ ، وانقطاعٌ من حظّ النفسانية ، وارتعادٌ مِن خوفٍ قطيعةٍ؛ أفضلُ من عبادة الثَّقَلْن. وقال أحمد بن أبي الحواري، ريحانة الشام: (( أفضلُ البكاءِ : بكاءُ العبدِ على ما فاته من أَوْقاته على غيرِ الموافقةِ ، أَوْ بكاءٌ على ما سبق له مِنَ المخالفة . عمرو بن قيْس الملائي : قال حفص بن غياث : لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى ، فقال له أصحابه : عَلامَ تبكي ؛ فوالله لقد كنت غضيضَ العَيْشِ أَيّامَ حياتك ؟! فقال : والله ما أبكي على الدنيا ، وإنما أبكي خوفًا مِن أن أُحْرم خيرَ الآخرة(١). أخي ، قال إبراهيم بن أدهم : الهوى يُردي ، وخوف الله يُشفي ، واعلمْ أنما يزيل عن قلبك هواك إذا خفتَ مَنْ تَعْلمُ أنه يراكَ . أخي، قال رسول الله عَ لِّ: ((مَن خاف أَدْلَجَ، ومَن أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِل ، ألا وإنّ سِلْعَة اللَّهِ غاليةٌ، ألا وإنَّ سلعة اللهِ الجنةُ))(٢). (١) ثلاث شعب من الجامع ١٩٧/١ - ١٩٨، وصفة الصفوة ١٢٥/٣، وفيها: ((تبغض)) بدلًا من: ((غضيض)). (٢) صحيح: رواه أبو هريرة، وأخرجه الترمذي، والعقيلي في الضعفاء، والحاكم وصححه وأقره الذهبي . أ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/