النص المفهرس

صفحات 101-120

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الرابع
١٠١
وإنْ تكُ آخِرًا فخلاكَ ذَّ فإنَّ محمدًا في الآخِرِينا
(( وكتب القاضي الفاضل إلى السلطان يهنِّئُه بهذه الكسرة ؛ فإنّه كان
غائبًا بدمشق ، مِن جملة الكِتاب : لِيَهْنِ المولى أنّ الله قد أقام به الدين
القيّم ، وأنه كما قيل : أصبحتَ مولاي ومولى كلِّ مسلم ، وأنه قد أسبغ
عليه النعمتيْن الباطنة والظاهرة ، وأورثه المُلْكَين: مُلْك الدنيا وملك الآخرة ،
كتب المملوك هذه الخدمة ، والرؤوسُ إلى الآن لم تُرفع من سجودها ،
والدموعُ لم تُمسح مِن خدودها ، وكلّما فكّر الخادم في أنّ البِيَع تعود وهي
مساجد ، والمكان الذي كان يُقال فيه : إن الله ثالث ثلاثة ، يُقال فيه :
إنه هو الواحد ، جدّد لله شكرًا ، تارة يفيض من لسانه ، وتارة يفيض من
جفنِهِ ، وجزىُ يوسفَ خيرًا على إخراجه الحقَّ من سجنه ، والمماليك
ينتظرون أَمْر المُؤْلى ، فكِّ مَن أراد أنْ يدخل الحمّام بدمشق ، قد عَوَّل
على دخول حمّام طبرية .
تلكَ المكارمُ لا قِعْبانَ مِن لَبَنِ وذلكَ الفتحُ لا سیفَ بنِ ذِي يَزَنِ
وللألسنة بعدُ في هذا الفتح سُبْحٌ طويل ، وقولٌ جليل )).
ولقد فتح صلاح الدين بعد كسرة حطين ، وقبل فتح بيت المقدس ،
أكثر من خمسين بلدة ومدينة، ففتح طبرية ثاني يوم الكسرة. ((قال
القاضي بهاء الدين بن شداد : ثم رحل السلطان طالبًا عكّا فقاتلها بكرةَ
الخميس مستهلّ جمادى الأول ، فأخذها واستنقذ مَن كان بها من الأُسارىُ ،
وكانوا زهَاءَ أربعة آلاف نفس ، واستولى على ما فيها من الذخائر والأموال ،
والتجاير والبضائع ؛ فإنها كانت مظنّة التجار ، وتفرّقت العساكر في بلاد
الساحل ، يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة ، فأخذوا نابلس
وحيفا وقيسارية ، وصفورية والناصرة ، وكان ذلك لخُلوّ الرجال بالقتل
والأسر .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
١٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
وقال العماد : خرج أهل البلد - يعني عكّا - يطلبون الأمان ،
فأمّنهم على أنفسهم فقط ، وفتحوا البلد يوم الجمعة ، فجئنا إلى كنيستها
العظمى ، فرتّب بها المنبر والقبلة ، وهي أول جمعة أقيمتْ بالساحل بعد
يوم الفتح(١)، وفتح العادل حصن ((مجدل يابا))، ومدينة ((يافَا)) عَنوة .
وفتحت ((الفولة)) ، وهي قلعة للداويّة حصينة ، وفيها ذخائرهم وأموالهم،
وفتحت ((دبوريّة))، و((جنين)) و((زرعين)) و((الطور)) و((اللّجون))
و((بيْسان)) و((القيمون)) و((مالعكا)) و((طبرية)) من الولايات، و((الزيب))
و ((معليا)) و((البعنة)) و((إسكندرونة)) و((منواث)) و((أرسوف))، واستولى
على تلك الشموس والأقمار ، الكُسوف والخُسوف ، وفتح المسلمون
((سبسطية))، وفيها مشهد زكريا عليه السلام، وقد اتخذه ((الأقسا))
كنيسةً ، وقد حجبوه وحلّوْه ، ففتح للمسلمين أبوابه ، وأظهر للمصلّين
محرابه .
وأرسل السلطان إلى ((تبنين)) ابنَ أخيه تقَي الدين فضايقها ، فراسلوا
السلطان وسألوه الأمان، واستمهلوا خمسة أيام ، فأُمْهِلوا ، وأطلقوا أُسارىُ
المسلمين ، وهذا دأبه في كلّ بلدٍ يفتحه ، أنه يبدأ بالأُسارى فيفكُ قيودَها ،
ويُعيد بعد عدَمها وجودَها ، فخلّص - تلك السنةَ - من الأسر أكثرَ مِن
عشرين ألفٍ أسير ، ووقع في أسْره من الكفار مائةُ ألف ، ثم تسلّم السلطان
بعد ((تبنين)): ((صيدا))، و((صرفند))، و((بيروت)) و((جبيل))،
وكان صاحب جُبيل في الأسر فسلّمها وسَلِم ، وكان معظم أهل صيدا
وبيروت وجُبيل ونابلس مسلمين ، فذاقوا العَّة بعد الذِّلة ، ورفع المسلمون
رءوسهم ، وعرفوا نفوسهم ، وكان كلّ مَن استأمن من الكفار يمضي إلى
(١) بعد غياب اثنتين وسبعين سنة .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١٠٣
صُور مَحْمِّ الذّمار .
ونزل السلطان على عسقلان فحصرها ، وتردّدتْ مراسلاتٌ بين
أهلها والملك ، ثم سلَّموها يوم السبت سلْخ جمادى الآخرة ، وخرجوا
بنسائهم وأموالهم، وكان السلطان أخذ في طريقه إليها ((الرملة)) و((تُبنين))
و((بيت لحم)) و((الخليل))، وأقام بها حتى تسلّم حصون : الداوية ،
غزة ، والنطرون ، وبيت جبريل ، ولدّ ، والداروم ، ولم يبق في الساحل
من جُبيل إلى أوائل حدود مصر سوى القدس وصور . وكان السلطان
رحمه الله ، قد استدعى بالأساطيل من مصر ، فجاءت مع مقدّمها
الحاجب لؤلؤ فطفِق يكسر ويكسب ، ويسلّ ويسلب ، ويقطع الطريق على
سفن العدو ومراكبه ، ويقف له في جزائر البحر على مذاهبه ))(١).
فتْحُ بَيْتِ المقدس في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة ثلاثٍ
وثمانين وخمسمائة هجرية :
أرسل شابٌّ من أهل دمشق - كان مأسورًا ببيت المقدس - رقعة
إلى صلاح الدين ، فيها هذه الأبيات :
لمعالمِ الصُّلبانِ نَكَّسْ
يَأَيُّهَا الملكُ الذي
تسعى مِنَ البيت المقدَّسْ
جَاءَتْ إليكَ ظُلامةٌ
وأنا على شرفي مُنجَّسْ
كُلُّ المساجدِ طُهِرَتْ
(( قال القاضي شدّاد: لما تسلّم السلطان عسقلان والأماكن المحيطة
بالقدس ، شمّر عن ساقٍ الجد والاجتهاد في قصده ، واجتمعت إليه العساكر
التي كانت متفرّقة ، فنزل عليه يوم الأحد ، خامس عشر رجب ، وكان
مشحونًا بالمقاتِلة مِن الخيّالة والرّجّالة، ولقد تجاوز أهل الخبرة عِدّة مَن كان
(١) عيون الروضتين ٢ / ١٤٨ - ١٥٢.،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٠٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
فيه من المقاتِلة بما يزيد على ستين ألفًا ، ما عدا النسوان والصبيان .
قال العماد: وكان به مِن مقدّمي الإِفرنج ((باليان بن بارزان))
والبطرك الأعظم ، والذين أغفلتهم حياطة الفرسان الداويّة والأسبتاريّة ،
والبارونية ، وقد حشروا وحشدوا ، فكانوا ستين ألفٍ مقاتلٍ من فارس
وراجل ، من أتباع الشيطان وعبدة الصُّلبان ، فأقام السلطان بمنزلِهِ - غربِيّ
القدس - خمسة أيام ، وسلّم إلى كلّ طائفةٍ من الجيش ناحية من السّور
وأبراجه ، ثم تحوّل السلطان إلى ناحية الشام ؛ لأنه رآها أوسع للمجال ،
والجلاد والتّزال ، وقاتل الفرنج دون البلد قتالًا هَائِلًا، وبذلوا أنفسهم
وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم ، واستُشهد في الحصار بعض أمراء
المسلمين ، فحنق عند ذلك كثيرٌ من الأمراء والصالحين ، واجتهدوا في
القتال ونصْب المجانيق والعرادات على البلد ، وغنّتِ السيوف والرماح
الخطّات، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران ، وفوق قُبّة
الصخرة صليب كبير ، فزاد ذلك أهل الإِيمان حَنقًا وشدَّةً للتشمير ، وكان
ذلك يومًا عسيرًا على الكافرين غيرَ يسير ، فبادر السلطان إلى الزاوية الشرقية
الشمالية من السور ، فنقبها وعلقها ، وحشاها وأحرقها ، فسقط ذلك الجانب ،
وخرّ البرج بُرُمَّته ، فإذا هو واجِبٌ ، فلما شاهَد الفرنجُ ذلك الحادث الفظيع ،
والخطْب المؤلم الوجيع ، قصد أكابرهم السلطانَ ، وطلب صاحبها باليان
الأمانَ ، ليحضر عند السلطان فأمّنه ، فلمّا حضر ترقَّق للسلطان ، وذلّ ذُلَّا
عظيمًا، وتشفّع إليه بكلّ ما أمكنه ، فَلَمْ يُجِبْه إلى الأمان لهم ، وكانوا
مِن قَبْلُ يقولون : كلّ واحدٍ منا بعشرين ، وكُلُّ عشرة بمائتين ، ودون
قمامة تقوم القيامة . فأبى السلطان أن يجيبهم إلى الأمان ، وقال : ما آخذ
القدس إلا كما أخذوه من المسلمين منذ إحدى وتسعين سنة ، فإنّهم حينئذ
استباحوا القتل ، فأنا أُفني رجالهم قتلًا، وأحوي نساءَهم سَبْيًا . فقالوا :
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
١٠٥
إذا أيسْنا من أمانكم ، قاتلْنا قتالَ الدم ، فلا يُجَرَح واحدٌ منا حتى يجرح
عَشرة ، وأنّا نحرّق الدور ونخرّب القبة ، ونقلع الصخرة ، ونُعمي عيْن
سلوان (١)، ونخسف المصانع(٢) ، وعندنا من المسلمين خمسة آلاف أسير ،
فنبدأ بقتلهم ، ثم نُهلك الأموال ، وتُعدم النساء والأطفال ، فلا يحصل لكم
سبي ولا مال . فشاوَر السلطانُ أصحابه ، فقالوا : الصواب أنْ تُبيعهم
نفوسهم ، ونُعمِّم بِصَغَار الجزية رءوسَهم ، ونُدخِل في القطيعة مرؤوسهم
ورئيسهم . واستقّ بعد مراودات ومعاوداتٍ عن كلّ رجلٍ عشرةُ دنانير ،
وعن كلّ امرأة خمسة دنانير ، وعن كلّ صغير أو صغيرة ديناران ، ومَن عجز
بعد أربعين يومًا عمَّا لَزِمه، أو امتنع منه، وما سَلّمَهُ ، ضُرب عليه الرّقُ.
ودخل ابن بارزان والبطرق ومقدّمو الداويّة والأسبتار في هذا الضَّمان ،
وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء ، وسلّموا البلد يوم الجمعة
السابع والعشرين من رجب ، وكان في القدس أكثر من مائة ألف إنسان ،
من رجال ونساء وصبيان ، وأُغلقت دونهم الأبواب ، ورُتّب لعرضهم
واستخراج ما يلزمهم النّاب ، ووكّل بكلّ باب أمير ومقدّم كبير ، وحصّل
لبيت المال ما يقارب مائتي ألف دينار ، وبقي مَن بقي تحت رِقَ وإسار))(٣).
قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (١٢ / ٣٤٥ - ٣٤٦):
(( كان جملة مَنْ أُسر بهذا الشرط ستةَ عشرَ ألفِ أسيرٍ ، من رجال ونساء
وولْدان )).
(( ولم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة يومئذ، ولكن نظّفوا المسجد
(١) وقفها عثمان بن عفان على ضعفاء بيت المقدس . وكانت في ربض مدينة القدس.
(٢) المصانع: الأبنية. في (لسان العرب)).
(٣) عيون الروضتين ٢ / ١٥٣ - ١٥٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
الأقصى مما كان فيه مِن الصلبان والُّهبان والخنازير ، وخُرّبت دُور
الداوية ، وكانوا قد بَنَوْهَا غرب المحراب الكبير ، واتخذوا المحراب مَشْتَّى -
لعنهم الله - فنُظِّف ذلك كلّه، وأُعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإِسلامية ،
وغُسلت الصخرة بالماء الطاهر ، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر ،
وأبرزت للناظرين ، وقد كانت مستورة مخبوءةً عن الزائرين ، ووضع الصَّليب
عن قُبَّتها ، وعادت إلى حُرْمتها . ولمّا تطهّر بيت المقدس ممّا كان فيه
من الصلبان ، والنواقيس والرهبان والقساقس ، ودخله أهل الإِيمان ، وتُودي
بالأذان ، وقرئ القرآن ، ووُحِّد الرحمان - كان أول جمعة أقيمت في
الرابع من شعبان ، بعد يوم الفتح بثمان ، فنصب المنبر(١) إلى جانب
المحراب ، وبُسطت البُسُط، وعُلّقت القناديل، وتُلي التنزيل، وجاء الحقُّ
وبطلت الأباطيل ، وصُفّت السجادات وكثرت السَّجدات ، وتنوّعتِ العبادات ،
وارتفعتِ الدعوات ، ونزلتِ البركات ، وانجلتِ الكُربات ، وأقيمت الصلوات ،
وأذنَّ المؤذّنون ، وخرس القسّيسون ، وزال البوس ، وطابت النفوس ،
وأقبلت السعود وأدبرت النحوس، وعُبد الله الأحد الصمد الذي ﴿ لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وكبّره الراكع
والساجد ، والقائم والقاعد ، وامتلأ الجامع ، وسالت لِرقّة القلب المدامع ،
ولمّا أَذّن المؤذنون للصلاة قبل الزوال ، كادتِ القلوب تطير من الفرح في
ذلك الحال ))(٢).
وجلس الفقهاء في مجالس الرهبان ، وفتحت بهذا الفتح من بيت الله
(١) الذي أعده نور الدين محمود زنكي ، فقد كان يرجو أنْ تُفتح القدس على يديْه،
فعاجله الموت ، عامَلَه الله بحسن نيّته .
(٢) تحت الطبع كتاب لي في فضل القدس وشرفها، وكتاب آخر في حوادث رجب ،
وفيه نصّ خطبة القاضي محيي الدين بن الزكي ، التي قالها في ذلك اليوم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
١٠٧
المقدس أبواب الجِنان ، وتزاحم الخارجون من البلد - من الفرنج والنصارى -
في دخول أبواب النيران ، وصَلّى محارب الدين في المحراب ، ورفع
الملائكة ما كان تكاثَف بأنفاس الكفر من الحجاب ، وغُسلت الصخرة
المباركة من أوضارها بماء العيون الفائض كغزارة الأمواه ، وقُبّلت بالشفاه ،
وبُوشرت بالأفواه ، وطُهّرت بأهل العلم والحلم مِن أدناس الجهل والسِّفاه :
مَن شكَّ فيهِ فهذا الفتحُ بُرْهَانُ
جندُ السماءِ لهذا المَلْكِ أعوانُ
لها سِوى الشكْر بالأفعالِ أثمانُ
هذي الفتوحُ فتوحُ الأنبياءِ وَمَا
إِسْلامُ نُصّارِه صُمُّ وعُميانُ
تسعونَ عامًا بلاد اللهِ تصرحُ والْـ
بأمْرٍ مَنْ هو للمعوانِ مِعْوانُ
فالآنَ لَبِى صلاحُ الدينِ دعْوتَهُمْ
فطُهِّرَتْ منْهُ أقطارٌ وبلدانُ
في نصفٍ شهرٍ غدا للشركِ مُصْطَلِمًا
وقال الجليّاني عن صلاح الدين :
في قُلّةِ الثَّلِّ قَضَّى كُنْهِ عَبْتِهِ
فلْ رآكَ وقد حُزْتَ العلا عمرُ
أبو عبيدةَ فدّى مِن مَسرَّتِهِ
ولوْ رَآكَ وأهُلُ القدسِ في وَلَهِ
وأعْوَلُوا بالتّباكي حوْلَ صخْرتِهِ
غداةَ جُّوا النواصي في قمامتِهِ
عَهْدِ الصحابةِ في استمرارِ مَّتِهِ
دارتْ بكَ المِلَّةُ الحسْنَى فَنَحنُ على
فُتوحاتٌ بعد فتح القدس :
كان الجهاد قد غلب على السلطان ، فلم يستقرّ في القدس إلا قليلا ،
ثم بدأ جولةً أُخرى من الفتوحات ، فأتمّ فتح صيدا وبيروت ، وجبلة ،
واللاذقية ، وحصن صهيون ، وحصن بغراس ، ورجع بعدها إلى صفد
والكرك ففتحها ، ثم قلعة الشقيف . وفي ردة فعْلٍ صليبيةٍ شديدة حاولوا
استرجاع عكا ، فحاصروها من جهة البحر ، فأسرع السلطان إليها ووقف
بإزائهم ، فكانت الإمدادات تأتي الصليبيين من جهة البحر بشكلٍ دائم ،
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع
١٠٨
فاضطرّ السلطان والمسلمون لمصابرتهم ستةً وثلاثين شهرًا (رجب ٥٨٥ -
شعبان ٥٨٨ )، وفي هذا الحصار ظهرت شخصية صلاح الدين العظيمة ،
ثلاث سنوات وهو في حالة قتالٍ وتأهُّب واستعداد .
قال ابن شداد: ((كان السلطان يُعاني هذه الأمور بنفسه ، ويصافحها
بذاته ، لا يتخلّف عن مقام من هذه المقامات ، وهو من شِدّة حرصه ووفور
همّته كالوالدة الثَّكْلَى . ولقد أخبرني بعض أطبّائه أنه بقي من يوم الجمعة
إلى يوم الأحد، لم يتناول من الغذاء إلَّا شيئًا يسيرًا لفرطِ اهتمامه)) (١).
فانظر إلى الهمّة التي لم يشغلها عن الغزاة شيءٌ.
ولله دَرُّ صلاح الدين وهو في مصافِّه الأعظم على عكا ، وهو يأمر
((الجاويش أنْ ينادي في الناس: (( يا للإِسلام، وعساكر موحّدين))،
فركب الناس ، وقد باعوا أنفسهم بالجنة ))(٢).
ويُورد أبو شامة من عُلوّ همّته: (( قال القاضي : وكان لا بد له من
أن يطوف حول العدو كلّ يوم مرةً أو مرتين ، إذا كنا قريبًا منهم ، وكان
إذا اشتدّ الحرب يطوف بين الصفِّيْن ، ويخرق العساكر من الميمنة إلى
الميسرة ، يُرتب الأطلاب ، ويأمرهم بالتقدم ، والوقوف في مواضع يراها ،
وكان يُشارف العدوَّ ويجاوره ، ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين
الصفّين ، وذلك أني قلتُ له : قد سُمع الحديث في جميع المواطن
الشريفة ، وما نُقِل أنه سمع بين الصفّين ، فإنْ رأى المولى أنْ يُؤْثَر عنه
ذلك ، كان حسنًا ، فأذِنَ في ذلك، فأحضر جزءًا هناك من له بسماع ،
فقُرئ عليه ، ونحن على ظهور الدّوابّ بين الصفّيْن ، يمشي تارة ويقف
(١) ((النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية)) للقاضي بهاء الدين بن شداد صـ ١٠٧.
(٢) النوادر السلطانية صـ ١٠٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
١٠٩
أُخرى ، وما رأيتُهُ استكثر العدو أصلًا ، ولا استعظم أمْرهم قطّ ، وكان
مع ذلك يذكر بين يديْه الأقسام كلها في حال الفكر والتدبير ، ويُرتِّب
على كل قسمٍ مقتضاه ، من غير حِدَّةٍ ولا غضب يعتريه ، ولقد انهزم
المسلمون في يوم المصافّ الأكبر بمرج عكا ، حتى القلب ورجاله ، ووقع
الكؤوس والعَلَم ، وهو ثابت القدم في نفر يسير ، وقد انحاز إلى الجبل
يجمع الناس ويردّهم ، ويخجّلهم حتى يرجعوا ، ولم يزل كذلك حتى عكر
المسلمون على العدو في ذلك اليوم ، وقُتل منهم زهَاء سبعة آلاف ، ما
بین راجل وفارس )»(١).
قال ابن شداد : (( وكان رحمه الله من عظماء الشجعان ، قوي
النفس شديد البأس ، لا يَهُوله أمر ، ولقد وصل في ليلة واحدة من الإِفرنج
نَيِّف وسبعون مركبًا على عكا ، وأنا أَعُدّها مِن بعد صلاة العصر إلى غروب
الشمس ، وهو لا يزداد إلّ قوة نفس)). وخلال هذا الحصار الطويل جرت
وقعاتٌ كبيرة بينه وبين الفرنجة ، وانتصر فيها ، ولكنّ الإِمدادات كانت
تتوالى مِن أوربّا عن طريق البحر ، وصابَر الفريقان مصابرة عجيبة ، وكان
القتال يتمّ يوميًّا أحيانًا وفي البيّ والبحر ، وفي هذا الحصار استنجد صلاح
الدين بملك المغرب أمير دولة الموحّدين فرفض المساعدة ؛ لأنه لم يذكر
في رسالته: ((أمير المؤمنين)) !! وفي نهاية هذه المعاناة مرض السلطان ،
واضطُرّ للصلح مع الإفرنج ، وأخذوا عكا مرة ثانية ، وحاولوا أخذ يافا
ولكنهم لم يفلحوا ، وعاد السلطان إلى القدس يرتّب أمورها ، ويصلح مِن
سورها ، (( وكان رحمه الله يركب وينقل الحجارة بنفسه على دابته . من
الأمكنة البعيدة ، فيقتدي به العسكر))(٢).
(١) عيون الروضتين ٢ / ٣٠٩ - ٣١٠ .
(٢) الكامل لابن الأثير ١٢ / ٧٤ .
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١١٠
شَغْفُهُ بالجهاد :
(( قال القاضي ابن شداد : كان رحمه الله شديدَ المواظبة على الجهاد ،
عظيمَ الاهتمام به ، ولو حلف حالِف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد
دينارًا ولا درهمًا إلَّا في الجهاد أو في الإِرفاد، لَصَدَقَ وبّ في يمينه، ولقد
كان الجهاد وحبُّه والشغَفُ به قد استولى على قلبه ، وسائرٍ جوانحه استيلاءً
عظيمًا ، بحيث ما كان له حديث إلَّا فيه، ولا نظر إلَّ الَتَهُ، ولا اهتمام
إلَّا برجاله ، ولا ميل إلَّا إلى مَن يذكره ويحثُّ عليه ، ولقد هجر في محبَّة الجهادِ
في سبيل الله أهلَه وأولادَه ووطنه ، وسكنَه وسائرَ مَلَاذّه ، وقنع من الدنيا
بالسكون في ظّ خيمة ، تهبّ بها الرياح يمنةً ويسرةً ، ولقد وقعت عليه
الخيمة في ليلةٍ ريّحة على مرج عكا ، فلو لم يكن في المرج ، وإلّا قتلتْهُ،
ولم يزده ذلك إلَّا رغبةً ومصابرة واهتمامًا، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرّب
إليه يحثُّه على الجهاد ، أو يذكر له شيئًا من أخبار الجهادِ ، ولقد أُلٌفَ له
كتب عدة في الجهاد ، وأنا ممّن جمع له فيه كتابًا، ولأُحكينَّ عنه ما سمعتُ
منه في ذلك: في سنة أربع وثمانين - لمّا ودّع أخاه وعسْكرَ مصر بعسقلان -
سرنا على الساحل طالبينَ عكّا ، وكان الزمان شتاءً عظيمًا ، والبحر هائجًا
هيجانًا عظيمًا، وموجُه كالجبال كما قال الله ، وكنت حديثَ عهدٍ برؤية
البحر ، فعظُم أمْرُ البحر عندي ، حتى خُيِّل لي أنني لو قال لي قادر : لوْ
جُزْتَ في البحر ميْلًا واحدًا ملّكتُك الدنيا ، لَمَا كنت أفعل ، واستخففتُ
رأي من يركب البحر رجاءً كسْب دينار أو درهم ، هذا كلّه خطر لي ،
لِعِظَمِ الهُوْل الذي شاهدتُه من حركة البحر وتموُّجِهِ ، فبينا أنا في ذلك ،
إذ التفتَ إلّ ، وقال : في نفسي أنّه متى يسّر اللهُ تعالى فتْح بقية الساحل ،
ءَ
قسّمتُ البلاد ، وأوصيتُ وودّعتُ ، وركبتُ هذا البحر إلى جزائره أتبعهم
فيها ، حتى لا أُبقي على وجه الأرض مَن يكفر بالله ، أو أموت . قال :
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١١١
فعظم وقْع هذا الكلام عندي ، حيث ناقض ما كان يَخطر لي ، وقلتُ له :
ليس في الأرض أشجع نفسًا من المولى ، ولا أقوى نيّة منه في نصرة
دين الله ، وحكيتُ له ما خطر لي ، ثم قلتُ له : ما هذه إلا نيّة جميلة ،
ولكنّ المولى يُسيّر في البحر العساكر وهو سور الإِسلام ، ولا ينبغي أنْ
يخاطر بنفسه . فقال : أنا أستفتيك ، ما أشرف الميتات ؟ فقلت : الموت
في سبيل الله. فقال: ((غاية ما في الباب أنْ أموت أشرفَ الميتات)).
قال : فانظر إلى هذه الطويّة ، ما أطهرها ! وإلى هذه النفس ، ما أشجعها
وأجسرها ! اللهمّ إنّك تعلم أنّه بذل جهده في نصرة دينك رجاءَ رحمتك ،
فارحمه ))(١).
ويكتب للخليفة العباسي: (( وهذه المقاصد الثلاثة : الجهاد في
سبيل الله ، والكفُّ عن مظالم عباد الله ، والطاعة للخليفة : هي مراد الخادم
من البلاد إذا فتحها ، واللهُ العالمُ أنَّه لا يقاتل لعيْشٍ أَلْيَنَ من عيشٍ ولا لِغَضبٍ
يملأ العيان ))(٢). وقد ذكرنا كيف أنه كان ينقل الحجارة بنفسه لعمارة
سور القدس ، (( ولو رأيتَه وهو يحمل حجرًا في حِجْره ، لعلمت أنّ له
قلبًا قد حمل جبلًا في فكْره)) (٣). وعندما رجع إلى دمشق وجد وكيل
الخزانة قد بنى له دارًا ، فغضب عليه ، وقال : إنّا لم نُخلَق للمقام في دمشق
ولا بغيرها ، وإنما خُلِقنا للجهاد .
كتب إليه الأنكتار الملعون صاحب عكا : (( إنّ المسلمين والفرنج
قد هلكوا ، وخُربتِ البلاد ، وخرجتْ من يد الفريقَيْن بالكليّة ، وقد تلفتِ
(١) عيون الروضتين ٢ / ٣٠٩ - ٣١١ .
(٢)
الروضتين ٢ / ٤٨ .
الروضتين ٢ / ١٩٦ .
(٣)
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
١١٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
الأموال والأرواح من الطائفتَيْن ، وقد أخذ هذا الأمر حقّه ، وليس هناك
حديث سوى القدس والصليب والبلاد ، والقدس فمُتعبّدنا ما ننزل عنه ،
ولو لم يبقَ منَّا واحدٌ ، وأمّا البلاد فُعاد إلينا منها ما هو قاطع الأردن ،
وأمّا الصليب فهو خشبة ، لا مقدار له عندكم ، وهو عندنا عظيم ، فيمنّ
به السلطان علينا ، ونصْطَلِح ونستريح من هذا العَناء الدائم)) . ووقف
السلطان رحمة الله عليه على هذه الرسالة ، واستدعى أرباب المشورة من
دولته ، واستشارهم في جواب ذلك ، والذي رآه السلطان رحمه الله في
جواب ذلك أنْ قال: ((القدس لنا كما هو لكم، وهو عندنا أعظم ممّا
هو عندكم ؛ فإنه مَسْرى نبيِّنا ومجتمع الملائكة ، فلا يتصوّر أنْ ننزل عنه ،
ولا نقدر على التلفّظ بذلك بين المسلمين ، وأمّا البلاد فهي لنا أيضًا في
الأصل ، واستيلاؤكم كان طارئًا عليها ، لضعف مَن كان بها مِن المسلمين
في ذلك الوقت ، وما أقدركم الله على عمارة حَجَر منها ما دام الحرب
قائمًا ، وما في أيدينا نحن منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به ، وأمّا
الصليب فهلاكُه عندنا قربَةٌ عظيمة ، ولا يجوز لنا أنْ نفرّط فيها ، إلا لمصلحةٍ
راجعة إلى الإِسلام، هي أوْفى منها)) (١).
وكلمات صلاح .. يوسف أحلامنا ، نهديها للأقزام الذين سقطوا
في الوَحْل :
ونحنُ في العارِ نسقي وحْلَنا طِينا
بيروتُ في اليمّ مائَتْ قُدسُنَا انتحرتْ
نحنُ الهوانُ وذُلُّ القُدْسِ يَكْفينا
أُّ الحكايا سَتُروىُ عارُنا جَلُّ
دمعُ المنابرِ يشكُو للمُصلِّينَا
القدسُ في القَيْدِ تَبكي مِن فوارِسِهَا
باعُوا المآذنَ والقرآنَ والدِّينا
حُكَّامُنا ضيّعونا حينما فَسَقُوا
(١) النوادر السلطانية صـ ١٩٤ .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١١٣
أعداؤُنَا مَن أضاعوا السَّفَ مِن يَدِنَا
أقزامُنَا مَن توارى صوتُهم فزعًا
قُمْ مِن تراِكَ يا ابنَ العاص في دَمِنا
قُمْ يا بلالُ وأَذِّنْ صَمْتُنَا عَدَمٌ
هَلْ مِنْ صلاحٍ يُعيدُ السيفَ في يَدِنَا
هَلْ مِنْ صلاحٍ يُداوي جرْحَ أمَّتِهِ
هَلْ مِن صَلاحٍ لِشَعْبٍ هدّهُ أَمَّل
جرحي عنيدٌ وجرحي أنتَ يا وطني
إني أرى القَدْسَ في عينَيْكَ ساحِدةً
ما زالَ في العَيْنِ طَيِّفُ القُدسِ يَجْمَعُنَا
وأَوْدَعونا سُجونَ اللَّيلِ تطوينا
والأرضُ تُسْبى وبيروتٌ تُنادينا
تَأْرٌ طويلٌ لهيبُ العارِ يَكْوينا
كُلُّ الذي كانَ طُهرًا لم يَعُدْ فينا
أو تبْتُروها فقدْ شَلَّتْ أَيادينا
ويُطلِعُ الصبحَ نارًا مِنْ ليالينا
ما زالَ رَغْمَ عنادِ الجرْحِ يَشفينا
جثْنا نُداويك تأبى أنْ تدَاوينا
تبكي عليْكَ وأنتَ الآنَ تَبكينا
لا الحلمُ ماتَ ولا الأحزان تُنسينا
صبْرُه واحتسابُه في الجهاد :
يقول القاضي ابنُ شدّاد: ((لقد رأيتُه رحمه الله بمرج عكّا ، وهو
على غايةٍ مِن مرضٍ اعتراه ، بسبب كثرة دماميل ، كانت ظهرت عليه من
وسطه إلى ركبتيْه ؛ بحيث لا يستطيع الجلوس ، وإنّما يكون مُتّكِئًا على جانبه
إن كان بالخيمة ، وامتنع مِن مدّ الطعام بين يديْه لعجزه عن الجلوس ، وكان
يأمر أنْ يُفَرَّق على الناس ، وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريبًا من
العدو ، وقد رتّب الناسَ ميمنةً وميسرةً وقلبًا؛تعبيةً للقتال ، وكان مع ذلك
كلِّه، يركب من بكْرةِ النهار إلى صلاة الظهر يطوف على الأطلاب(١)،
ومن العصر إلى صلاة المغرب ، وهو صابر على شدة الألم وقوّة ضربان
(١) جمع طلب ، وهو لفظٌ فارسي، معناه: الأمير الذي يقود مائتي فارس في ميدان
القتال ، ويُطلَق كذلك على قائد المائة أو السبعين ، وكان أول ما استعمل هذا
اللفظ بمصر والشام ، أيّامَ صلاح الدين .
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١١٤
الدّمامل ، وأنا أتعجّب من ذلك ، فيقول : إذا ركبتُ يزول عني ألمُها حتى
أنزل ، وهذه عناية ربّانيّة .
ولقد مَرِض - رحمه الله - ونحن على الخروبة ، وكان قد تأخر
عن (( تلّ الحجل )) بسبب مرضه ، فبلغ الإِفرنجَ ذلك، فخرجوا طمعًا في
أنْ ينالوا شيئًا من المسلمين بسبب مرضه ، وهي نوبة النهر ، فخرجوا في
مرحلة إلى الآبار التي تحت التّ ، ثم رحل العدوّ في اليوم الثاني يطلبنا ،
فركِب رحمه الله على مَضَضٍ ، ورتّب العسكر ، وجعل أولاده في القلب ،
ونزل هو وراءَ القوم بطلبه ، وكلّما سار العدو يطلب رأس النهر ، سار
هو يَستدير إلى ورائهم ، حتى يقطع بينهم وبين خيامهم ، وهو رحمه الله
يسير ساعةً ثم ينزل يستريح ، ويُظَلّلُ على رأسه بِمِنْدِيلٍ من شدّة وقعْ
الشمس ، ولا يَنصبُ له خيمة حتى لا يُري العدوَّ ضعفًا ، ولم يزل كذلك
حتى نزل العدو برأس النهر ، ونزل هو قُبالتهم على تلِّ مُطِّ عليهم ، إلى
أن دخل الليل ثم أمر العسكر أن تعود إلى مَحِلِّ المصابرة ، وأن يبيتوا تحت
السلاح، وتأخّر هو إلى قمّة الجبل ، وضُربت له خيمة لطيفة ، وبِتُّ تلك
الليلة أجمع أنا والطبيب نمرّضه ونُشاغله، وهو ينام تارةً ويستيقظ أُخرى ،
حتى لاحَ الصباح ، ثم ضرب البُوق ، وركِب رحمه الله ، ورَكِبَتِ العساكر ،
وفي ذلك اليوم قدّم أولادَه بين يديْه احتسابًا ، الملك الظاهر والمَلِك الظافر
وجميع مَن حضره منهم ، ولم يزل يبعث مَن عنده ، حتى لم يبقَ عنده
إلّا أنا والطبيب، وعارِض الجيش، والغلمان بأيديهم الأعلامُ والبَيّارق
لا غير ، فيظن الرائي لها عن بُعد أنّ تحتها خَلْقًا كثيرًا ، وليس تحتها
إلا واحد ، بخُلُقٍ عظيمٍ ، رحمه الله .
فانظرْ إلى هذا الصبر والاحتساب ، وإلى أيّ غاية بلغ هذا الرجل ، اللهمّ
إنّك ألهمْتَه الصبر والاحتساب ووفّقتَه له ، فلا تحرمْه ثوابَه ، يا أرحم الراحمين .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

ttps://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع
١١٥
ولقد رأيتُه ليلةً على صفد ، وهو يحاصرها ، وقال : لا ننام الليلة
حتى تُنصبَ لنا خمسةُ مجانيقَ . ورتّب لكلِّ منجنيق قومًا يتولَّوْن نصْبه ،
والرسل تتواصل مُخبرةً بأنه نُصب من المنجنيق الفلاني كذا ، ومن الآخر
كذا ، حتى أتى الصباحُ وقد فَرَغ منها ، وكانت مِن أطول الليالي ، وأشدِّها
بْدًا ومطرًا .
وكان رحمه الله شديدَ الشَّغَف والشَّفَقة بأولاده الصغار ، وهو صابر
على مفارقتهم ، راضٍ ببعدهم عنه ، وكان صابرًا على مرِّ العيش وخشونته ، مع
القدرة التامَّة على غير ذلك ، احتسابًا لله تعالى. اللهمّ إنّه ترك ذلك كلّه
ابتغاءَ مرضاتك ، فارضَ عنه وارحمه ))(١).
قال ابن شدّاد: ((ولم يُخلّف السلطان أموالًا ولا أملاكًا؛ لجوده
وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم ، حتى إلى أعدائه ، ولم يُخلِّفْ في
خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا ودينارًا واحدًا، وكان
مُتقلّلًا في ملْبسه ومأكله ومركبه )).
مات صلاحُ الدينِ ، (( وما مُكِّنوا أنْ يُدخلوا في تجهيزه ما قيمتُه
حبةٌ واحدة إلّا بالقَرْض، حتى في ثمن التبن الذي يُلَتُّ به الطين))، وعظُم
بكاءُ الناس ، حتى إنّ العاقل يتخيّل أنَّ الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا ،
وغَشَ الناسَ من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة .
قال القاضي ابن شدّاد عن يَوْم موت صلاح الدين: ((كان يومًا لم
يُصَبِ المسلمون والإِسلام بمثله منذ فُقِدَ الخلفاء الراشدون ، وغشي القلعة
والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمها إلَّا الله ، وباللهِ لقد كنتُ أسمع من
(١) النوادر السلطانية صـ ٢٤ - ٢٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الرابع
١١٦
بعض الناس أنّهم يتمنَّوْن فداءَ مَن يعزّ عليهم بنفوسهم ، وما سمعتُ هذا
الحديث إلّا على ضرب من التجوُّز والترُّص إلا ذلك اليوم ؛ فإني علمتُ
من نفسي ومن غيري أنّه لو قُبل ((الِدَاءُ))، لَقُدِي بالنفس))(١).
قال ابن شداد: (( وَذُكِرَ أنه دُفن معه سيفُه الذي كان معه في
الجهاد ، وكان ذلك برأي القاضي الفاضل . قال : هذا يتوكّأ عليه في
»(٢)
الجنَّة))(٢).
فأينَ صلاح ... ((واقدساهُ .. ولا صلاحَ لها)):
ذُلَّا ومنها أُدرِكَتْ ثاراتُهُ
أينَ الذي عَنَتِ الفرنجُ لبأْسِهِ
مَنْ في الجهادِ صفاحُهُ ما أُغمدَتْ
لَذَّ المتاعبَ في الجهادِ ولم تكنْ
مسعُودَةٌ غَدَواتُهُ محمودةٌ
فِي نُصْرةِ الإِسلامِ يَسْهَر دائبًا
لا تحسبُوهُ ماتَ شخصٌ واحدٌ
مَن لليتامى والأراملِ راحِمٌ
وكعادةِ البيتِ المقدَّسِ يَحْزَنُ الْـ
بكتِ الصَّوَارِمُ والصواهِلُ إِذْ خَلتْ
والقدسُ طامحةٌ إليك عُيُونُهُ
لَممتْ طيوفُ الذكرياتِ بخاطري من الدارِ .. منْ أهلٍ .. مِنَ الَّهَرَاتِ
(١)
النوادر السلطانية صـ ٢٤٦، ٢٤٧ .
(٢)
عيون الروضتين ٢ / ٢٩٠ .
(٣) أي راحته ، فلا نوم في الجنة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
بالنصرِ حتَّى أُغِمِدَتْ صَفَحَاتُه
مُذْ عاشَ قطُّ لِذَاتِهِ الذّاتُهُ
رَوْحاتُهُ مَيْمونةٌ ضحواتُهُ
لِيطول في روْضِ الجنانِ سُبَاتُهُ(٣)
فمماتُ كلِّ العالَمِين مماتُهُ
متعطّفْ مَفْضُوضَةٌ صَدَقَاتُهُ
بيْتُ الحرامُ عليهِ بَلْ عَرَفَاتُهُ
مِنْ سَلَّهَا وَرُكُوبِها غَزَوَاتُهُ
عَجِّلْ فقد طمحتْ إليه عِداتُهُ
المدنُ والحصونُ التي فتحها صلاحُ الدينِ مِن ديار الفرِنج :

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١١٧
حُلّ صلاحٍ أو حلّ كماةِ
مِنَ الصدقِ مَوْصولًا مع الدهرِ لُؤلؤًا
على السَّاحِ مِن نورٍ ومن نَفَحَاتِ
نقيًّا بأعطافِ الجهادِ مباركًا
وَقَبْلَ ذبولِ العُودِ والغرساتِ
وأزمنةً موصولةَ الحَلَقَاتِ
جمعتْ بها التاريخَ قَبْلَ جَفَافِهِ
جمعتْ بها التاريخَ ساحًا ومنزِلًا
فواعجبًا للدّارِ كيفَ تقطَّعتْ
حدودًا ومادتْ في أسِّى وشَتاتِ
ولا حُجُراتُ العِزِّ بالحُجُراتِ
أُمُ بها ذكرىُ فلا الدارُ دارُهَا
فيا وقفةَ التاريخ يَسكبُ دمعَهُ
فيا قدسُ هْ أبقيْتِ دمعًا لنائحِ
يُودّع مِن ساحاتِهِ الخَضِراتِ
حَنَائَيْكِ مِن شَوْقٍ ومِن عَبَرَاتٍ
قال القاضي ابن شدّاد: ((ذكْر المدنِ والحصون التي يسّر اللهُ فتْحها
على يديه - رحمة الله عليه - من ديار الفرنج - خَذَلَهم الله - من سنة
ثلاث وثمانين إلى سنة ستٍ وثمانين :
(١) طبريّة: على بحر الأردن ، بالسيف (٢) عكا : على البحر الكبير ،
بالأمان (٣) حيْفا : على البحر ، بالأمان (٤) الناصرة : التي تنسب إليها
النصارى (٥) الرملة (٦) قيسارية: بالسيف (٧) أرسوف: بالأمان (٨) يافا:
بالسيف ( مدينتها ) (٩) عسقلان: بالأمان (١٠) غزّة: بالأمان (١١) الداروم
(١٢) صيدا: على البحر (١٣) بيروت: بالأمان (١٤) جُبيل (١٥) هونين
(١٦) جبليّة (١٧) تبنين (١٨) أنطرسوس: (دون أخذ بُرْجها) بالسيف (١٩) جبلة:
مدينتها بالسيف ، وقلعتها بالأمان (٢٠) اللاذقية: مدينتها بالسيف ، وقلعتها
بالأمان (٢١) السرفند (٢٢) مدينة القدس الشريف، خلّصه الله تعالى
(٢٣) نابلس (٢٤) البيرة: بأرض القدس (٢٥) صفورية (٢٦) الطور
(٢٧) حصن دُّوريّة (٢٨) الفُوله (٢٩) حصن عقربلا (٣٠) حصن جينين
(٣١) سفسطية (٣٢) كوكب (٣٣) حصن عفري: شمالي القدس (٣٤) بيت
لحم . (٣٥) حصن العازرية: بأرض القدس (٣٦) البرج الأحمر (٣٧) حصن
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١١٨
الخليل عليه السَّلام (٣٨) بيت جبرين (٣٩) تلّ الصافية (٤٠) حصن مجدل
(٤١) يابا (٤٢) قلعة الحبيب الفوقاني (٤٣) الحبيب التحتاني (٤٤) النطرون
(٤٥) الحصن الأحمر (٤٦) لُدّ: بأرض الرملة (٤٧) قلنوسة (٤٨) يُبنى
(٤٩) القاقون (٥٠) القيمون (٥١) قلعة الكرك : بعد حصارٍ سنة ونصف
(٥٢) قلعة الشوبك: بعد حصار سنتين (٥٣) قلعة السلع (٥٤) حصن
يازور (٥٥) شقيف أرنوف (٥٦) حصن إسكندرونة: بين صُور وعكًّا
(٥٧) الوعيرة (٥٨) قلعة الجمع (٥٩) قلعة الطفيلة (٦٠) قلعة الهرمز
(٦١) قلعة صفد (٦٢) قلعة أبي الحسن: بأرض صيدا (٦٣) صيدا: أيضًا
( حصْن ) (٦٤) المرقية (٦٥) حصن يحمور: بأرض عكا (٦٦) بلنياس:
بين جبلة والمرقب (٦٧) صهيون (٦٨) بلاطنس (٦٩) حصن الجماهرية
(٧٠) قلعة العيدد (٧١) بكّاس (٧٢) الشُّغر (٧٣) بكسرائيل (٧٤) السُّرمانية
(٧٥) قلعة بُرزيّة (٧٦) درباك (٧٧) بُغراس: قريبًا من أنطاكية (٧٨) الدانور:
بأرض بيروت (٧٩) السوفند: قريبًا من صيدا)) (١).
فهلْ دَريْتَ الآنَ حُرْقَةَ اللّنْبِي ... وقد أكلَ صلاحٌ كبدَهُ؟ وهل دريتَ
لِمَ انتشى اللّنْبي، وقال: الآنَ انتهتِ الحروب الصليبية ؟ وهل دريتَ لِمَ
وقف ((غورو)) أمامَ قبرٍ صلاح، وركله بقدمه قائلًا: (( ها قد عُدْنَا يا
صلاحَ الدين )) ؟
وتنطلقُ الأحقادُ مِن كلماتِ
تكلّمْ ... كأنَّ الغدرَ يهدرُ مِنْ فمِ
ويُمضي قُنُونَ الموتِ والفَتكاتِ
فدوّى هنا يُنهي الصليبُ حروبَهُ
وخطةً تمزيقِ ووَأَدَ حياةٍ
ويُمضي معَ الأيامِ نَهْجَ إبادةٍ
مآتمُ أجيالٍ ونَعْيُ كُمَاةٍ
وهذي دمشقٌ والليالي تمدُّها
(١) النوادر السلطانية صـ ٢٤٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع
١١٩
أعيدي صدى (( غورو )) ووقفةً فاجٍ
وقفتَ على قبرٍ يضمُّ جدارُهُ
أَراعَكَ هذا القبرُ أمْ راعَكَ الذي
حَسِبتَ الذي في القبرِ مَيْتًا .. وإِنَّهُ
فهذا شهيدُ البِّ والحقِّ والهُدَى
صدوقٌ .. إلى الرحمنِ صحّ وِتَابُهُ
يُرَوِّي الثرى .. يمضي ويُسْكِب رَيَّهُ
فخانَكَ مِن عزمِ الرجالِ عزيمةٌ
تُنادي صلاحَ الدينِ مهلًا فإنَّهُ
دَوِيًّا يَهُّ الأرضَ تحتَكَ هِزَّةً
نداؤُكَ كْيْدُ الظالمين وكِبْرُهُمْ
نداءُ جبانٍ جَاوَزَ الكَبُرُ جُبْنَهُ
هُزِمتَ أمامَ القبرِ شَرّ هزيمةٍ
نداءُ ((صلاحَ الدين )) مِلْءُ حواضر
أولئكَ إنْ شِئْتَ الجدودُ فَسَلْهُمُ
جدودُكَ طوّاهُمْ ترابٌ وغَيْهَبٌ
أولئكَ سَلْهُم عن شِعَارٍ ورايةٍ
أحريَّةُ الإِنسانِ خنقُ حَنَاجٍ
وزيفُ مساواةٍ على جاهليَّةٍ
وَهذَا صلاحُ الدينِ مجدٌ مُؤَثّل
جَبانٍ وزيفَ المجدِ والدَّعَوَاتِ
جلالَ حياةٍ في جلالِ مماتٍ
يضمُّ مِن الأحداثِ والوَقَعَاتِ
شهيدٌ مضىُ للهِ فِي وَثَبَاتٍ
على جوْلةٍ للهِ أوْ خَطَراتِ
وصحَّ يقينُ القلبِ والعَزَمَاتِ
مِنَ الصدقِ عطُرًا .. ذَابَ في الخَلَجَاتِ
ورُحْتَ ذليلَ الصوتِ والخُّطُوَاتِ(١)
يُدَوّي دَوِيّ السَّاحِ والحَلَبَاتِ
وينزعُ منْ جنبيْكَ أَّ ثَّبَاتِ
وزيْفُ حضاراتٍ وزيْفُ دُعَاةِ
فخرَّ صريعَ الكِبْرِ والسَّكَرَاتِ
كما هُزْمَ الأجدادُ فِي غَزَوَاتٍ
وملءُ زمانٍ زاهرٍ بِشُدَاةِ
لعلَّكَ تلقى الصَّدْقَ بَيْنَ رُفَاتٍ
وواراهُمُ التاريخُ في حُفُرَاتٍ
وما زيّفوا مِنْ جَوْهَرٍ وَسِمَاتِ
وزيفُ إخاءٍ في لهيبِ تِراتٍ
مُؤَجَّجةِ الأهواءِ والنَّزَوَاتِ
على الصدقِ منشورٌ على صَفَحَاتِ
(١) يعني: ((غورو)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
ttps://weblessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع
١٢٠
حسامُ الدين لُؤُلُؤَ العادِلي ، الأسدُ الصِّرْغام : يسير بالقيود إلى الفرنجة
قبل لقائهم :
قال عنه الذهبي: (( لؤلؤ العادلي الحاجب من أبطال الإِسلام ، وهو
كان المندوب لحرب فرنج الكرك الذين ساروا لأخذ طيبة ، أو فرنج سواهم
ساروا في البحر المالح ، فلم يَسِرْ لؤلؤ إلَّا ومعه قيودٌ بعددهم ، فأدركهم
عند الفحلتيْن ، فأحاط بهم ، فسلّموا نفوسهم ، فقيّدهم ، وكانوا أكثر من
ثلاثمائة مقاتِل، وأقبل بهم إلى القاهرة، فكان يومًا مشهودًا))(١).
الله دَرُّك مِن بطل ومن أمير ... تسير إلى أعدائك بقيودك بعددهم ،
وأنت على يقين بأسرهم جميعًا !! هذه واللهِ البطولة والرجولة .
قال الذهبي: ((خدم مع صلاح الدين ، وعُرِفَ بالشجاعة والإِقدام ،
وفي آخر أيامه أقبل على الخير والإِنفاق في زمن قَحْط مصر ، وكان يتصدّق
في كلّ يومٍ باثني عشرَ ألفِ رغيف ، مع عِدَّة قدورٍ من الطعام . وقيل :
إن الملاعين التجئوا منه إلى جبل ، فترجَّل ، وصعِد إليهم في تسعة أجناد ،
فألقي في قلوبهم الرعب ، وطلبوا منه الأمان ، وَقُتِلوا بمصر ، تولّى قتلهم
العلماءُ والصالحون))(٢). بل يُرسل منهم مَن يُذبح في مِنَّى ... إي والله .
وللأقزام نقول : هذا حال من خدم مع صلاح الدين ... ومن كان
أمير بخْرِه ... أصابته عدوى الشجاعة والإِقدام . من سيّده ومُؤْلاه ... فهل
تتطامن منكم الرؤوس الجوْفاء وكبْرها الزائف .. أمامَ خادِم صلاح الدين .
يقول العلامة أبو شامة المقدسي في ((عيون الروضتين)) ( ٢ / ٩١ -
(١) سير أعلام النبلاء ٢١/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٢) السير ٢١ / ٣٨٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/