النص المفهرس
صفحات 41-60
https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٤١ وأمَّةُ الْبَعْثِ بالأعتابِ جاثِيَّةٌ وصوّحَ العُشْبُ والمرعى غَدَا لَهَبًّا ((اللهُأكبرُ)) كانَ الكونُ يَسمعُهَا كَانَ الضُّحَى ماجدًا والأرضُ مَرْحَمَة نتُلُو على الدهرِ ما تُمْلِيهِ عِزَّتْنَا ((الرعْدُ )) في بَعْتِنا و(( النصرُ )) مَوْعِدُنَا حَتَّى كَبَتْ خيلُنا في الشوْطِ وانطفأَتْ والمسلمونَ انطوَوْا في الأرضِ وانكسرُوا وبَاحَةُ البيتِ ناحتْ عَلَّ فَارِسَهَا لكنَّهُ الليلُ أغفى في كَلاكِلِهِ وغصَّةُ الحزْنِ في الأحشاءِ واحدةٌ نَمِدُّ كَفَّا بِهَا للذلِّ مَسْغَبَةٌ وَنَعْلُكُ الْبُؤُسَ ممَّا شاءَ راجِمُنَا وَتَّرْسِلُ السَّهْمَ مِن أفياءٍ راقصةٍ ونشربُ الموتَ صَابًا مِن عَلَالَتِهِ وَتَقْرَعُ الكأسَ تِلَ الكأسِ فِي سَفَهِ ورَايةُ الحقِّ تَبكي أهلَ نُصْرَتِهَا وأصبحَ القِرْدُ والخنزيرُ يَحكُمُنا غُبَارُ خَيْلِ الوَغَى تشتاقهُ رئتي هلْ ينبري فارسٌ لله بَيْعَتُهُ وَيَبْعَثُ الطُّهْرَ نُورًا فِي أَجِنَّتِهَا تُقَبِّلُ الأرضَ والأحلامُ تَطْوِينا نمشي على جَمْرَةٍ ذَلَّا وَتَهْوينا فيتَّقي بأسَ مَن قالوا ويُعْلينا والمُنْتَدَى والنّدى يبكي رَيَاحِينَا ويسمعُ الكونُ ما يتلُوهِ رَاوِينَا و((الفجُرُ)) و((الشمسُ)) و(( الإِسراءُ)) حَادِيَنَا مَشَاعِلُ القومِ وانكبّتْ نواصِينا واتَّخمُوا بِطنةً واستطعموا طينا لهُ عيونٌ ترىُ مَنْ جاءَ يُفْنِينا وومضَةُ النَّجمِ أَغفتْ من غَواشِينا إِنَّ المصائبَ يَجمَعْنِ المُصَابينا وَنُغْمِضُ العَيْنَ شُحًا مِن تَدَنِّينا ونشربُ اليأسَ من إِبْرِيِقِ سَاقِنَا ونُمطرُ العينَ دَمعًا مِن تشاكِينا بِئْسَ الشرابُ الذي قد ساءَ غِسْلِينًا ونَفتحُ الأرضَ وَهْمًّا صارَ يَطْوِينَا فليسَ في أَرضِنَا مَن يَرتجي حِينَا وارْتجَّ في حَلْقِهِ دَمْعُ المُوَاسِينا ومقْبَضُ السيفِ يَبكي مِن تجافينا يُحْبِي قلوبًا عَتَتْ عَنْ أَمْرِ بارِينا ويقتفي راشدًا دَرْبَ النَّبِّينا تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٤٢ موسى بنُ نُصير فاتحُ المغرب الأقصى والأندلس : ((أَمَا واللهِ لو انقادُوا إلَّ لَقُدْتُهم إلى رُومِيَّة)) ... [ موسى بن نصير ] الأمير الكبير أبو عبد الرحمن فاتح الأندلس . استعاد موسى فتح المغرب الأوسط، وبدأ باستعادة جبل ((زغوان)) وما حوله ، واستعاد فتح زغوان وسبى منهم ، ووجّه ابنَه عبد الله بن موسى إلى نواحي إفريقية ، فأتى بمائة ألفٍ من السَّبي ، ثم وجَّه ابنه مروان فأتى بمثلها ، وبعث ابن أخيه فسبى أيضًا مائة ألفٍ ، فكان الخمس يومئذ ستين ألفًا ، واستطاع موسى القضاء على جُيُوب المقاومة في إفريقية ، واستطاع إخضاع قبائل البربر . أرسل موسى ألف فارس إلى ((هوارة)) و((زناتة))، من قبائل البربر ، فأغاروا عليهم وقتلوا منهم وسبوا ، وصالحهم المسلمون ، وصالحتْه أيضًا قبيلةُ ((كتامة)). وأغار موسى بأربعة آلافٍ من أهل الديوان ، وألفين من المتطوِّعة ومن قبائل البربر ، على ((صنهاجة)) من البربر ، وهم لا يشعرون ، فقتلهم قتْل الفناء في وادي ((مَلْوِية)). وغزا موسى ((سجومة)) - في المغرب الأوسط - في عشرة آلافٍ ، واقتتلوا اقتتالًا شديدًا في جبل شديد ، لا يصل إليهم إلا من أبواب معلومة، واستمر القتالُ ثلاثة أيامٍ ، وانهزم أهل سجومة ، ففتح المدينة وقتل ملوكها ، وأمر أولاد عُقبة بن نافع أن يأخذوا حقّهم من قاتِل أبيهم ، فقتلوا مِن أهل ((سجومة)) ستمائة من كبارهم، ثم قال لهم موسى: ((كُفّوا)). وتتبع موسى قبائل البربر فتبدَّدتِ القبائل أمامه، فتبَّعها عبْر ((السوس الأدنى)) حتى بلاد ((سجلماسة)) ووادي ((درعة)). وسيّر ابنه مروان إلى ((السوس تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع الأقصى)) وسيّر قائده زرعة بن أبي مدرك إلى بربر ((مصمودة))، في أطلس العليا ، ونجحت الحملتانِ، وتأكَّد انتشار الإِسلام في بلاد المَصَامِدة ، الذين دخلوا فيه طَوْعًا. واستعاد موسى فتح مدينة ((مجانة)) التي فتحها مِن قَبْلُ بُسْر بن أبي أرطاة . فَتْح طنْجَة : خرج موسى من القيروان لفتح طنجة ، وجعل على مقدِّمته مولاه طارق ابن زياد، فلم يزل يقاتل البربر ويفتح مدائنهم حتى بلغ مدينة ((طنجة))، وهي قصبة الولاية وأُّ مدائنهم ، فلما دنا من طنجة بثّ السرايا ، وانتهتْ خيلهُ إلى السوس الأدنى ، فوطئهمٍ وسباهم ، وحاصر طنجة حتى افتتحها ونزلها ، وهو أولُ مَن نزلها، واختطَّ فيها للمسلمين ، فأسلم أهلها ، واستعمل موسى على أهلها مولاه طارق بن زياد ، وترك عنده تسعة عشر ألفًا من البربر الذين حَسُنَ إسلامهم بالأسلحة والعُدَّة الكاملة ، وترك موسى عندهم خَلْقًا من العرب ، ليُعلِّموا البربر القرآن . وبهذا تم فتْح ولاية طنجة التي كانت تَّسع في القديم لمسيرة شهرٍ ، وليس المدينة فقط . وبعد قتالٍ شديد ترك موسى بن نصير ((سبتة))، ثم بعد ذلك عَرَض عليه أميرُها (( يوليان)) تسليم سبتة ، ودعاه إلى فتح أسبانيا . لقد فتح موسى بلاد المغرب، وغنم منها أموالًا لا تعدُّ ولا تُوصف ، وله بها مقاماتٌ مشهورة هائلة(١)، وأسلم على يديْه أهل المغرب ، وبثّ فيهم الدينَ والقرآن . (١) البداية والنهاية ٩ / ١٧١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع جهادُه في البحر : ولي غزو البحر لمعاوية ، وعقد موسى لابنه عبد الله بن موسى لواءَ غزوة الأشراف ، وسار عبد الله في المراكب إلى صقلّة ، وكانت تلك الغزوة أول غزوة غُزِيت في بحر إفريقية ((البحر الأبيض المتوسط))، وافتتح عبد الله مدينة في صقلية ، وبلغ سهم الرجل مائة دينار ذهبًا ، وكان عدد المسلمين ما بين الألف إلى التسعمائة . وبعث موسى عيَّاش بن أخيل على مراكب فَشَتَا في البحر ، وأصاب مدينة (( سرقوسة)). وبعث موسى عبد الله بن مّة إلى ((سردانية)) في بحر إفريقية فأصابها ، وافتتح مدائنها ، وبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأسٍ ، سوى الذهب والفضة . وجهّز موسى ولده عبد الله، فافتتح جزيرتي ((ميورقة)) و((منورقة)). فتح الأندلس : كان موسى يتُوق إلى فتح الأندلس ، وبعث موسى رجلًا من البربر - يسمَّى ((طريفًا)) - في مائة فارسٍ وأربعمائة راجلٍ ، فجاز في أربعة مراكب ، حتى نزل ساحل الأندلس في جزيرة ((طريف)) وأغار منها على ما يليها إلى جهة الجزيرة الخضراء ، وأصاب سَبْيًا ومالًا كثيرًا ورجع سالمًا في سنة إحدى وتسعين هجرية . وبادَرَ طارق بن زياد مولى موسى بن نصير ، فافتتح الأندلس ، ولحقه موسى لمّا استغاث به طارق، ولقيه في ((طلبيرة))، على مقربةٍ من ((طُليطلة))؛ عبرَ موسى إلى الأندلس على رأس جيشٍ قوامُه : ثمانية عشر ألفًا ، من قريشٍ والعرب ووجوه الناس ، ودخل الجزيرة الخضراء ، فلما عزم على المسير ، https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٥ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع جمع حوله راياتِ العرب ووجوه الكتائب ، وعددُها يزيد على عشرين راية ، وتفاوض الجميع في الرأي ، وكيف تكون الخطة للفتح ، فأجمعوا على السير إلى ((إشبيلية))، وغزو ما بقي من غرب الأندلس حتى ((أكشونية)). زحف موسى إلى ((شذونة)) فافتتحها عَنوةً، ثم سار إلى ((قرمونة))، ولم يكن بالأندلس أحصن منها ، فدخلها المسلمون عَنوة ، وسار إلى ((رعواق)) - المعروفة بقلعة ((جابو)) - فافتتحها . وبهذا أُمِّنتْ خطوط مواصلات المسلمين من الجزيرة الخضراء إلى ((قرطبة)). لقد كان ترصينُ قواعد الفتح المتقدمة ، وتأمينُ خطوط مواصلات الفتح ، وحمايةُ الجانب الغربي لمنطقة فَتْح طارق - الأهدافَ الحيويةَ الأولى التي حقّقها موسى بعد إنزال قواته الأندلس . وفتح موسى أشبيلية - وكانت من أعظم قواعد الأندلس - بعد أن حاصرها حصارًا شديدًا، وبعد أن امتنعتْ عليه أشهرًا . وفتح ((ماردة)) بعد أن حاصرها حصارًا شديدًا، وبعد كثرة قتْلٍ في المسلمين ، على أن تكون أموال القتلى ، وأموالُ الهاربين ، وأموال الكنائس ، وحُلُّها للمسلمين . ولما ثار عَجَمُ إشبيلية على الحامية التي بها ، وجّه موسى ابنه عبد العزيز فاستردَّها ثانيةً ، بعد أن فتحها وقتلْ أهلها ، ونهضَ إلى ((لبلة)) ففتحها أيضًا . التقى موسى بطارق بن زياد في موضعٍ يقال له: (( تايد )) أو ((تاتير))، وخرج طارق مُعظّمًا له ، ونزل بين يديْه ، فعاتبه موسى على مخالفته لرأيه في تسرُّعه باقتحام الأندلس من الوسط ، فاعتذر إليه طارق ، وقال: ((إنما أنا مولاك، وقائدٌ من قوّادك ، ما فتحته وأصبته إنما هو منسوب إليك)). والتقى موسى وطارق بـ ((لذريق))، عند بلدة ((تمامس))، ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٤٦ وهزم القُوط هزيمة نكْرَاءَ ، ولقي لذريقُ ملك الأندلس حتفَه على يد مروان ابن نصير . وفُتحت طليطلة ثانيةً على يد موسى ، بعد نقْضهم طاعة المسلمين ، ودخلها موسى دخول المظفّر ، وسلّم طارق إلى موسى الكنوزَ التي غنمَها من الكنائس . وبعث موسى برسوليْن إلى الوليد بن عبدالملك ◌ُنْهيان إليه أخبار هذا الفتح العظيم ، ووقع اختيارُه على التابعّ الجليل علّ بن رباح ومغيث الرومي ، فقال علي بن رباح للوليد: (( يا أمير المؤمنين ، تركت موسى ابن نصير في الأندلس ، وقد أظهره الله ونصره ، وفتح على يديه ما لم يُفتح على يد أحد )). ثم دفع الكتاب إلى الوليد، فقرأه الوليد، فلمّا أتى على آخره خرّ ساجدًا . نعم .. لقد غَنِمَ المسلمون مِن كنوز ((طليطلة)) الزاخرة التي وجدوها في قصور ((القُوط)) - في كنيسة ((طليطلة)) الكبيرة بوجهٍ خاص - ما لا يخطر على بالٍ ، وأسْهُبُوا في وصفها ، وسمّوها مائدة سليمان بن داود ، وهي التي حقّق ابنُ حبان أنها كانت المذبحَ الكنسي ، وكان دُرَّةً من الدُّرر، مُحلَّى بأثمنٍ ما لدى القوط من الذهب الخالص ، وطار الذكرُ مَطارَه عنها ، وكانت مرصَّعَةً بفاخر الدُّر والياقوت والزُّمُرد ، لم تَرَ الأعين مثلَها . فتح شمالٍ الأندلس : عزم موسى على متابعة الفتح شمالًا ، لإكمال فتح شبْه جزيرة الأندلس ، ففتح المدينة البيضاء ((سرقسطة))، بعد رعب أهلها منه، وبعدها فتح ((وشقة)) و((لاردة)) و((طركونة))، وحين أوْغل موسى وجاوز ((سرقسطة)) اشتدَّ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٧ ذلك على الناس، وقالوا: ((أين تذهب بنا؟! حَسْبُنَا ما في أيدينا)). وقال التابعي الجليل ((حنش بن عبد الله الصنعاني)): ((أيها الأمير ، أين تذهب ؟! تريد أن تخرج من الدنيا ؟! أَوَ تلتمس أكثر مما آتاك الله عز وجل ، وأغْرَضَ ممّا فتح الله عليك ودوّخ لك ؟! إني سمعتُ من الناس ما لم تسمع ، وقد مَلئوا أيديَهم وأحبُّوا الدَّعَة )). فقال موسى: ((أما واللهِ لو انقادوا إلَيّ لقدتُهم إلى روميّة - روما - ثم يفتحها الله على يدّ، إن شاء الله )) . واستطاع موسى بعد ذلك أن يُعيد إلى الجنود نشاطَهم وحماستهم للفتح ، وفتحَ ((سرقسطة))، و((قشتالة))، وحصن ((بارو))، واخترق باب ((تارنا))، وسار متابعًا مجرى نُهَيْر (( النالون))، ثم حَطَّ رِحاله عند قلعة ((لُك بأشتوريش)) غيّرَ بعيدٍ عن ((أبيط))، وما زال بها حتى فتحها ، ثم سار بنفسه حتى بلغ ((خيخون))، وبعث سرية من فرسانه ، أدركت البحر عند صخرة ((بلاي )) على البحر الأخضر ، فطاعتِ الأعاجم ، ولاذوا بالسَّلْم وبذْل الجزية . وهكذا وصلتْ جيوش موسى حتى البحر المحيط ، واطمأنَّ إلى أنه فتَحَ شبه الجزيرة كلها . وهناك بعض المؤرِّخين يذكرون أنّ موسى بن نصير بعث سراياه إلى ((قطالونة))، فَفَتَحَتْ ((برشلونة))، ومِن هناك اخترقتْ جبال البرتات ((البرانس))، وتوغّلتْ في بلاد ((غالة)) فاستولت على ((أربونة))(١)، وحصن ((لودون)) بوادي ((نهر الرون))، ووصلت إلى ((قرقشونة)) بجنوب فرنسا ، كما ذكر المَقَّري(٢). وفتح عبد العزيز بن موسى ما بقي من مدائن الأندلس ، واستكمل فتح غرب الأندلس ((البرتغال)) حاليًا . (١) مدينة في الساحل الفرنسي الجنوبي . (٢) في كتابه: ((نَفْحُ الطِّيب)) ١ / ٢٦٠. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٤٨ الله دَرُّ فاتحنا العظيم !! سيسجِّل التاريخ بكلِّ الإِكبار فتوحاتِ موسى ابن نصير ، التي وصفها هو نفسه وهَالَتْه ، فكتب إلى الوليد بن عبد الملك : ((إنها ليست الفتوح، ولكنَّها الحشر))(١). رجع موسى إلى المغرب وهو راكب على بغله ((كوكب)) وهو يجُّ الدنيا بين يديْه ، أمر بالعَجَلِ تجرّ أَوْقارَ الذهب والحرير ، وأخذ معه مائة من كُبَراء البربر ، ومائة وعشرين من الملوك وأولادهم ، فقدِم مصر في هيئة ما سمع به .. ووصل إلى دمشق ، وأهانه سليمان الخليفة ، وآثر البطلُ رضا اللهِ ولم يَرَ الخروج؛ قال رحمه الله: ((واللهِ لو أردت ذلك لما نالوا من أطرافي طرفًا ، ولكني آثرت الله ورسوله ، ولم نَرَ الخروج عن الطاعة والجماعة )) . الله دَرُّه مِن عظيم .. يُظهر حلْمَه وعظمته وقد أدخلوه على الخليفة سليمان، ورأس ابنه عبد العزيز بن موسى بين يديْه، فقال له: ((أتعرف هذا الرأس يا موسى؟)) قال: (( نعم ، هذا رأس عبد العزيز بن موسى بين يديك يا أمير المؤمنين ، فرحمةُ الله تعالى عليه ؛ فَلَعَمْرُ اللهِ ما علمتُه نهارَه إلَّا صوّامًا ، وليلَه إلّ قوّامًا، شديدَ الرأفة بمن وليه من المسلمين ... هنيئًا له بالشهادة، قتلتم - والله - صوّامًا قوّامًا))(٢). وهذا موقفٌ بطولِيّ آخر لموسى لا يقلُّ روعةً عن مواقفه الأخرى في الفتوح ، وهو موقف الصابر المحتسب ، الذي يصدَعُ بالحقّ غيرَ وَجلٍ ولا هيَّبٍ. قال له الخليفة سليمانُ: ((ما الذي كنتَ تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوِّك؟ )). قال: ((التوكُّل والدعاء إلى الله ، يا أمير (١) نفح الطيب ١ / ٢٦٦ . (٢) البيان المغرب ٢ / ٣٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ ٤٩ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع المؤمنين )). قال له سليمان: ((هل كنتَ تمتنع في الحصون والخنادق، أو كنتَ تخندق حولك ؟ )). قال: ((كلّ هذا لم أفعلْه)). قال: ((فما كنت تفعل؟)) قال: ((كنت أنزل السَّهْل، واستشعر الخوف والصبر، وأتحصَّن بالسيف والمِغفر، وأستعين بالله وأرغب إليه في النصر )). قال له سليمان: ((أنّ الأمم أشدُّ قتالًا؟)). قال: ((هم أكثر من أن أصف)). قال: ((فأخبرني عن الروم )). قال: ((أُسدٌ في حصونهم، عِقبان على خيولهم ، نساءٌ في مراكبهم ، إنْ رأوا فرصةً انتهزوها ، وإنْ رَأَوْا غَلَبَةً ، فأوعالٌ تذهب في الجبال ، لا يَرَوْنَ الهزيمة عارًا)). وقال رحمه الله: ((والله ما هُزْمَتْ لي رايةٌ قطُّ، ولا بُدِّد لي جمع ، ولا نُكِبَ المسلمون معي ، منذ اقتحمتُ الأربعين إلى أن بلغت الثمانين ، ولقد بعثتُ إلى الوليد بتورٍ (١) زبرجد، كان يجعل فيه اللبن حتى تُرى فيه الشَّعرة البيضاء ... )). ثم أخذ يُعدّد ما أصاب من الجوهر والزبرجد ، حتى تحيّر سليمانُ . وقال مرةً: (( يا أمير المؤمنين ، لقد كانت الألفُ شاةٍ تباع بمائة درهم ، وتباع الناقةُ بعشرة دراهم ، وتمُّ الناسُ بالبقر ، فلا يلتفتون إليها ، ولقد رأيت العِلْجَ الشاطر وزوجته وأولادَه يُبَاعون بخمسين درهمًا))(٢). لله دَرُّ موسى : عفُّ الخلائِقِ ماضٍ غيرُ وسنانٍ النصرُ يقدُمُهُ والحَزْمُ سَائِقُهُ جَزْلُ المواهبِ مُعْطِ غيرُ منّانِ الحقُّ نِسْبَتُهُ والعدلُ سِيرتُهُ دخل مرةً على الخليفة سليمان ، فلمّا رآه سليمان قال: (( ذهبَ (١) إناء . (٢) سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٩٩ - ٥٠٠ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٥ سلطان الشيخ )). فقال له موسى: (( أما واللهِ لَئِنْ ذَهَبَ سلطانُ الشيخ، لقد أثّر الله به في دينه أثرًا حسنًا، ولقد كنتُ طويلَ الجهاد في الله ، حريصًا على إظهار دين الله حتى أظهره الله ، وكنتُ ممَّن أتمّ الله به موعده لنبّه ، ولئن أدبر معك ، لقد كان مع آبائك ناضرَ الغصن ميمونَ الطائر )). نعم واللهِ ؛ لقد نشر الإِسلام ، وكان طويل الجهاد ، فتكلّل جهادُهُ بثمرات يانعة من الفتح الضخم ، الذي يضعه في مصافّ أعظم الفاتحين وأكبر المجاهدين ، ولا غروَ أنْ قال له سليمان بعد ذلك - لما أراد غزو الروم -: ((أشِرْ علّ يا موسى؛ فلم تزلْ مُبارَكَ الغزوة في سبيل الله ، بعيدَ الأثر ، طويلَ الجهاد )). رحم الله موسى بن نصير ، فكمْ كان وَرِعًا تقيًّا ، يحبُّه عمر بن عبد العزيز كلَّ الحُبِّ ، لتقواه وعطائه . قال جعفر بن الأشتر: (( كنتُ فيمن غزا الأندلس مع موسى ، فحاصرْنا حِصنًا من حصونها عظيمًا ، بضعًا وعشرين ليلةً، ثم لمْ نقدر عليه ، فلمّا طال ذلك عليه ، نادى فينا: ((أن أصبحوا على تعْبئةٍ)). وظنًّا أنه قد بلغَه مادّةٌ من العدو ، وقد دَنَتْ مِنَّا ، وأنه يريد التحوُّل عنهم ، فأصبحنا على تعبئةٍ ، فقام فحمد الله، ثم قال: (( أيُّها الناس ، إني متقدِّم أمام الصفوف ، فإذا رأيتموني قد كبّرتُ وحملت، فكبّروا واحمِلُوا)). فقال الناس: ((سبحان الله ! أترىُ فقد عقله ، أم عزبَ عنه رأيُه ؟ يأمرنا نحمل على الحجارة وما لا سبيلَ إليه؟! )). فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس ، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة ، فأطال ونحن رُكُوب ، منتظرون تكبيرَه ، فاستعددنا ، ثم إنّ موسى كبّر وكبّر الناسُ، وحمَل وحمل الناسُ))(١). (١) الإِمامة والسياسة ٢ / ٧٩ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٥١ قال الذهبي في السير (٤ / ٤٩٧): ((عمل مع الروم مُصافًا مشهودًا، ولمّا هَمَّ المسلمون بالهزيمة ، كشف موسىُ سرادقه عن بناته وحُرَمِه ، وبرز ورفع يديْه بالدعاء والتضرُّع والبكاء ، فكُسرت بين يديه جفونُ السيوف ، وصدقوا اللقاء ، ونزل النصر، وغَنِموا ما لا يُعبّر عنه )). ((ولما دخل موسى إفريقية، وجد غَالِبَ مدائنها خالية ، لاختلاف أيدي البربر ، وكان فأمر الناس بالصلاة والصوم والصلاح ، وبرز بهم إلى الصحراء ، ومعه سائر الحيوانات ، ففرّق بينها وبين أولادها ، فوقع البكاء والضجيج، وبقي إلى الظُّهر ، ثم صلّى وخطب ، فما ذَكَرَ الوليدَ ، فقيل له : ((ألا تدعو لأمير المؤمنين؟)). فقالوا: ((هذا مقامٌ لا يُدعى فيه إلا الله )). فسُقُوا وأُغِيئوا ))(١). الله دَرُّه من قائدٍ تقيّ ولِي! بمثله تنتصر الجيوش .. لا كغيره من قواد الهزيمة : وَشِسْعُ النَّعْلِ مِن موسى الولِّ يَفوقُ الهَامَ منهمْ والجَبِينا لله دَرُّ القائد موسى بن نصير !! أيّ همةٍ همتُه ؟! إني أراكَ من المكارمِ عَسْكَرًا في عسْكرٍ وَمِنَ المعالي مَعَادِنَا نعم يا سيدي : عَنْ شَأْوٍمِنَّ مَطِّي وَصْفِي ظُلَّعَا (٢) أَكَلَتْ مَفَاخِرُكَ المِفَاخِرَ وانتَنَتْ فقطعْنَ مغربَهَا وَجُزْنَ المَطْلَعَا وَجَرَيْنَ جَرْيَ الشمسِ في أفلاكِهَا (١) سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٩٨، ابن الأثير ٤ / ٢٠٦، وفيات الأعيان ٤ / ٠٤٠٣ (٢) الشأو: الغاية، وظُلّعًا: تمشي كأنَّ بها عَرجًا. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٥٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع لَوْ نِيطَتِ الدنيا بأخرىُ مِثْلِهَا لَعَمَمْنَهَا وخشيْنَ أَنْ لا تَقْنَعَا نعم يا سيدي : أتيتَ بِهِ على الدنيا جَميعًا لوِ استفرغْتَ جُهْدَكَ في قتالٍ فُردّ لهمْ من السَلَبِ الهجُوعَا قَدِ استقصَّيْتَ في سَلَبِ الأعادي أَسَرْتَ إلى قلوبهمُ الهُلُوعَا إذا ما لمْ تُسِرْ جيشًا إليهمْ فما تُلْفَى بمرتبةٍ قَنُوعَا سَمَوْتَ بهمَّةٍ تسمو فتسمُو فكيفَ عَلَوتَ حتى لا رفيعًا وَهَبْكَ سمَحْتَ حتى لا جوادٌ الله دَرُّه! كيف كان طموحه أنْ يقود رجاله إلى ((روميّة)) ليفتحها ؟! وكيف كان طموحه يذهب به إلى مدَّى أبعد من ذلك ، فيقود رجالَه مخترقًا ما بين الأندلس والقسطنطينية ، فاتحًا ما بينهما من أوربا ؟ فقد (( أجمع أن يأتي المشرق من ناحية القسطنطينية ، ويتجاوز إلى الشام دروبَه ودروبَ الأندلس ، ويخوض إليه ما بينهما من أُمَم الأعاجم النصرانية ، مجاهدًا فيهم ، مُستلحمًا لهم ، إلى أن يلحق بدار الخلافة ، فنمى الخبرُ إلى الوليد بن عبد الملك ، فاشتدَّ قلقُه بمكان المسلمين من دار الحرب ، ورأى أنَّ ما هَمَّ به موسى غرر بالمسلمين ، فبعث إليه بالانصراف ، ففتّ ذلك في عزْم موسى ، وقفل عن الأندلس ))(١). ومات القائد موسى وأغمض البطلُ عينيْه إلى الأبد ، ولكنّ التاريخ لم يُغمض عينيْه عن مآثره الخالدة ؛ ذلك لأنه ((كان قد جمع من خلالِ الخير ما أعانه الله سبحانه به ، على ما بنى له من المجد المشيّد ، والذكر الشهير المخلَّد ، الذي لا يُبليه الليل والنهار، ولا يُعَفّي جديدَه بِلَى الأعصار))(٢). (١) نفح الطيب ١ / ٢١٨. (٢) نفح الطيب ١ / ٢٦٨ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٥٣ وفي واقعنا : رَحَل موسىُ وبقي مَن يَدّعي إمْرةَ المؤمنين .. وأنه قُرْشِّي، مَن جمع حوله أهلَ الغناءِ .. يُرسل بالطائرة الخاصة تحملُ مطربًا يُحيي له عيدَ مُوْلده !! ويساهم في إنشاء كازينو الليل ... يا أمير المؤمنين .. ما أنت بالحسَن ، يا قُرشُّ .. ذهبتْ قريشُ التي نعرفها عطرًا وضياءً ومجدًا، وخالدًا وعمرًا وعقبة .. وأتتْ قريشُ الأردن وقريشُ المغرب ...!! لسانُ حالِكم يقول : قُريشُّون لَكِنّا بغير اللهِ نعتصمُ فبئرُ النِّفْطِ بدّلنا أعارِيبًا مُشَرِذَمَةً قريشيُّون لكِنّا بنا نَسَبٌ يُدَنِّسُنَا غدا الإِسلام في يدِنَا براميلًا ندخْرِجها عبدْنا الله لَكِنَّا ... نُحبُّ اللاتَ وِالعُزَّى حمّلْنَا الإِثَمَ والعُدوانَ فوقَ الِّ وَالتَّقْوَىُ وخاصمْنَا كتابَ الله ألقيناه ظِهْريًا ونُذْبَحُ دونما ثمنٍ وَنَفْنَى دونما أثرٍ تبعثْنا على الأيام لا ندري لنا شرفًا وشاهتْ كُلُّ باسمةٍ تُلَوِّثُ طُهْرَهَا يَدُنَا خرجنا من فِجاجِ الأرضِ فِي حَمَأْ بِهِ نَتَرٌ وعذْنا مِن غثاءِ السَّلِ يأَبِى الكُّ قَصْعَتَنَا ونسْتُدْني كلابَ الأرض في المحرابِ تنتظمُ وقبلتُه لَهَا نسعى .. وما بِسِوَاهُ نْتَزِمُ (( مُسَلمَةٌ)) جرىُ فينا ومِن سبأٍ أتى صنمُ وظلّ البيتُ يلعَنْنَا لِأَنَّا أَمَّةٌ غَنَمُ وأصغَيْنَا لِقَوْلِ اللهِ يعُلُو سمْعَنَا الصَّمَمُ تواصيْنا بغيرِ الحقِّ ليسَ يضمُّنَا رَحِمُ وأصبحْنا وأمسيْنا معَ الظُّلماتِ نرتَطِمُ ويلعَنْنَا ترابُ الأرضِ يَحْيَا بيننا العَدَم تلاصقْنَا بِوَحْلِ الأرضِ لا يعلو لنا قَدَمُ وكأسُ عذابِنَا المنكودُ فوقَ الرأسِ يَنْخَطِمُ ودينُ الله في الأنحاءِ لا تسمُو به ◌ِمَمُ فليسَ جِفَانْنَا المملوءُ بالأقذارِ يُلتهمُ يا أمير المؤمنين بالاستسلام لليهود ، وبفتح مُدن المملكة لهم ... يا مَرء القيس في أيامنا : لجميعِ عَبيد رءوسِ العُرْبِ يُشرّفنا هذا الإعلانْ (( سيقومُ سيادةُ مَرَءِ القيسِ تُرافقه زُمْرةُ فرسانْ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٥٤ سُيَمِّمُ شطرَ البيتِ الأسودِ يقرعُ أبوابَ الرومانْ سُعِّج مَرْءُ القيس على صنمٍ يطلبُ منهُ استئذانْ سيعودُ إلينا مَرْءُ القيسِ ليحملَ شِرعةَ جُوستنيانْ سيعودُ إلينا مَرْءُ القيسِ يُعَبُِّ جُعْبَتَهُ الإِيمانْ إيمانٌ بسلامٍ عدلٍ وشمولٍ يملأ كلّ مكانْ بسلامٍ يقطع ثذْيَ الشَّكلى كي تنسى أَلَمَ الثَّمْنانْ بسلامٍ ينشرُ كأسَ الخمرِ ويفتحُ حانًا للسكران بسلامٍ يعزفُ للتلمودِ ليخنقَ ترتيلَ القرآنْ))(١) فاتح الأندلس : طارق بن زياد : مُؤْلى موسى بن نصير ، ولكنْ يعْجز السادةُ عن أن يأتُوا بمعشار فتحه . جهّز موسى جيشًا من البربر والعرب ، يبلغ سبعة آلاف مقاتل ، بقيادة طارق بن زياد الليثي، فعبر البحر من ((سبتة)) بجيشه تِباعًا ، ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة ، التي تسمَّى بجبل طارق . ((وفي ((تاريخ ابن بشكوال)) أنه لمّا ركب البحر رأى - طارق - وهو نائمٌ النبَّ عَِّ، وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلَّدوا السيوفَ وتنكَّبوا القِسِيّ ، فيقول له رسول الله عَ ◌ّهِ: ((يا طارق، تقدَّمْ لشأنك)). ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قُدّامه ، فهبّ من نومه مستبْشِرًا، وبشَّر أصحابه ، وثابتْ نفسُه بِبُشْراه، ولم يشكَّ في الظفر))(٢). (١) قصيدة: ((امرؤ القيس)) مِن ديوان: ((كيف السبيل)) لخالد عبد القادر - طبع : مكتبة المنار . (٢) نفح الطيب ١ / ٢٣١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٥٥ قال طارق : عسى أنْ يكونَ اللهُ مِنَّا قِدِ اشترىُ ركبْنَا سفينًا بالمجازِ مُقَيَّرا إذا ما اشتهْنا الشيءَ فيها تيسّرًا نفوسًا وأموالًا وأهلًا بجنَّةٍ إذا نحنُ أدركْنا الذي كانَ أَجْدَرًا (١) وَلَسْنَا نبالي کیفَ سالتْ نفوسُنا وتوالت انتصارات طارق؛ ففتح مدينة ((قرطاجنة الجزيرة))، ثم زحف غربًا واستولى على المنطقة المحيطة بها ، وبعد معاركَ مَحلَّةٍ أكمل المسلمون فتح الجزيرة الخضراء، وكتب عاملُ ((لذريق)) - ((تُدْمِيرُ)) - إليه: ((إنه قد نزل بأرضنا قومٌ، لا ندري أمِنَ السماء هُم أم مِن الأرض)). فزحف (( لذريق )» لصدِّ المسلمين في نحو مائة ألفٍ ذوي عددٍ وقوةٍ ، وكتب طارق إلى موسى بأنه قد زحف إليه (( لذريق)) بما لا طاقة له به ، فجهّز له وأمدَّه بخمسة آلاف ، فكملوا بمن تقدَّم اثني عشر ألفًا ، وقام طارق في أصحابه ، فحثَّ المسلمين على الجهاد ورغّبهم فيه ، قائلًا : (( أَيُّهَا الناس ، أين المفرّ ؟! البحر من ورائكم ، والعدوّ أمامكم ، وليس لكم واللهِ إلَّ الصدق والصبر)). والتقى الجيشان في يوم الأحد ٢٨ رمضان سنةً اثنتين وتسعين الهجرية على وادي ((برباط)) أو وادي ((لكة))، واستمرّت المعركة ما يقرب من ثمانية أيام ، وانتهت بهزيمة القوط هزيمةً ساحقة ، وأقامت عظامهم بعد ذلك بدهرٍ طويل مُلْبِسةً لتلك الأرض ، وكانت هذه المعركة هي المعركة الحاسمة التي فتحت أبواب الأندلس للمسلمين، وأحدث انتصار طارق في وادي ((لكة)) دويًّا هائلًا في المشرق والمغرب، وتسامَع الناسُ من أهل ((بّ العدوة)) بالفتح على طارق بالأندلس ، وسَعة المغانم فيها ، فأقبلوا نحوه مِن كلّ وجه ، وخرقوا البحر على كلّ (١) نفح الطيب ١/ ٢٦٥ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٥٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ما قدروا عليه من مركب وقشر (١) ، فلحقوا بطارق . وبدأ طارق يَجني ثمارَ جهاده وانتصاره في وادي لكة ، ففتح ((شذونة)) عَنوة، ثم مضى إلى ((المُدُور)) ثم عطف على ((قرمونة))، ثم إشبيلية، فصالحه أهلها على الجزية، ومنها زحف إلى (( إستجة)) وكانت تؤلّف المركز الأول للمقاومة ؛ إذ كانت فلول القوط قد تجمّعتْ هناك ، فظفر طارق بصاحب المدينة ، وأرغمه على الصلح ، وفَرض عليهم الجزية ، وعبّرَ طارقٌ الوادي الكبير ، فدخل طليطلة سنة ثلاث وتسعين ، دون مقاومة تُذكر ، وتغلغل طارق تغلغلًا عميقًا في أنحاء الأندلس ، ولم تقفْ هزيمة القوط على موضعٍ ، بل كانوا يُسلّمون، بلدًا بلدًا ومَعقلًا مَعْقَلًا، وقذف الله في قلوبهم الرعب مِن طارقٍ ، لمّا رأوْه يُوغِل في البلاد ، وكانوا يحسبونه راغبًا في المَعْنمِ ، عاملًا على القُفُول، فَسُقِطَ في أيديهم ، وتطايروا عن السهول إلى المعاقل . وعبر موسى إلى مولاه طارق ، ولمّا التقيا قال موسى لطارق : (( يا طارق، إنه لن يُجازيَك الوليد بن عبد الملك على بلائك بأكثر من أن يمنحَك الأندلس، فاستبحْه هنيئًا مريئًا)). فقال له طارق: ((أَيُّهَا الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا ، ما لم أنتِهِ إلى البحر المحيط ، أخوض فيه بفرسي)) . يعني : البحر الشمالي ، ولم يزل طارق يفتح وموسىُ معه إلى أن بلغ ((جلّيقية))، وهي على ساحل البحر المحيط(٢). اهـ. ضوّعتْ مِن عبيرِهِ العَرَصَاتُ یا شَذَا ذكْرٍ طارقِ بن زیادٍ أولًا عيب تستغير الفلاةُ أنتَ فوقَ الأمواجِ تقدُم جيشًا (١) يُراد به : الزَّوْرق الصغير. (٢) نفح الطيب ١ / ٢٤٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الرابع ٥٧ مجّدَتْ وافدَ الكميّ لُغاتُ كُلّما دقّ للفتوح بطَبْلٍ نُشرتْ في مسيرهِ هَبَواتُ جاءَ أسبانيا بِمَقْدِمِ صِدْقٍ فهوَ حقٌّ وهلْ يخونُ الثَّقاتُ وإذا ما سمِعتَ للسيفِ قوْلًا صُوِّبتْ مِن زنادها الطَّلَقاتُ والقناةُ التي بكفِّ شُجاعٍ فَمِنَ العَجْزِ أنْ تُصيبَ القَنَاةُ(١) وإِذَا الكفُّ بالقناةِ جبان ونحن يا طارق ، يا قابض الجزية من القوط : صار ميراتُنا بيد الغرباء نستقي بعد خيل الأجانب من ماء آبارنا صُوفَ حِمْلاننا ليس يلتفُّ إلا على معْزَلِ الجزية النار لا تتوهّج بين مضاربنا بالعيون الخفيضة نستقبل الضيف أبكارنا ثيّات .. وأولادنا للفِرَاش فَمَن سيروّضُ مُهْرَ الخِيالْ ومن سيضمّدُ في آخرِ الصيد جُرْحَ الغزالْ ومن للرجال ؟! إذا قيلَ : ما نَسَبُ القوم ؟ فانسكبتْ في خدود الرمالْ دموعُ السؤال أبي ظَامِىءٌ يا رجالْ (١) مِن قصيدة: ((سيرة الأبطال)) للشيخ عائض القرني صـ ٢٠ - طبع: دار جرش للنشر والتوزيع . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الرابع ٥٨ أريقوا له الدمَ كي يرتوي وصبّوا له جَرعةً في الفؤاد الذي يكتوي عسى دمه المتسرِّب بين عروقٍ النباتات ... بين الرمال يعود له قطرةً قطرةً فيعود له الزمن المنطوي یا مدريد : يا مدريد ... قد جاءك طارق وجئناك ، وعندك الخبر اليقين .. فحدّثي : أرقتُ وليلي مُذ فُجعتُ طويلُ ما زلتُ أرقُبُ في شذاك أُحبّتي أشقائي المحرابُ يسألُ عنْهُمُ والمصحفُ المطوِبُ يسألُ عنهُمُ مَنْ هؤلاءِ القادمونَ ؟ أَعقبةٌ ؟؟ أمْ طارقٌ تشكُو القواربُ مجِدَهُ مَنْ هؤلاءِ القادمونَ جلودُهُمْ لمْ يستقلُّوا الصافناتِ وإنَّما وتجرَّدُوا مِن كلِّ أبيضَ صارِمٍ جاءُوا يَسوقهُمُ الأعادي عَنوةً جاءُوا إلى مدريدَ بئسَ مَجِيئهُمْ م جاءُوا ويا بئسَ المجيء مجيئهم جاءُوا وخلْفَهمُ الكرامةُ تشتكي أَيُلامُ فِي حِفْظِ الهوىُ مَتْبولُ فمتى سَيَشفىُ يا نسيمُ عَليْلُ مُذْ فارقُوا والمنبرُ المتكول قدْ شاقهُ الترتيلُ والتأويلُ المجدُ في عَزَمَاتِهِ مَوْصولُ والفتحُ فوقَ رِكابِهِ مَحمولُ سُمْرٌ ولكنْ في القلوبِ شهُولُ رَكِبُوا بغالًا سَعْيُهُنَّ ثقيلُ للمجدِ فيهِ تلألٌ وصَلِيلُ فَهُمُو لَهُمْ بِينَ الأنامِ ذُيولُ لا السعيُ محمودٌ ولا مأْمُولُ حُمُرٌ تُساقُ إلى الردىُ وعُجولُ أَسَفًّا وجنْبُ المسلمين ذليلُ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ttps://web lessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الرابع ٥٩ فَوْقَ المآذنِ غاصِبٌ ودَخِيلُ بَأَيُّهَا الأقصى الأبُّي وقد عَلا فَوْقَ المنابرِ خائنٌ وعميلُ يَأَيُّهَا الأقصى الأمُّي وقد جَئًا قُتْبَةُ بنُ مسلمِ الباهِلَي ، فاتح خوارزم وبُخارى وسمرقند : قال الذهبي في السير (٤ / ٥٠١، ٤١٠): ((كان لقتيبة بن مسلم بالمشرق فتوحات لم يُسمع بمثلها )). الأمير أبو حفص ، أحدُ الأبطال والشجعان ، ومِن ذوي الحزْم والدهاءِ ، والرأي والغناء ، وهو الذي فتح خوارزم ، وبخارى ، وسمرقند ، وكانوا قد نقضوا وارتدُّوا، ثم إنه فتح ((فرغانة)) وبلاد الترك ، في سنة خمسٍ وتسعين . أرسل عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج بن يوسف: ((انظر لي رجلًا صارمًا، ماضيًا لأمرك)). فسمَّى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: ((وَلِّهِ)). فأسند إليه إمارة خراسان ، فتسلّمها سنة خمسٍ وثمانين هجرية . ولمّا قدِمَ قتيبة خراسان ، جمع الناسَ وحضَّهم على الجهاد ، وقال : (( أمّا بعد .. إنّ اللهَ أحلّكم هذا المحلّ لِيعزّ دينه، ويَذبَّ بكم عن الحرمات ، ويزيد بكم المالَ استفاضةً، والعدوَّ وَقَمَّا (١)، ووعد نبيَّه عَّهِ النصرَ، بحديث صادق ، وكتابٍ ناطق، فقال: ﴿هُوَ الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشْركونَ﴾ [ الصف: ٩]، ووعدَ المجاهدين في سبيلهِ أحسنَ الثواب ، وأعظم الذُّخْر عنده ، فقال : ذَلِكَ بأنَّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمَأُ ولا نَصَبٌ ولا مَحْمِصَةٌ في سبيلِ اللهِ ولا يطئونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفارَ ولا يَتَلُونَ مِنْ عَدَوِّ ئَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ (١) ذُلًا . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ttps://web lessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الرابع ٦٠ لا يُضِيعُ أَجَرَ المُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً ولا يقطعونَ واديًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجِزِيَهم اللهُ أحسنَ ما كانُوا يعملونَ ﴾ [ التوبة: ١٢٠ - ١٢١]، ثم أخبرَ عمَّن قُتل في سبيله أنه حِّي مرزوقٌ، فقال: ﴿وَلا تَحسَنَّ الذينَ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتًا بَلْ أحياءٌ عندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [ آل عمران : ١٦٩]، فتنجّزوا موعودَ ربِّكم، ووطّنوا أنفسكم على أقصى أثرٍ وأمضى ألمٍ، وإيايَ والُهُوَيْنَى))(١). لقد اشتُهر في فتح المشرق كثيرٌ من القادة ، كانوا شُهُبًا أضاءت سماءَ المشرق ، وانفتحت أمام عزيمتهِم أبوابُ الدنيا ، وسقطت دولة بني ساسانَ تحت سنابِك جندهم ، وعندما جاء قتيبة ، وجد طابورًا خامسًا ممَّن تَمَّسوا قتالَ المسلمين ، وعرفوا أساليبَ حربهم ، ومع هذا أذلّ أنوفَهم ، وهنا يظهر عُلوُّ همّةِ هذا القائد الذي لا يُبارَى ، ولقد فتح رحمه الله أقاليمَ واسعةً ، تزيد على ما فتحه أسلافه كلهم ، ويزيد الأَمَرَ أهميةً طبيعةُ الأقاليم الصعبة ، ومناخها القاسي ، وطبيعةُ سكّانها المقاتلين الأشدَّاء ، كما عَرَفهم تاريخ الحروب منذ زمنٍ بعيدٍ ، ويَكفي شرفًا لقُتيبة شهادةُ ((الأصبهبذ)) - ملك الترك - له ، عندما علم بِمَصْرعه ؛ فقد قال لرجالٍ كانوا عنده: (( يا معشر العرب ، قتلتم قُتيبة ويزيد (٢)، وهما سيدا العرب!)). فقيل له: (( فأيُّهما كان أعظم عندكم وأهيب؟)). قال: (( لو كان قتيبة بالمغرب ، بأقصى جحر به في الأرض ، مكبّلًا بالحديد ، ويزيدُ معنا في بلادنا والٍ علينا ، لَكَانَ قتيبةُ أهيبَ في صدورنا وأعظم مِن يزيد ))(٣). (١) تاريخ الطبري ٦ / ٤٢٤، والكامل لابن الأثير ٤ / ١٠٥. (٢) يزيد بن المهَلّب بن أبي صفرة، وكان واليًا على خراسان قبل قتيبة . (٣) ((قتيبة بن مسلم الباهلي)) لبسّام العسلي صـ ٧٣ - ٧٤ - دار النفائس. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/