النص المفهرس
صفحات 381-400
علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨١ شعر إقبال يُعلي الهمم يسرِقُ الرِّجلَ قُوَى تسيارها إنْ تجلَّى لعدوٍّ خوفُكما سيفُه يزدادُ فتكًا في الید غلَّنا الخوفُ، وکم في بحرنا إن أبى النعمة يومًا مِزهرك فاعرْكِ الأذنَ يَثُر فيه الحداء كلُّ شرّ في فؤادٍ يُضْمرُ منْ ديار الموت عينٌ قَدِما عينُه تلبيسُ آثارِ الحياه يُزهر الخِبُّ به والَلِق ثويه للزُّور سترٌ والريَبُ حُرِمَ الخوفُ طُموحَ الهمَّةِ كلُّ من يفقد سرَّ المصطفى يسلبُ الرأسَ قوى أفكارها هانَ كالوردِ، عليه قطفُكا عينُه فيك حسام لا يَدي (١) منْ عُبابٍ مائج في دهرنا فمن الخوف تندَّى وترك ويهزَّ اللحنُ آفاقَ السَّماءَ أصله الخوفُ، إذا ما تُبِصِرُ مثل ميم الموت قلبٌ أظلمًا (٢) أذْنه تدليسُ أخبار الحياه (٣) ونفاقُ القلبِ منه يورقُ حِجْرُه الفتنةُ فيه والحرَبْ فهو خدنٌ لحليف الذِّلَّةِ يجدُ الإشراكَ في الخوْفِ اختفى (١) لا يؤدي دية من قتله. (٢) عين: جاسوس. والميم في خط الرقعة والخط الفارسي مصمتة. فجعل الشاعر الخوف مظلم القلب مثل ميم الموت. وفي الأصل ميم مرك. ومرك: موت. فالميم في الأصل والترجمة. (٣) تشوه مظاهر الحياة عينه. وتحرف أخبار الحياة أذنه. علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨٢ صلاح الأمة في علو الهمة أحبَّ .. وأحتقر (١): على جَبهةِ الدّنيا تصولُ عواتيا أحبُّ الجبالَ الشامحاتِ كأنَها وتحتضنُ السيل الحَرونَ الْمُعادِيا تَضاحَكُ من عصفِ الرياح وزارها يضجُّ ببطنِ الأرضِ غضبانَ واريا وتلهو عنِ الزّلزالٍ وهْوَ مُزَنْجَرٌ ويفزعها الإعصارُ إن مَرَّ لاهيا وأحتقرُ الكُثبانَ تُرعشها الصبًّا ألاعيبَ في أسفارها وألاهيا وتحملُها الأرباحُ أني توجَّهت ويَدُفُقُ جَيَّاشًّا ويهدِرُ صاخبا وَإِنِّ لأهوى السيَّلَ يَنْحَط مزبدًا ويحملُهُ نحو السُّهول خَرائبا عَتيًا على السَّدِّ المنيعِ يَدُكُّهُ ويلتقفُ الدّوحِ العَنيدَ المغالبا يمرّ على العُشْبِ الضعيفِ مُسامًِا يحوِّل طفلُ الحيِّ مجراهُ لاعبا وتحقرُ عيني جَدولًا في خميلةٍ يكَدِّرُهُ حتى النسيمُ ملاطفًا أُحبُّ العُقابَ الَجَوْنَ يختال في الذرا ويخترقُ الريحَ العَصوف لقصدِه يموتُ ولا يشكو الجراحَ ولا ترى وأحتقر الورقاءَ تألفُ سجنهَا ويُفزِعُه حتى فمُ الطفلِ شارِبا ويكب متنَ الجوِّ جذلانَ باسما ولو حطَّمتْ من جانحيه القَوادما له آكلًا بينَ الأنام وهاضمًا وتبكى وما تلقى من الناسِ راحمًا (١) للشاعر الأستاذ أمجد الطرابلسي وزير التعليم السوري السابق - مجلة الأزهر - جمادي الأولى ١٤٢٧ هـ (٧٨٠ - ٧٨١). علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨٣ شعر إقبال يُعلي الهمم وهل غيرُ ضَعفِ الوُرْقِ سوَّعَ حَبْسَها وصَيَّرَ شدوًا نوحَها والمآتما فتنهلُ من ثغرِ الزهورِ رحيقَها وإني لأهوى نحلة تدهَمُ الرُّبا ومن مُمرةٍ الوردِ النَّديِّ غَبوقَها ترشّفُ من كأس الأقاحی صبوحَها إذا ما تَمَّوا لو يذوقونَ ريقَها حَصَانٌ تروعُ العاشقينَ بوخزها وتملأُ من بَخْسِ الفُتاتِ خُروقَها وتحفرُ عيني نملةً تألفُ الوَلي وتسلكُ من تحتِ النعالِ طريقها تدِبُّ على الأقدام هُونًّا وذلةً يُجابه هَوْلَ العاصفاتِ ويُثبُتُ أحبّ شَموخَ الدِّوح في ربواته تكُرُّ جموعًا حولَهُ فَتَشَتَّتُ أبيَا على حربِ الأعاصيرِ ظافرًا تراها عليه نائحات نُصَوِّتُ وإِنْ خرَّ في المیدانِ بعد نضالها فتسلَمُ من رَيْبِ المنونِ وتُفْلِتُ وَأحتقرُ الأعشاب تَحني رُءوسَها ويلطِمُها هونا فترضى وتسكُتُ تدورُ مَعَ الإِعصارِ حیثُ يُدیرها ويأنفُ أن يُدنى إلى جيفةٍ يدا وإني لأهوی اللیث یستعذبُ الطوی فتر تجفُ البيداءُ إِن راحَ أو غدا يسيرُ أَشَمَّ الأنف مستكبرًا الخُطا ولا يَدَّري أعداءه مُتصَيِّدا ويجبْهُ وحشَ البید في حُرِّ وَجھْها جَبانًا خليع القلبِ يغدِرُ بالعِدا وتحقرُ عيني ثُعلبانًا محادِعًا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة ٣٨٤ ليشكرَ رزَاق العبيدِ ويَحْمَدا يُصيبُ فُضالاتِ السّباع وينثني فلا يشتكي أينًا ولا يتظلَّمُ أحبّ الفتى يَفر الفلاة مُهَجّرًا إليها حديدَ الطَّرف لا يتبِرَّمُ إذا لذَّعتهُ الشَّمْسُ سَدَّدَ وَجْهَهُ جَليدًا، ونيرانُ الرمالِ تضرّمُ ويمشي على الرَّمضاء مُتَئِدَا الْخُطا ويخفضُ رأسًا وهو شاكٍ يدَهْدِم وأحقر نكسًا يستظَلّ بنيره فَيَرْعَشُ منهُ القلبُ والطَّرِفُ والفَمْ تساورُهُ الأَشباحُ في القفرِ رَهْبةً وسيفُ الأعادي بينَ عینیهِ مُشْهَرُ أحبُّ الفتى والغُلُّ يثقلُ عُنُقَهُ ويضحكُ من بطشِ الطُّغَاةِ ويَسْخَر يصيحُ بأعلى صوتِه ينكرُ الأذى تَّحُز ومن أنيابها الدَّمُ يَقْطُرُ ويشمُ بالأغلالِ رأسًا وإِن غدتْ وليس عليهم سَيِّدٌ أو مُسَيْطِرُ وأحتقرُ الأحرار يحنونَ رأسهم فَقُل لِى هُديتَ الخيرَ - ماذا تُحُرِّرُ إذا كانَ قلبُ المرءِ عَبْدًا ورَأْيُه علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨٥ شعر إقبال يُعلي الهمم يا ابن الإسلام .. أنت يوسف أعظم الأحلام .. أنت على طريق سلفلك العظام .. ووارث الجنة .. والناظر في يوم المزيد إلى إلهك رب الأنام: ك يا سليل المجد أين أنت من آبائك العظام وسلفك الكِرَام: أنتَ المَجْدِ وهذا المَجْدُلَكْ يا سليلَ المَجْدِ ماذا غَبَّرَكْ؟ هَيَّأَ الأَعداءُ في الدَّربِ الشَّرَك كيف تغفو يا فتى التوحيد هَلْ فاستَفِقْ وانْهَضْ وغادِرْ مَضْجَعكْ؟ أُمَّتِى قَدْ عَلَقَّتْ فِيكَ المُنَى مَرْكَبَ النَّصْرِ إلى العَلْيَا مَعَكْ عُذْ إلى الرَّحْمنِ فِي ◌ُهْرٍ تَجِدْ تشتهي يَوْمَ الفِدَا أَنْ تَتْبَعَكْ وَتَّرَى الأبطَالَ آساد الشَّرَى صُمَّتْ أذُنُ الدنيا إنْ لم تسمع لنا فنحن ملكنا هذه الدنيا القرونا: وأَخْضَعَها جُدُدُ خالِدُونا مَلَكْنَا هذه الدُّنْيَا القُرُونا فما نَسِي الزَّمانُ ولا نَسِينا وسَطَّرْنَا صحائفَ مِن ضِياءٍ غَدَاةَ الرَّوْعِ تَأْبَى أَنْ تَلِينا حَمَلْناها سُيوفًا لامعاتٍ رأيتَ المَوْل والفتحَ الُبينا إذا خَرَجَتْ من الأَغْمَادِ يومًا وكُنَّا حين يَرْمِينا أناسٌ وكُنَّا حِينَ يأخُذُنَا وَلِيٍّ تَفيضُ قلوبُنا بالهدِي بِأْسًا ومَا فَتِي ءَ الزَّمانُ يدورُ حتَّى نُؤَدُِّهُمْ أباةً فَادِرِينا بِطُغْيَانٍ نَدُوسُ له الجَبينا فما نُغْضِي عن الظُلمِ الْجُفُونَا مَضَى بالمجدِ قومٌ آخرونا وقد عاشوا أَئِمَّتَه سنينا وأصبحَ لا يُرَى في الرَّكْبِ قومي https://web1essam.blogspot.com/ على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٨٦ صلاح الأمة في علو الهمة سُؤالُ الذَّهْرِ أينَ المسلمونا؟ والَنِي وآلمَ كُلَّ حُرِّ أذوبُ لذلكَ الماضي حنينا تُرَى هلْ يَرْجِعُ الماضي فإِّ بَنَيْنَا حِقْبَةً في الأرضِ مُلْكًا شبابٌ ذَلِّلُوا سبلَ المعالي تَعَهَّدَهُمْ فَأَنْبَتَهُم نباتًا هُمُ وَرَدُوا الحياضَ مبارَ كاتٍ وإِنْ جَنَّ المَسَاءَ فلا تراهمُ شبابٌ لَمْ تُحُطِّمْه الليالي ولم تَشْهَدْهُمُ الأقداحُ يومًا وما عَرَفُوا الأغانِيَ مائعاتٍ وقَدْ دَانُوا بِأَعْظَمِهِمِ نِضَالًا فَيَتَّحِدُونِ أَخْلاقًا عِذَابًا فما عَرَف الخلاعةَ في بناتٍ ولم يَتَشِدَّقُوا بقشورِ عِلمٍ يُدَعِّمُه شبابٌ طامحونا وما عَرَفوا سوى الإسلامِ دِينا كَرِيمًا طابَ في الدُّنيا غُصُونا يَدُكُونَ المعاقِلَ والحُصُونَا مِن الإِشْفَاقِ إلّا ساجِدِینا ولمْ يُسْلِمِ إلى الَخَصْمِ العَرِينَا وقد مَلِئُوا نوادِیہم مُونا ولَكِنَّ العُلاصِيغت لُونَا وعِلْمًا لا بأَجْرَئِهِمْ عُونَا ويَأْتَلِفُون مجتمعًا رَزينا ولا عَرَف التخنُّتَ في بَنینا ولم يتقلَّبُوا في الملحدينا خطيرٍ كي يقالَ مُثَقَّفُونا ولم يتبجَّحوا في كل أمرٍ شبابًا مُحلِصًا حُرًّا أمينا كذلك أخرجَ الإسلامُ قومي فَيَأْبَى أنْ يُقَّدَ أَوْ يَهُونَا وعَلَّمَهُ الكرامةَ كيف تُبْنَى علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا کل جدید https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨٧ شعر إقبال يُعلي الهمم فَلَمْ أَجِدِ المُنَى إلا ظُنُونَا دَعُوني مِن أمانٍ كاذباتٍ وَقَوُّوا بين جَنْبَيَّ اليَقِينَا وهاتُوا لي مِن الإيمانِ نُورًا وَأَبْنِ المَجْدَ مُؤْتِلِقًا مَكِينَا(١) أَمُدُّ يَدِي فَأَنْتَزِعُ الرَّوَاسِي ((رأيت البارحة شيخًا يدور حول المدينة، وقد حمل مِشعلا، كأنَّه يبحث عن شيءٍ. قلت له: يا سيدي! تبحث عن ماذا؟ قال: قدْ مَلَلْتُ معاشرة السِّباع والدواب، وضِقْتُ بها ذرعًا، وخرجتُ أبحث عن إنسانٍ في هذا العالم؛ لقد ضاق صدري من هؤلاء الكَسالى والأقزام، الذين أجدهم حولي، فخرجت أبحث عن عملاق من الرِّجال وبطل من الأبطال، يملأ عيني برجولته وشخصيّته ویروِّح نفسي. قلت له: لقد غرَّتك نفسك يا هذا! فخرجت تقتنص العنقاء، بالله لا تُتْعِب نفسك، وارجع أدراجك، فقد أجهدتُ نفسي وأنِضيتُ ركابي، ونقّبتُ في البلاد، فلمْ أرَ لهذا الكائن عينًا ولا أثرًا. فقال الشيخ: إليك عني أيها الرجل! فأحبُّ شيءٍ إلى نفسي أعزُّه وجودًا وأبعدُه منالًا)(٢). حاجة العالم إلى الإنسان الكامل عالي الهمة أشدُّ اليوم من حاجته إلى القارّات الجديدة والبحار المجهولة، وأجل خطرًا، وأعظم قدرًا من أي شيءٍ سواه، فقد اجتمعت فيه من معاني الإسلام القوةُ والحياة والجمال والكمال فهو الضَّالة المنشودة والصورة الكاملة للإنسانية إن المسلم عالي الهمَّة المثالي يمتاز بين أهل الشك والظنّ بإيمانه ويقينه، وبين أهل الحبن (١) ديوان هاشم الرفاعي ((الأعمال الكاملة)) (ص ١٩٦ - ١٩٧). (٢) ((روائع إقبال)) لأبي الحسن الندوي (ص٧٣). على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٨٨ صلاح الأمة في علو الهمة والخوف بشجاعته وقوته الروحيّة، وبين عُبَّاد الرجال والأموال والأصنام والملوك بتوحيده الخالص، وبين عُبّاد الأوطان والألوان والشعوب بآفاقيّاته وإنسانيته، وبين عُبّاد الشهوات والأهواء والمنافع بتجرُّده من الشهوات وتمرُّده على موازين المجتمع الزائفة، وقيم الأشياء الحقيرة، وبين أهل الأثرة والأنانية بزهده وإيثاره وكِبَر نفسه؛ يعيش برسالته ولرسالته. ذلك المسلم الحق الذي مهما اختلفت الأوضاع وتطوّرت الحياة لا يزال الحقيقة الثابتة التي لا تتغيَّرُ ولا تتحوَّلُ، وأمّا ما عداه فزبَدٌ يذهب جفاءً، ذلك المسلم هو كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، أمَّا ما عداه فشجرة اجْتُثّت من فوق الأرض ما لها من قرار. ((إنك أيها المسلم عالي الهمة في العالم وحدك، وما عَداك سرابٌ خادع ودرهم زائف. إن إيمان المسلم هو نقطة دائرة الحق، وكل ما عداه في هذا العالم المادي وهُمُ وطِلَّسْم ومجاز)). إن حاجة الكون والبشرية إلى المسلم عالي الهمة ليست بأقل من حاجتهما إلى الماء والهواء والنور، فمعاني الحياة وحقائقها مرتبطة بالغايات والأرواح والإيمان والأخلاق، التي تتكفّل رسالات الأنبياء بشرحها وبيانها، ويتكفّل المسلم عالي الهمة بإعلانها والقيام بها والجهاد في سبيلها، فلولاه هو لضاعت الغايات والرسالات وأصبحت سرًّا مكتومًا. إذن فمركزه في العالم، وبقاؤه كبقاء الشمس والكواكب النيرّة، تنقرض الأجيال والأمم، وتحوّل الأنهار مجراها، وهو قائم لا يزول ولا يحول. لا يُمكن أن ينقرض المسلم من العالم؛ لأن وجوده رمزٌ لرسالات الأنبياء، وإنّ أذانه إعلانٌ للحقيقة التي جاء بها إبراهيم وموسى وعيسى على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید https://web 1essam.blogspot.com/ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٨٩ شعر إقبال يُعلى الهمم ومحمد ◌َّ: ((المسلمُ رسالةُ الله الأخيرة، فلا يعتريها النسخ والتبديل)) وهو الحاضن للأمانة الخالدة، والرسالة الخالدة، والذي يعيش لغاية خالدة. إن المسلم موج من أمواج بحر الإسلام الخضمّ وتتلاشى في وجوده، والبحر لا يتغيرّ؛ فالبحر امتداد دائم، وتسلسل قائم لأجزاء متغيِّرة كبحر الحياة، وبحر الوجود تتبدَّل أمواجه -وهي أفراد البشر- ولا يتبدَّل کیانه. ■ ويقول في قصيدة أردية تكاد تسيل رقة وعذوبة: ((لقد هبّت عليّ نفحة منعشة من نسيم السَّحر في الصباح الباكر فناجتني، وقالت لي: إن الذي عرف نفسه وعرف قيمته ومركزه لا يليق به إلا عروش الملوك وأسرَّة السلاطين، إنه لا حياة لك ولا قوام، ولا شرف، ولا كرامة إلَّا بهذه (المعرفة))، فإذا ملكتها ملكت العالم، وإذا فقدتها، أصبحت من سَقَط المتاع، إنه يتربَّى في مدرسة شعري وأدبي، شباب لا يملكون درهمًا ولا دينارًا، ولكنهم يملكون صولة السلاطين، ويحسنون آداب الملوك، إن لك الخيار، فاختر ما شئت، ولكنني بدوري، لم يعجبني الفرار من الحياة، والعكوف في الزوايا والخلوات. لقد هيأك الله - أيها الشاب المسلم - لاقتناص ((هُما))(١)، وما هذه الطيور والأسماك التي تملأ العالم إلَّا لتتمرَّن عليها في بدء أمرك، ويتلهی بها غيرك. وما نُطْقك بالشهادتين -أيها المسلم - سواءً أكنت عربيًّا أو أعجميًّا، إلَّا حديثًا غريبًا، حتى يشهد بها قلبك)(٢) . (١) طائر أسطوري في الأدب الفارسي والأردي. يضرب به المثل في اليمن والسعادة، يقال: إنه ما أظل إنسانًا، وما طار فوق رأس إنسان إلا وكان ملكًا في يوم من الأيام. (٢) (بال جبريل)) (٦٧ - ٦٨). على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٩٠ صلاح الأمة في علو الهمة ■ ويقول في قصيدة خفيفة الوزن، قصيرة البحر، سهلة اللفظ، كأنها قطعة من نثر، أو حديث من أحاديث الناس: ((إن كلّ ما في العالم من الظواهر الكونية، أو الأجرام الفلكية، راحل زائل، وغائب آفل، أنت - أيها الإنسان المسلم- بطل المعركة، وقائد الجيش، وكلّ ما حولك من سافلِ وعالٍ، ورخيص وغالٍ، من جنودك وأتباعك. أسفًا لك، أيها الرجل! لم تقدِّر نفسك، ولم تحسَب لها حسابًا، ما أشدَّ جهلَك، وما أضيقَ نظرك! إلى متى تجري وراء الدنيا الذليلة، وتعبدها وتخضع لها؟ إما أن ترفضها رفضًا باتًا، وتزهد فيها وتتبتَّل، وإما أن تملك ناصيتها وتسودُ وتحكم، لا منزلة بين المنزلتين، ولا توسُّط بين النهايتين)). ■ وهذا قليل من كثير جدًّا، تطفح به كتبه، ودواوين شعره، وفي هذا بلاغٌ للشباب المسلمين الذين خضعوا لنظام التربية الحديثة، والفلسفات المادية، التي حَجبت عنهم شخصيتَهم، وآفاقَ عالم الروح والقلب، وأعماق النفس البشرية، ومرامي المؤمن القوي الطموح، ولم تصوّر العالم إلَّا سوقَ تجارة أو مركز إنتاج، أو حانوت خمر، أو بيت مقامرة، أو مكان تنافس للقيادة، وصراع في مجال الاقتصاد والسياسة، ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ● ج الْعِلْمِ خُلِق العالَمِ لعالي الهمّة: ■ رحم الله إقبالَ القائل: ((إن العَالَم تراثٌ للمؤمِن المجاهِد، لا يشاركه فيه أحدٌ، ولا أعدّ مؤمنا كاملًا من لا يعتقد أن العالم خُلِقٍ له)). نعم .. خَلَق كل شيءٍ لك، وخلقك له، فلا تنشغل بما خلقه لك عمَّا خلقك له. على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩١ شعر إقبال يُعلي الهمم وله مقام الإمامة والتوجيه : إن المسلم لم يُحْلَق ليندفع مع التّيَّار، وليساير الرَّكب البشري حيث اتجَّه وسار؛ بل خُلِقٍ ليوجِّه العالَم والمجتمع والمدنيّة، ويفرضَ على البشرية اتجاهه، ويُملي عليها إرادته؛ لأنه صاحبُ الرسالة، وصاحبُ العلم واليقين؛ ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهاته؛ فليس مقامُه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقامُ الإمامة والقيادة، ومقامُ الإرشاد والتوجيه، ومقامُ الآمر الناهي، إذا تنكَّر له الزمانُ، وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادّة، لم يكن له أن يستسلم ويخضع، ويضعَ أوزاره، ويسالم الزمان، بل عليه أن يثورَ عليه وينازلَه، ويظلّ في صراع معه وعراك، حتى يقضي اللهُ في أمره. ■ يقول في بيت: «يقول من لا خلاق له: دُر مع الدهر حيث دار، وإذا لم يسالمك الزمان فسالمه؛ وأنا أقول إذا لم يُسالمك الزمان، فصارِعْه وحاربه، حتى يفيء إلى أمر الله)). ويرى أن المؤمنَ غيرُ مأذون بمجاراة الأوضاع؛ بل هو مكلّفٌ بمصادمة الأوضاع الفاسدة، يردُّ الأمر إلى نصابه، ويقيمُ سالفة الدهر الغشوم، ويقيمُ العوجَ، ويُصلح الفاسد، وإن كلّفه ذلك عملية الهدم والنقض، والعملية الجراحية؛ فإن كل ذلك في سبيل البناء والعمارة والإصلاح. ■ يقول في بيتٍ: ((على المسلم أن يربِ في نفسه الروح، وينشيءَ في هيكله الحياة، ثم يحرق هذا العالم الفاسد بحرارة إيمانه ووهج حياته، وينشئ عالمًا جديدًا)). على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید https://web1essam.blogspot.com/ ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٢ صلاح الأمة في علو الهمة عالي الهمة: هو مؤذِّنُ الفجر في الليل البهيم، وإنَّ أذانَه لا يزال صيحةً تدوِّي في هدوء الليل وسكون الموت، فيُعيد إلى هذا العالم النائم الناعس المتعَب حياتَه ونشاطه، ويؤذّن بطلوع الصبح الصادق، وانصرام الليل الغاسق. وعلى هذا الأذانِ الصارخ والنداء العالي، الذي ارتفع من جبل ((أبو قُبيس)) قبل ثلاثة عشر قرنًا، استيقظ هذا الكونُ بعد السُّبات العميق، الذي غطّ فيه خمسةً قرون وأكثر؛ وكان نفخةَ صُور للإنسانية الميتة والعالم المحتضَر، وهو الكفيل الآن لإيقاظ الإنسانية، وإحياءِ الضمير البشري. يقول في بيت: ((إن المؤمن إذا نادى الآفاق بأذانه، أشرق العالم واستيقظ الكون». ويقول في قصيدة: ((لستُ أعلم بالتأكيد مصدرَ هذا الصبح، الذي يطلعُ على هذا العالَمَ كلَّ يوم، ولستُ أعلم سرَّه؛ ولكني أعلم أن السَّحَر الذي يهتزُّ له هذا العالَم المظلم ويولّي به ليل الإنسانية الحالك، إنما ينشأ بأذان المؤمن الصادق))(١). إن قوة عالي الهمَّة خارقة للعادة، مُخَيَِّةٌ للعقدة، معجِزَة للبشر؛ لأنها مُسْتَمَدَّة من رسالته وإيمانه، فهو أداةٌ للقدرة الإلهية، وقوةٌ قاهرة، لا تصدُّها الجبال، ولا تقف في سبيلها البحار، ((إن يد المؤمن أداةُ القدرة الإلهية، فهي غلَّابة، حلَّالة للعقد والمشكلات، فتَّاحةٌ للأبواب المقفلة، كَبِقة صَنَاع حاذقة. إن المؤمن جسمُه من تراب، فطرتُه من نور؛ عبدٌ متخلَّقٌ بأخلاق مولاه، قلبُه غني عن العالمين)). (١) ((روائع إقبال)) (ص ٨٣ - ٨٤). على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٣ شعر إقبال يُعلي الهمم لم يزل العالم يعوزه لوعة ذلك القلب. قد هزئ المسلمون المؤمنون في عصرهم الأول من الجبال والبحار، ٩ وشقوا طريقهم غير محتفلين بما يعترضهم من أشواكٍ وعقبات. عالي الهمة : يجمعُ بين التسامح، ورحابةِ الصدد، وكثرةٍ الصفح، والشدَّة في التمسك بالدين، والغضب للحق، والثورةِ على الباطل، وشدةٍ شكيمته إذا أَبَى، ولا يكون المثلَ الكاملَ لدينه، والصورة الصادقة للإسلام حتى يجمع بين هذه الأخلاق المتنوِّعة، فيجمعَ بين الشدَّةَ واللين والغضب والرحمة، والصلابة والمرونة، والعفَّة والنزاهة، ويكون في ذلك آيَةً من آيات الله، ومعجزةً من معجزات الرسول وَلجلد. ((إنه الميزان العادل، والقسطاسُ المستقيم به يُعلم رضا الله وسخطه، وبه يُعرف الحسنُ من القبيح، فما راق في نظره، فهو حسن، وما استقبحه فهو طائش، وفي عزائمه تتجلّ إرادةُ الله. وهو القرآنُ الناطق، وهو الدين يسعى على قدميه. ثم عن حياته متوافقة متشابهة كالطبيعة، فالصبح يَطلع كل يوم، والليلُ يتبع النهار، لا تخلّف فيه، ولا تناقض. وهو صاحبُ معانٍ كثيرة، ونغمةٍ واحدة، فهو كسورةِ ((الرَّحمن)) في القرآن، تتجدد معانيه وتتكرر فيه آية ﴿ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦ وقد صدق الشاعر، فالمسلم لم يزل يُتحف كلّ عصر بعلومه وتوجيهاته، ويُنير ظلماتِ كل عصر بنوره وضيائه، ويضربُ على وتر واحد، ويكرِّر رسالة الأنبياء، ويقول لكل جيل: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید ١ https://web1essam.blogspot.com/ ا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا کل جدید https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٤ صلاح الأمة في علو الهمة [الأعراف: ٦٥]، فهو كالصبح جدیدٌ وقدیم، فهو في چِدَّته مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ, بهم ليس أجدُّ منه، وهو في قِدَمه ليس شيءٌ أقدم منه؛ هو قدیمٌ لکنه یتجدَّد به العالم، ويتجدَّد به الكائنات، وتنتعش به القوى، وتستيقظُ به الأجسام والقلوب، والعقول؛ ثم جديدٌ بنفسه، تتجددُ قواه، ويتجددُ نشاطه، وتتفتحُ قريحته مع العصور؛ علمه سيَّار، وعقلُه مبتكر، ونفسُه طموح، وهمّته وثَّابة، وهو كالمطر كلُّ قطرةٍ غيرُ الأولى، ولكنها قطراتُ مطر، كلها تحيي الأرض، وكلها تُنبت النبات، وكلها تَسقي المزارع والأشجار، وكلها تفتحُ الأزهار، وكلها تكوِّن الأنهار، وهو معنى قول النبي ◌َّ: ((أمتي كالمطر لا يُدْرى أأوَّلُه خيرٌ أم آخرُه)). المسلم كالشمس لا تغرب مطلقًا: ويقول محمد إقبال: ((إن المسلم كالشمس إذا غربت في جهة، طلعت في جهةٍ أخرى فلا تزال طالعة)). وقد صدق، فإن الإسلام لم ينكَّب في ناحية من نواحي العالم، ولم يخسر في جانب دولة إلَّا وقامت له دولةٌ في جانب آخر؛ ولم تسقط له رايةٌ إلَّا وخفقت له رايةٌ أخرى؛ ولم يغِب له نجم، إلَّا وطلع له نجمٌ آخر. لقد كانت خسارةُ الأندلس الإسلامية كارثةً كبيرة، ومصابًا عظيمًا، ولكن عوَّض الإسلام بها بدولةٍ فتيّة من أعظم دول العالم، هي دولة آل عثمان في تركيا قامت في نفس القارة الأوروبية، وجثمت على صدر الدول والأمم التي انتزعت الأندلس الإسلامية، وأجلت المسلمين من وطنهم العربي الإسلامي. وكان سقوطُ غرناطة، وأوج الدولة العثمانية، في عهد سليمان القانوني، على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٥ شعر إقبال يُغلي الهمم حادثَينِ في عصر واحد. ونُكِب العالم الإسلامي، ونُكِبَت بغدادُ بغارة التتار، وانطمست معالم الحضارة الإسلامية، وزُلزل المسلمون زلزالا شديدًا، ولكن في نفس هذه الفترة كانت الدولةُ المسلمة في الهند تتسع وتزدهر. وأُصيب العالَمُ الإسلامي بهزاتٍ عنيفة، وقواصمَ مؤلمة في فجر هذا القرن المسيحي على أيدي الأوروبيين، فقد اقتسمت الدولةُ الأوروبية تراثَ الدولة العثمانية كمالٍ سائب، واغتصبت مملكتها في أفريقيا، وتقاسم الحلفاءُ سورية وفلسطين والعراق، ولكن تَبعَ هذا كلّه اليقظةُ الإسلامية الهائلة، والوعيُّ السياسي القويم، والطموحُ إلى الاستقلال والحرية، والحركات الإسلامية المختلفة التي كان يجيش بها العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. ونُكب المسلمون في العهد الأخير نكباتٍ عظيمةً في الشرق الأقصى والأوسط، وخسرت الدولُ العربية فلسطينَ العربية الإسلامية، ولكن في نفس هذه الفترة قامت للمسلمين دولتانٍ فتيتان في الشرق، إحداهما دولة باكستان والأخری إندونیسیا. وهذا لم يزل التاريخُ الإسلامي متأرجحًا بين الأسفل والأعلى؛ فما تسفَّل منه جانبٌ إلَّا وترفَع جانب آخر، كالأرجوحة تمامًا، ولم تتوارَ شمسُه في أفق إلَّا وبزغت في أفق آخر، وذلك لأن الإسلامَ رسالةُ الله الأخيرة التي لا رسالةَ بعدها، والمسلمون هم الأمةُ الأخيرة، التي لا أمةً بعدهم؛ فإذا ضاعوا فقد ضاعت الرسالة، وإذا هلكوا فقد غرقت السفينة التي تحمل الذخيرة))(١). (١) المصدر السابق (ص ٨٥). ١ على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید https://web1essam.blogspot.com/ ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٦ صلاح الأمة في علو الهمة عالي الهمّة: يعرفُ قيمةَ نفسه، وشرفَ إنسانيّته، يعرف ذلك الجوّ الفسيح الذي هيّه الله لطيرانه وتحليقه، ويعرفُ تلك الكنوزَ البديعة، والقوى الجبَّارة، والمواهبَ العظيمة التي أودعها اللهُ في باطنه، يعرف معنى سجودِ الملائكة لأبيه آدم، والإشارةُ في ذلك، وأنه إذا كانت الملائكة الذين لا يعصُون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون الذين يتصرَّفون في هذا الكون بأمر الله، ويبلِّغون رسالاته، فإذا خضعوا لآدمَ أبيهم فقد خضع له الكونُ بالأوْلى، ولذرِّيته إن استقاموا على منهج الله. كَلِمَاتٌ للحياة: ((عجبًا لك أيها المسلم! تجلَّت لك الآفاق، وغابت عنك نفسُك، إلى متى تظل غافلًا جاهلً؟ وتجلس ضائعًا عاطلًا، إِنَّ نورك الوهّاج أنار العالم القديم، ونسخ الليلَ البهيم، ولا تزال (اليد البيضاء) التي ورثتَها عن موسى في كمِّك، تخطّ حدودَ الآفاق الضيّقة، فأنت السابقُ لها والفائق عليها، فقد كنتَ ولم تكن، وستكون ولا تكون، هل تخافُ الموت أيها الإنسان الحي الخالد؟ لقد كان جديرًا بالموت أن يخافك، فأنت تكمن له وترصد به. اعلم یقینًا، أن الکریم إذا وهب شيئًا، لا يسلبه ولا یشرده، ولیس حتفُ ابن آدم في فراق الروح، إنما حتفُه في ضعف الإيمان، والحرمان من اليقين))(١). ((افتح عينيك - أيها الزهرُ النائم - مثلَ النرجس الذي لا يُطبق عينه (١) ((زبور عجم)) لمحمد إقبال (ص١٦٤). على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ٣٩٧ شعر إقبال يُغلي الهمم لحظة، ولا يَعرف الكرى إليه سبيلاً، لقد أغار على وكرنا الأعداء، ونهبوا كلَّ ما فيه، من كنوز وخيرات، ألا يكفي هدير الحمام، وصفيرُ الأذان، وأنينُ القلوب والأرواح أن يُوقظك؟! انتبه من هذا السُّبات العميق، الذي طال أمدُه واشتدَّت وطأته. لقد بدأت الشمسُ رحلتها المباركة المتكررة، وارتفع عمودُ الصباح المنير في بحر الظلمات، وحَزَمت القوافلُ في الجبال والصحاري أمتعتها، وضربت أجراسَ الرحيل، فما لكِ أيتها العينُ الساهرة! التي خُلقت لمراقبة الإنسانية، وحراسة الضعفاء، تنامين، ولا تنظرين إلى ما يدورُ حولكِ من الأحداث والتقلّبات، انتبه من السبات العميق، الذي طال أمدُه، واشتدت ءِ وطأته. لقد أصبح بحرُك ساكنًا كالصحراء، لقد فقد طبيعتَه وجمُد ووقف. فلا مدَّ فيه ولا جزر، ولا زيادةَ فيه ولا نقص، عجبًا لهذا البحر الذي لا يَهَيج ولا يموج، وليس فيه تمساحٌ طموحٌ مخامر، ولا موجٌ عارمٌ ثائر، لقد كان جديرًا بك أن تقفز من حدوده الضيقة الهادئة، وتفيضَ على البراري والقِفار والنِّجاد والأغوار، انتبه من سُباتك العميق الذي طال أمده واشتدت وطأته. اعلم أن الوطن جسدٌ من تراب، والدينُ هو الروح، ولا حياة للجسد والنفس، إلَّا بارتباط الجسد والروح، انهض أيَّها المسلم! وفي إحدى يديك (المصحف)) وفي الأخرى ((السيف))، فابجتماعهما تسعدُ البشرية، وتخصب المدينة، انتبه من السُبات العميق الذي طال أمدُه واشتدت وطأته. على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا کل جدید https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٨ صلاح الأمة في علو الهمة أنت الناموسُ الأزلي حارسُ وأمين، ولسيِّد هذا الكون يسار ويمين (١)، لقد كانت نشأتُك من التراب، ولكن بك قوام العالم وبقاءُ الأمم، اشرب كأسًا فائضةً من اليقين، وانهض من حضيض الظن والتخمين، انتبه من السُبات العميق، الذي طال أمده، واشتدت وطأته. الغِياث من الإفرنج الذين خلَبوا العقول، وسحَروا النفوس، الغیاث مِن هؤلاء الذين خدعوا مرةً بالرقة والدلال، ومرةً بالقيود والأغلال، وتارة مثّلوا دور ((شيرين))، وطورًا لعبوا دور ((أبرويز))(٢)، لقد أصبح العالم كله خرابًا يبابًا بإغارتهم وغزوهم. يا بانيَ الحرم! ويا خليفة إبراهيم! انهض لبناء العالم من جديد، انتبه من السبات العميق، الذي طال أمده واشتدت وطأته))(٣). (لقد هبّتْ عليَّ نفحة مُنْعِشة من نسيم السَّحَر في الصباح فناجتني، وقالت لي: إنّ الذي عرَف نفسه وعرف قيمته ومركزه، لا يليق به إلَّا عروشُ الملوك وأسِرَّة السلاطين، إنه لا حياة لك ولا قُوام، ولا شرف ولا كرامة إلَّا بهذه ((المعرفة))، فإذا ملكتَها ملكتَ العالم، وإذا فقدتها، أصبحت مِن سَقَط المتاع، إنه يتربَّى في مدرسة شعري وأدبي شبابٌ لا يملكون درهمًا ولا دينارًا، ولكنهم يملكون صولةَ السلاطين، ويُحسنون آداب (١) يعني أنه آلة بيد القدرة الإلهية. (٢) يشير إلى قصة غرامية فارسية قديمة تناقلها الأدباء والشعراء في إيران والهند، تمثل فيها ((شيرين)) دور المرأة الفاتنة التي هام بها الأبطال، و((أبرويز)) دور الملك القاهر الذي عشقها، واستأثر بها. (٣) (زبور عجم)) (ص١١٦ - ١١٨) باختصار وتوسُّع، و((روائع إقبال)) (ص٨٩ - ٩٢) باختصار. علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩٩ شعر إقبال يُعلي الهمم الملوك، إنَّ لك الخيار، فاختر ما شئت. ولكنني بدوري، لم يعجبني الفرار من الحياة، والعكوف في الزوايا والخلوات. لقد هيَّأْك الله -أيها الشاب المسلم لاقتناص ((هُما)(١)، وما هذه الطيور والأسماك التي تملأ العالم إلَّا للتمُّن عليها في بدء أمرك، ويتلقَّى بها غيرك. وما نُطقك بالشهادتين -أيها المسلم - سواءً كنت عربيًّا أو أعجميًّا، إلَّا حديثًا غريبًا، حتى يشهد بك قلبك))(٢). ((إنَّ كلَّ ما في العالَم من الظواهر الكونية، أو الأجرام الفلكيَّة، راحٌ زائل، وغائب آفِل، أنت -عالي الهمة- بطل المعركة، وقائدُ الجيش، وكلَّ ما حولك من سافلٍ وعالٍ، ورخيصٍ وغالٍ، من جنودك وأتباعك. أسفًا لك، أيها الرجل! لم تقدِّر نفسك، ولم تحسِب لها حسابًا، ما أشدَّ جهلك، وما أضيقَ نظرك! إلى متى تجري وراء الدنيا الذليلة وتعبدها وتخضع لها؟ إمَّا أن ترفضها رفضًا باتًّا، وتزهد فيها وتتبثّل، وإما أن تملك ناصيتها وتَسُود وتحكم، لا منزلة بين المنزلتين، ولا توسط بين الشهادتين)). بل نقول بمرامى المؤمن القوي الطموح .. ازهد وتبتل واملك ناصيتها وسد واحكم كدواد وسليمان السَّاهِ .. وعمر بن عبد العزيز .. لنا الصَّدْرُ دون العالمين أو القبرُ فنحن أناس لا توسُّطَ عندنا (١) طائر أُسْطُوري في الأدب الفارسي والأردي، يُضرَب به المثل في اليُمْن والسعادة، يُقال: أنه ما أظلَّ إنسانًا، وما طار فوق رأسه إنسان إلاَّ وكان ملكًا في يوم من الأيام !!!. (٢) ((بال جبريل)) لإقبال (ص ٦٧ - ٦٨). https://web1essam.blogspot.com/ على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید ١ ١ علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٤٠٠ صلاح الأمة في علو الهمة ■ إن السجدة التي هي جديرةٌ بالاهتمام هي السجدة التي تحرِّم عليك كل سجدة لغير الله. ■ إن هذا الكون الفسيح ليس وكُرُك الذي تستريح فيه، والغايةُ التي تنتهي إليها؛ ليست هذه الأرض، التي مادتُها التراب، مصدرُ روحك المتوقّدة الوثَّابة، وعاطفتُك الملتهبة؛ أنت مادةُ الكون، وليس الكون مادتك. كُن في تقدُّم دائم، ورحلة دائمة، وحَطُّم هذا الجبل الأصمَّ الذي يعترض في طريقك، وتمرَّد على هذا الزمان والمكان، وتحرَّر من قيودهما، وانطلق من حدودهما، فإن المؤمن إذا عرف قيمةَ نفسه اقتنص هذا العالم، واقتنص هذه الأرضَ والسماء في بعض ما يقتنص)). ((إن هنالك عوالمَ وأكوانًا، لم تقع عليها عيْنٌ بعد؛ فإن ضمير الوجود لم يفرغ جَعبته، ولا يزال يأتي بجديد؛ وإن هذه العوالمَ متشوِّقة لهجومك، وغارتك، وزحفك؛ متشوِّقة لأبكار أفكارك، وبدائع أعمالك؛ إن هذا العالم يدور دورتَه؛ لتنكشف عليك نفسك وحقيقتك. أنت فاتحُ هذا العالم، ويعجزُ البيانُ عن وصفك، وتعجزُ الملائكة عن غاياتك))(١). فوارسَ صَدَّقَتْ فيهم ظنوني فَدَتْ نفسي وما مَلَكت يميني إذا دارت رَحَى الحرب الزبون (٢) فوارسَ لا يَمَلُّون المنايا (١) (روائع إقبال)) (ص١٣٩ - ١٤٠). (٢) البيتان لأبي الغول الطهوي. والحرب الزَّبون: التي تصدم الناس وتدفعهم. ! على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com