النص المفهرس

صفحات 181-200

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨١
بساتين وريا ض علاة الهمم
النفس على مصاحبته، ومعاشرته، والصبر عليه))(١).
■ قال ابن حزم رَحمّلهُ: ((ولكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل
الجهل منفعةً عظيمةً، وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي
فكري، وتهيج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليفَ لي عظيمة، ولولا
استثارتهم نشاطي، واقتداحهم كامني ما انبعثت لتلك التواليف))(٢).
■ وهذا الأديب الكبير عباس محمود العقاد يقول في صدد الحديث
عن أساتذته، وعن استفادته منهم: ((استفد في مرحلة التعليم الابتدائي من
أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريق الإفادة؛ فإن أولهما قد كان
قاصدًا، والآخر أفادني على غير قصد منه، فحمدت العاقبة على الحالين.
كان أحد الأستاذين الشيخ فخر الدين محمد الدشناوي، وكان يميل إلى
التجديد والابتكار في التعبير، ويمنح أحسن الدرجات للتلميذ المتصرف في
مناحي الكلام، وأقلّها للتلميذ الذي يقتبس من نماذج الكتب.
وكانت دروسه تلتهب حماسةً ووطنيةً، ولها تأثيرها البليغ في نفوس
التلاميذ، خصوصًا في زمن كانت تئن فيه البلاد من وطأة الاحتلال.
أما الأستاذ الثاني فمدرس الحساب)) (٣).
ثم تحدث عن مدرس الحساب فقال: ((كان يؤمن بالخرافات،
0
وشفاعات الأولياء، وكان محدود الفهم في دروسه، ولا سيما المسائل
(١) ((مدارج السالكين)) (٣٣٥/٢).
(٢) ((الأخلاق والسير)) (ص٤٨).
(٣) (ذكرياتي مع عباس العقاد))، لطاهر الجبلاوي، إعداد عباس طاهر الجبلاوي
(ص٢٥).
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
العقلية في دروس الحساب))(١).
■ وبعد أن ذكر بعض المواقف مع ذلكم الأستاذ قال: ((ولكن الدرس
الأكبر الذي أحسبه أكبر ما استفدته مع جميع الدروس في صباي كان
بصدد مسألة حسابية من تلك المسائل العقلية.
كنت شديد الولع بهذه المسائل، لا أدع مسألة منها دون حل مهما يبلغ
من إعضالها.
وكان الأستاذ يحفظ منها عددًا كبيرًا محلولًا في دفتره يعيده على
التلاميذ كل سنة، وقلنا يزيد عليه شيئًا من عنده.
وعُرضت في بعض الحصص مسألة ليست في الدفتر، فعالجنا حلها في
الحصة على غير جدوى، ووجب في هذه الحالة أن يحلها الأستاذ لتلاميذه
فلم يفعل، وقال على سبيل التخلص: إنما عرضتها عليكم؛ امتحانًا لكم؛
لتعرفوا الفرق بين مسائل الحساب، ومسائل الجبر؛ لأنها تشتمل على
مجهولین.
لم أصدق صاحبنا، ولم أَكُفَّ عن المحاولة في بيتي، وقضيت ليلةً ليلاءَ
حتى الفجر، وأنا أقوم وأقعد عند اللوحة السوداء حتى امتلأت من
الجابين بالأرقام، وجاء الفرج قبل مطلع النهار، فإذا بالمسألة محلولة، وإذا
بالمراجعة تثبت لي صحة الحل، فأحفظ سلسلة النتائج وأعيدها؛ لاستطيع
بيانها في المدرسة دون ارتباك أو نسيان.
قلت: لقد حللت المسألة.
(١) ((ذكرياتي مع عباس العقاد)) (ص٢٥).
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
١
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٣
بساتين ورياض علاة الهمم
قال الأستاذ: أية مسألة.
قلت: المسألة التي عجزنا عن حلها في الحصة الماضية.
قال: أو صحیح؟ تفضل، أرنا همتك يا شاطر!
وحاول أن يقاطعني مرة بعد مرة، ولكن سلسلة النتائج كانت قد
انطبعت في ذهني؛ لشدة ما شغلتني، وطول ما راجعتها، وكررت
مراجعتها، وانتظرت ما يقال.
فإذا الأستاذ ينظر إليَّ شزرًا وهو يقول: لقد أضعت وقتك على غير
طائل؛ لأنها مسألة لن تعرض لكم من امتحان.
وإذا بالتلاميذ يُعَقِّبون على نفحة الأستاذ قائلين: ضيَّعت وقتنا، ما
الفائدة من كل هذا العناء؟))(١).
■ ثم عقب العقاد على هذا الحدث بقوله: ((كانت هذه الصدمة خليقة
بأن تكسرني كسرًا لو أن اجتهادي كان محل شك عندي، أو عند الأستاذ،
أو عند الزملاء.
أما وهو حقيقة لا شك فيها، فإن الصدمة لم تكسرني، بل نفعتني أكبر
نفع حمدته في حياتي، وصح قول: ((نيتشه)(٢): كل ما لم يقتلني يزيدني قوة.
لأني لم أحفل بعدها بإنكار زميل، ولا رئيس، وعلمت أن الفضل
قيمته فيه، لا فيما يقال عنه أيًّا كان القائلون))(٣).
(١) ((ذكرياتي مع عباس العقاد)) (ص ٢٧ - ٢٨).
(٢) يعني به: فريدريك نيتشه، فيلسوف ألماني. انظر: ((كواشف زيوف في المذاهب الفكرية
المعاصرة)) لعبد الرحمن الميداني (ص ٥٦٠).
(٣) ((ذكرياتي مع عباس العقاد)) (ص٢٨).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة
١٨٤
بل إن كثيرًا من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورًا تنفعه في
معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره.
قيل لرجل: مَنْ عَلَّمك البكور في حوائجك أوَّل النهار لا تُحِلَّ به؟
قال: مَنْ عَلَّم الطير تغدو خماصًا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها
وبعدها، لا تسأم ذلك، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض.
وقيل لآخر: منْ علَّمك السكون، والتحفظ، والتماوت حتى تظفر
بإربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟
قال: الذي علم الهرة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك، ولا تتلوَّى،
ولا تختلج حتى كأنها ميتة، حتى إذا برزت الفأرة وثبت عليها كالأسد.
وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والبذل والسماحة؟
قال: من علم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها ولا
يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلبًا حثيثًا حتى تجيء الواحدة
منهن، فتلتقطها وهو مسرور بذلك، طيب النفس به.
فإذا وضعت له الحبَّ الكثير فرَّقه ههنا وههنا، وإن لم يكن له دجاج؛
لأن طبعه قد ألِفَ البذل والجودَ، فهو يرى أنه من اللؤم أنه يستبد وحده
بالطعام.
وكذلك كرام الأسود وأشرافها يُتعلم منها الأنفة وعزة النفس؛ فهي
لا تأكل إلّا من فريستها، وإذا مرت بفريسة غيرها لم تدن منها ولو جهدها
الجوع (١).
(١) انظر ذلك مفصلًا في ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص ١٤٧ - ١٦٤).
علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١

١
علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٥
بساتين ورياض علاة الهمم
ومن جميل ما ينبغي على المرء في هذا الشأن أن يفيد من تجارب
الآخرين؛ فالحياة كلها تجارب، واستفادة من التجارب، وميزة إنسان على
إنسان، وأمة على أمة هي القدرة على الاستفادة من التجارب وعدمُها؛
فالحادثة تمر أمام جمع من الناس فيستفيد منها أحدهم بمقدار مئة، وآخر
بمقدار خمسين، وثالث تمر منه الحادثة على عين بلهاء، فلا يستفيد منها
شيئًا؛ فكم من الناس من لهم أعين ولكن لا يبصرون بها، وآذان ولكن لا
يسمعون بها، وقلوب ولكن لا يعقلون بها.
والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد أن الأول يستطيع
أن ينتهز الفرص في حينها، وأن يتجنب الخطر قبل وقوعه، على حين أن
الثاني لا ينتهز فرصة، ولا يشعر بالخطر إلَّا بعد وقوعه.
وحينما تقرأ كتب التاريخ تقرؤها؛ لتستفيد من أعمال الناس، وما وقع
لهم، وما صدر منهم، وما كان من نتائج أعمالهم، وتقرأ سير العظماء؛
لتتشبه بهم، وتدرك مواضع عظمتهم)) (١) اهـ (٢).
٦٤ - السلامة من الغرور ومن المبالغة في احتقار النفس (٣):
((فهذان الأمران من أعظم الأسباب لدنو الهمم، والسلامة منهما من
أعظم الأسباب لعلوها.
أما الغرور فهو أن يحتقر المرء كل من عداه، وأن يتطاول إلى ما ليس في
قدرته، وأن يتدخل فيما ليس من شأنه، وأن يحكم على ما لم يُحِط به علمه.
(١) انظر: ((فيض الخاطر)) (١٠/ ٢١١).
(٢) ((الهمة العالية)) (ص ٢٣٠ - ٢٣٤).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٥٤ - ٢٥٦).
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
حتى إن المغرور ليترفع عن الإصغاء إلى نصيحة، أو الاستماع لرأي،
أو الخضوع لكبير، أو الإجلال لعالم.
وهذا المرض متفشٍّ في أمتنا؛ فكم من أمتنا من قضى عليه الخمول
والكسل، ولو سألتهم عن ذلك لأجابوك: من نحن؟ وما قيمتنا؟ وماذا
نستطيع أن نعمل؟ وهل بإمكاننا أن نوقف الشمس؟ أو أن نؤخر عجلة
الزمن؟
كلا يا صاح، إنك شيء عظيم، تستطيع أن تفعل أشياء وأشياء، وما
هؤلاء الذين تراهم ممن يملأون التاريخ بجلائل الأعمال إلّا أناس مثلك،
لهم مثل ما لك في الذكاء والموهبة، ولكنهم وثقوا بأنفسهم، وعرفوا قيمة
مواهبهم.
وهذا المرض تبتلى به الأمم الضعيفة، المنتقلة من طور الخمول إلى دور
اليقظة، أو المتردية من شامخ العزة إلى درك الضعف والذلة.
وإنه لمرض يتفشى في أمتنا اليوم، وحسبك أن تستمع إلى أحاديث
الناس في المجتمعات العامة؛ لترى كيف يحمل كثير منهم مبضعَ الطبيب،
يجرح به هذا، ويقطع به ذلك، وكيف ينطوي على غرور يجعل رأيه فوق
الآراء، ونظره فوق الأنظار، وعلمه فوق كل علم.
وهو لا يفتأ في حديثه يصف الناس بالحماقة، وأهل العلم بالجهالة
ونحو ذلك ..
وحين تبتلى الأمة بهذه البلية فإنها تستعصي على نصح الناصحين،
وتنحدر وهي تظن أنها في أعلى عليين، وتتراكم عليها المصائب، وهي
تظن أنها أقوى من جميع أعدائها، تهزمهم بصرخة، وتردهم بإشارة،
https://web1essam.blogspot.com/
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٧
بساتين ورياض علاة الهمم
وتدفعهم عنها بالضجة، والثرثرة.
■ أما المرض الثاني فهو المبالغة في احتقار النفس؛ فتجد من الناس من
هو محطم النفس، مسلوب الإرادة، فاقد الأمل، قليل الثقة بنفسه وبأمته،
لا يرى أن باستطاعته أن يقوم بشيء في هذه الحياة.
وما أقسى هذا الداء، وما أمرَّه على الأمة؛ إذ يشل حركتها، ويجعلها
ذليلة أمام كل جبار، ضعيفة أمام كل قوي.
أما أنت فقد قعدت بك همتك، فازدريت نفسك، وانتقصت أمتك،
ورضيت لنفسك أن تكون نسيًا منسيًّا.
مثل هؤلاء في أمتنا كثير، وأعجب من ذلك أنك ترى في هؤلاء
المصابين بمرض الخمول والاحتقار للنفس من هو مصاب في الوقت
نفسه بداء. الغرور أيضًا؛ فهو يضع نفسه في أمته موضع المتكبر المتبجح
المغرور.
ولكنه يطرق رأسه أمام الأعداء حطة، وذلة، ومهانة.
والسلامة كل السلامة أن يسلمك الله من هذه الأدواء؛ فالإنسان
العاقل السوي، الذي ينظر إلى الأمور كما هي - هو ذلك الذي يسير على
حد الاعتدال، فلا يُغَرُّ بما أوتي من ذكاء، وعلم، وقوة، فيزعم لنفسه كل
فضيلة، ويتطاول بغروره إلى كل منزلة.
ولا يركن في الوقت نفسه إلى جوانب الضعف فيه، فيقوده ذلكم إلى
المبالغة في احتقار نفسه، وازدراء إمكاناته ومواهبه، فيقعد عن كل فضيلة،
علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

١
علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة
١٨٨
ويعيش في هذه الحياة كأنه همل مضاع، ولقَى مزدري))(١) أهـ.
٦٥ - الشجاعة والإقدام، واطراح المبالغة في تعظيم شأن الخوف:
((فالشجاعة فضيلة عظيمة، وخصلة من خصال الخير عالية، فهي من
أعظم مقومات الهمة، ومن أهم أسباب اكتسابها.
فالشجاع يخاف من العار الذي يلحقه من احتمال الضيم، أو يرغب في
أن يدرك مجدًا شامحًا، فيقوده ذلك إلى أن يلقي بنفسه في مواضع الدفاع، لا
يلوي جبينه عن طعان أو نضال.
والأمة لا تحوز مكانة يهابها خصومها، وتقرُّ بها عينٍ حلفائها - إلَّا أن
تكون عزيزة الجانب، صلبة القناة.
وعزة الجانب، وصلابة القناة لا ينزلان إلَّا حيث تكون قوة الجأش،
والاستهانة بملاقاة المكاره، وذلك ما نسميه شجاعة (٢).
((وحد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين، والحريم، وعن الجار
المضطهد، وعن المستجير المظلوم، وعن الهضيمة ظلمًا في المال، والعرض،
وفي سائر سبل الحق))(٣).
والشجاعة لا تقتصر على الأقدام في ميادين الوغي، بل هي أعم من
ذلك، فتشمل الشجاعة الأدبية في التعبير عن الرأي، وبالصدع بالحق،
وبالاعتراف بالخطأ، وبالرجوع إلى الصواب إذا تبين، ونحو ذلك مما
(١) انظر: ((أخلاقنا الاجتماعية)) (ص١٠ - ١٢)، و((لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدّم
غيرهم)) (ص ١٤١ - ١٥١).
(٢) انظر: (رسائل الإصلاح)) (١/ ٧٧).
(٣) ((الأخلاق والسير)) لابن حزم (ص ٣٢).
علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٨٩
بساتين ورياض علاة الهمم
سیمر بنا.
وليس من شرط الشجاعة ألا يجد الرجل في نفسه الخوف جملةً من
الهلاك، أو الإقدام، أو نحو ذلك؛ فذاك شعور يجده كل أحد من نفسه إذا
هو همَّ بعمل كبير أو جديد.
بل يكفي في شجاعة الرجل ألا يعظم الخوف في نفسه حتى يمنعه من
الإقدام، أو يرجع به إلى الانهزام.
■ قال هشام بن عبد الملك لمسلمة: ((يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قط
لحرب أو عدو؟
قال مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذعر يُنَّبِّه على حيلة، ولم يَغْشَني
فيها ذعر سلبني رأيي.
قال هشام: هذه هي البسالة))(١).
بل إن أشجع الشجعان يجدون في أنفسهم ذلك الشعور إذا هم
خاضوا المعمعان، وغشوا ساحات الوغى.
لكن ذلك لا يحملهم على الإحجام والانهزام.
فهذا عمرو بن معدي كرب (٢) الزبيدي - وحسبك به شجاعة
0
إقدامًا - يصف نفسه، ويصور حالته في ساحة الوغى، ويبين أن الخوف
يداخله، ولكن لا يحمله على الفرار والإحجام، فلا ينقص ذلك من قدره،
ولا ينزل من مكانته، حيث يقول:
(١) ((رسائل الإصلاح)) (٧٨/١).
(٢) انظر: ((عمرو بن معدي كرب الزبيدي)) لمطاع الطرابيشي.
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
١
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جدید
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
حَذَرَ الموتِ وإني لفروزْ
ولقد أجْمَعُ رِجْلَيَّ بها
حين للنفس من الموت هرير
ولقد أعْطِفُها كارهةً
وبكلِّ أنا بالروع جديرٌ (١)
كلُّ ما ذلك مني خلقٌ
فالشجاعة إذًا هي مواجهة الألم أو الخطر أو نحو ذلك عند الحاجة في
ثبات، وليست مرادفة لعدم الخوف كما يظن بعض الناس.
فالذي يرى النتائج، ويخاف وقوعها، ثم يواجهها في ثبات - رجل
شجاع.
فالقائد الذي يقف على خط النار، فترتعد لذلك فرائصه؛ خشية من
نزول الموت به، ثم يضبط نفسه، ويؤدي عمله كما ينبغي، هو رجل
شجاع.
بل هو شجاع - أيضًا- إذا رأى أن خير عمل يعمله أن يتجنب
الخطر، وأن الواجب يقضي عليه أن ينسحب بجنوده حيث لا خطر.
فإن هو أضاع في موقفه رشده، أو ترك موقفًا يجب أن يقفه، أو فر
بجنودہ من خطر کان علیہ ان یقفہ۔۔ فهو جبان.
فالشجاعة لا تعتمد على الإقدام والإحجام فحسب، ولا على الخوف
وعدمه، وإنما تعتمد على ضبط النفس، وعمل ما ينبغي في الوقت الذي
ينبغي.
■ قال عمرو بن العاص لمعاوية فإنها: ((لقد أعياني أن أعلم: أجبان
أنت أم شجاع؟ فقال:
(١) ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة (ص ٨٢).
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
١
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٩١
بساتين ورياض علاة الهمم
شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةٌ
وإلا تكن لي فرصة فجبان (١)
بل ليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف؛ فقد يكون
الخوف فضيلة، وعدمه رذيلة؛ فالخوف عند الإقدام على أمر مهم تتعلق
به مصالح الأمة، أو يحتاج إلى اتخاذ قرار حاسم - فضيلة وأي فضيلة؛ إذ
هو يحمل على الرَّويَّة، والتأني، والتؤدة، حتى يختمر الرأي، وينضج في
الذهن (٢)؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب (٣)، والعرب
تقول: ((الخطأ زاد العَجُول)) (٤).
■ كما أنها تمدح من يتريث ويتأني، ويقلّب الأمور ظهرًا لبطن، وتقول
فيه: ((إنه لَحَوَّلٌ قُلَّبٌ))(٥).
ولهذا ما زال الحكماء ينصحون الناس ألا يقدموا على مواقع الخطر إلّا
أن تكون فائدة الإقدام أكبر من خسارته.
■ قال أبو الطيب المتنبي:
هو أول وهي المحل الثاني
الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعانِ
حازت من العلياء كل مكان (٦)
وإذا هما اجتمعا لنفسِ حُرَّةٍ
(١) ((عيون الأخبار)) (١٦٣/١).
(٢) انظر: ((الأخلاق)) (ص٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) الرأي الفطير: هو الذي لم ينضج، والكلام القضيب: هو المرتجل انظر: ((زهر الآداب))
للحصري القيرواني (١٥٤/١).
(٤) ((مجمع الأمثال)) للميداني.
(٥) ((الأمثال)) لأبي عبيد (ص ١٠٠).
(٦) ((ديوان المتنبي)) (١٧٤/٤).
https://web1essam.blogspot.com/
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
١

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة
١٩٢
0 وقال:
وكل شجاعة في المرء تغني
ولا مثل الشجاعة في الحكيم (١)
وإنما الجبن المذموم، والخوف المرذول - هو ما بالغ صاحبه فيه مبالغة
تخرجه عن طوره، فهذا هو خوف الجبان الرعديد، الذي يغلب جانب
الشر، ويخشى سوء عواقبه.
أما الشجاع فلا يفكر كثيرًا في احتمال الشر، ثم إذا وقع لم يَطِرْ قلبه
شَعَاعًا، بل يصبر، ويتحمله بثبات؛ إن مرض لم يضاعف مرضه بوهمه،
وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف شدته؛ فمن الحكمة والعقل
ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحول الشر؛
فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت فَلْيقابلها بشجاعة
واعتدال.
■ قال أبو علي الشبل:
للحي من قبل الممات ممات (٢)
ودع التوقع للحوادث إنه
وبالجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن
يخاف منه، ولا هو بالجبان الرعديد الذي يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا
(٣)
يخاف منه
.
ثم إن الشجاعة ليست هي قوةً البدن؛ فقد يكون الرجل قويّ البدن
(١) (ديوان المتنبي)) (١٢٠/٤).
(٢) ((صيد الخاطر)) (٣٣٩/٢).
(٣) انظر: ((الأخلاق)) (ص٢٠٥ - ٢٠٦)، و((فيض الخاطر)) (٢٠٥/٢)، و(«المسؤولية))
(ص ٣١ - ٣٢).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
١٩٣
بساتين ورياض علاة الهمم
ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته.
والمحمود منها ما كان بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر
صاحبه، ولا يميز بين المحمود والمذموم.
ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى
يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح.
فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد (١).
أمور تعين على اكتساب الشجاعة:
■ هذا ومما يعين على اكتساب الشجاعة، واطراح المبالغة في تعظيم
شأن الخوف - زيادة على ما مضى - ما يلي:
أ- الدربة، والمران، والتعود: فإن قلة الإلف لأمر من الأمور - تقود إلى
الجبن؛ فالإنسان إذا لم يرَ الشيء ويألفه يجبن أمامه، كالطالب إذا لم يتعود
الخطابة، فإنْ هو حاول تهدَّج صوتُه، وجفَّ ريقُه، وارتعشت أطرافه.
وكذلك من لم يتعود غشيان المجالس، ومخالطة الناس - فإنه يخاف
منهم، ويلجئه الخوف إلى إيثار العزلة.
فإذا هو اضطر يومًا إلى الاجتماع بهم علاه الخجل، وزاد ارتباكه،
واضطربت حركاته، وثقل على الناس، وثقلوا عليه.
وعلاج ذلك يكون بالدربة، والمران، والتعود، والممارسة، فلا يزال
يتكلف الخطابة حتى يصير خطيبًا، والجرأة حتى يصير جريئًا (٢).
(١) انظر: ((الاستقامة)) لابن تيمية (٢٧١/٢).
(٢) انظر: ((الأخلاق)) (ص ٢١٠).
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
■ قال الباروري:
واعْتَدْ على الخير؛ فالموفق من
هذَّبه الاعتياد والذَّرَبُ (١)
ب - توطين النفس على وقوع المكروه، والحذر من تضخيم النتائج:
فمما يفيد في هذا الباب أن يفرض وقوع المكروه، ثم يُهُوَّنه ويوطن
نفسه على احتماله، ثم يشرع في إنقاذ ما يمكنه إنقاذه.
فلو تصور أنه خطب ولم يُجِدْ، وانتقده السامعون، ثم صغَّر النتيجة
ءُ
وهوَّنها، وقال في نفسه: كلّ خطيبٍ مُعَرَّضُ لمثل ذلك - لتشجع، ولم
یجبن.
بل ربما أصبح فيما بعد خطيبًا مِصْقَعًا، لا تُقُيِّدُه حُبْسةٌ، ولا يثنيه جماح.
وكذا لو قرر الأطباء أن تعمل له عملية جراحية فَقَدَّرَ الموت،
واستصغره - لقابل الأمر بثبات وهكذا(٢) ..
■ قال ابن حزم ◌َمّهُ: ((وطِّن نفسك على ما تكره يقلَّ هُمُّك إذا أتاك،
ويعظم سرورك ويتضاعف إذا أتاك ما تحب مما لم تكن قدَّرْتَه))(٣).
ج- النظر في العواقب: وذلك بأن ينظر إلى عواقب كلٍّ من الجبن
والشجاعة، فإذا ظهر له أن ما يصل إليه من الخير إنْ هو تشجع أعظمُ مما
يصل إليه من الجبن - استحثه ذلك على الشجاعة.
فمن جبن عن أن يرحل عن بلده لطلب رزق أو علم - فلينظر في
(١) ((ديوان البارودي)) (ص٧٩).
(٢) انظر: ((الأخلاق)) (ص ٢١١).
(٣) ((الأخلاق والسير)) (ص٢٦)، وانظر: ((صيد الخاطر)) (١١٠/١ - ١١١)، و(دع
القلق)» (ص٣٥ - ٤٤).
٠
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٥
بساتين ورياض علاة الهمم
الأمر، فسيرى أن من المحتمل أن يصيبه مرض في رحلته، وأنه قد يموت
في أرض غربته.
ولكن من المؤكد أنه إذا لم يرحل ضاق رزقه، أو قل علمه، أو كان
جبانًا، أو جاهلاً حتمًا.
فالنظر في العواقب قد يحمل المرء على أن يكون شجاعًا، لا سيما إذا
علم أنْ ليست الحياة بنبض القلب، ولا بالأكل والشرب، وإنما هي
بالعمل الجاد، والإفادة والاستفادة، وإلّا أصبح الإنسان من سقط المتاع لا
قیمة له عند أحد ..
وما للمرء خير في حياة
إذا ما عدت من سقط المتاع
قال أعرابيٌ من باهلة:
فَلَلْمَوْتُ خيرٌ من حياة يُرى لها
على الحر بالإقلال وسيم هوان (١)
* ولهذا كانت عناية القرآن بخصلة البطولة والإقدام؛ حيث أقبل على
النفوس، وأخذ ينقيها من رذيلة الجبن والإحجام، ويذكرها بسوء عاقبة
الجبناء، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلَّ وَلَا
ج
ذِمَّةُ ﴾ [التوبة: ٨].
فقد أشارت الآية إلى أن عاقبةَ الجبناءِ أن يبتلوا بذي قوة لا يعرف
للعهد حرمة، ولا یقیم للعدل وزنًا.
ومن الذي يرتاب أن الموت في مواطن البطولة أشرف من حياة
يغمرها الذل والهوان؟ (٢).
(١) ((عيون الأخبار)) (٢٣٩/١).
(٢) انظر: ((الهداية الإسلامية)) (ص٣٩).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ قال أبو الطيب المتنبي:
كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا
غير أن الفتى يلاقي المنايا
فمن العجز أن تموت جبانًا (١)
وإذا لم يكن من الموت بدٌّ
د- اطراح المبالاة بكلام الناس: فذلك هو باب العقل والراحة كلها،
كما قال ابن حزم رَمّثهُ (٢).
ولا يعني اطراح المبالاة بكلام الناس أن يتقصد المرء مخالفة الناس،
وأن يعمد إلى محاشنتهم، والإغلاظ عليهم؛ لأن الحكمة تقتضي مداراة
الناس، ومعرفة أحوالهم، وإنزالهم منازلهم؛ فالحكيم الحازم العاقل يزن
عقول من يلاقونه، ويحس ما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفوسهم،
فيصاحبهم وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول، وسرائر،
وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم إلّا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما
يؤلمهم إلَّا أن يتألموا من صوت الحق(٣).
فإذا قام المرء بما تقتضيه الحكمة - فَلْيقدِم على ما قصد إليه دونما
التفات أو مبالاة بکلام أحد؛ فلا لوم ولا تثریب علیه حينئذٍ.
هـ- أن يستحضر المرء أن لا سلامة من الناس: فالسلامة من الناس
عزيزة المنال، خصوصًا إذا كان المرء ممن يتصدر ويقوم بجلائل الأعمال.
■ قال ابن حزم ◌َمّهُ: ((من قدَّر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم -
(١) ((ديوان المتنبي)) (٢٤١/٤).
(٢) انظر: ((الأخلاق والسير)) (ص ١٧).
(٣) انظر: ((رسائل الإصلاح)) (٩٥/١).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٧
بسانين ورياض علاة الهمم
فهو مجنون))(١).
فإذا كان الأمر كذلكم كان حريًّا بالمرء ألا يعظم شأن الناس في قلبه،
وألا يجعل مراقبتهم والخوف من ثلبهم وعيبهم حائلًا بينه وبين تحقيق
مآربه النافعة له، ولأمته، ووطنه.
■ قال بشار بن برد:
و (٢)
وفاز بالطيباتِ الفاتِكُ اللَّهِجُ
من راقبَ الناسَ لم يظفرْ بحاجته
■ وقال سلم الخاسر:
وفاز باللذةِ الجسورُ(٣)
من راقب الناس مات همًّا
وبالجملة فاحرص على أن تركز جهدك، وتستفرغ طاقتك في العمل
الذي تراه صوابًا، ثم بعد ذلك أدِرْ ظهرك، وصمَّ أذنيك عن كل ما ينالك
من لوم اللائمين، ونقد الظالمين، الذين يفسدون في الأرض ولا
يصلحون.
ومما يعينك على ذلك أن تستشعر أن كلام الناس لا يضرك أبدًا إلَّا إذا
اشتغلت به، وأن تتذكر جيدًا، بأن النقد الظالم إنما هو اعتراف ضمني
بقدرتك وعلوِّ كعبك؛ فبقدر ذلك يكون النقد الموجه إليك.
ثم اعلم عِلْمَ اليقين بأن الناس لا يشغلهم أمرك كثيرًا؛ فهم
مشغولون بأنفسهم في غالب أمرهم؛ فأدنى شيء يَجِدُثُ لهم ينسيهم ما
(١) ((الأخلاق والسير)) (ص ١٧).
(٢) ((ديوان بشار بن برد)) (ص٦٠).
(٣) (بهجة المجالس)) (١٢٢/١).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا کل جدید
https://web1essam.blogspot.com/

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٨
-
صلاح الأمة في علو الهمة
سمعوه عنك(١).
و - معرفة قدر النفس: وذلك بأن يعرف المرء قدر نفسه، فلا يقدم على
عمل إلّا وهو عالم بقدرته عليه، ولا يكلف نفسه إلّا ما تطيقه؛ ((فالذي
يَقْدُرُ نفسه فوق قدرها إنما يرهقها، والذي يقدر نفسه أقل من قدرها إنما
یضیع إمكاناتها سدی.
وأما الذي يقدر نفسه حق قدرها، فإنما يضعها في مكانها دون إرهاق
لطاقتها، ودون إهدار لمميزاتها)»(٢).
قال ابن الجوزي نَمّلهُ: ((ينبغي للعاقل ألا يقدم على العزائم حتى
يزن نفسه هل يطيقها، ويجرب ركوب بعضها سرًّا من الخلق؛ فإنه لا يأمن
أن يُرى في حالة لا يصبر عليها، فيفتضح)(٣).
ز- أن يستحضر أن الإخفاق لا يضر: فإذا أخفق المرء في بداية أمره مرة
أو أكثر - فلا ينزعج لذلك، وليعد الكرّة بعد الكرة، وليعلم أن الإخفاق
طريق النجاح، وأن الخطأ طريق الصواب؛ فليس الإخفاق عارًا إذا كنت
بذلت جهدك بإخلاص، ولا يعد المرء مخفقًا حتى يتقبل الهزيمة كأنها
دائمة ويتخلى عن المحاولة؛ فهذا أديسون مخترع المصباح الكهربائي -
أخفق عشرة آلاف مرة قبل أن يصنع المصباح؛ فلا تقلق إذا أنت أخفقت
مرة أو أكثر))(٤) .
(١) انظر: ((دع القلق)) (ص ٢٢٤ - ٢٣٠).
(٢) ((أنت وقدراتك)) تأليف فرجينيا بيلارد، ترجمة د. عطية محمود هنا، إشراف ومراجعة
تقديم د. عبد العزيز القوصي (ص ٧).
(٣) ((صيد الخاطر)) (٢٤٣/٢).
(٤) انظر: ((طاقتك الكامنة))، سمير شيخاني (ص٢٧١).
علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
١
https://arabessam.blogspot.com/
١٩٩
بساتين وريا ض علاة الهمم
ح- الثقة بالنفس: وذلك بألا يقتصر على تذكر جوانب الضعف
فيها؛ لأن ذلك يقود إلى المبالغة في احتقارها، وبالتالي تحجم ولا تقدم.
بل يتذكر مع ذلك جوانب القوة والإبداع فيها؛ حتى تنبعث إلى
الإقدام، وتكتسب شيئًا من الهدوء والثقة.
قال الرافعي وَمّهُ: ((الذي يحيا بالثقة تحييه الثقة)(١).
ط- أخذ الأهبة والاستعداد: فإذا أراد أن يتكلم في مجمع - على سبيل
المثال - فَلَيَقُمْ بأخذ الأهبة والاستعداد؛ حتى لا يُرْتَجَ عليه، خصوصًا إذا
كان في بداياته؛ فإن التقصير بالأخذ بالأسباب مما يضعف المرء ويربكه.
ومما ينفع في ذلك أراحة الجسم؛ ذلك أن الخوف يتبع التعب الذي
ينال المجموع العصبي، كالذي ينال الشخص عقب مجهود كبير بذله، أو
تفكير طويل فكّره، أو حادثة جليلة هَزَّتْهُ؛ فهذه الأشياء وأمثالها تضعف
المجموع العصبي، فإذا أخذ الجسم قسطًا من الراحة استرد الإنسان
راحته، وزال خوفه(٢) .
فإذا هو قام بالأسباب فليتوكل على الله، وليفوض الأمر إليه.
ي - الإيمان بالقضاء والقدر والتسليم لله في الأمر: فالإيمان بالقضاء
والقدر يقتضي أن يوقن العبد بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم
یکن لیخطئه.
وهذا يبعثه إلى أن يقدم غير هياب ولا مبال بما سيناله، فإذا كتب الله له
حياة فلن تفوته وإن وقف في جفن الردى، وإن كتب له موتًّا فلن يفوته أو
(١) ((وحي القلم)) (١/ ٢٣٢)، وانظر: «قوة الإرادة وطرق تنميتها)) (ص٢٣).
(٢) انظر: ((فيض الخاطر)) (٢٢٣/١٠).
١
على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

١
علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
يفلت منه ولو كان في بروج مشيدة؛ فما يغني الفرار، وما يضر
الإقدام؟
يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خلعه قوله:
يوم لا يُقْدَر أو يوم قدر
أي يومي من الموت أفِر
وإذا قدر لا ينجي الحذر(١)
يوم ما قدِّر لا أرهبه
■ وكان معاوية العم يتمثل بهذين البيتين:
سيقتل قبل انقضاء الأجل
كأن الجبان يرى أنه
ويسلم منها الشجاع البطل (٢)
وقد تدرك الحادثاتُ الجبان
قال ابن القيم نحمّلهُ: ((والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله؛
فمن سلّم لله، واستسلم له، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه
لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلَّا ما كتب له - لم يبقَ لخوف
المخلوقين في قلبه موضع أيضًا؛ فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلَّمها إلى
وليها ومولاها، وعلم أنه لا يصيبها إلَّا ما كتب لها، وأن ما كتب لها - لا
بد أن يصيبها؛ فلا معنی للخوف من غیر الله بوجه.
(١) ((ديوان الإمام علي)) (ص٧٩ - ٨٠).
(٢) (بهجة المجالس)) (٢/ ٤٨٠).
علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
١