النص المفهرس

صفحات 761-780

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
الفصل الخامس والعشرون
فِقْهُ مَرَاتِب
الأعمال
وبدعةُ القشْرِ واللُّباب
((إن في الأعمال والأقوال سيِّدًا ومسودًا ، ورئيسًا
ومرءوسًا ، وذروة وما دونها ))
[ ابن قَيِّم الجوزية ]
((إن الفقه - كلَّ الفقه - أن تُبصر أهمَّ الواجباتِ فتقدِّمه ،
وتعرف خيْرِ الخَيْرَيْنِ فَتَّبعه ، وشَرَّ الشَّرَّيْن فتدفعه ))
[ محمد إسماعيل المقدِّم ]
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٦٣
فقهُ مراتب الأعمالِ وبدعةُ القشْرِ والُّباب
((مما ينبغي للحاذق الفَطِن مراعاته : التوسُّط بين الحقوق والواجبات ،
بإعطاء كلِّ ذي حق حقَّهُ ، وتقديم فرائض الأعمال على مستحبَّاتها لينجو من
الوزْرِ ، وفاضِلها على مفضولها لِيسلم من الغبْن ؛ فإنَّ الفقه - كلَّ الفقه -
أن تبْصر أهمَّ الواجبات فتقدِّمه ، وتعرِف خيْر الخيّرَيْن فتَّبعه، وشرَّ الشّرَّيْن
فتدفعه))(١) .
فقهُ مراتب الأعمال : فقه عُلاةِ الهمم وخاصَّةِ العلماء :
وفقه مراتب الأعمال هو من أنواع الفقه التي يجب أن يتعلَّمها المسلم
ويهتمَّ بها .
وهو يعني : العلم بفاضل الأعمال ومفضولها ، وأرجحها ومرجوحها ؛
فإن كانت الأعمال طاعةً ، عَلِمَ أيُّها أحبُّ إلى الله وأكثرها أجرًا وثوابًا . وإن
كانت معصية ، عَلِم أيُّها أُبْغَضُ إلى الله وأكثرها وزرًا وعقوبةُ . وإن كانت الأعمال
وسيلة إلى أهداف معيَّنة - المقاصد الشرعية مثلًا - عَلِم أيُّها أقدرُ على تحقيق
هذه الأهداف ، وأيُّها أولى بذلك . وإن كان الإِنسانُ أُمّ بدائلَ متعددةً من خير
أو شرٌّ، علم خير الخيْرِيْن وشَّ الشَّيْن. وإذا جهل المسلم أيّ الأعمال أفضل
وأولى ؛ لا شكَّ يُنفق وقته وجُهْده وماله في أجرٍ أقلّ، ويفوّت ما هو أجلُ
وأعظم ، وأنه إن اختلطتْ لديه مراتبُ الأعمال ، واختلّ لديه توازنها ؛ قد يصل
إلى عكس مقصود الشّرع ، فيأثم من حيث يريد أن يغنم ، أو إلى عكس مقصوده
في الواقع ؛ فُيُفْسِد من حيث يريد أن يُصلح .
(١) من كلام الشيخ محمد إسماعيل - حفظه الله - في مقدمة كتابي : رهبان الليل ص٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
القرآنُ الكريمُ ومراتبُ الأعمال :
وقد وردت آيات عديدة في كتاب الله عز وجل ، تُبيِّن أنَّ الأعمال ليستْ
كلّها في درجة واحدة ، بل تختلف درجاتها في الخير ، كما تختلف دركاتها في
الشّرِّ .
ومن ذلك : قوله تعالى: ﴿إِنْ تبدوا الصَّدَقاتِ فِنِعِمَّا هي وإنْ تُخفوها
وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون
خبير ﴾ [ البقرة : ٢٧١ ] .
قال ابن كثير: ((فيه دلالة على أن إسرار الصَّدقة أفضل من إظهارها))(١).
ومن ذلك أيضًا : قوله تعالى: ﴿ أجعلتم سِقاية الحاجِّ وعمارة المسجد
الحرام كَمَن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله
والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [ التوبة: ١٩]. ففاضلت الآية بين أمرَيْن كلاهما
طاعة وقربة ، وبيّنت أنهما لا يستويان عند الله تعالى .
وفي قوله تعالى: ﴿ليلةُ القذر خيرٌ من ألْفِ شهر ﴾ [ القدر: ٣] .
دليلٌ على أن عبادة وقيام ليلة القدر خير من عبادة ألفٍ شهر .
كما بيَّن القرآن الكريم في آيات أخرى: أن المحرّمات منها الكبائر والصغائر ؛
فقال تعالى : ﴿ إِنْ تجتُوا کبائر ما تُنهون عنه نكفّر عنکم سِّئَاتِکم وتدخلْكم
مدخلًا كريمًا﴾ [ النساء: ٣١].
وقال سبحانه مادحًا عباده المحسنين : ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم
والفواحش إلَّ اللَّمم .. ﴾ الآية [النجم: ٣٢]، فدلتِ الآيتان على أن المنهيَّات
(١) قال ابن كثير بعدها: ((لأنه أبعد عن الرياء إلا أنْ يترتَّب على الإِظهار مصلحة
راجحة ؛ من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية)) .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قسمان : كبائر ، وأخرى دونها ؛ سُمِّيت في الآية الأولى: سيِّئات ، وفي
الثانية: لَمَمَّا. قال ابن كثير: ((لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقَّرات
الأعمال )).
السُّنَّة النبوية ومراتبُ الأعمال :
والسنة النبوية زاخرة بالنماذج والأمثلة لتفاضل الأعمال والتكاليف الشرعية ،
التي يجب على المسلم مراعاتها في عبادته وحركته في الحياة ، وربّما يكون أجْمَعَ
حديثٍ في ذلك حديثُ أبي هريرة: أن رسول الله عَ لَّه قال: ((الإِيمان بِضْعٌ
وسبعون - أو بضع وستُّون - شعبة ؛ فأفضلها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها
إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان))(١).
وقد سُئل الرسول عَّ لِ مِرارًا: أي الإِسلام أفضل؟ أو : أيُّه خير؟
فأجاب ، وإنما المقصود : أي أعمال المسلم أفضل أو أخير ؟ ولذلك بّب الإِمام
النووي لأحاديثَ رواها مسلم في ((صحيحه)) من ذلك النوع، فقال: (( باب
بيان تفاضل الإِسلام ، أو أي أموره أفضل )).
عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله عَ لَّه: أي الإِسلام خير؟
قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن تعرف ومَنْ لم تعرف)) (٢) .
وعن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير أنه سمِع عبد الله بن عمرو بن
العاص يقول: إن رجلا سأل رسول الله عَ لّه: أيّ المسلمين خير؟ قال :
((من سَلِم المسلمون من لسانه ويده ))(٣).
وعن أبي الزبير قال : سمعتُ جابرًا يقول: سمعتُ النبي عَِّ يقول :
(١) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
(٢) رواه مسلم .
(٣) رواه مسلم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
(( المسلم مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده))(١) .
قال النووي: ((قال العلماء رحمهم الله: قوله : ( أُّ الإِسلام خير؟ ) :
معناه : أيُّ خصالِه وأموره وأحواله ؟ قالوا : وإنما وقع اختلاف الجواب في خير
المسلمين ؛ لاختلاف حال السائل والحاضرين ، فكان في أحد الموضعَيْن الحاجة
إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهمَّ؛ لِمَا حصل من إهمالهما والتساهُل
في أمورهما ونحو ذلك ، وفي الموضع الآخر إلى الكفّ عن إيذاء المسلمين .
وقوله عَّ اله: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)): معناه: من لم
يُؤْذِ مسلِمًا بقوْلٍ ولا فعل، وخصَّ اليدَ بالذِّكْر لأن معظم الأفعال بها .
وقوله عَّله: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)): قالوا: معناه المسلم
الكامل ، وليس المراد نفي أصل الإِسلام عن من لم يكن بهذه الصفة . ثم إنّ
كمال الإِسلام والمسلم متعلّقٌ بخصال أُخَرَ كثيرة ، وإنما خصَّ ما ذكر لِمَا ذكرناه
من الحاجة الخاصَّة . والله أعلم ))(٢) .
وفي المقابل بيَّنَتْ أحاديثُ عديدة كوْنَ الذنوب أنواعًا ومراتب ؛ فعن
أبي بَكْرَةَ، عن أبيه قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)).
قلنا: بلى يا رسول الله. قال- ثلاثًا -: ((الإِشراك بالله، وعقوقُ الوالدين)).
وكان متَّكًا فجلس فقال: (( ألا وقول الزور وشهادة الزور ، ألا وقول الزور
وشهادة الزور ))(٣) .
وعن عبد الله بن مسعود قال : قلتُ : يا رسول الله ، أمّ الذنوب أعظم ؟
(١) رواه مسلم .
(٢) شرح النووي لمسلم - باب: بيان تفاضل الإِسلام ٢١٤/١.
(٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٧٦٧
قال: ((أن تجعل الله ندًّا وهو خلقك)). قلتُ: ثم أيّ؟ قال: (( أن تقتل
ولدك خشية أن يأكل معك))(١).
علم ((أصول الفقه )) يضعُ القواعد :
وانطلاقًا ممَّا مَرَّ، فقد اتفقتِ الأمة على أن الأحكام الشرعية التي كُلُّف
بها المسلم : أنواعٌ ومراتب ، وليست على ميزان واحد ، كما اتفق جمهور العلماء
على انقسام مأمورات الشرع إلى واجبات ومستحبَّات ، وانقسام منهيَّته إلى
مكروهات ومحرمات. يقول مجد الدين ابن تيمية في ((المسودّة)): ((اتفق
الفقهاء والمتكلِّمون على أنَّ أحكام الشرع تنقسم إلى : واجب ومندوب ومحَّم
ومكروه ومباح )) .
ولأن الواجب على المسلم أن يضع كلَّ أمرٍ شرْعي موْضِعَه ، ولا يخلط
بين أنواع الأحكام أو يتعامل معها كيفما اتفق ؛ فقد قَرّر العلماء - والأصوليون
منهم بالخصوص - أنه لا يجوز أن يُسوِّي بين الواجب والمندوب، ((لا في
القول ، ولا في الفعل ، ولا في الاعتقاد))(٢)، ولا يسوِّي بين الحرام والمكروه،
ولا بين المباح وبين المندوب والمكروه. يقول الشاطبي: ((الواجبات لا تستقُ
واجباتٍ إلّا إذا لم يسوَّ بينها وبين غيرها من الأحكام ، فلا تُترك ولا يُسامَح
في تركها ألبتة، كما أن المحرَّمات لا تستقُّ كذلك، إلّا إذا لم يسوّ بينها وبين
غيرها من الأحكام فلا تُفعل ، ولا يُسامح في فعلها » .
والمصالح الشرعية مقسَّمة إلى ضروريًّات، وحاجيَّات ، وتحسينيَّات؛
وهي مرتَّبة هذا الترتيب ؛ فإن الأوامر المتعلّقة بالأمور الضرورية - كما يقول
الشاطبي -: (( ليست كالأوامر الشرعيَّة المتعلّقة بالأمور الحاجيَّة ولا التحسينية ،
(١) رواه البخاري .
(٢) الموافقات للشاطبي ٣٣١/٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦٨
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
ولا الأمور المكمِّلة للضروريات كالضروريات أنفسها ، بل بينهما تفاوت
معلوم . بل الضروريات ليست في الطلب على وزان واحد ؛ كالطلب المتعلّق
بأصل الدين ، ليس في التأكيد كالنفْس ، ولا النفسُ كالعقل ... إلى سائر
أصناف الضروريات. والحاجيات كذلك ... ))(١).
إذن لا يكفي المسلم أن يعلمَ ما أَمَر به الشرع أو ما نهى عنه ، بل عليه
أن يعلم أيضًا درجة الأمر أو النهي ، وأن يُنزِل كلّ ذلك مرتبته دون إفراط ولا
تفريط .
فقْهُ مراتب الأعمال : خاصَّةُ العلماءِ بهذا الدين :
وقد وصف الإِمام ابن تيمية فقه مراتب الأعمال بأنه حقيقة الدين ،
وحقيقةُ العمل بما جاءت به الرسل ، وبأنه خاصَّةُ العلماء بهذا الدين ؛ يقول :
((فَتَفَطَّنْ لحقيقة الدين ، وانظرْ ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية
والمفاسد ، بحيث تعرِف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر ، حتى
تقدِّم أهمَّها عند المزاحمة ؛ فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل ، فإنّ
التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر ، وجنس الدليل وغير الدليل : يتيسَّر
كثيرًا. فأمَّا مراتب المنكر ، ومراتب الدليل ، بحيث تقدّم عند التزاحم أعْرَفَ
المعروفَيْن فتدعو إليه ، وتُنكر أَنْكَرَ المُنْكَرَيْن ، وترجّح أقوى الدليلَيْن ؛ فإنه
هو خاصَّة العلماء بهذا الدين))(٢) .
أما تلميذه ابن القيِّم : فقدٍ اعتبر انشغال الإِنسان بالأعمال المفضولة عن
الفاضلة من عقبات الشيطان ، التي لا يتجاوزها المسلم إلّا بفقهٍ في الأعمال
(١) الموافقات ٣ / ٢٠٦ .
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص٢٨ .
٠
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٦٩
ومراتبها . إن الشيطان في هذه العقبة يأمر الإِنسان ويُحَسِّن له الأعمال المرجوحة
المفضولة من الطاعات ، ويُريه ما فيها من الفضل والرِّبْح، ليشغله بها عمَّا
هو أفضل وأعظم كسْبًا ورِبحًا؛ ((لأنه لمَّا عجَز عن تخسيره أَصْلَ الثواب ،
طمع في تخسيره كماله وفضْلَه ، ودرجاته العالية ، فشغله بالمفضول عن
الفاضل ، وبالمرجوح عن الراجح ، وبالمحبوب لله عن الأحبِّ إليه ، وبالمرضي
عن الأرضى له )) .
ثم قال ابن القيم: (( فإنْ نجا منها بفقهٍ في الأعمال ، ومراتبها عند الله ،
ومنازلها في الفضل ، ومعرفة مقاديرها ، والتمييز بين عاليها وسافلها ، ومفضولها
وفاضلها ، ورئيسها ومرءوسها ، وسيدها ومسودها ؛ فإنّ في الأعمال والأقوال
سيِّدًا ومسودًا، ورئيسًا ومرءوسًا، وذروة وما دونها ... ولا يقطعُ هذه العقبة إلَّا
أهُلُ البصائر والصدق من أولِي العلم ، السائرين على جادَّة التوفيق ، قد أنزلوا
الأعمال منازلها ، وأعطوا كلّ ذي حقّ حقّه ، فإذا نجا منها لم يبقَ هناك عقبةٌ
يطلبه العدوُّ عليها سوى واحدةٍ لا بدَّ منها))(١) .
غيابُ حِسِّ الأوْلِيَّات :
[ لقد كان لعدم الاهتمام بتعليم المسلم هذا الفقه الجليل آثارٌ، قد تكون
بعيدة المدى وشديدة الضَّررِ دنيا وآخرة . ومن تلك النتائج :
١ - ضياعُ الأجْر :
فالجاهل بمراتب الأعمال يهتمُّ بالعمل قليلَ الأجر على حساب كثير
الأجر ، ويضيِّع الجهد الكبير للحصول على حسناتٍ قليلة ؛ وتروي لنا السَُّّة
من ذلك أمثلة كثيرة :
فعن أنسٍ قال: كنا مع النبِي عَّمِ ؛ فمنا الصائم ومنَّ المفطر . قال :
فنزلنا منزلًا في يوم حارِّ، أكثرُنا ظِلًا صاحبُ الكساء ، ومنا من يتقي الشمسَ
(١) مدارج السالكين ٢٢١/١.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٠
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
بيده . قال : فسقط الصُّوَّام ، وقام المفطرون ، فضربوا الأبنية ، وسقَوا
الرِّكَاب، فقال رسول الله عَّم: ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر))(١).
وقد يصل الأمر إلى حدٍّ تضييع أصل الأجْرِ نفسِه ؛ فعن أبي هريرة
رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله ؛ إن فلانة يُذكَر مِن کثرة صلاتها
وصيامها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: ((هي في النار)). قال:
يا رسول الله ، فإن فلانة ... يُذكر من قلَّة صيامها ، وصدقتها وصلاتها ، وأنها
تصدَّق بالأثوار من الأقط(٢)، ولا تُؤذي جيرانها. قال: ((هي في الجنة))(٣).
كما أن ابن الجوزي قد ذكر أمثلةً متعدِّدة لدى العُبَّاد بالخصوص ، كلها
ناتج عن قلّة الفقه بمراتب الأعمال؛ قال مثلًا: ((وقد لَبَّس إبليس على جماعة
من المتعبِّدين ، فأكثروا من صلاة الليل ، وفيهم مَن يسهره كلِّه ، ويفرح بقيام
الليل وصلاة الضحى أكثر ممّا يفرح بأداء الفرائض ، ثم يقع قُبيل الفجر فتفوته
الفريضة ، أو يقوم فيتهيَّأْ لها فتفوته الجماعة ، أو يُصبح كسلانَ فلا يقدر على
الكسْب لعائلته)) (٤) .
٢ - سُوءُ فهْمِ الشريعة :
إن الجهل بمراتب الأعمال عندما يكون عامًّا، يؤدِّي إلى فوضى فكرية
عارمة ، تشوِّه الشريعة وتُخِلّ بتوازنها . لقد أرسى الشرع بين المأمورات
والمنهيات توازنًا لا يجوز الإِخلال به ، تمامًا كَنِسَبِ الدواء الواحد ، قد يؤدِّي
تغييرُها إلى إفساده وإلغاء خصائصه ، إن لم ينقلب إلى سُمٍّ قاتِل ، ومن ذلك
(١) رواه البخاري، ومسلم واللَّفظُ له ، والنسائي.
(٢) أي: بالقِطَع من اللََّن المجّف .
(٣) صحيح الإسناد : أخرجه أحمد والبزار ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم وقال :
صحيح الإِسناد .
(٤) تلبيس إبليس ص ١٤١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧١
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
أنَّ المسلم اليوم مثلًا قد أضحى عنده ترتيب جديد لأوامر الشرع ، يجعل الشعائر
التعبُّدية ((فرائضَ ومستحبَّاتٍ)) أعلى مرتبة من سائر الواجبات والفرائض الأخرى،
وأوكد من ترك منهيَّات الشرع ((محرَّماتٍ ومكروهاتٍ)).
٣ - غِيابُ حِسِّ الأَوْلويَّات في الدعوة :
فسُوءُ فهْمِ الشريعة يؤدِّي إلى عجز الدُّعاة عن البَدْءِ بما يجب البدءُ به ؛
فإذا كان في أحكام الدين واجب ومستحبٌّ ، وفاضل ومفضول ؛ فإن الدعوة
إلى الواجب والفاضل مقدَّم على الدعوة إلى ما دونها ، لكننا نرى من بين شباب
الصحوة الإسلامية ودُعاتها مَن ينشغل بالمسائل المرجوحة والأحكام الخلافية ،
وتُبدَّد الجهود والطاقات فيها ، والأولى البدءُ بالدعوة إلى أصول العقيدة
والشريعة ، وبذل الجهد في معالجة القضايا المصيرية الكبرى للأمة . وفي الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر لا بدَّ من اعتبار درجة المعروف ودرجة المنكر ،
حتى لا يُفسد الإِنسان بدَلَ أن يُصلح، وحتى لا ينفِّر بدل أن يُبشِّر . ولذلك
اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه (( إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين
معروف ومنكر ، بحيث لا يفرِّقون بينهما ، بل إمَّا أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما
جميعًا؛ لم يَجُزْ أن يُؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر ، بل يُنظر ؛ فإن
كان المعروف أكثر : أُمر به وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ، ولم يُنه عن منكر
يَستلزم تفويت معروفٍ أعظم منه ، بل يكون النهّ حينئذٍ من باب : الصد عن
سبيل الله ، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعْل الحسنات . وإن كان
المنكر أغلب : نُهي عنه وإن استلزم ما هو دونه من المعروف ، ويكون الأمر بذلك
المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه ، أمرًا بمنْكَر وسعيًا في معصية الله
ورسوله )»(١).
(١) الحِسْبة لابن تيمية ص٣٨ - ٣٩ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
إن هذا النصّ تطبيقٌ رائع لفقْه مراتب الأعمال وتقديم الراجح منها .
وقد صاغ الأُصوليُّون ذلك في قواعد تشريعيَّة هادية مثل: دفْعُ أشدِّ المفسدتين
بأخفِّهما . والإِتيان بأعظم المصلحتين وتفويت أدناهما . وتقديم المصلحة
الراجحة على المفسدة الخفيفة . وعدمُ ترك المصلحة الغالبة ، خشيةً المفسدة
النادرة .
ولا يستقيم عمل دَعَوتِّ إلّا بفقه هذه الأصول والقواعد ، والالتزام بها ،
فعسى أن يُوفَّق أبناءُ الصحوة الإسلامية وشبابُها إلى ذلك . والحمد لله ربِّ
العالمين ](١).
بِذْعَةُ تقسيمِ الدِّين إلى قِشْرٍ وَلُباب :
فقه مراتب الأعمال شيءٌ ، وتقسيم الدين إلى قشرٍ ولباب شيء آخر ؛
فمصطلح ( القشْر واللُّب ): ((قناع نفاقِّي قبيح ، وإنه مِن لحن قول العالمانيِّين
الذين يتخذونه قنطرةً يهربون عليها من الالتزام بشرائع الإِسلام ، دون أن يُخدَشَ
انتماؤهم إليه ، فهو عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإِسلام من جذورها ،
مجرّد مدخل إلى نبذِ اللُّب والقشْر معًا))(٢).
قال تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة ولا تتبعوا
خطوات الشيطان ﴾ [ البقرة : ٢٠٨ ] .
قال ابن كثير: ((يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدِّقين برسوله ،
أن يأخذوا بجميع عُرى الإِسلام وشرائعه ، والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع
(١) فقه مراتب الأعمال. مقالة للدكتور سعد الدين العثماني بمجلة ((البيان)) العدد
٩٧ ، ص٩٤ - ٩٧ بتصرُّف يسير .
(٢) انظر كتاب: تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشْرٍ ولباب للشيخ محمد
أحمد إسماعيل ص٦ - طبع . دار طيبة . بمكة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٧٣
زواجره ما استطاعوا من ذلك))(١). اهـ .
قال ابن عباس: ﴿ ادخلوا في السلم ﴾ يعني الإِسلام، ﴿كافة
. ؛
يعني : جميعًا .
وقال مجاهد: (( أي اعملوا بجميع الأعمال ووُجوه البِرّ)).
قال الألوسي: (( والمعنى: ادخلوا في الإِسلام بكلِّتكم ، ولا تدَعُوا شيئًا
مِن ظاهركم وباطنكم إلّ والإِسلامُ يستوعبُه؛ بحيث لا يبقى مكان لغيره))(٢).
وقال أيضًا: ((وقيل: الخطاب للمسلمين الخُلّص. والمراد من ((السِّلْم))،
شُعَب الإِسلام .
والمعنى: ادخلوا أيُّها المسلمون المؤمنون بمحمد عَّ له في شعب الإيمان
كلها ، ولا تُخِلُّوا بشيء من أحكامه )).
ويقول الشيخ محمد إبراهيم شقرة - حفظه الله - في ردِّه على الذين لا
يهتمون ببعض الشرائع الظاهرة، ويسمُّونها ((شكليات)) أو ((قشورًا)) ويُدندنون
فقط حولَ التمسُّك باللباب : [ لقد صارت هذه المقولة المُعْرِضة شعارًا،
له أنصار ودُعاة ، وأقلام وصحف ، ومناهج وعقول . وبالرغم من هذا الحشْد
الذي الْتفَّ حول هذا الشعار ؛ فإننا لم نجد حتى الآن ترجمة واضحة له ، أو
تحديدًا دقيقًا لمعناه ؛ فإن القائلين بهذه المقولة الحادثة ، رغم تأكيدهم عليها ،
والإِكثار من الحديث عنها؛ فإنهم لم يضعوا تعريفًا أو حدًّا لِمَا سَمَّه: قِشْرًا ،
أو لِمَا يُسمَّى: لُبَابًا، ينتهي إليه الراغب في العمل باللباب وحدَه دون القِشْر.
وما ذاك إلا لأنها مقولة حادثة مبتدَعَة ، لم يعرفها سلَفُ الأمة ومَن تبعهم
بإحسان ، وإنما هي من نتاج أفكار المنهزمين المستعبدين للشرق أو للغرب .
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣٦١/١.
(٢) رُوح المعاني للألوسي ٩٧/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وإذا حاولنا أن نضع حدًّا تقريبًّا، فلنقل: ((اللبابُ في المأمورات
الشرعية : هو ما يدخل تحت الحكم الواجب ، والقشر : هو ما جاوز دائرة
الحكم الواجب . واللباب في النواهي : هو ما يدخل تحت الحكم الحرام ،
والقشر : هو ما لم يتناوله الحرام الصريح في النواهي )).
وعلى ذلك : فالقشور في المأمورات : كُلُّ مندوب أو مباح . وفي
النواهي : المكروهات ، وبناءً عليه يجتمع لدينا من القشور ما يزيد على نصف
الدين ، ويبقى من لُبابه أقلّ من النصف ، فهل يُعقل أن ندعَ أكثر من نصف
الدين قشورًا لنأخذ أقلّ من نصفه لبابًا ؟! وأين سيضعون المسائل المختلف
عليها بين الواجب والمندوب كصلاة الوتر مثلًا ؟! أضِفْ إلى ذلك أنه ليس
شيء من القشور أو اللباب - على حدٍّ تعبيرهم - إلّا ويدخل تحتَ حُكْم الله
وخطابه المتعلق بأفعال المكلّفين ، على سبيل التخيير أو الطلب تركًّا أو فعلًا ،
وبالتالي لا يصحُّ تسميته : قشرًا على سبيل الاصطلاح الذي افترضناه ، ولا على
سبيل التهوين والغضِّ من شأنه .
وجميع الأحكام من المندوبات أو المباحات أو الواجبات ، وسواءً
كانت من المكروهات أو من المحرَّمات ؛ هي شعب الإيمان التي قال فيها
عليه الصلاة والسلام: (( الإِيمان بضع وسبعون شعبة ، فأفضلها قول : لا إله
إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإِيمان ))(١).
فأيّما شعبة نقصَت منها كانت نقصًا من الإِيمان ، وأيّما شعبة التزمها المسلم
كانت زيادة في إيمانه ؛ لأن الإيمان يزيد وينقص بالقول والعمل ، وهذا من شعائر
أهل السنة، وهو مذهب السواد الأعظم من الأمة، قال رسول الله عَ ليه:
(١) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه . رواه البخاري بلفظ :
((الإيمان بضع وستون شعبة)). وعند ابن ماجه في المقدمة: ((الإِيمان بضع
وستون - أو سبعون - بابًا )).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٥
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
((لُنْقَضَنّ عرى الإِسلام ◌ُروةً عروة ، فكلَّما انتقضت عروة تشبثّ الناس بالتي
تليها ، فأولهنَّ نقْضًا الحكم، وآخرهن الصلاة))(١)](٢).
قال رسول الله عَ لّه: ((إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم ، وما
نهیتکم عنه فاجتنبوه ))(٣) .
فرجر عَّلِ عن النواهي مطلقًا، ولم يفرِّق بين قِشْر ولُبِّ، وعلّق امتثال
الأوامر على الاستطاعة ، ولم يعلِّقه بكونها قشرًا أو لبًّا على زعمهم .
ونقل ابن الحاجِّ عن الغزالي رحمه الله قوله في ((كتاب الأربعين)):
((اعلمْ أن مفتاح السعادة: في اتباع السُّنَّة، والاقتداء برسول الله عَ له في جميع
مصادره وموارده ، وحَرَ كَاته وسَكَنَاته ، حتى في هيئة أُكْلِه وقيامه ، ونومه
وكلامه ، لستُ أقول ذلك في آدابه فقط ؛ لأنه لا وجه لإهمال السنة الواردة
فيها ، بل ذلك في جميع أمور العادات ، فبه يحصل الاتباع المطلق ، كما قال تعالى :
قُلْ إنْ كنتم تُحبُّون الله فاتبعوني يحببْكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال
تعالى: ﴿وما آتاكم الرسولُ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [ الحشر: ٧] .
فلا ينبغي التساهلُ في امتثال ذلك، فتقول: (( هذا مما يتعلّق بالعادات ، فلا
معنى للاتباع فيه))؛ فإن ذلك يغلق عنك بابًا عظيمًا من أبواب السعادات ))(٤).
((وقسمةُ الدين إلى قشْرٍ ولُبِّ تُؤثّر في قلوب العوامِّ أسوأ تأثير ، وتورثهم
الاستخفاف بالأحكام الظاهرة ، وينتج عنها الإِخلال بهذه الأمور التي سُمِّيت
(١) صحيح : رواه من حديث أبي أمامة الإِمام أحمد، والحاكم وقال: إسناده صحيح .
ولم يخرجاه . وابن حبان وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع ١٥/٥ .
(٢) ((تنوير الأفهام لبعض مفاهيم الإسلام)) للأستاذ محمد إبراهيم شقرة ص٣٥ - ٤٤ .
ملخّصًا .
(٣) رواه البخاري ، ومسلم واللفظ له ، والنسائي ، وابن ماجة .
(٤) المدخل لابن الحاجّ ١٤٣/١، ١٤٤.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قشورًا ، فلا تلتفت قلوبهم إليها ، فتخلو من أضعف الإِيمان ، ألا وهو الإِنكار
القلبي الذي هو فَرْضُ عيْنٍ على كلٍّ مسلم تجاه المنكرات .
والتفريط في محقّرات الأعمال يؤدِّي إلى التفريط في عظائمها ؛ لأنَّ
استمرار هذا التفريط يتحوَّل مع الزمن إلى عادة تنتهي بصاحبها إلى قلّة
الاكتراث بأمور دينه والتهاون بها .
ومن هذا القبيل : تقسيم الدين إلى أصول وفروع ، فإن العلماء الذين
فعلوا ذلك لا يُظنُّ بهم أنهم قصدوا بذلك التقسيم إيجاب الاتفاق على الأصول ،
ثم التسامح مطلقًا في الفروع ، كما يظن بعضُ متفقِّهة هذا الزمان ))(١) .
والمحافظة على الهدي الظاهر ليست مجرَّد شكلٍ ومظهر؛ فكم بين الظاهر والباطن
من ارتباط وثيق !! وأفرد العلماء المؤلّفات في حُرْمة التشبّه بالكفَّار في أحوالهم
الظاهرة، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القيم ((اقتضاء الصراط
المستقيم))؛ قال رحمه الله: (( إذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تُورث المحبَّة
والموالاة ، فكيف بالمشابهة في أمور دينية ؟! فإنَّ إفضاءَها إلى نوع من الموالاة
أكثر وأشدُّ، والمحبّة والموالاة لهم - أي الكفار - تُنافي الإِيمان ، قال تعالى :
لا تجدُ قوْمًا يؤمنون بالله واليوم الآخر ◌ُواقُّون من حادًّ الله ورسوله ولو
كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإِيمان
وأيَّدهم بروح منه ... ) الآية [المجادلة: ٢٢]، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا
يوجد مؤمن يوادُّ كافرًا ، فَمَن وادَّ الكفار فليس بمؤمن ، فالمشابهة الظاهرة مظنَّة
المودة ، فتكون محرّمة))(٢).
(١) تبصير أولي الألباب ص١٢ .
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص ٢٢١، ٢٢٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٧٧
والمشاركة في الهدي الظاهر تُورث تناسُبًا وتشاكلًا بين المتشابهيْن
يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ (( فلا يُشبه
الزُّ الزِّي حتى يُشبِهَ القلبُ القلبَ)).
والمخالفة في الهدي الظاهر تُوجب مباينة ومفارقةً تُوجب الانقطاع
عن موجبات الغضب ، وأسباب الضلال ، والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان .
وكلَّما كان القلب أتمَّ حياةً وأعرفَ بالإِسلام الذي هو الإِسلام ؛ كان إحساسه
بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتمّ ، وبُعْدُه عن أخلاقهم الموجودة
في بعض المسلمين أشدّ .
(( ومشاركة اليهود والنصارى في الهدي الظاهر تُوجب الاختلاط الظاهر
حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديِّين المرضيِّين ، وبين المغضوب عليهم
والضالين ، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية . هذا إذا لم يكن ذلك الهدي
الظاهر إلّا مباحًا مخْضًا، لو تجرّد عن مشابهتهم، فأمَّا إنْ كان مِن موجبات
كفرهم ؛ فإنه يكون شعبة من شُعَب الكفر ، فموافقتهم فيه موافقة في نوع
من أنواع معاصيهم . فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له))(١) .
تركيا ولا «عاطفَ اسكلفي)» لها :
((الشيخ عاطف اسكلفي صاحب كتاب ((قرانك مقلدلغى)) - بالتركيّة -
يتناول تحريم التشبُّه بالكفَّار، وأفتى فيه بتحريم ارتداء ((القُبَّعة)). ولمّا قام
أتاتورك بالانقلاب الأثيم حُوكم الشيخ عاطف بعد الانقلاب بسنتين ؛ لتأليفه
هذا الكتاب ، ولمَّا مثُلَ الشيخُ أمام القاضي رئيس محكمة الاستقلال ؛ خاطبه
القاضي قائلًا: ((إنكم أيُّها الشيوخ مُعْرَقُون في السفسطة الفارغة ، رجل
يرتدي عمامة يكون مسلمًا ، فإذا ما ارتدى قَبَّعة صار فاسقًا ، وهذه قماش
(١) المصدر السابق .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وهذه قماش !! )). فأجابه الشيخ الجليل: ((انظر أيها القاضي إلى هذا العَلَم
المرفوع خلْفَك - أي عَلَمُ تركيا - استبدلْه بعَلَم انكلترا مثلًا ؛ فإن قبلتَ ،
وإلّا فهي سفسطة منك ؛ إذ هذا قماش وذاك قماش )). فُبُهتَ القاضي ، ومع
ذلك حكَمَ على الشيخ بالإعدام، رحمه الله رحمةً واسعة))(١) .
(( قال العلامة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله تعالى، في
سياق ردِّه على مَنِ ادَّعى أنَّ الإِسلام لا يهتمُّ بكل المظاهر الشكليّة ومنها اللِّحية -:
(( .. ومع أنها دعوى عارية عن الدليل ؛ فإنها منقوضة أيضًا بأحاديث كثيرة ..
أقول : هذا الزعم باطل قطعًا ، لا يشكُّ في ذلك أي مُنصِفٍ متجرِّد من اتّباع
الهوى ، بعد أن يقف على الأحاديث الآتية ، وكلُّها صحيحة :
١ - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لعن رسول الله عَوال
المتشبّهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال )).
٢ - وعن عائشة رضي الله عنها : أنَّ جارية من الأنصار تزوَّجت،
وأنها مرضت، فتمعَّط شعْرُها، فأرادوا أن يَصِلُوهُ، فسألوا النبي عَّهِ،
فقال: ((لعَنَ اللهُ الواصلة والمستوصلة)).
٣ - عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: ((لَعَن الله الواشمات والمستوشمات ،
والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحسن، المغيّرات خَلْقَ الله)).
٤ - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى رسول الله عد اله
علّ ثوبين معصفريْن، فقال: ((إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبَسْها)).
أخرج هذه الأحاديث الشيخان في ((صحيحيْهما))، إلّا الأخير منها،
فتفَّد به مسلم .
وفي الباب أحاديث كثيرة جدًّا، وهي مادة كتاب ((اقتضاء الصراط
المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم )) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فليراجعْهُ مَن شاء .
(١) تبصير أولي الألباب ص ٦٠ - ٦١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة، في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٧٩
فهذه نصوص صريحة تبيِّن أن الإِسلام اهتم بالمظاهر الشكلية اهتمامًا بالغًا
إلى درجة أنه لعَن المخالِف فيها ، فكيف يسوغ مع هذا أن يُقال : إن كل
المظاهر لا يهتم بها الإِسلام؟ ))(١) .
وبقاء الدين ظاهرًا خَفّاقةً رايتُهُ : مرهون بمخالفة المسلمين كفَّار أهل
الكتاب ، وبقاءٍ أمة التوحيد متميِّزة ربّائيّة ؛ لا شرقية ولا غربية .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي عَ لّم قال: ((لا يزال الدين
ظاهرًا ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤّرون))(٢).
الشريعة كلُّها لُبَابٌ :
قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: ((لا يجوز
التعبير عن الشريعة بأنها قشْر ، من كثرة ما فيها من المنافع والخير ، وكيف يكون
الأمر بالطاعة والإِيمان قِشْرًا ، وإنّ العلم الملقّب بعلْم الحقيقة جزء من أجزاء
علم الشريعة ؟! ولا يُطلقُ مثلَ هذه الألقاب إلّا غبّي شقّي قليل الأدب !! ولو
قيل لأحدهم: ((إن كلام شيخك قشور)) لأنكر ذلك غاية الإِنكار ، ويُطلقُ
لفظَ القشور على الشريعة؟ !! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله عَ لّه ؛
فيعزّر هذا الجاهل تعزيرًا يليق بمثل هذا الذنب))(٣).
وقال تقي الدين السُبكي رحمه الله: ((وقولهم : ( من أهل القشور ) :
إنْ أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام ؛ فليس من القشور ، بل
من اللَّب ، ومن قال عليه : ( إنه من القشور ) ؛ استحقَّ الأدب . والشريعة
(١) تمام المنَّة في التعليق على فقه السنة للشيخ الألباني ص ٨١ - ٨٢ بتصرُّف يسير.
(٢) حسن : رواه أبو داود ، وابن حبان ، والحاكم ، وصحّحه على شرط مسلم ، ووافقه
الذهبي ، وحسَّنه الألباني في (( صحيح الجامع )) رقم ٧٥٦٦ .
(٣) فتاوى سلطان العلماء ص ٢٤ - ٢٥ - تحقيق: مصطفى عاشور - مكتبة القرآن.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٨٠
كلُّها لُباب))(١).
النُّحَالة في المبتَدِعين .. لا فِي سَلَف الأُمَّةِ الطَّيِّين:
يقول فضيلة الشيخ أبو الفرج محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدِّم - حفظه
الله -: ((ينبغي أن نَذُبَّ عن هدي رسول الله عَ ◌ّهِ، الذي هو لبابٌ كلُّه لا
قشورَ ولا نخالةَ فيه ، ونقول : إنما القشور فيما خالف هذيه ، وإنما النخالة في
المبتدعين الذين عظّموا ما حقَّره ، واستصغروا ما كبّره ، وأهدروا ما اعتبره ،
واعتبروا ما أهدره ، ووضعوا ما رفعه ، ورفعوا ما وضعه . ولْيكنْ لنا أُسوة
في الأصحاب رضي الله عنهم أولي الألباب ، الذين لم يعرفوا هذه البدعة
المحدثة ، ولم ينقسموا إلى أهل جوهر ولباب ، وأهل قشور ونخالة ؛ كما زعم
أصحاب الجهالة .
دخل عائذ بن عمرو - وكان من صالحي أصحاب النبي عَ الله - على
الخبيث الجريء ◌ُبيد الله بن زياد، فقال: إني سمعتُ رسول الله عَ ◌ّه يقول:
((شُرّ الرِّعاء: الحُطَمة))؛ فإياك أن تكون منهم. فقال: اجلسْ ؛ إنما أنت
من نُخالة أصحاب محمد عَّمه. قال: وهل كان لهم - أو فيهم - نخالة ؟!
إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم)» (٢).
انتهى المجلَّد الخامس ويليه المجلَّد السادس إن شاء الله تعالى
(١) ملحق بكتاب ((كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء)) لابن القيم ص ٢٥.
(٢) رواه مسلم في الإمارة، والإِمام أحمد ٦٤/٥، والبيهقي ١٦١/٨.
انظر كتاب : تبصير أولي الألباب ص٦٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/