النص المفهرس

صفحات 741-760

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٧٤١
ثم تنادي : واحزناه ، واسلباه ، فقلتُ : ممَّ ذا ؟
وتقول :
ذهبَ الظلامُ بأُنْسِهِ وبالْفِهِ ليتَ الظلامَ بأُنْسِهِ يتجدَّدُ
وكانت عابدةٌ في عبد القيس متعبِّدة ؛ إذا جاء الليل تحَّمت ثم قامت
إلى المحراب ، وكانت تقول : المحبُّ لا يسأم مِن خدمة حبيبه .
قال مسلم بن يسار : ما تلذَّذَ المتلذِّذون بمِثْل الخلوة بمناجاةِ الله عز
وجل . عجبتُ للخليقَةِ كيف أَنِسَتْ بسواك !! بل عجبتُ للخليقة كيفَ استنارت
قلوبُهم بذكْر سواك .
وكان أبو محمد حبيب العجمي يخلو في بيته ثم يقول : من لم تقرَّ
عينه بك ، فلا قَرَّتْ ، ومن لم يأنس بك ، فلا أنِسَ .
قال عابد باليمن : سرور المؤمن ولذَّته في الخلوة بمناجاة سيِّده عَّ
وجل .
وقال إبراهيم بن أدهم : اتخذِ اللهَ صاحبًا ، ودعِ الناسَ جانبًا .
وقال غزوان : إني أصبتُ راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتيٍ .
وقيل : لعبد العزيز بن سليمان الراسبي سيِّد العابدين: ما بقي ممّا يُتلذَّذ
به ؟ قال : سرداب أخلو بربِّي فیه .
وقال مسلم العابد: ما يجد المطيعون للهِلِذَّة في الدنيا أحلى من الخلوة
بمناجاة سيدهم ، ولا أحسب لهم من الآخرة من عظيم الثواب أكبرَ في
صدورهم وألذَّ في قلوبهم ؛ من النظر إلى الله عز وجل. ثم عُشِي عليه .
وقال الفضيل : طوبى لمن استوحش من الناس ، وكان الله أنيسَه.
وقال أبو سليمان : لا أُنَّسَني الله عز وجلَّ إلّا به أبدًا .
وقال رجل لمعروفٍ الكرْخي : أَوْصِني . قال : توكِّلْ على الله حتى
يكون جليسَك وأنيسَك ومَوْضع شكواك .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
قال ذو النون : إنَّ من علامات المحبِّين لله : تركُ كُلِّ ما يشغله عن الله ،
حتى يكون الشغلُ بالله وحده . ثم قال : إنَّ من علامات المحبِّين لله أن لا
يأنسوا بسواه ، ولا يستوحشوا معه . ثم قال: إذا سكن حبُّ الله القلبَ أنِسَ
بالله ؛ لأن الله أَجَلُّ في صدور العارفين من أن يُحُبُّوا سواه .
وكانت رابعة العدوية تنشد هذين البيتين :
وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي
ولقد جعلتُكَ في الفؤادِ مُحَدِّثي
وحبيبُ قلبي في الفؤادِ أنيسي
فالجسمُ مني للجليسِ مؤانِسٌ
فعجبًا لمن عرف الطريق إلى الله !! كيف يعيش مع غيره ؟!
ومن علامات المحبِّ : أن يتبعَّم بالطاعة ولا يستثقِلَها ويسقطَ عنه
تعبها :
كما قال ثابت البناني : کابدتُ اللیلَ عشرين سنةً وتنعَّمتُ به عشرین
سنة .
وقال الجُنيد : علامَة المحِبِّ دوامُ النشاط ، والدؤوب بشهوة يفتر بدنه
ولا يفتر قلبه .
وقال بعض العلماء : والله ما اشتفى محبٌّ لله من طاعته ، ولو حلّ بعظيم
الوسائل .
قيل لبعض المحبِّين - وقد كان بذَلَ نفسه وماله حتى لم يبقَ له شيء :
ما كان سبب حالِك هذه في المحبَّة ؟ فقال: سمعتُ يومًا محبًّا وقد خلا بمحبوبه
وهو يقول : أنا والله أحبُّك بقلبي كلِّه، وأنت معرِض عني بوجهك كلِّه ؟
فقال له المحبوب : إنْ كنتَ تحبُّني فأيش تنفق علّ ؟ قال: يا سيدي ، أُمَلِّكُكَ
ما أُمْلِكُ ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلِكَ . فقلت : هذا خَلْقٌ لِخَلْقٍ وعبدٌ
لعبدٍ ، فكيف بعبيدٍ لمعبود ؟!
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤٣
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
ومن علامات المحبِّ : أن يكون في حبِّه خائفًا متضائلًا تحت الهيبة
والتعظيم :
ولخصوص المحبِين مخاوف في مقام المحبَّة ليستْ لغيرهم، وبعض مخاوفهم
أشدُّ من بعض ، فأولها : خوف الإِعراض ، وأشدُّ منه خوف الحِجَاب، وأشدُّ
منه خوف الإِبعاد ، وهذا المعنى في سورة هود هو الذي شيّب سيِّدَ المحبِّن رسول
الله عَّ لِ؛ إذْ سمع قوله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لثمود﴾، ﴿أَلَا بعدًا لمذْينَ كما بعِدَتْ
ثمود﴾. وإنما تعظُم هيْئَة البعْد وخوفه في قلبِ من ألِفَ القُرْب وذاقه وتنعَّم
به ، فحديث البعْد في حقِّ المبعدين يُشيِّبُ سماعُه أهلَ القُرْب في القرب .
ثم خوف الوقوف وسلْب المزيد .
كلُّ شيءٍ لكَ مغفورٌ سوى الإِعراضِ عنَّا
قدْ غفرْنا لكَ ما فا تَ بقي ما فات منَّا
ثم خوْف السُّلُوِّ أو أنْ يغتَّ بحسْنِ النظر أو غَلَبَة الغفلة .
والله دُرُّ مَن قال في وصْفِ المحبِّ عالي الهمة :
عن الأحرارِ منهم والعبيدِ
قریبُ الوجدِ ذو مرمِّی بعيدٍ
كأنَّ فؤادَه زبرُ الحديدِ
غريبُ الوصفِ ذو علمٍ غريبٍ
عن الأبصار إلّا للشهيدِ
لقد عزَّتْ معانيهِ وجلَّتْ
لهُ في كلِّ يومٍ ألفُ عيدٍ
يرى الأعياد في الأوقاتِ تجري
ولا يجدُ السرور لهُ بعيدٍ
وللأحباب أفراحٌ بعيدٍ
ومن علامات المحبِّ عالي الهمَّة : كتمان الحبِّ واجتناب الدعوى :
والتوقِّي من إظهار الوجْد والمحبّة ؛ تعظيمًا للمحبوب وإجلالاً له ، وهيبةً
منه وغيْرةً على سِرِّه .
واللهِ دُرُّ ذي النون حين ذُكر عنده الكلام في المحبَّة، فقال: (( اسكتوا
عن هذه المسألة؛ لا تسمعها النفوس فتدَّعيها )).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤٤
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قال الجنيد :
فحلُّوا بقرْبِ الماجدِ المتفضل
سَرَتْ بأناسٍ في الغيوبِ قلوبُهُمْ
تجولُ بهمْ أرواحُهُمْ وتنقَّلُ
عراصًا بقربِ اللهِ في ظلِّ قُدْسِهِ
ومصدرهمْ عنها لِمَا هو أكملُ
موارِدُهم فيها على العزِّ والنُّهَى
وفي حُلَل التوحيد تَمشي وترفُلُ
تروحُ بعزِّ مفردٍ مِنْ صِفاتِهِ
وما كتْمُهُ أولى لديهِ وأعدلُ
ومِنْ بعد هذا ما تدِقُّ صفاتُهُ
وأبذل منه ما أرى المنْعِ يفضُلُ
سأكْتُمُ منْ علمي بهِ ما يصونُهُ
على أنَّ للرحمْنِ سِرًّا يصونُهُ
إلى أهلِهِ في السِّرِّ والصَّوْنُ أجْمَلُ
ومنها : أن لا يتأسَّف على ما يفوته ممَّا سوى الله عزَّ وجلّ، ويعظُمُ
تأسُفه على فوت كلٍّ ساعة خلَت عنْ ذكْر الله وطاعته ، فیکثر رجوعه عند
الغَفَلات بالاستعطاف والتوبة .
قال أحدُ الصالحين : إنَّ الله عبادًا أحبُّوه واطمأنُّوا إليه ، فذهب عنهم
التأسُّف على الفائت ، فلم يتشاغلوا بحظٍّ أنفسهم ، إذْ كان مُلْك مليكِهم تامًّا ،
وما شاء كان ، فما كان لهم فهو واصل إليهم ، وما فاتهم فبحُسْن تدبيره لهم .
قال تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم ﴾ [ البقرة: ٢١٦].
وهمومٌ وغمومٌ وأُسَفْ
كلُّ محبوبٍ سوىُ اللهِ سَرَفْ
ما خلا الرحْمُنَ ما منْهُ خلَفْ
كُلُّ محبوبٍ فمنهُ لي خلَفْ
ظهرتْ مِن صاحبِ الحبِّ عُرِفْ
دائمُ الغُصَّةِ مغمومٌ دَنَفْ
ذاهبُ العقلِ وباللهِ كَلِفْ
أصفرُ الوجْهِ والطْفُ ذَرِفْ
حُبُّهُ غايةُ غاياتِ الشَّرَفْ
وعلاهُ الشوْقُ ممَّا قَدْ كُشِفْ
إِنَّ للحبِّ دلالاتٍ إذا
صاحبُ الحبِّ حزينٌ قلبُهُ
همُّه في اللهِ لا في غيرهِ
أشعتُ الرأسِ خميصٌ بطنُهُ
دائمُ التَّذكارِ من حبِّ الذي
فإذا أَمْعَنَ في الحبِّ لهُ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوُ الهمة - المجلد الخامس
٧٤٥
باشَرَ المحرابَ يشكو بنَّهُ
قائمًا قُدَّامَهُ منتصِبًا
راكِعًا طوْرًا وطوْرًا ساجدًا
أوْرَدَ القلبَ على حبِّ الذي
ثم جالتْ كفِّه في شجرٍ
إِنَّ ذا الحُبَّ لمِنْ يُعنى بِهِ
وقال بعضهم :
قليلُ العزاء كثيرُ الندْ
جرى دمعُهُ فبكى جَفْنُهُ
يخافُ البَيَاتَ لهجْمِ الممات
ويُخفي محبَّةَ ربِّ العلا
وأسْبَلَ من طرْفِهِ عَبْرَةٌ
وباتَ محاربَ محرابِهِ
فلمَّا تفتتَ أحشاؤُهُ
وكمْ ليلةٍ رامَ فيها المنام
وناحَ على جسَدٍ ناحلٍ
أنابَ إلى اللهِ مستغفِرًا
وأمامَ اللهِ مولاهُ وَقَفْ
لَهِجًّا يتلو بآياتِ الصُّحُفْ
باكيًا والدمعُ في الأرضِ یَكفْ
فيهِ حبُّ اللهِ حقًّا فعُرِفْ
يُنِبِتُ الحُبَّ فسَمَّى واقتطَفْ
لا بدارٍ ذاتٍ لَهْوٍ وترَفْ
طويلُ النحيبِ على ما اجترمْ
فصارَ البكاءُ بدمْعٍ وَدَمْ
وفقْدُ الحياةِ يضرُّ السّقِمْ
فتُظهِرُ أنفاسُهُ ما اكتتمْ
على الصَّحْن من خدِّهِ فانسَجَمْ
ولمَّا تزلْ قدمٌ عنْ قَدَمْ
مِنَ الشَّوْقِ رِقَّ عليهِ الأَلَمْ
فصاحَ بِهِ حُبُّهُ لا تَنَمْ
أطالَ النحولُ بِهِ فانهَدِمْ
فصارَ لهُ من أعزّ الخدَمْ
الجُنَيْدُ تاجُ العارفين وسيِّد المحبّين في عصره :
قال الكتاني : جرتْ مسألة في المحبَّة بمكّة أيام الموسم ، فتكلَّم فيها
الشيوخ ، وكان الجُنَيد أصغرهم سنًّا ، فقالوا : هاتِ ما عندك يا عراقي .
فأطرق رأسه ودمعَتْ عيناه، ثم قال: (( عبدٌ ذاهِب عن نفسه ، متصل بذكْر
ربِّه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوارُ هيبته ، وصفا شربه
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
من كأسٍ وُدِّه ، وانكشف له الجبَّر من أستار غيْبِهِ، فإنْ تكلَّم فباللَّه، وإن
نطق فعنِ الله ، وإنْ تحرّك فبأمْرِ الله ، وإن سكت فمع الله ؛ فهو باللهِ ولله
ومع الله)). فبكى الشيوخ وقالوا: (( ما على هذا مزيد، جبَّرَك الله يا تاجَ
العارفين» .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌ الهمة - المجلد الخامس
٧٤٧
الشَّوْقُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ
وفي الليل يدعوني الجوی فاُجیبُ
أحِنُّ بأطرافِ النهارِ صبابةً
كأنَّ زمانَ الشوْقِ لیسَ یغیبُ
وأَيَّامُنا تَفنَى وشوقيَ زائِدٌ
((أنّ طيرانٍ يكون أبهى مِن قلوبٍ تطيرُ إلى سيِّدها)):
للهِ قومٌ صعَّدوا أنفاسهم إلى محبوبهم ، لا يخرج ويصعَد نَفَس منها إلا
مُتَلَبِّسًا بمحبَّته والشوق إليه ، فإذا أرادوا دفْعَه لم يدفعوه حتى يُتْبِعوه نفَسًا آخر
مثله ، فكل أنفاسِهم بالله وإلى الله ، فلا يفوتهم نَفَس من أنفاسهم مع الله إلا
إذا غلبهم النوم .
الشَّوْقُ في الكتابِ والسُّنَّة :
فالشوق يا أخي إلى الله - عز وجل - نسيمٌ يُهُبُّ على القلوب يُطيِّب
لها السير إلى بلاد المحبوب ، إلى الله وإلى الدار الآخرة .
قال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ [ العنكبوت: ٥] .
قال أبو عثمان الحيري : هذا تعزيّةٌ للمشتاقين ؛ معناه : إني أعلمُ أنَّ
اشتياقَكُمْ إِلَّي غالِب ، وأنا أجَّلْتُ للقائكم أجلًا ، وعن قريب يكون وصولُكم
إلى ما تشتاقون إليه .
وقال تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
معناه : شوقًا إليك ، فسَتْرُه بلفْظِ الرضا .
وقال عَّ له: ((اللهمَّ بعْمِكَ الغَيب، وقُدرِكَ على الخلق؛ أحيني ما
عَلَمْتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوقّني إذا عَلمتَ الوفاةَ خيّرًا لي . اللهمَّ وأسألُك
خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمةَ الإِخلاص في الرِّضا والغضَب ،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٤٨
وأسألُك القَصْدَ في الفقر والغِنَى، وأسألُك نعيمًا لا ينفَدُ ، وأسألُك ◌ُرّةَ عَيْنِ
لا تنقطع، وأسألُك الرِّضا بالقضاء، وأسألُك بردَ العيشِ بعدَ الموت،
وأسألُك لذَّةَ النظرِ إلى وجهك والشَّوْقَ إلى لقائكَ، في غير ضَرَّاءَ مضَرَّةٍ ،
ولا فتنةٍ مضلّة. اللهمَّ زيّنًا بزينةِ الإِيمان واجعلْنا هُدَاةً مُهتدين))(١).
وقد كان رسول الله عَ ◌ّةٍ يفرح بالمطر ويتلقاه بثوبه، ولمَّا يُسأل في
ذلك يقول : ((إنه حديث عهْدٍ بربِّه)). وفي هذا من الشوق إلى المولى عزَّ
وجلَّ ما فيه .
قال بعض الصالحين : قلوب العاشقين مُنَوَّرَة بنور الله ، فإذا تحرَّك اشتياقهم
أضاء النورُ ما بين السماء والأرض ، فيعرضهم الله على الملائكة ، فيقول : هؤلاء
المشتاقون إلَّ، أُشهد كم أنِّي إليهم أشْوَقُ .
قال معاذ بن جبل حين الوفاة : اخنْ خنْقَك ، فَوَعَّتك إني أحبُّك ،
مرحبًا بالموت ، زائر مُغِبُّ جاء على فاقة .
وإذا كان الشوْق هو سَفَر القلب في طلبٍ محبوبه وُزوعه إليه ، فهو من
أشرفِ المقامات وأجلّها وأعلاها، ومَن أنكر الشَّوْق فقد أنكر المحبَّة؛ لأن المحبَّة
تستِلِذُّ الشوْقَ ، فالمحبُّ دائمًا مشتاقٌ إلى لقاءٍ محبوبه ، لا يهدأ قلبه ولا يقُّ قراره
إلا بالوصول إليه . وشوْق المحبِّ لله عز وجل ناتجٌ عن معرفته بالله؛ فمن عرف الله
اشتاق إليه . وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوْق المحبِّ لا نهاية له ، وإذا كان
القلب حاضرًا عند ربِّه وهو غير غائب عنه ، لم يوجب له هذا أنْ لا يكون
مشتاقًا إلى رؤيته ولقائه ، بل هذا يكون أتمَّ لشوْقه وأعظمَ .
(١) حديث صحيح : رواه النسائي والحاكم عن عمَّار بن ياسر، وصحَّحه الألباني في
صحيح الجامع رقم (١٣١٢) .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٤٩
نوْعَا الشَّوْقِ :
والشّوْق نوعان :
الشوق إلى اللقاء ( الشوق إلى الجنة ) : فهذا يزول باللقاء .
وشوق في حال اللقاء : وهو تعلُّق الروح بالمحبوب تعلُّقًا لا ينقطع أبدًا،
فلا تزال الروح مشتاقةً إلى مزيد هذا التعلُّق ، ولذا يشتدُّ .
حتى يعودَ إليهِ الطّرْفُ مُشتاقًا
ما يرجِعُ الطرْف عنهُ عندَ رؤيتِهِ
ويقول القائل :
وأعظمُ ما يكونُ الشوقُ شوْقًا
ويقول الشاعر :
ومنْ عجَبٍ أني أُحنُّ إليهمُ
وتبکیھُمُ عيني وهمْ في سَوادِها
مراتِبُ الشَّوْق :
إذا دنتِ الخيامُ مِنَ الخيامِ
وأسألُ شوقًا عنهمُ وهُمُ معي
ويشكو النَّوى قلبي وهُمْ بينَ أضلعي
وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : شوْق العابد إلى الجنة ، ليأمن الخائف ، ويفرح الحزين ،
ويظفر الآمل .
الدرجة الثانية : شوْقٌ إلى الله - عز وجل - زرعه الحبُّ الذي يَنْبُت
على حافات المِنَنِ ، فعلِق قلبه بصفاته المقدَّسة ، فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه
وآيات برِّه وأعلام فضله .
والشوق إلى الله لا ينافي الشوق إلى الجنة ، فإن أَطيَبَ ما في الجنة : قُرْبُه
ورؤيته ، وسماع كلامه ورضاه . نعَمْ الشّوْقُ إلى الأكل والشرب والحور العين
في الجنة ناقص جدًّا ، بالنسبة إلى شوْق المحبين إلى رؤية الله تعالى ، بل لا نسبةً
له ألبتة .
وهذا الشّوْقَ يَثْبُتُ على حافَاتِ المِنَنِ ومطالعةِ إحسان الله ونعمه ، فيعلَّقُ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥٠
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
القلبُ بالصفاتِ المختصَّة بالمننِ والإِحسان ، كالبِرِّ والمنَّانِ والمحسن ،
والجواد والمعطي والغفور . هذا الشوْق مشحون بالبِرٌ مغشي به، وهو إما
بُّ القلب وكَثْرة خيْره ، فهذا القلب أكثر القلوب خيرًا ، فيفعل البِّرَّ تقُّبًا إلى
مَن هو مشتاقٌ إليه ، فهو يجيش بأنواع البِرّ ، وهذا من فوائد المحبَّة ؛ أنَّ
قلبَ صاحبها ينبع منه عيون الخير وتتفجّر منه يَنابيع البِّ .
الدرجة الثالثة : نار أضْرمها صفوُ المحبَّة، فنغَّصتِ العيش ، وسكبت
السلوة ، ولم يُنَهْنِهَا مَغزَّى دون اللقاء .
قال يحيى بن معاذ : عَلَامة الشوق فطَام الجوارح عن الشهوات .
وقال أبو عثمان : علامته حبُّ الموت مع الراحة والعافية ، كحال يوسف
لما أُلقي في الجُبِّ لم يقل: ((توقَّني)). ولما أُدخل السجن لم يقل: ((توفّي)).
ولمَّا تم له الأمر والأمْن والنعمة قال: ﴿توقّي مسلمًا﴾.
والشوق لا يزول بالمشاهدة ؛ فإنه لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل
الجنة ، وهم إلى يوم المزيد أشْوَق ، وكذلك هم أشْوَقُ شيءٍ إلى رؤية مولاهم
وسَمَاعِ كلامه تعالى وهُمْ في الجنة .
كانت عجوز مُغيبة : فقدِم غائبها من السَّفْر ، ففرِحَ بِهِ أهلُه وأقاربه ،
وقعدَتْ هي تبكي ، فقيل لها : ما يُكيكِ ؟ قالت : ذكّرني قُدومُ هذا الفتى
يومَ القُدْومِ على الله عزَّ وجلّ .
يا من شكا شوْقَهُ مِنْ طُولِ فْقَتِهِ
اصبرْ لعلَّك تلقى مَن تحبُّ غدًا
وقال أحدُ الصالحين: ((سبحانَ من أخرج قلوبَ المشتاقين في رياض
الطاعة بين يديه ، سبحانَ مَن أوصل الفهْمَ إلى عُقُول ذوي البصائر ، فهي لا
تعتمِد إلّا عليه ، سبحانَ من أَوْردَ حياضَ المودَّة نفوسَ أهلِ المحبة ؛ فهي لا تحنُّ
إلا إليه)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وقال أحدهم : ((إن لله - عز وجل - عبَّادًا قَدَحَ في قلوبِهِمْ زَنَدَي
الشوْقِ والمُوْقِ(١)، فأرواحهم تسرح في الملكوت، وتنظر ما ذُخِر لها في حُجُب
الجبروت؛ أولئك قوم آووا إلى كَنَفٍ محبته ورحمته)).
إلهي ، عجبًا للخليقة كيف أنست بسواك .
للهِ ما أحلى زمانًا تسعى فيه أقدامُ الطاعةِ على أرضِ الاشتياق .
فمَنِ الذي يبتاعُ بِالثَّمَنِ
بدمِ المُحِبِّ يُباعِ حُبُّهُمُ
يا أخي ، إمَّا أن تحرق قلبك بنارِ النَّدم على التقصير والشوق إلى لقاء
الحبيب، وإلّا فسيُصَاح بك: ﴿كَلَّ إِنَّهم عنْ رَبِّهم يومئذٍ لَمحجوبون﴾.
أتصبرُ للبَيْنِ أم تجْزَعُ
شجَاكَ الفراقُ فما تصنعُ
فكيفَ تكونُ إذا ودَّعوا ؟!
إذا كنتَ تبكي وهمْ جيرةٌ
أخي ، اعلمْ أن أرواح المحبِّين خرجتْ بالعبادة من أبدان العادات ، وهي
في حواصل طير الشوق ، ترفرف على أطلال الوجد ، وتسرح في رياض الألسن .
هؤلاء عندهم شغل عن كل شيء سوى محبوبهم، ما ترى عيونُهم إلا ((فبي
يسمعُ وبي يُبصر )).
وقال داود الطائيّ: ((إلهي، همُّك عطَّل علَّ الهموم، وشوقي إلى النظرِ
إليك أُوْثَقَ مني اللَّذَّات ، فأنا في سجنك أيُّها الكريم مطلوب )).
قال ذو النون - رحمه الله -: ((إن الله عبادًا ملأ قلوبَهم مِن صفاءِ محْضٍ
محبّتِهِ ، وهَيَّج أرواحهم بالشوْق إلى رؤيته ، فسبحان من شوَّق إليه أنفسهم ،
وأدنى منه هِمَمَهم ، وصفَتْ له صدورهم ، سبحان مَوفّقهم ومُؤنسٍ وحشَتِهِمْ
وطبيب أسقامهم . إلهي ، لك تواضعتْ أبدانهم منك إلى الزيادة ، انبسطت
أيديهم إلى ما طَيِّيتَ به عيْشَهم وأدمْتَ به نعيمهم . بك أنِسَتْ محبّة المحبِّين ،
وعليك معوَّل شوْق المشتاقين)).
(١) الحبُّ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
هم الذين خدموه خدمة الأبرار الذين تدفَّقت قلوبهم بيِّه وعاملوه بيِّه .
ذهبتِ الآلام عن أبدانهم لمَّا أذاقهم من حلاوة مناجاته ، ولمَّا أفادهم
من ظرائف الفوائد من عنده .
ويقول - رحمه الله - عن المشتاقين: (( هاموا بالشوْق فلا يحطُّون
رحالَ الهَمِّ إلا يفِنَاءِ محبوبِهِمْ، فلو رأيتَهم لَرأيتَ أقوامًا أزعجهم الهَمُّ عن
أوطانهم ، فهِمَمُهم إلى مولاهم سائرة ، وقلوبهم إليه من الشوْق طائرة .
فصاحَ بهم أُنْسُ الجليلِ إلى الذِّكْرِ
فداخَل همومَ القومِ للخلْقِ وحشةٌ
وأرواحهم تسري إلى مَعْدِن الفخرِ
فأجسادهُمْ في الأرض هوْنًا مقيمةٌ
وتعقِلُ عن مُؤْلاك آدابَ ذوي القدْرِ
فهذا نعيمُ القومِ إنْ كنتَ تبتغي
سيدي ومولاي :
فماذا يفعلُ القلبُ المشوقُ ؟
إذا كانت تحنُّ لكَ المطايا
نسيتُ باسمِكَ ذكْرِ المالِ والولِدِ
ما عنكَ يشغلني مالٌ ولا ولدٌ
بِهِ حروفُكَ لم تنقُصْ ولم تَزِدٍ
فلو سفكْتَ دمي في التربِ لانكتَبَتْ
قبلَ المماتِ فهُذا آخرُ الرَّمَقِ
ارحمْ حَشاشةَ نفْسٍ فيكَ قدْ ذهبتْ
وإنَّما عجبي للبعضِ كيفَ بِقِي ؟!
ولو مضی الكُلُّ مني لم یکنْ عجبًا
اشتقْ إِلى خيامِ اللؤلؤ في الجنة .. إلى غرفٍ يُرى ظاهرُها مِن باطنها
وباطنها مِن ظاهرها .
تحنُّ الكرامُ لأوطانِها حنينَ الطيورِ لأوكارِها
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٥٣
وتذكُر فيها عهودَ الصِّبًا فتزدادُ شَوْقًّا بَتَذْكَارِها
اللهمَّ ارزقنا الشوق إلى جنتك وإلى لقائك .
للهِ ما أشدَّ شوقَ المشتاقين إلى ديارهم التي طُرِد أبوهم منها :
فهلْ مِنْ عيونٍ بعدَها نستعيرُها ؟
محَتْ بعدَكُمْ تلكَ العيونَ دموعُها
إذا هبَّ نجدُّ الصَّبا يستثيرُها
وقد أخذَ الميثاقَ منكَ غديرُها
يغازِلُهُ كُرُّ الصِّبَا ومرورُها
رسالةً مشتاقٍ حواهُ سطورُها
على صفحةِ الذكرىُ محاهُ زفيرُها
أمِ الوجدُ يُذْكِي نَارَهُ ويُثِيرُها ؟
شفى النفسَ أمٌّ ثم عاد يَضيرُها
تَضوّعَ رياها وفاحُ عبيرُها
رحلْنا وفي سرِّ الفؤادِ ضمائرٌ
أتنسى رياضَ الغورِ بعدَ فراقها
يجعِّدُهُ مَرُّ الشمالِ وتارةً
فيا مسرعينَ السيرَ بالله بلِّغوا
إذا كتبتْ أنفاسُه بعضَ وجْدِها
ترفَّق رفيقي هلْ بَدتْ نارُ أرضِهِمْ
أعِدْ ذِكْرَهُمْ فهو الشفاءُ وربَّما
سقى اللهُ أَيَّامًا مضَتْ ولياليًا
ويقول آخر :
وما تلوَّم جسمي عنْ لقائكُمُ
وكيفَ يقعُدُ مشتاقٌ يحرِّكُهُ
فإن نهضْتُ فما لي غيركمْ وطرٌ
وكمْ تعرَّضَ لِي الأقوامُ بعدكُمُ
أبو الدرداء المشتاقُ إلى ربِّه :
إلّا وقلبي إليكمْ شَيِّقٌ عَجِلُ
إليكُمُ الحافزانِ : الشوْقُ والأملُ
وإنْ قعدتُ فما لي غيركمْ شُغلُ
يستأذنونَ على قلبي فما وصلوا
((كان رضي الله عنه يقول : أحبُّ الموت اشتياقًا إلى ربي ، وأحبُّ
الفقرَ تواضعًا لربي، وأحبُّ المرض تكفيرًا لخطيئتي)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥٤
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
وعبد الله بن زكريا(١): يتمنَّى الموتَ شوقًا إلى ربِّه :
قال رحمه الله : لو خُيِّرتُ بين أنْ أعيش مائةَ سنة في طاعة الله، أَوْ أُقْبَضَ
في يومي هذا أو في ساعتي هذه ؛ لَاخترتُ أن أَقْبضَ في يومي هذا أو في ساعتي
هذه؛ شوقًا إلى الله وإلى رسوله عَّه ، وإلى الصالحين من عباده.
٢
وقال محمد بن زياد : اجتمع رجالٌ من الأخيار - أو قال : من العلماء
والعُبَّاد - وذكروا الموت ، فقال بعضهم: لو أتاني آتٍ ، أو ملكُ الموت ،
فقال: أَيُكم سَبق إلى هذا العمودِ ، فوضَع يدَه عليه ؛ لمَات - لرجوتُ أَلَّا
يسبقني إليه أحدٌ منكم؛ شوْقًا إلى الله جلّ وعلا .
وكان ( أبو عبد ربِّ الزاهد ) يقول: لو أنه قيل: مَن مسَّ هذا العمودَ
لَمات ؛ لَسَرَّني أنْ أقوم إليه ؛ شوقًا إلى لقاء الله ورسوله .
وقال أبو عتبة الخولاني: كان إخوانكم لقاءُ اللهِ أحبُّ إليهم من الشَّهْد .
قال سفيان : كان بالكوفة رجلٌ متعبِّد من همذان ، فذكروا عنه أنه كان
يقول : إذا ذكرتُ القدومَ على الله كنتُ أشدَّ اشتياقًا إلى الموت من الظمآن
الشديد ظمؤه ، في اليوم الحارِّ الشديدِ حُرُّه ، إلى الشراب البارد الشديد بردُه .
وقال عبيد الله بن محمد التميمي : سمعتُ امرأةً من المتعبِّدات تقول :
واللهِ ، لقد سئمتُ من الحياة ، حتى لو وجدتُ الموتَ يُباعُ لاشتريته ؛ شوْقًا
إلى لقاء الله وحبًّا للقائه . قال : فقلت لها : أَفَعَلى ثقةٍ أنتِ من عملك ؟ قالت :
لا ، ولكن لحبِّي إِيَّه، وحُسْن ظني به ؛ أَفَتَراهُ يعذّبني وأنا أحبُّه ؟ !.
وكان ( أبو عبد الله النباجي) يقول في مناجاته: ((إنك لَتعلم أنَّك
(١) عبد الله بن أبي زكريا، وقيل: ((ابن زكريا الخزاعي؛ ثقة صاحبُ غزوٍ ، وكان
من فقهاء دمشق، روى عن أمّ الدرداء وعبادةَ بن الصامت)).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٥٥
لو خَيَّرتني بين أن تكونَ لي الدنيا منذُ خُلقَتْ أتنعَّمُ فيها حَلَالًا، ولا أُسال
عنها يوم القيامة ، وبين أن تخرج نفسي الساعة - لَاخترتُ أن تخرج نفسي
الساعة . ثم قال: إلا تحبّ أن تلقى مَن تطيع؟!)).
الفتح بن شخروف : طال شوقي إليك فعجّلْ قدومي عليك :
صحِبَ رجلٌ الفتح بن شخروف بن داود ثلاثين سنة . قال : فلمْ أره
رفع رأسه إلى السماء ، إلّا مَّة واحدة ؛ رفع رأسه وفتح عينيه ونظر إلى السماء ،
ثم قال : قد طال شوقي إليك ، فعجِّلْ قدومي عليك .
فتح الموصلي : المشتاقُ الصادِق :
وقال فتح الموصلي في يومِ عيد أضحى: قد تقَّب المتقرِّبون إليك بقربانهم،
وأنا أتقَّب إليك بطول حزْني . يا محبوب ، لِمَ تتركني في أزقّة الدنيا محزونًا ؟
ثم غُشي عليه ، وحُمِل فدُفِن بعد ثلاثٍ ، رحمه الله تعالى .
وقال عبد الواحد بن زيد : يا إخوتاه، ألا تبكون شْقًا إلى الله عز وجل ؟
ألا مَنْ بكى شوْقًا إلى سيِّده، لم يَحرمه النظر إليه .
وكان أبو عبيدةَ الخَوّاص يمشي في الأسواق ويقول : واشوقاه إلى من
يراني ولا أراه !!
للهِ ما أرفعها وأعلاها من درجة .. الشوق إلى الله !! وما أعلى همَّة
صاحبها !!
قال حبيب بن عبيد(١): ((كان دليجة إذا مشى طاشت قدَمَاه من العبادة،
فقيل له: ما شأنك؟ قال: الشَّوْق. فقيل له: أَبْشِرْ؛ فإنَّ الأمير قد بعث إلى شيوخ
المسلمين ليأذن لهم. فيقول: ليسَ شوقي إلى ذلك؛ إذ شوقي إلى مَن يحثُّها)).
(١) انظر ترجمته في الحلية ١٠٢/٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
وقال ( عثمان بن صخر العتكي): طوبى لمحبي الربِّ الذين عبدوه بالفرح
والسرور ، والأنس والطمأنينة ، فصاروا الصفوة من الخلّق ، والخاصَّة من البريّة ،
يحتُّون إليه حنين الولْهان ، ويشتاقون إليه شوْقَ مَن لا صبرَ لهم عنه ، قد كُسروا
بالخوف ، وروَّحوا بالظفر .
وكانت امرأة من العابداتِ بمكَّة تقول : أو ليس عجبًا أن أكون حيَّة
بين أظهُرِ كُمْ ، وفي قلبي مِن الاشتياق إلى ربي مثل شُعَل النارِ التي لا تُطفاً ،
حتى أصيرَ إلى الطبيب الذي عنده بُرُءُ دائي وشفائي ؟!
ورأى أحدهم داودَ الطائي منامًا ، فسمعه يقول :
ما نالَ عبدٌ منَ الرحمن منزلةً أعلى مِنَ الشوقِ إِنَّ الشوْق محمودُ
وقال ذو النون : إذا استحكَمتْ معاني المحبَّة في قلب المؤمن ، سكن
بعدها الشوق ، فإذا اشتاقَ أدَّاه الشوْقُ إلى الأُنس بالله ، فإذا أنس بالله اطمأنَّ
إلى الله ، فإذا اطمأنَّ كان ليلَه في نعيم ، ونهارَه في نعيم ، وسرّه في نعيم ، وعلانيته
في نعيم .
إبراهيم بن أدهم يرى ربّه منامًا :
((قال إبراهيم بن أدهم : قلتُ يومًا: اللهمَّ إن كنتَ أُعطيتَ أحدًا من
المحبِّين لكَ ما أسكنتَ به قلوبهم قبل لقائك ؛ فأعطني ذلك ، فلقد أَضَّ بي
القلق . قال : فرأيتُه تبارك وتعالى في النوم ، فوقَفني بين يديه ، وقال لي :
يا إبراهيم ، أمَا استحييتَ مني؟ تسألني أن أُعطيك ما يَسكُنُ به قلبك قبل
لقائي، وهل يسكُن قلبُ المشتاق إلى غير حبيبه ؟! أم هل يستريح المحبُّ إلى
غير من اشتاق إليه ؟! قال : فقلتُ : يا ربِّ ، تهتُ في حبِّك فلمْ أدرِ ما
أقول ))(١).
(١) استنشاق نسيم الأنس ص١٠٣ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٧٥٧
اصبرْ لعلَّكَ تلقى مَنْ تُحِبُّ غدًا
يا مَنْ شكا شوقه من طُول فُرقتِهِ
عسَاك تلقى على نارِ الغرامِ هدى
وسِرْ إليه بنارِ الشّوْقِ مجتهدًا
(( قال الجنيد سمعتُ السري يقول : الشوقُ أجلُّ مقامِ العارف ،
إذا تحقَّق فيه . وإذا تحقَّق بالشوقِ ؛ لها عن كلِّ ما يشغله عمَّن يشتاق
إليه ))(١) .
قال ابن القيم : الشوقُ إلى لقاءِ الله : رأس مال العبد ، وملاك أمْره ،
وقوام حياته الطيبة ، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه ، وقَّة عينه .
والراغبون ثلاثة أقسام : راغبٌ في الله ، وراغبٌ فيما عند الله ، وراغبٌ
عن الله ؛ فالمحبُّ راغب فيه ، والعامل راغبٌ فيما عنده ، والراضي بالدنيا من
الآخرة راغب عنه، ومَن آثر الله على غيره آثره الله على غيره. ﴿فإذا فرغتَ
فانصبْ وإلى ربِّك فارغبْ﴾ [الشرح: ٧، ٨]، وقال تعالى: ﴿ولو أنهم رضُوا
ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى
الله راغبون ﴾ [ التوبة : ٥٩ ].
قال يحيى بن معاذ: ((يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطَرَه من
شيئين: بكاؤه على نفسه ، وشوقه إلى ربِّه)).
علّ بن سهل المدائني : أنتَ العليمُ أنَّ الشوْق قد بَّح بي :
((كان علي بن سهل المدائني - رحمه الله - يقوم إذا هدأتِ العيون، فينادي
بصوت له محزون : يا من اشتغلتْ قلوب خلْقِه عنه ، بما يُعقبهم عند لقائه ندمًا .
ويا من سهت قلوب عباده عن الاشتياق إليه ، إذ كانت أياديه إليهم قبل معرفتهم
به . ثم يبكي حتى تبكي لبكائه جيرانه ، ثم يُنادي : ليتَ شعري !! سيدي ،
(١) روضة المحبِّين لابن القيم ص٤٣٧.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥٨
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
إلى متى تحبسني ؟! ابعثني سيِّدي إلى حُسْن وعدك، وأنت العليم أنَّ الشوق
قد بَرَّح بي ، وطال علّ الانتظار . ثم يخُّ مغشيًّا عليه ، فلا يزال كذلك
حتى يُحَرَّك لصلاة الصبح)) (١) .
والحارِثُ بنُ عُمَير مشتاقٌ إلى لقاءٍ سيِّده :
((وكان الحارث بن عمير - رحمه الله - يقول إذا أصبح: ((أصبحتُ
ونفْسي وقلبي مُصِرُّ على حبِّك سيِّدي ، ومشتاق إلى لقائك، فعجِّل بذلك
قبل أن يأتيني سواد الليل )) . فإذا أمسى قال مثل ذلك ، فلم يزل على مثل
هذا الحال ستين سنة ))(٢).
ترى ما لا يراهُ الناظرونا
قلوبُ العارفينَ لها عُيونُ
فتأوي عند ربِّ العالمينا
وأجنحة تطيرُ بكلِّ شوْقٍ
((فبؤسًا وتعْسًا للنفوس الوضيعة الدنيئة ، التي لا يهُّها الشوق طَرَبًا،
ولا تَتَّقد نارُ إرادتها لذلك رغَبًّا، ولا تبعد عمَّا يصدّ عن ذلك رهَبًا. تجول
حول الحُشِّ ، إذا جالت النفوسُ العُلويَّة حول العرش ، وتندسُّ في الأحجار
إذا طارت النفوس الزكيَّة إلى أعلى الأوكار .
فلمْ ترَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا إلى الفضلِ حتى عُدَّ ألفّ بواحِدٍ ))
أخي ، أبدان المحبّين عند أهل الدنيا وقلوبهم عند الحبيب .
وترحل وتحدث عجبًا أن قلبًا سار عن جسمِ أقامًا
واللهِ دُّ ذي النون وهو يقول :
أموتُ وما ماتتْ إليكَ صبابتي ولا رَوِيتْ مِن صدقِ حُبِّك أو طاري
(١)، (٢) الطريق إلى الله. أو كتاب الصدق لأبي سعيد الخراز ص ١١٨، ١١٩ تحقيق:
د . عبد الحليم محمود - الناشر : دار الإِنسان .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٥٩
وأنت الغِنى كلُّ الغنى عند إقتاري
مناي المنى كلُّ المنى أنت لي مُنِى
وموضع شكواي ومكنونُ إضماري
وأنت مدی سُؤلي وغاية رغبتي
فارزقنا اللهمَّ صِدْقَ محبَّتك والشوق إليك .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد