النص المفهرس

صفحات 721-740

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢١
ممَّن يحبُّك ، ويحبُّ ملائكتك ، ويحبُّ رُسُلَك ، ويحبُّ عبادك الصالحين.
اللهمَّ حبّني إليك وإلى ملائكتك، وإلى رُسُلك وإلى عبادك الصالحين))(١).
حكيم بن حِزام سيِّدٌ شعارُه الحبُّ :
كان رضي الله عنه يطوف بالبيت ويقول : لا إله إلا الله ، نِعْمَ الرب
ونِعْمَ الإِله ، أحبُّه وأخشاه(٢) .
((وقال هرم بن حيَّان: المؤمن إذا عرف ربَّه عز وجل أحبَّه، وإذا أحبَّه
أقبل إليه ، وإذا وجد حلاوة الإِقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعيْن الشهوة ، ولم
ينظر إلى الآخرة بعين الفترة ، وهي تُحسِّرِه في الدنيا وتروِّحه في الآخرة .
وقال أبو سليمان الداراني : إنَّ من خلْقِ الله خلقًا ما يشغلهم الجِنانُ
وما فيها من النعيم عنه، فكيف يشتغلون عنه بالدنيا؟! ))(٣).
العَبَّاسُ يُوصي ابنَه حَبْرَ القرآن بحبِّ الله :
((عن عبد الله بن إبراهيم القرشي قال : لما نزل بالعباس بن عبد المطلب
الموت ، قال لابنه عبد الله : إني موصيك بحبِّ الله وحبِّ طاعته ، وخوف الله
وخوف معصيته ، وإنك إذا كنتَ كذلك لم تكره الموت متى أتاك)) (٤) .
سيروا إلى ربِّكم سيرًا جميلًا :
قال خليد العصري : يا إخوتاه : هل منكم من أحد لا يحبُّ أن يلقى
حبيبه ؟ ألا فأحِبُّوا ربَّكم عز وجل وسيروا إليه سيرًا جميلًا ، لا مصعدًا ولا
(١) المصدر السابق ص ٤١.
(٢) استنشاق نسيم الأنس ص١٢٩ .
(٣) إحياء علوم الدين ٣١٣/٤ .
(٤) استنشاق نسيم الأنس ص١٢٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
مميلًا(١).
٧٢٢
قال أبو سليمان الداراني : مَن كان اليوم مشغولًا بنفسه ، فهو غدًا
مشغول بنفسه ، ومن كان اليوم مشغولاً بربِّه، فهو غدًا مشغول بربه .
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني لغلامه: (( يا غلام ، لا يكن همك
ما تأكل وما تشرب وما تلبس ، وما تنكح وما تسكن وما تَجمع ، كل هذا
هُّ النفس والطبع، فأين همُّ القلب ؟! همُّك ما أهمَّك فليكنْ همّكَ رَبّك
عز وجلَّ وما عنده )) .
والله دُرُّ القائل :
فاستجمعتْ مُذْ رآكَ القلبُ أهوائي
كانتْ لقلبيَ أهواءٌ مفرَّقَةٌ
وصرتُ مولَى الورى مُذْ صرتَ مولائي
فصارَ يحسُدني مَن كنتُ أحسُدُهُ
شُغلًا بحبِّك يا دِيني ودنيائي
تركتُ للناسِ دنياهِمْ وهَوَهُمُ
وقال الشاعر :
بحبِّكَ أنْ يحلَّ به سواكا
أروحُ وقد ختمتَ على فؤادي
فلو أني استطعتُ غضضْتُ طِرْفِي
أُحبُّك لا ببعضي بل بكلِّي
وفي الأحباب مختصُّ بوجْدٍ
وكلٍّ يدَّعي حبًّا لربي
فلمْ أنظر به حتى أراكا
وإن لم يُبِقِ حُبُّك لي حِراكا
وآخر يدَّعي معهُ اشتراكا
وربي لا يُقرُّ لهم بذاكا
تبيَّنَ مَن بكى ممَّن تباكى
إذا اشتبکتْ دموعٌ في خدودٍ
فأمَّا مَن بكى فيذوبُ وجْدًا
وينطقُ بالهوىُ مَن قد تباكى
(١) استنشاق نسيم الأنس ص١٢٧، حلية الأولياء ٢٣٢/٢، وصفة الصفوة ٣/
٢٣٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢٣
النفسُ المطمئنَّة هي المُحِبَّة لربِّها ، عندَ الحسَن البصري :
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿يأيَّتها النفسُ المطمئنة﴾ [ الفجر: ٢٧] :
((النفس المؤمنة اطمأنت إلى الله واطمأنَّ إليها، وأحبَّتْ لقاء اللهِ وأحبَّ لقاءَها،
ورضيتْ عن الله ورضي عنها ، فأمَر بقبْضِ روحها ، فغفر لها وأدخلها الجنة ،
وجعلها من عباده الصالحين )).
هممُ الأبرار متصلة بمحبَّة الرحمن :
وقال نعيم بن صبيح السعدي : همم الأبرار متصلة بمحبَّة الرحمن ،
وقلوبهم تنظر إلى موضع العزِّ من الآخرة بنور أبصارهم .
طوبى لقُلُوبٍ ملأتها محبّة الله :
وقال مسمع بن عاصم : سمعتُ عابدًا من أهل البحرين يقول في جوف
الليل : قَّة عيني وسرور قلبي !! ما الذي أسقطني من عينك يا مانح العصم ..
ثم صرخ وبكى ، ثم نادى : طوبى لقلوبٍ ملأتها خشيتُك ، واستولت عليها
محبّتك ، فمحبتك مانعة لها من كلِّ لذَّة غير مناجاتك والاجتهاد في خدمتك ،
وخشيتك قاطعة لها عن سبيل كلٌّ معصيةٍ خوفًا لحلول سُخْطك . ثم بكى
وقال: يا إخوتاه ، ابكوا على فْت خَيْر الآخرة ؛ حيث لا رجعة ولا حيلة .
ضيْغَمُ بنُ مالكِ المحبُّ الخائف :
قال ضيغم يومًا لمولَّى له: ((منعني - والله - حبُّ الله من الاشتغال
بحبِّ غيره. ثم سقط مغشيًّا عليه)) (١) .
(( وكان رحمه الله يقول وهو ساجد: إلهي، كيف عَزَفَتْ قلوبُ الخليقة
عنك ؟! وربما أصابتْه الفترة ، فإذا وجدَ ذلك اغتسَل ، ثم دخل بيتًا فأغلق بابه
(١) استنشاق نسيم الأنس ص١٣٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٢٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
وقال : إلهي ، إليك جئتُ .. فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود .
قالت له أمه ذات يوم : ضيغم .. قال : لبيكِ يا أماه . قالت : كيف
فرحُك بالقدوم على الله ؟ فصاح صيحة لم يسمعوه صاحَ مثلَها قطُّ ، وسقط
مغشيًّا عليه ، فجلسَتِ العجوز تبكي عند رأسه وتقول : بأبي أنت !! ما
تستطيع أن نذكُر بين يديك شيئًا من أمْرٍ ربك))(١).
وكان كلاب بن جري العابد يقول في سجوده : وعزَّتِكَ، لقد خالَطَ
قلبي من محبَّتك ما يكُلُّ لساني عمَّا أَجد منه في نفسي .
دواءُ المحبّين في الجبالِ لم يَنْبُت :
وقدِمتْ شعوانةُ العابدة وزوجها مكَّة، فجَعَلا يطوفان ويصلِّان ، فإذا
كَلَّا وأعييا جلس وجلست خلفه ، فيقول في جلوسه : أنا العطشان من حبِّك
ولا أُرْوَى . وتقول هي بالفارسية: يا سيدي، أنبتَّ لكل داءٍ دواءً في الجبال ،
ودواءُ المحبِّين في الجبال لم ينبت .
ودخلوا على عابدٍ في البصرة وهو يجود بنفسه وهو يقول : أنا عطشانُ
لم أروَ من حبِّ ربي ، وجائع لم أشبع من حبِّ ربي .
وفتح الموصلي من سادات المحبّين :
وقال المعافى بن عمران : كلَّمتُ فتْحًا الموصلي في شيء ، فقال : لم تترك
المحبَّة الله في قلوب أوليائه موضعًا لمحبة غيره .
عُتبةُ الغلام القائل : تُراكَ مولاي تعذِّب محِبِّك وأنت الحُّي الكريم :
(( قال سليم النحيف : رمقتُ عُتبة ذات ليلة ، فما زاد ليلته تلك على
(١) صفة الصفوة ٣٥٩/٣ - ٣٦٠.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢٥
هذه الكلمات : إنْ تعذِّبْني فإني لك محبّ ، وإن ترحمني فإني لك محبّ .
فلم يزلْ يردِّدها وبيكي حتى طلع الفجر .
وقال محمد بن فهد المديني : كان عتبة يصلّي هذا الليل الطويل ،
فإذا فرغ رفَع رأسَه فقال : سيِّدي ، إن تعذِّبْني فإني أُحبُّك، وإنْ تعفُ عني
فإني أحبُّك .
وقال عنبسة الخوَّاص : بات عندي عُتبةُ ذات ليلة ، فبكى من السَّحَر
بكاءً شديدًا ، فلمَّا أصبح قلتُ له : قد فزعتَ قلبي الليلة بيكائك ، ففيم ذاك
يا أخي ؟ قال : يا عنبسة، إني والله ذكرتُ يوم العرض على الله . ثم مال
ليسقط فاحتضنتُه ... فناديتُه: عتبة عتبة ، فأجابني بصوتٍ خَفِّ: قطَّع ذكْرُ
يومِ العَرْض على الله أوصالَ المحبِّين . قال : ويردِّده ، ثم جعل يحشرج البكاء
ويردِّده حشرجةً الموت ويقول : تُراك مولاي تعذِّب محبِّيك وأنت الحُّي
الكريم ؟! قال : فلمْ يزلْ يردِّدها حتى والله أبكاني .
وقال عُتبة رحمه الله: من سكن حبُّه قلبَه لم يجدْ حَرّا ولا بْدًا . قال
عبد الرحيم بن يحيى الدبيلي : يعني من سكن حبُّ الله قلبَه ، شغَله حتى لا
يعرف الحَّ من البرد ، ولا الحُلو من الحامض ، ولا الحارَّ من البارد.
وقال عتبة رحمه الله : مَن عرف الله أحبَّه ، ومن أحبَّ الله أطاعه ،
ومن أطاع الله أكرمه ، ومَن أكرمه أسكنه في جواره ، ومن أسكنه في جواره
فطوباه وطوباه ، وطوباه وطوباه . فلم يزل يقول : وطوباه. حتى خرّ ساقِطًا
مغشيًّا عليه .
وكان رحمه الله يقول : سبحان جبَّارِ السماءِ، إن المحبَّ لفي عناء))(١).
(١) حلية الأولياء ٢٣٤/٦ - ٢٣٦.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٢٦
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
يحيى بن معاذ الرازي المحبُّ :
قال رحمه الله: ((اللهمَّ لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان ، ويهرب منك
بالقلوب ، يا أكرم الأشياء علينا ، لا تجعلنا أهون الأشياء عليك)).
قال رحمه الله: (( لو أدركتِ القلوب كنْه المحبَّة لخالقها ، لانخعلت
مفاصلها وَلَهًا ، ولَطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشًا . سبحان من أغفل
الخليقَة عن كثْهِ هذه الأشياء ، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء )).
وكان رحمه الله يقول: (( يا من رجّاني في الطريق بنعمه، وأشار لي في
الورود إلى كَرَمِه ، معرفتي بك دليلي عليك، وحبِّي لك شفيعي إليك)).
و کان رحمه الله يقول : « هذا سروري بك خائفًا ، فكيف سروري بك
آمنًا ؟! هذا سروري بك في المجالس ، فكيف سروري بك في تلك المجالس ؟!
هذا سروري بك في دار الفناء ، فكيف سروري بك في دار البقاء ؟! )) .
وانظر إلى هذا السيد المحبّ يحيى بن معاذ ؛ كيف يستمطر الدمع حين
يقول :
ولا فَرَجٌ ممَّا أرى في بلائیا
أموتُ بدائي لا يُصابُ دوائیا
ولا يعلم العُذّالُ ما في حشائًا
يقولونَ یحیی جُنَّ من بعد صحَّةٍ
فَمَنِ غيرَه يرجو طبيبًا مداويًا
إذا كان داء المرءِ حبّ مليكِهِ
وخلُّوا عناني نحو مولى المواليا
ذروني وشأني لا تزيدوا كربتي
ولا تكشفوا عمَّا يجنُّ فؤاديا
ألا فاهجروني وارغبوا في قطيعتي
لآنسَ بالمولى على كلِّ ما بيا
كِلوني إلى المولى وكُفُّوا ملامتي
وقال رحمه الله: ((عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ؟! ورضوانه
يستغرق الآمال فكيف حبُّه ؟! وحبُّه يُذْهش العقول فكيف وُدُّه ؟! ووُدُّه يُنسي ما
دونه فكيف لطفه ؟!
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢٧
وقال رحمه الله : مثقال خردلة من الحُبِّ أحبُّ إلَي من عبادة سبعين
سنة بلا حبٍّ .
وقال رحمه الله : إلهي ، إني مقيم بفنائك ، مشغول بثنائك، صغيرًا
أخذتَني إليك ، وسربلتَني بمعرفتك ، وأمكنتني من لطفك ، ونقلتَني في
الأحوال، وقلّبْتني في الأعمال سترًا وتوبة وزهْدًا، وشوقًا ورضًا وحبًّا ،
تسقيني من حياضك ، وتهملني في رياضك ، ملازمًا لأمرك ، ومشغوفًا
بقولك ، ولمَّا طَّ شاربي ولاح طائري ، فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرًا ،
وقد اعتدْتُ هذا منك صغيرًا ، فلي ما بقيتُ حولك دندنة ، وبالضراعة إليك
همهمة ؛ لأنى محبٌّ ، وكُلُّ محبّ بحبيبه مشغوف ، وعن غير حبيبه
مصروف ))(١).
وكان رحمه الله يقول : إلهي ، ذنبي إلى نفسي فأنا معناه ، وحبِّي لك
هو لك فأنت معناه ، والحبُّ أعتقده لك طائعًا ، والذنبُ آتيه مني كارهًا ،
فَهَبْ كراهة ذنبي لطواعية حبي إنك أرحم الراحمين(٢).
وكان رحمه الله يقول: واسوأتاه منك إذا شاهدتَني وهمَّتي تسبق إلى
سواك ، أم كيف لا أضني في طلب رضاك !!
وقال رحمه الله ، قلب المحبِّ يهيم بالطيران ، وتكلمه لدغاتُ الشَّوْق
والخفقان .
وقال رحمه الله: ((لو لم يسكنهم ببلواهُ لَطارت بهم نُعَماه ، ولم يصل
إليه من لم يرضَ بقسْمه ، ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمه ، ولم يحبه مَنْ لم يِهْ
في کرمه .
(١) الإِحياء ٣١٣/٤.
(٢) حلية الأولياء ٥١/١٠ - ٥٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٢٨
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وقال : حين خاطروا بالنفوس اقتربوا ، وهذا طعْم الخبَر فكيف طعْم
النظر ؟!
وقال : أولياؤه أُسراءُ نِعَمه ، وأصفياؤه رهائنُ كرمه ، وأحباؤه عبيد
مِنَنِهِ ، فهم عبيد محبَّةٍ لا يُعتقون، ورهائن كرَمٍ لا يُفكّون ، وأسراء نعم لا
يُطلَقُون .
وقال رحمه الله في وصف المحبّين : قوم على فرش من الذِّكْر ،
في مجلس من الشَّوْق ، وبساتين من المناجاة ، بين رياض الأطراب ، وقُصور
الهيبة وفناء مجلس الأنس ، معانقي عرائس الحكمة بصدور الأفهام ، مناعي
زفرات الوجد وجوه الآخرة بفنون الأفراح ، تعاطوا بينهم كأس حبِّه ، سقاهم
فيها ، وغَوَتھم علی شّربها فرقان الشجي ، تجري في الأكباد تُدیم علیھم ذكْر
الحبيب ، ويبلبلهم معها هيمان الوجود .
طرب الحبّ على الحبِّ مع الحبِّ يدومْ
عجبًا لمن رأينا ◌ُ على الحبِّ يلومْ
ـستُّ معَ الشّوْقِ أَحومْ
حوْلَ حبِّ اللهِ ما عشـ
ــتُ حياتي وأقومْ
وبه أقعُدُ ما عشْـ
وقال أيضًا رحمه الله :
وفؤادُه مِن حبِّه يتقطَّعُ
نفسُ المحبِّ إلى الحبيبِ تَطَّعُ
بحبيبه يشكو إليه ويضرَعُ
عَّ الحبيبُ إذا خلا في ليلِهِ
والقلبُ منه إلى المحبَّةِ ينزعُ))(١)
ويقومُ في المحرابِ يشكو بنَّهُ
سمنون بن حمزة الخوَّاص :
قال ابن رجب : ((كان سمنون شديد المحبَّة. ويُقال: إنه تكلّم يومًا في
(١) انظر ترجمة يحيى في الحلية، ٥١/١٠ - ٧٠.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢٩
المحبَّة فاصطفقتْ(١) قناديلُ المسجد حتى تكسَّرت ، وأنه تكلّم يومًا فيها فجاء
طائر يضرِبُ بمنقاره الأرض حتى مات ))(٢).
وكان رحمه الله يقول :
وكلُّ همِّي إليهِ مصروفُ
يا مَنْ فؤادي عليهِ موقوفُ
إنْ لم يكنْ لي لديكَ معروفُ
يا حسرتي حسرة أموتُ بها
وقال رحمه الله :
كأنَّ رقيبًا منكَ يرعى خواطري
فما خطَرَتْ من ذكْرٍ غيركَ خطرةٌ
وقال :
لقدْ كانَ يسبي القلبَ في كلِّ ليلةٍ
يهيمُ بهذا ثمَّ يألفُ غيرَهُ
وقد كان قلبي خاليًا(٤) قبلَ حُبُّكُمْ
فلمَّا دعا قلبي هواك أجابَهُ
حُرِمتُ منائي منك إن كنتُ كاذبًا
وإنْ كان شيءٌ في الوجود سواكمُ
إذا لعبتْ أيدي الهوىُ بمُحبِّكمْ
فإنْ أدركتْهُ غَرْبَةٌ عنْ ديارِكُم
وكمْ مشتر في الخلْقِ قد سامَ قلبُهُ
هوىُ غيركُمْ نارٌ تلظَّى ومَحْبس
وآخر يرعى ناظري ولسانيا
على القلبِ إلّا عرَّجا بعنانيا (٣)
ثمانون بلْ تسعون نفْسًا وأرجحُ
ويسلُوهُمُ من فوْرهِ حين يُصبحُ
وكان بحبّ الخلْق يلهو ويمرحُ
فلستُ أراهُ عن حيائك يبرحُ
وإن كنتُ في الدنيا بغيرك أفرحُ
يَقُرُّ بِهِ القلبُ الجريحُ ويفرحُ
فليسَ لهُ عنْ بابِكُمْ مُتَرَحْزَحُ
فحبُّكُمْ بينَ الحشَا ليسَ يَبرِحُ
فلمْ يرَهُ إلّ لحبِّك يَصلحُ
وحُبُّكُمُ الفردوسُ بلْ هو أفسحُ
أي : اضطربتْ .
(١)
(٢) استنشاق نسيم الأنس ١٣٤ - ١٣٥.
(٣) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢٣٥/٩.
(٤) وفي أخرى : ضائعًا .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
فيا ضيْم قلب قدْ تعلَّقَ غيرَكُمْ ويا رحمةً مما يجولُ ويكدحُ
(( وقال له بعض الخلفاء : يا سمنون ، كيف وصلتَ إليه ؟ قال : ما
وصلتُ حتى عملتُ ستَّة أشياء : أمَتُّ ما كان حيًّ وهو النفْس ، وأحييتُ ما
كان ميتًا وهو القلب ، وشاهدتُ ما كان غائبًا وهو الآخرة ، وغيَّبتُ ما كان
شاهدًا وهي الدنيا ، وأبقيتُ ما كان فانيًا وهو المراد ، وأفنيتُ ما كان باقيًا
وهو الهوى ، واستوحشتُ ممَّا تستأنسون ، وأَنِسْتُ مما تستوحشون .
رُوحي إليك بكلِّها قدْ أَجْمعتْ لو أُنَّ فيكِ هَلَاكَها ما أُقْلعتْ
حتى يُقالَ مِنَ البكاءِ تقطّعتْ
تبكي عليكَ بكُلِّها في كلِّها
وله أيضًا :
وطاعاتُ خلْقِكَ ليستْ تضِي
لطائفُ برِّك ما تنقضي
ولم يقتضُوا لكَ ما يقتضي
تقاضَوْك بَرًّا فأَوفيتَهُمْ
سوى ما تحبُّ وما ترتضي
وما تُبصرُ العَيْنُ يا سيِّدي
وقال :
٠
حرامٌ على قلبٍ تحرمَ بالهوى
تفرَّدَ فيهِ فانفردتُ بحبِّهِ
وقال :
يكونُ لغيْرِ الحقِّ فيهِ نصيبُ
فصارَ علَّ شاهد ورقيبُ
قولٌ ولا قلمٌ في الخلْق يحكيهِ
بين المحبِّين سرٌّ ليسَ ينسبهُ
وقال :
عقلٌ لإِدراكه عزّ وتدبيرُ
الحبُّ شيءٌ لطيفٌ ليسَ يُدركُهُ
أهُلُ الإِشارةِ لا كيْفٌ وتقديرُ
لكنَّه في مجاري السرِّ يعرفُهُ
وقال :
فما وراءَكَ لي حظٌّ ومطلوب))(١)
ألستَ لي عوضًا مني كفى شرفًا
(١) عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري ص١٠٩ - ١١١ . دار البصائر.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٣١
لا تُحْدَعَنَّ فِلِلْحبيبِ دلائلُ *
علاماتُ المحبِّ عالي الهمَّة :
وحتى لا يدَّعي الخلي حُرْقَةَ الشجّي ، فما أسهل الدعوى وما أعَّ
المعنى ؛ فالمحبَّة شجرة طيبة أصلُها ثابتٌ وفْعُها في السماء ، وثمارها تظهر في
القلب واللسان والجوارح .
قيل للبيضاءِ بنتِ الفضْل : هلْ للمحبِّ للهِ دلائُ يُعرفُ بها ؟ فقالت :
والمحبُّ للسيِّد لا يخفى، لو جهد المحبُّ للسيِّد أن يخفى ما خَفِي . فقيل لها:
صِفِيه . قالت : لو رأيت المحبَّ لله - عز وجلَّ - لرأيت عجبًا؛ من والهٍ ما
يقُّ على الأرض ، طائر مستوحِش، أَنْسُه في الوحدة ، قد مُنِع الراحة ، طعامه
الحُبُّ عند الجُوعِ ، وشرابُه الحُبُّ عند الظمأ ، لا يملُّ من طول الخدمة لله
تعالى .
قال أبو تراب النخشبي :
ولديهِ من تُحَفِ الحبيبِ وسائلُ
لا تُخْدَعَنَّ فللحبیبِ دلائلُ
وسروره في كلِّ ما هو فاعلُ
منها تنعُّمُهُ بمرِّ بلائِهِ
والفقرُ إكرامٌ وِبِرٌّ عاجِلُ
فالمنْعُ مِنْهُ عطيّةٌ مقبولةٌ
ومِنَ الدلائل أنْ ترىُ مِن عزمِهِ
ومِن الدلائل أن يُرى متبسِّمًا
ومِن الدلائل أنْ يُرى متفهِّمًا
ومن الدلائل أنْ يُرى متقشِّفًا
طوْعَ الحبيبِ وإِنْ ألحّ العَاذِلُ
والقلبُ فيهِ مِنَ الحبيبِ بلابلُ
لكلامِ مَن يحظى لديهِ السائل
متحفِّظًا من كلِّ ما هو قائلُ
وقال يحيى بن معاذ :
ومن الدلائل أنْ تراه مُشَمِّرًا
ومن الدلائل حزنُهُ ونحيبُه
ومن الدلائل أن تراهُ مسافِرًا
في خِرقتين على شطوط الساحلِ
جوْفَ الظلامِ فما لهُ من عاذِلِ
نحوَ الجهادِ وكلِّ فعْلٍ فاضلٍ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
من دار ذل والنعيم الزائلِ
ومنَ الدلائلَ زهدُه فيما يرى
أن قد رآه على قبيح فعائل
ومن الدلائل أنْ تراهُ باكيًا
كلَّ الأمور إلى المليكِ العادِلِ
ومن الدلائل أن تراهُ مُسَلّمًا
بملیکِهِ في کلِّ حكْمِ نازِل
ومن الدلائل أنْ تراهُ راضيًا
والقلبُ محزونٌ كقلْبِ الثاكِلِ
ومن الدلائل ضحگهُ بين الورى
((قال الله تعالى: ﴿يأيُّها الذين آمنوا مَن يرتدَّ منكم عن دينه فسوف
يأتي اللهُ بقومٍ يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون
في سبيل اللهِ ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يشاءُ واللهُ واسع
عليم ﴾ [ المائدة : ٥٤ ].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ إنْ كنتمْ تحبُّون اللهَ فاتبعوني يحببكم اللهُ ويغفر لكم
ذنوبَكم واللهُ غفور رحيم ﴾ [آل عمران: ٣١].
فوصَفَ اللهُ سبحانه المحبّين لهُ بخمسةٍ أوصاف :
أحدها : الذلَّة على المؤمنين ، ولين الجانب ، وخفضُ الجناح ، والرحمة
والرأفة للمؤمنين. فالمحبُّ يذلُّ لمحبوبه ومحبوب محبوبه .
لِعَيْنٍ تفدَّى ألفُ عينٍ وتَتَّقَى وَيُكْرَمُ ألفٌّ للحبيبِ المكَرِّمِ
الثاني : العَّة على الكافرين والشدَّة والغلْظَة عليهم ؛ سئلَ المرتعش : بِمَ
تُنالُ المحبَّة ؟ قال : بموالاة أولياء اللهِ ، ومعاداة أعدائه .
الثالث : الجهاد في سبيل الله ومجاهدة أعدائه باليد واللسان ؛ وذلك من
تمام معاداة أعداء الله الذي تستلزمه المحبَّة . ودعاء الخلق إلى الله وردُّهم إليه .
قال إبراهيم بن أدهم : سمعت رجليْن من الزُّهَّاد يقول أحدهما للآخر :
يا أخي ، ما ورث أهُلُ المحبَّة من محبّتهم ؟ قال: فأجابه الآخر : ورثوا النظر
بنور الله ، والعطف على أهل معاصي الله . قال : فقلتُ له : كيف يعطفُ على
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
.

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٧٣٣
قوم قد خالفوا أمْر محبوبه ؟ فقال : مقتَ أعمالَهم ، وعطف عليهم ، ليزيلهم
بالمواعظ عن فِعالهم ، وأشفق على أبدانهم من النار . لا يكون المؤمن مؤمنًا
حقًّا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه .
الرابع : لا يخافون في الله لومة لائم ؛ والمراد أنهم يجتهدون فيما يَرضى
به الله من الأعمال ، ولا يبالون بلوْم مَن لامهم في شيء منه ، إذا كان فيه رضا
ربِّهم .. ولله درّ القائل :
مُتَأَخَرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ
وقفَ الهوى بي حيث أنتَ فليسَ لي
حبًّا لذكْرك فلْيلمْنِي اللُّوَّمُ
أجدُ الملامَة فِي هَواك لذيذةً
الخامس : متابعة الرسول عَّ الله وطاعته واتباعه في أمره ونهيه ، وليس
الشأن أن تُحِبَّ إنما الشأن أن تُحَبَّ، ولن يحبَّك الله حتى تتَبعَ رسوله عَ ◌ّه.
وقال إبراهيم بن الجنيد : يُقال: علامة المحبِّ على صِدْق المحبَّة ستُّ
خصال :
أحدُها : دوام الذكْر بقلْبِهِ بالسرور بمولاه .
والثانية : إيثاره محبَّة سيِّده على محبَّة نفسه .
والثالثة : الأنس به والاستثقال لكلِّ قاطع يقطعه عنه ، أو شاغل يشغله
عنه .
والرابعة : الشوق إلى لقائه والنظر إلى وجهه .
والخامسة : الرضا عنه في كلِّ شدّة وضُرِّ ينزل به .
والسادسة: اتباع رسوله عند الله.
قال سهل بن عبد الله التستري : من علامات حبِّ الله حبُّ القرآن ،
وعلامة حبِّ الله وحبِّ القرآن حبُّ النبي ◌َ ◌ّهِ، وعلامة حبِّ النبي ◌َ له
حبُّ السُّتَّة ، وعلامة حبِّ السنة حبُّ الآخرة ، ومن علامة حبِّ الآخرة بُغْضُ
الدنيا ، وعلامة بُغْض الدنيا أنْ لا يأخذ منها إلا زادًا يبلّغه الآخرة.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣٤
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
ومِن علامة المحبَّة : أنَّ مَن أحبَّ الله تعالى لم يكن شيء عنده آثر
من هواه ، ومَن أحبَّ الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه . والمحبَّة
منتهى القُرْبة والاجتهاد ، ولن يسأم المُحِبُّون من طُول اجتهادهم الله عز وجل ،
يحبُّونه ويحبُّون ذِكْره ، ويُحبِّبُونه إلى خلقه ، ويمشون بين عباده بالنصائح ،
ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح ، أولئك أولياء الله وأحبَّاؤه وأهل
صفوته ، أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه .
والعمل على المحبَّة لا يدخله الفُتُور:
قال أُحد العُبَّد: إذا سَئم البطَّلون من بطالتهم ، فلنْ يسأمَ محُبُّوك من
مناجاتك وذِكْرك .
وعن جعفر المحوبي قال : وَلَّيِ اللهِ المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكْر ربِّه ،
ولا يسأم من خدمته ، فإذا أعرض أعرض عنه ، وإذا أقبل إلى الله أقبل عليه الله
برأفته ورحمته .
وقال الفضيل بن عياض : الحبُّ أفضل من الخوف ؛ ألا ترى إذا كان
لك عبدان أحدهما يحبُّك والآخر يخافك ، فالذي يحبُّك منهما ينصحك شاهدًا
كنتَ أو غائبًا ؛ بحبِّه لك . والذي يخافُك عسى أن ينصحك إذا شهدتَ ؛ لمَا
يخاف ، ويغشُّك إذا غبتَ ولم ينصحك .
وعن ابن زرارة قال : سمعتُ كلاب بن جري يقول لرجل من الطغاوة
وهو يُوصيه بطرائق البِرِّ ؛ فقال له فيما يقول :
وكنْ لربِّك ذا حبٍّ لتخدِمَهُ إِنَّ المحبِّين للأحباب خُدَّامُ
قال : فصاح الطغاوي صيحة ، فخَّ مغشيًا عليه .
وعن أبي عبد الرحمن المغازلي قال : لا يعطى طريقَ المحبَّة غافل ولا ساٍ .
المحبُّ الله عز وجلَّ طائرً القلب، كثيرُ الذِّكْر، متسبِّبٌ إلى رضوانه بكلِّ سبيل
يقدر عليه من الوسائل والنوافل ، ذوبًا ذوْبًا وشوْقًا شوْقًا .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٣٥
وعن محمد بن النضر الحارثي قال : ما كاد يملُّ القربة إلى الله عز
وجل محبّ لله عز وجل، ولا يكاد يسأم من ذلك .
وقال محمد بن نعيم الموصلي : إنَّ القلب الذي يحبُّ الله عزَّ وجلّ
يحبُّ التعَبَ والنصب لله، إنه لنْ ينال حبَّ الله بالراحة .
وقال بعض العارفين لرجل : أفْشٍ فَعْلَ الخيرات ، وتوصَّلْ إِلى الله
بالحَسنات ؛ فإني لم أرَ شيئًا قطُّ أرضى للسِِّّد مما يحبُّ ؛ فبادِرْ في محبَّته
يُسرع في محبتك . ثم بكى ، فقال له: زدني رحمك الله . قال : الصبر
على محبّة الله وإرادته رأسُ كُلِّ بّ . أو قال : كلٌّ خير .
واجتمع أحمد بن أبي الحواري وقاسم الجوعي ، وجماعة من الصالحين
بعد صلاة العَتَمة ، وقد خرجوا من المسجد إلى بيت رجلٍ قد دعاهم إلى طعام
صَنَعه لهم ، فأنشدهم رجلٌ قبل دخول الباب :
بلوغُهُمُ المجهودَ في طاعةِ الرَّبِّ
علامةُ صِدْقِ المستخصِّین بالحبِّ
وإنْ كانَ ذاكَ القوتُ في مُرتقی صعبٍ
وتحصيلُ طيبِ القوتِ مِن مُجْتنائِهِ
فلم يزلْ يردِّده وهم قيام حتى أذَّن مؤذِّن الفجر ، ورجعوا إلى المسجد ..
وقد رويت بيتين آخرين مع هذين البيتين ، وهما :
وإن ظلموا فالعفو من ذاك بالخطْبِ
وإمساكُ سوءِ اللفظ عن وَلِهِ جِنْسِهِم
وحلُّوا مِنَ الإِخلاصِ بالمنزلِ الرحْبِ
أولئكَ بالرحمْنِ قَرَّتْ عُيونُهُمْ
وقال مطر : اجتمعنا ليلةً على الساحِلِ ، ومعنا مسلم أبو عبد الله ؛ فقال
رجل من الأزْد :
ما للمُحبِّ سوى إرادةِ حُبِّهِ إِنَّ المُحِبَّ بكلّ بِّ يضْرَعُ
قال : فبكى مسلم حتى خشيتُ والله أن يموت .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعتُ ابن عيينة يقول : لا تبلغون ذرْوَة
هذا الأمر حتى لا يكون شيءٌ أحبَّ إليكم من الله عز وجل ، فمَن أحبَّ القرآن
فقد أحبَّ الله عز وجل)) (١) .
ومِنَ علاماتِ المحبِّ عالي الهمَّة : حبُّ لقاءِ الحبيبِ في دار السَّلام:
قال الثوري وبشر الحافي : لا يكره الموت إلا مريب ؛ لأنَّ الحبيبَ على
كُلِّ حالٍ لا يكره لقاءَ حبيبه .
وقال البويطي لبعضِ الزهَّاد : أتحبُّ الموتَ ؟ فكأنه توقّف ، فقال : لو
كنتَ صادقًا لأحببتَه . وتلا قوله تعالى: ﴿ فتمنَّوا الموت إن كنتم صادقين ﴾
[البقرة: ٩٤]. فقال الرجل: فقد قال النبي عَّهِ: ((لا يتمنَِّنَّ أحدُكم الموتَ))(٢).
فقال : إنما قاله لِضُرِّ نزل به ؛ لأن الرضا بقضاء الله أفضل من طلب الفرار منه .
قال ابن رجب: ((هِمَمُ العارفين المحبِّين متعلِّقة من الآخرة برؤية الله ،
والنظر إلى وجهه في دار كرامته والقرب منه )).
وقال الحسن : لو عِلِمَ العابدون أنهم لا يرون ربَّهم يوم القيامة ، لمَاتوا .
وفي رواية : لذابتْ أنفسُهم .
وقال إبراهيم الصائغ: ما سرَّني أنَّ لي نصفَ الجنة بالرؤية . ثم تلا :
كُلَّ إنَّهم عن ربِّهم يومئذ لمَحْجُوبون﴾ [ المطففين: ١٥ ].
وقال عبد الله بن وهب : لو خُيِّرتُ بين دخول الجنة والنظر إلى ربي
عزَّ وجل ؛ لَاخترتُ النظر إليه سبحانه وتعالى .
وقال غزوان الرقَّاشي: في قوله تعالى: ﴿وَلَدَينا مزيد ﴾ [ قَ: ٣٥]،
(١) استنشاق نسيم الأنس ص٥٧ - ٦٨ .
(٢) ((لا يتمنَّيِنَّ أحدُكم الموتَ لضر نزل به)). الحديث متفق عليه من حديث أنس.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٧٣٧
قال : ما يسرُّني بحظِّي من المزيد الدنيا جميعُها .
وقال أبو سليمان الداراني : لو لم يكن لأهل المعرفة إلّا هذه الآية
الواحدة؛ لَاكتفوا بها ﴿وجوه يومئذٍ ناضِرة إلى ربِّها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٣].
وكان رحمه الله يقول : أهل المعرفة دعاؤهم غيرُ دعاء الناس، وهِمَمُهم
من الآخرة غير هِمَمِ الناس .
قال مسمع بن عاصم :
اجتمع بعض العُبَّاد على امرأةٍ من بني عَدِّ ، يُقال لها : أَمَةُ الجليل بنتُ
عمرو ، وكانت منقطِعَة جدًّا من طول الاجتهاد ، فأتوها فقالت : ساعاتُ الولّي
ساعاتُ شُغُل عن الدنيا ، ليس للولِّ المستحقٌّ في الدنيا من حاجة . ثم أقبلت
على كلاب بن جري(١) فقالت: مَن حدَّثك أو أخبرك أنَّ وليّه له همّ غيره ،
فلا تصدِّقه .
قال مسمع : فما كنتُ أسمع إلّا التصارُخ من نواحي البيت .
وقال ضيْغم لكلاب : إن حبَّه شغَل قلوب مريديه عن التلذُّذ بمحْبَّة
غيره ، فليسَ لهم مع حبِّه لذّة تداني محبّته ، ولا يكون في الآخرة من كرامة
الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجهه .. فسقط كلاب عند ذلك مغشيًّا
عليه .
وكان عبد العزيز بن سليمان العابد يقول في كلامه : أنت أيُّها المحبُّ
تزعم أن محبَّتك لله تحقيق، أما والله لو كنتَ كذلك لضاقت عليك الأرض
بما رحُبَتْ حتى تصل إلى رضا حبيبك ، وإلى النظر إلى وجهه في دار كبريائه
وعِزِّه .
وقال حبيب الفارسي ليزيد الرقّاشي : بأي شيءٍ تقُّ عيون العابدين في
(١) انظر ترجمته في صفة الصفوة ٣٨١/٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣٨
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
الدنيا ؟ وبأيّ شيءٍ تقُّ عيونهم في الآخرة ؟ فقال : أمَّا الذي تقُّ عيونُهم
به في الدنيا ، فما أعلم شيئًا أقَر لعيون العابدين من التهجُّد في ظلمة الليل .
وأمَّا الذي تقُّ أعينُهم به في الآخرة ، فما أعلم شيئًا من نعيم الجنان وسرورها
ألذّ عند العابدين ، ولا أقَّ لعيونهم؛ من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم ، إذا
رُفَعَتْ تلك الحُجُب، وتجلَّى لهم الكريم . فصاح حبيبٌ عند ذلك وخرّ
مغشيًّا عليه .
وقال ذو النون : ما طابت الدنيا إلا بذكْره ، ولا طابت الآخرة إلّا
بعفوه ، ولا طابت الجنان إلا برؤيته .
قال محمد بن يحيى الموصلي : سمعتُ نافعًا - وكان من عُبَّاد الجزيرة -
يقول : ليتَ ربي جعل ثوابي من عملي نظرةً مني إليه ، ثمَّ يقول لي : يا نافع ،
كُنْ ترابًا .
وليسَ لي في سواكمْ سادتي غَرَضُ
وحُرْمَة الوُدِّ ما لي عنكمُ عِوَضُ
بأنَّ قلبي لكم مِنْ دونهم فَرَضُوا
وقد شرطتُ علي قومٍ صحبتهُمُ
فقلتُ لا زال عني ذلكَ المرضُ
ومن حديثي بكمْ قالوا به مرضٌ
ومن علاماتِ المحبِّ : أن يكون مُؤْثِرًا ما أحبَّ اللهُ تعالى على ما يحبُّه ،
في ظاهره وباطنه :
فيلزم مشاقٌّ العمل ، ويجتنبُ اتباع الهوى، ويُعرض عن دَعة الكَسَل ، ولا
يزال مواظبًا على طاعة الله ومتقرِّبا إليه بالنوافل ، وطالبًا عنده مزايا الدرجات كما يطلب
المحبّ مزيد القرب في قلب محبوبه . والحبُّ إذا غلب قمع الهوى ، فلم يبقَ له تنعُّمٌ
بغير المحبوب .
قال ابن المبارك :
هذا لَعمري في الفعالِ بديعُ
تعصي الإِلهَ وأنت تُظهِرُ حُبَّهُ
إِنَّ المحبَّ لمنْ يحبُّ مُطيعُ
لو كانَ حُبُّك صادِقًا لَأَطِعْتَهُ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٣٩
قال سهل : (( علامة الحبِّ إيثارُه على نفسِك)) . وليس كل من عمل
بطاعة الله عزَّ وجل صار حبيبًا ، وإنما الحبيبُ مَن اجتنبَ المناهي .
قال الفضيل : إذا قيل لك : أتحبُّ الله تعالى ؟ فاسكت ، فإنك إن
قلتَ : لا . كفرتَ ، وإن قلتَ: نعم. فليسَ وصفك وصْف المحبِّين فاحذرٍ
المقْتَ .
ومنها : أن يكون مستَهْتَرًا ( مُولَعًا ) بذكْر الله تعالى ، لا يفترُ عنه
لسانُه ولا يخلو عنه قلبُه :
فمن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره وذكْرٍ ما يتعلَّق به .
قال أحمد بن أبي الحواري : سمعتُ ابن عيينة يقول : لا تبلغون ذروة
هذا الأمر حتى لا يكون شيءٌ أحبَّ إليكم من الله عز وجل، فمن أحبَّ القرآن
فقد أحبَّ الله .
وقال عروة البارقي : حبُّ الله عز وجل : حبُّ القرآن ، وحِبُّ رسول الله
عَّةِ : العمل بسُنَّته .
فِلِمْ هِجَرتَ كتابي
إنْ كنتَ تزعُمُ حِّي
ـهِ من لذيذٍ خطابي
أَمَا تأمُّلْتَ ما فيـ
بعيني مَن تلذَّذ بكلامي :
(( قال أحمد بن أبي الحواري : دخلتُ على أبي سليمان فرأيتُه بيكي ،
فقلتُ : ما يُبكيك ؟ قال : ويحك يا أحمد ! إذا جَنَّ الليل ، وخلا كلُّ حبيبٍ
بحبيبه ، افترش أهل المحبَّة أقدامَهم ، وجرت دموعهم على خدودهم ، وأشرف
الجليل جلّ جلاله عليهم ، وقال : بعيني مَن تلذّذ بكلامي ، واستروح إلى
مناجاتي ، وإني مطلع عليهم في خَلَواتهم أسمع أنينَهم ، وأرى بكاءهم وحنينَهم .
يا جبريل ، نادِ فيهم: ما هذا البكاءُ الذي أراه منكم ، هل أخبر كم مخبِرٌ أنَّ حبيبًا
يعذِّب أحبابه بالنار ، بل كيف يجمل أن أعذِّب قومًا إذا جنَّهم الليلُ تملَّقوني
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٧٤٠
فبي حلفتُ إذا وردوا القيامة علَّ أن أُسفرَ لهم عن وجهي ، وأمنَحهم رياض
قڈسي )»(١).
قال ذو النون : لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته وقراءته ، فلمَّا وقف
في محرابه ، واستفتح كلام سيِّده ، خطر على قلبه أنَّ ذلك المقام هو المقام الذي
يقوم الناسُ فيه لربِّ العالمين ، فانخلع قلبه ، وذهَل عقلُه ، فقلوبهم في ملكوت
السماوات معلّقة ، وأبدانهم بين يدي الخالق عارية ، وهمومهم بالفِكْر دائمة .
قال ذو النون في وصْف المحبِّين: يتلذَّذون بكلامِ الرحمن ، يَنوحون
به على أنفسهمِ نَّوْحَ الحمام ، فَرِحين في خَلَواتهم ، لا تفترُ لهم جارِحَةٌ في
الخلوات ، ولا يستريحُ لهم قدم تحت ستور الظلُمَات .
ومن علامات المحبِّ عالي الهمَّة : أن يكون أُنْسُهُ بالخلْوَة ومناجاته لله
تعالى ومواظبته على التهجّد :
فأقل درجات الحبِّ: التلذُّذ بالخَلْوة بالحبيب والتنعُّم بمناجاته ، فمن ذاق
من خالِص محبّة الله ؛ شغله ذلك عن طلب الدنيا ، وأوحشه من جميع البَشَر .
قال مطرِّف بن أبي بكْر : المحبُّ لا يسأم من حديثِ حبيبه . وقيل
إبراهيم بن أدهم - وقد نزل من الجبل -: من أين أقبلتَ ؟ قال : من الأُنْس
بالله . كانت ريحانةُ إذا قامتِ الليلَ تقول :
قام المحبُّ إلى المؤمَّل قومةً كادَ الفؤادُ من السرور يطيرُ
فلمَّا كان جوفُ الليل سمعتُها تقول أيضًا :
فَتُمنَعَنَّ مِنَ التذكار في الظُّلَمِ
لا تأنسَنَّ بمَنْ توحِشكَ نظرتُهُ
يَسقيكَ كأسَ وِدادِ العَزِّ والكرمِ
واجھد و کدًّ و کنْ في الليل ذا شجنٍ
(١) استنشاق نسيم الأُنْس ص ٨٧ - ٨٨ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/