النص المفهرس

صفحات 621-640

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٦٢١
عُلُوُّ الِهِمَّةِ في الأُدَب !
((اعلم - رحمَكَ الله - أنَّ الأدب إن تطمّعت(١) به نجع ، وإن تعطَّرت به
سطع ، وإن تردّيْت به نفَع )). وأن مَنِ اكتسب أدبًا اكتسب نسبًا، وأن الأدب
سبب لملْكِ الأرب ، ولقطات الأدب قرضات الذهب ، وأن حُلِّي الرجال ما
يُحسِنونه ، وحُلِّ النساء ما يلبسونه .
فيا لائمي دعني أُغالي بقیمتي
فقيمةُ كلِّ الناسِ ما يُحسنونهُ
فذكٌ عقلك بالأدب ، كما تذكِّي النار بالحطب . واعلمْ أن الأدب أقرب
الطرق إلى الله، فلله طرائق بعَدَدِ الأنفاس ، وأقرب الطُّرُق إلى الله: طريق الذلِّ
والانكسار ، وهما من خصال الأدب .
قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا ﴾ [التحريم:
٦] .
قال ابن عباس : أدِّبوهم وعلِّموهم .
وهذه اللفظة مُؤذِنة بالاجتماع ؛ فالأدب : اجتماع خصال الخير في العبد
فهو كما قال محمد بن علي القصَّاب . أخلاق كريمة ، ظهرت في زمان كريم ،
مع قوم كرام ومنه : المأدبة ، وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس ، ولا يتكامل
الأدب في العبد إلّا بتكامُل مكارم الأخلاق .
قال يوسف بن الحسين : بالأدب يُفهم العلم ، وبالعلم يصحُّ العمل ،
وبالعمل تُنال الحكمة ، وبالحكمة يُقام الزهد ، وبالزهد تُترك الدنيا ، وبترك
الدنيا يُرغب في الآخرة ، وبالرغبة في الآخرة تُنال الرتبة عند الله .
(١) رغبت في الشيء شهوة له .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٢٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
قال أبو عثمان : إذا صحَّتِ المحبَّة ، تأكَّدت على المحبِّ ملازمة
الأدب .
وقال ذو النون : إذا خرج المريد عن استعمال الأدب ، فإنه يرجع من
حيث جاء .
واعلم يا أخي أنّ مَن لم يتأذَّب للوقت ، فوقتُه مقْتٌّ .
قال الجنيد : مَن أعان نفسَه على هواها ، فقد أشرك في قتل نفسه ؛
لأن العُبودة ملازمة الأدب ، والطغيان سوء الأدب .
فالْزَم الأدب ظاهرًا وباطنًا ، فما أساء أحدٌ الأدبَ ظاهرًا إلّا عُوقِب
ظاهرًا، وما أساء أحدٌ الأدب باطنًا إلّا عُوقب باطنًا .
ولله درُّ شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك حين يقول : أَدَبُ الخدمة
أعُّ من الخدمة . ويقول : طلبنا الأدب حين فاتنا المؤذِّبون . ويقول : نحن
إلى قليل من الأدب أحوجُ منَّا إلى كثير من العلم .
ولِمكانةِ الأدبِ ، تجدُ كُتُبَ التراجم مشحونةً به والنصّ عليه : ·
قال مخلد بن الحسين - وذكرَ عتبة الغلام وصاحبه يحيى الواسطي -:
((كأنما ربَّتهم الأنبياء))(١).
وقال أبو عاصم : سمعتُ سفيان الثوري يقول: (( كان الرجل إذا أراد
أن يكتب الحديث ، تأدَّب وتعبَّد قبل ذلك بعشرين سنة ))(٢).
(( قيل : لمّا ورد أبو حفص العراق جاء إليه الجنيد ، فرأى أصحاب
أبي حفص وُقوفًا على رأسه يأتمرون لأمره ، لا يُخطئ أحد منهم ، فقال :
(١) الحلية ٢٣٥/٦ .
(٢) الحلية ٢٦١/٦ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٢٣
يا أبا حفص ، أدّبتَ أصحابك أدب الملوك . فقال : لا يا أبا القاسم ، ولكن
حسن الأدب في الظاهر عنوانُ الأدب في الباطن .
قال أنس بن مالك : الأدب في العمل علامةُ قبول العمل .
وقال عبد الله بن المبارك : من تهاون بالأدب ◌ُوقب بحرمان السنن ،
ومن تهاون بالسنن عُوقب بحرمان الفرائض ، ومَنْ تهاون بالفرائض عُوقب
بحرمان المعرفة .
وقال ابن عطاء : النّفْس مجبولة على سوء الأدب ، والعبد مأمور
بملازمة الأدب ، والنفس تجري بطباعها في ميدان المخالفة ، والعبد يردُّها
بجهْده إلى حسن المطالبة ؛ فمَن أعرض عن الجهد ، فقد أطلق عنان النفس
وغفل عن الرعاية ، ومهما أعانها فهو شريكها .
والله دُّ القائل في وصف عالي الهمة في الأدب :
إذا تَرقَّتْ بِهِ عزائمُهُ إلى الثريا رسا به الأدَبُ
قال شيخ الإسلام الهروي: ((الأدب حفظُ الحدِّ بين الغلوِّ والجفاءِ،
بمعرفة ضَرَرِ العدوان )).
قال ابن القيِّم: (( هذا من أحسن الحدود ؛ فإن الانحراف إلى أحدٍ
طرفي الغلوِّ والجفاء هو قلَّة الأدب ، والأدب : الوقوفُ في الوسط بين الطَرَفْن ،
فلا يُقصّر بحدود الشرع عن تمامها ، ولا يتجاوز بها ما جُعلت حدودًا له ؛ فكلاهما
عُدوان ، والله لا يحبّ المعتدين ، والعدوان هو سُوء الأدب .
وقال بعض السَّلَف : دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه .
فإضاعة الأدب بالجفاء : كمَن لم يُكمل أعضاء الوضوء ومن لم يوفٌّ
الصلاةَ آدابها التي سنّها رسول الله عَّله وفعَلها ، وهي قريب من مائة أدب ؛
ما بين واجب ومستحب .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٢٤
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
وإضاعته بالغلوِّ : كالوسوسة في عقْد النية ورفْع الصوت بها ، والجھْر
بالأذكار والدعوات التي شُرعت سِّا، وتطويل ما السنةُ تخفيفُه وحذفه ؛
كالتشهُّد الأول والسلام الذي حذفُه سنَّة. وزيادة التطويل على ما فعله رسول الله
عَّ له، لا على ما يظنُّه سُرَّاق الصلاة النقّارون لها .. ويشتهونه؛ فإن النبي
عَ ◌ّه لم يكن ليأمر بأمر ويُخالفه، وقد صانه الله من ذلك. وكان يأمرهم بالتخفيف
ويؤمُّهم بالصافات ، ويأمرهم بالتخفيف وتُقامُ صلاةُ الظهر، فيذهب الذاهب إلى
البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله ويتوضَّأ ويُدرك رسولَ الله عَ له في الركعة الأولى.
فهذا هو التخفيف الذي أمَر به لا نقْرَ الصلاة وسرقها ؛ فإن ذلك اختصار ، بل
اقتصار على ما يقع عليه الاسم ، ويُسمَّى به مصليًا، وهو كأكل المضطر في
المخمصة ما يسدُّ به رمَقَه ، فليته شبع على القول الآخر . وهو كجائع قُدِّم إليه
طعام لذيذ جدًّا ، فأكل منه لقمةً أو لقمتيْن ، فماذا يُغنيان عنه ؟! ولكن لو أحسنَّ
بجوعه لَمَا قام من الطعام حتى يشبع منه ، وهو يقدر على ذلك . لكنَّ القلب شبعان
من شيء آخر .
ومثال هذا التوسُّط في حقّ الأنبياء عليهم السلام : ألا يغلو فيهم كما
غلت النصارى في المسيحِ ، ولا يجفو عنهم كما جَفَتِ اليهود ؛ فالنصارى
عبدوهم واليهود قتلوهم وكذّبوهم . والأُمة الوسَط آمنوا بهم وعزَّروهم ونصروهم
واتبعوا ما جاءوا به .
ومثال ذلك في حقوق الخلق : ألّا يفرِّط في القيام بحقوقهم ، ولا
يستغرق فيها ؛ بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة
دينه وقلبه ، وألَّ يجفو عنها حتى يعطِّلها بالكلَِّّة ؛ فإن الطرفين من العدوان
لضارِ .
وعلى هذا الحدِّ فحقيقة الأدب هي العدْل. والله أعلم)) (١).
(١) مدارج السالكين ٤٠٨/٢ - ٤٠٩. طبعة: دار الحديث .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٦٢٥
صاحبُ الأدَبِ العالي مَنِ استكمَلَ درجاتِ الأدبِ وأنواعه :
اعلم يا أخي أن عالي الهمَّة في الأدب : مَنْ تحقّقت فيه أنواع الأدب ،
وبلغ الكمال فيها ، ومَن ترقّى في درجات الأدب مِن درجة إلى أخرى .
أنواع الأدب :
[ والأدب ثلاثة أنواع: أ - أدب مع الله سبحانه . ب - وأدب مع رسوله
عَ طِّ . جـ - وأدب مع خلْقِه .
أ - الأدبُ معَ الله :
والأدب مع الله ثلاثة أنواع :
أحدها : صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة .
الثاني : صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره .
الثالث : صيانة إرادته أن تتعلَّق بما يمقتك عليه .
قال أبو علي الدقَّاق: مَن صاحَب الملوكَ بغير أدب ، أسلمه الجهل إلى
القتل .
وقال يحيى بن معاذ الرازي : إذا ترك العارف أدبه مع معروفه ، فقد
هلك مع الهالكين .
وقال أبو علي : ترك الأدب يُوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط
رُدّ إلى الباب ، ومن أساء الأدب على الباب ردّ إلى سياسة الدوابِّ.
وقال يحيى بن معاذ: من تأذَّب بأدب الله ، صار من أهل محبّة الله .
وسُئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب ، فقال : التفقُّه في
الدين ، والزهد في الدنيا ، والمعرفة بما لله عليك .
وقال سهل : القوم استعانوا بالله على مراد الله ، وصبروا الله على آداب الله .
وقال أبو علي الدقّاق: العبد يصل بطاعة الله إلى الجنة ، ويصل بأدبه في طاعته
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٢٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
إلى الله .
وقال رحمه الله : رأيتُ مَن أراد أن يمدَّ يده في الصلاة إلى أنفه ، فقبض
على يده .
وقال عبد الله بن المبارك : الأدبُ للعارف كالتوبة للمستأنف .
وقال أبو نصر السّاج : الناس في الأدب على ثلاث طبقات :
أما أهل الدنيا : فأكبر آدابهم : في الفصاحة والبلاغة ، وحفظ العلوم ،
وأسمار الملوك ، وأشعار العرب .
وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم : في رياضة النفوس ، وتأديب الجوارح ،
وحفظ الحدود ، وترك الشهوات .
وأما أهل الخصوصية : فأكبر آدابهم : في طهارة القلب ، ومراعاة
الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن
الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب .
وقال ابن عطاء : الأدب : الوقوف مع المستَحْسنات. فقيل له : وما
معناه ؟ فقال: أن تعامِله سبحانه بالأدب سِرًّا وعَلَنًا . ثم أنشد :
إذا نطقتْ جاءت بكلِّ ملاحةٍ
وإنْ سكتَتْ جاءتْ بكلِّ مليحِ
وقال سهل : من قهَر نفْسَه بالأدب ، فهو يعبد الله بالإِخلاص .
وقال عبد الله بن المبارك: قد أكثر الناس القول في ((الأدب )) ، ونحن
نقول : إنه معرفة النفس ورُعُوناتها ، وتجنُّب تلك الرعونات .
وقال بعضهم : الانبساط بالقول مع الحقِّ تَرْكٌ للأدب .
وقال أبو عثمان : إذا صحّتِ المحبَّة، تأكَّدت على المحبِّ ملازمة الأدب .
الأنبياءُ أكملُ الناسِ أدبًا مع الله:
قال ابن القيِّم : وتأمَّلْ أحوالَ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله
وخطابهم وسؤالهم كيفَ ؛ تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦٢٧
أَدْبُ آدَمَ عليه السلام :
قال آدم عليه السلام: ﴿ربَّنا ظلمْنَا أَنفُسنا وإنْ لم تغفر لنا وترحمنا
لَنكوننَّ من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]. ولم يقل: ربِّ قدرتَ علَّي، وقضيْتَ
علي .
أدبُ الخليلِ عليه السلام :
قال الخليل عليه السلام: ﴿ الذي خلَقَني فهو يهدين والذي هو يطعمني
ويَسقين وإذا مرضتُ فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠]. ولم يقل: ((وإذا
أمرضني)) ؛ حفظًا للأدب مع الله .
أَدب أَيُّوب عليه السلام :
قال أَيُّوب عليه السلام: ﴿ مسَّنِي الصُّرُّ وأنتَ أرحم الراحمين﴾ [ الأنبياء:
٨٣]. ولم يقل: ((فعافني واشفني)).
أَدِبُ يُوسُف عليه السلام :
قال يوسف عليه السلام لأبيه وإخوته : ﴿ هذا تأويلُ رؤياي مِن قبلُ
قد جعَلَها ربّي حقًّا وقد أحسن بي إذْ أخرجني من السجن ﴾ [يوسف: ١٠٠].
ولم يقل: ((أخرجني من الجُبِّ))؛ حفظًا للأدب مع إخوته ، وتفتّيًا عليهم
ألّا يُخجِلَهم بما جرى في الجُبِّ .
وقال : ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾. ولم يقل: (( رفع عنکم جهْد
الجوع والحاجة)) ؛ أدبًا معهم . وأضاف ما جرى إلى السبب ولم يُضفه إلى
المباشِر ، الذي هو أقرب إليه منهم ؛ فقال: ﴿ من بعد أن نزَغ الشيطان بيني
وبين إخوتي﴾. فأعطى الفُتُوَّةَ والكَرَم والأدبَ حقّه .
ولهذا لم يكن كمال هذا الخُلُق إلّا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٢٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
أدبُ الخَضِرِ عليه السلام :
قال الخضر في السفينة: ﴿فأردتُ أن أَعيبها ﴾ [الكهف: ٧٩]. ولم
يقلْ: ((فأراد رُبُّك أن يعيبها)). وقال في الغلاميْن: ﴿فأراد رُبُّك أن يبلُغا
أشدَّهما ﴾ [ الكهف : ٨٢ ] .
أدب موسى عليه السلام :
قال موسى عليه السلام: ﴿ ربِّ إني لما أنزلتَ إلَّي من خيرٍ فقير
[ القصص: ٢٤]. ولم يقل: ((أطعمني)).
أدب عيسى عليه السلام :
قال المسيح عليه السلام : ﴿إنْ كنتُ قَلْتُه فقد علمتَه ﴾ [ المائدة :
١١٦]. ولم يقل: ((لم أقله))؛ وفْقٌ بَيْن الجوابين في حقيقة الأدب. ثم
أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسرِّه ؛ فقال: ﴿ تعلمُ ما في نفسي ﴾ .
ثم بَرَّأ نفسه عن علْمه بغيْب ربِّه وما يختصُّ به سبحانه ، فقال: ﴿ولا أعلم
ما في نفسك﴾. ثم أثنى على ربِّه ووصفه بتفُرُّده بعلم الغيوب كلها ؛ فقال :
﴿ إنك أنت علام الغيوب﴾. ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمَره ربُّه
به - وهو مخْض التوحيد - فقال: ﴿ ما قلتُ لهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا
اللهَ ربِّي وربّكم ﴾ . ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم ، وأنه بعدَ
وفاته لا اطلاع له عليهم ، وأن الله عز وجل وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع
عليهم ، فقال: ﴿ وكنتُ عليهم شهيدًا ما دمتُ فيهم فلمَّا توفيتني كنت أنت
الرقیب علیهم
ثم وصفه بأن شهادته سبحانه وتعالى فوق كل شهادة وأعمُّ ، فقال :
وأنت على كل شيء شهيد﴾. ثم قال: ﴿إِنْ تعذِّبْهم فإنهم عبادك ﴾ .
وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام ، أي : شأنُ السيد رحمةٌ عبيده
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٢٩
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
والإِحسان إليهم ، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدًا لغيرك ، فإذا عذّبتَهم - مع
كونهم عبيدك - فلولا أنهم عبيدُ سوءٍ من أبخس العبيد وأعتاهم على سيدهم
وأعصاهم له ؛ لم تعذبهم ؛ لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده
ورحمته فلماذا يعذِّب أرحم الراحمين وأجود الأجودين وأعظمُ المحسنين
إحسانًا : عبيدَه ؟! لولا فُرْط ◌ُتُوّهم وإباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم
للعذاب .
وقد تقدَّم قوله : ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ أي : هم عبادك وأنت
أعلم بسرِّهم وعلانيتهم ؛ فإذا عذَّبتهم عذَّبتَهم على علْمٍ منك بما تعذِّبهم عليه ،
فهم عبادك وأنت أعلم بما جَنَوْه واكتسبوه فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنُّه
الجُهَّال . ولا تفويض إلى مخض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة ، كما تظنُّه
القدرية ، وإنما هو إقرار واعتراف ، وثناءٌ عليه سبحانه بحكمته وعدله ، وكمال
علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب . ثم قال: ﴿ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم﴾ ولم يقل: ((غفور رحيم)). وهذا من أبلغ الأدب مع الله سبحانه
وتعالى ؛ فإنه قاله في وقتٍ غَضَبِ الربِّ عليهم والأمر بهم إلى النار ، فليس
هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم ؛ فلو قال: ((فإنك أنت
الغفور الرحيم )) ؛ لأَشْعَرَ باستعطافه ربَّه على أعدائه الذين قد اشتدَّ غضبه عليهم .
فالمقام مقام موافقة للربِّ في غضبه على مَن غضِب الربُّ عليهم ، فعدل عن
ذكر الصفتين اللَّتين يسأل بهما عَطْفه ومغفرته ورحمته إلى ذكْر العَّة والحكمة ،
المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم .
والمعنى : إن غفرتَ لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم ، ليست
عن عجز عن الانتقام منهم ، ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم ؛ وهذا لأن
العبد قد يغفر لغيره لعجزه عن الانتقام منه ، ولجهله بمقدار إساءته إليه ، والكمال
هو مغفرة القادر العالم ، وهو العزيز الحكيم . وكان ذكّر هاتين الصفتين في
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣٠
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
هذا المقام عيْنَ الأدب في الخطاب ](١).
سيِّدِ البَشَرِ عَ لَّهِ أكملُ الأنبياء أدبًا :
قال تعالى في وصف أدبه عَّ له: ﴿ ما زاغ البصر وما طغى﴾ أفق
وضيء طليق مرفرف، عاش فيه قلب رسولنا عَّ له وبصرُه .. لحظات خُصَّ
بها القلب المصفّى، وأدب من بصر رسول الله عَ لِ لم يتجاوز رتبته وكلّه
شوْق ، فأعطاه الله ما لم يعط أحدًا غيره .
قال ابن القيم: ((إن هذا وصْف لأدبه عَّه في ذلك المقام؛ إذْ لم يلتفتْ
جانبًا ، ولا تجاوز ما رآه ، وهذا كمال الأدب . والإِخلال به أن يلتفت الناظر
عن يمينه وعن شماله ، أو يتطلّع أمام المنظور، فالالتفات زيْغ، والتطلّع إلى ما
أمام المنظور : طغيان ومجاوَزَة ؛ فكمالُ إقبال الناظر على المنظور : أن لا يصرف
بصرَه عنه يمنة ولا يسرةً ، ولا يتجاوزه .
وهذا معنى ما حصَّلْته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه .
وفي هذه الآية أسرار عجيبة ، وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل
البَشَرِ عَلِ؛ تواطأ هناك بصُرُه وبصيرته ، وتوافَقًا وتصادقًا فيما شاهده
بصُرُه ، فالبصيرة مواطئة له ، وما شاهدته بصيرته فهو أيضًا حقّ مشهود
بالبصر ، فتواطأ في حقِّه مشهد البصر والبصيرة .
ولهذا قال سبحانه وتعالى : ﴿ ما كذب الفؤادُ ما رأى أفتمارونه على
ما يرى﴾ [ النجم: ١١ - ١٢] أي ما كذب الفؤادُ ما رآه ببصره .
ولهذا قرأها أبو جعفر: ((ما كذّب الفؤاد ما رأى)). بتشديد الذال؛
أي : لم يكذِّب الفؤادُ البصر ، بل صدقَه وواطأه ؛ لصحة الفؤاد والبصر ،
أو لاستقامة البصيرة والبصر ، وكوْن المرئي المشاهَد بالبصر والبصيرة حقًّا .
(١) مدارج السالكين ٣٧٦/٢ - ٣٨١ . بتصرّف.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣١
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وقرأ الجهمور ﴿ ما كذَب الفؤاد ﴾ بالتخفيف ، وهو متعدٍّ وما رأى مفعوله ؛
أي ما كذّب قلبُه ما رأته عيناه ؛ بل واطأه ووافقه، فلمواطأة قلبه لقالَبه ،
وظاهره لباطنه ، وبصره لبصيرته ؛ لم يكذب الفؤادُ البصرَ ، ولم يتجاوز البصر
حدَّه فيطغى ، ولم يَمِلْ عن المَرْئي فيزيغ ؛ بل اعتدل البصر نحو المرئي ، ما
جاوزه ولا مال عنه ، كما اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراض عمّا سواه؛
فإنه أقبل على الله بِكُلِيُّتِهِ .
وللقلب زيْغ وطغيان ، كما للبصر زيْغ وطُغيان ، وكلاهما منتفٍ عن قلبه
وبصره ، فلم يزِعْ قلبه الْتفائًا عن الله إلى غيره ، ولم يطغَ بمجاوزته ، وهذا غاية
الكمال والأدب مع الله ، الذي لا يلحقه فيه سواه. فإن عادة النفوس إذا أُقيمتْ
في مقام عالٍ رفيع : أن تتطلّع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ؛ ألا ترى أن موسى
عَّ اللّه لمّا أُقيم في مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية؟! ونبينا عَ لّه لمّا
أُقيم في ذلك المقام ، وفّاه حقّه ، فلم يلتفتْ بصرُه ولا قلبُه إلى غير ما أُقيم فيه
ألبتة ؟! ولأجل هذا ما عاقَه عائق ، ولا وقف به مراد ، ولم تقفّ به دون كمال
العبودية هِمَّة. ولهذا كان مركوبه في مَسراه يسبق خطوه الطرْفَ، فيضع قدمه عند
منتهى طرْفه، مُشاكِلًا لحال راكبه وبُعْدِ شأوه ، الذي سبق العالم أجمع في
سيْره، فكان قدمُ البُراقِ لا يختلف عن موضع نظَرِه، كما كان قدمه عَ له لا
يتأخّر عن محلٌّ معرفته .
فلم يزلْ عَّه في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه ، وتكميل مراتب
عبوديته له ، حتى خَرَق حُجُب السموات ، وجاوز السّبْعَ الطباق ، وجاوز
سِدْرة المنتهى ، ووصل إلى محلٍّ من القُرْب سبق به الأُوَّلين والآخرين ، فانصبّتْ
إليه هناك أقسامُ القُرْب انصبابًا ، وانقشعت عنه سحائب الحجُبِ - ظاهرًا
وباطنًا - حجابًا حجابًا، وأُقيم مقامًا غبطَهُ به الأنبياءُ والمرسلون . فإذا كان
في المعاد ، أقيم مقامًا من القُرْب ثانيًا، يغبطه به الأولون والآخرون . واستقام
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله ، ما زاغ البصر عنه وما طغى ،
فأقامه في هذا العالم على أقوم صراطٍ من الحقّ والهدى ، وأقسم بكلامه على
ذلك في الذكر الحكيم ، فقال تعالى: ﴿يسّ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسَلِين
على صراط مستقيم ﴾ ، فإذا كان يوم المعاد ، أقامه على الصراط يسأله السلامة
لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزوه إلى جنات النعيم ، وذلك فضْل الله يؤتيه مَنْ يشاء
والله ذو الفضل العظيم )) (١).
وكُلّ الآداب تُتَلَقَّى من رسول الله عَّ المه ؛ فإنه عليه السلام مَجْمعُ
الآداب ظاهرًا وباطنًا .
قال ابن القيم: ((الأدب مع الله: حُسْن الصحبة معه ، بإيقاع الحركات
الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإِجلال والحياء ، كحال مجالس الملوك
ومصاحبهم )) (٢) .
أدب الجريري :
قال الجريري : منذ عشرين سنة ما مددتُ رجلي في الخلوة ؛ فإن حُسْن
الأدب مع الله أحسن وأولى .
عائشة المكِيَّة تعظ أبا عُبيد القاسم بن سلام ، وتُوصيه بالأدب :
قال أبو عُبيد القاسم بن سلام : دخلتُ مكَّة ، فكنتُ ربما أقعد بحذاء
الكعبة ، وربما كنتُ أستلقي وأمدُّ رجْلي ، فجاءتني عائشة المكِيَّة ، فقالت لي :
((يا أبا عُبَيد، يُقال: إنك من أهل العلم ؛ اقبلْ مني كلمة: لا تجالسْهُ إلا بأدب،
وإلّا فيمحى اسمُك من ديوان القُرْب. قال أبو عبيد: وكانت من العارفات))(٣).
(١) مدارج السالكين ٣٨٢/٢ - ٣٨٤ .
(٢) مدارج السالكين ٣٧٧/٢ .
(٣) عوارف المعارف ص١٩٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦٣٣
أدب السري السقطي :
(( قال سريّ : صلَّيتُ وِرْدي ليلة من الليالي ومددتُ رِجْلي في المحراب ،
فنودِيتُ : يا سري ، هكذا تجالس الملوك ؟ فضممتُ رجلي ثم قلتُ : وِزَّتك ،
لا مددتُ رُجلي أبدًا. قال الجنيد: فبقي ستين سنة ما مدَّ رجلَه ليلًا ولا نهارًا.
وسُئل السري رحمه الله عن مسألةٍ في الصبْر فجعل يتكلّم فيها ، فدبَّ
على رجله عقّرب ، فجعلتْ تضربه بإبرتها ، فقيل له : ألا تدفعها عن نفسك ؟!
قال : أستحي من الله أن أتكلّم في حالٍ ثم أخالف ما أعلم فيه )).
أدب مؤمني الچِنِّ :
قال مؤمنو الجنِّ: ﴿وأنا لا ندري أَشَرّ أُريد بمن في الأرض ﴾ [ الجن :
١٠]. ولم يقولوا: ((أراده بهم ربهم)). ثم قالوا: ﴿أم أراد بهم ربُّهم
رَشَدًا﴾(١).
ومن الأدب مع الله: أَمْرُ النبي عَّ ◌ُلِّ الرجلَ أن يستُر عورته وإن كان
خاليًا لا يراه أحد ؛ أدبًا مع الله ؛ على حسب القُرْب منه وتعظيمه وإجلاله ،
وشدَّة الحياء منه ومعرفة وقاره .
قال بعضهم : الْزَمِ الأدب ظاهرًا وباطنًا ؛ فما أساء أحدٌّ الأدب في
الظاهر إلَّا عُوقب ظاهرًا، وما أساء أحد الأدب باطنًا إلَّا عُوقب باطنًا .
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله : مَن تهاون بالأدب ، عُوقب بحرمان
السنن ، ومَن تهاون بالسنن عُوقب بحرمان الفرائض ، ومَن تهاون بالفرائض ◌ُوقب
بحرمان المعرفة .
وقيل : الأدب في العمل : علامة قبول العمل .
(١) مدارج السالكين ٣٨٠/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم: ((وحقيقة الأدب)): استعمالُ الخُلُق الجميل ، ولهذا
كان الأدب : استخراج ما في الطبيعة من الكمال ، من القوة إلى الفعل .
ولقد خصّ الله بالفلاح مَن زكَّ نفسه فنمّاها وعلّاها ، ورفعها بآدابه
التي أدَّب بها رسله وأنبياءه وأولياءه .
((الأدب )) هو الدِّينِ كُلُّه :
قال ابن القيم: ((والأدب هو الدين كله ؛ فإنَّ ستر العورة من الأدب ،
والوضوء وغسْل الجَنَابة من الأدب ، والتطهُّر من الخبث من الأدب ، حتى
يقف بين يدي الله طاهرًا، ولهذا كانوا يستحبُّون أن يتجمّل الرجل في صلاته
للوقوف بين يدي ربه ، وكان لبعض السلف حُلَّة بمبلغٍ عظيم من المال ، وكان
يَلبسها وقتَ الصلاة ويقول: ربي أحقُّ مَن تجمَّلتُ له في صلاتي .
ومن الأدب :
((نهُ النبي عَِّ المصلي أن يرفع بصَرَه إلى السماء)). فسمعتُ شيخ
الإِسلام ابن تيمية - قدّس الله روحه - يقول : هذا من كمال أدب الصلاة ؛
أن يقف العبد بين يدي ربِّه مطرقًا، خافضًا طرفه إلى الأرض، ولا يرفع بصره
إلى فوق .
قال : والجهمية لمّا لم يفقهوا هذا الأدب ولا عرفوه ؛ ظنُّوا أن هذا دليل
أنَّ الله ليس فوق سماواته على عرشه ، كما أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رُسُله
وجميعُ أهل السُّنَّة . قال: وهذا من جهلهم ، بل هذا دليل لمن عقَل عن الرسول
عَّلِ ، على نقيض قوْلهم ؛ إذ من الأدب مع الملوك: أنَّ الواقف بين أيديهم
يطرق إلى الأرض ، ولا يرفع بصرَه إليهم ، فما الظنُّ بملك الملوك سبحانه ؟ ! .
ومن الأدب مع الله :
أن لا يستقبل بيته ولا يستذبره عند قضاء الحاجة؛ كما ثبت عن النبي عليه
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦٣٥
في حديث أبي أُوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم ، رضي الله عنهم . والصحيحُ :
أن هذا الأدب يعمّ الفضاء والبنيان .
ومن الأدب مع الله : في الوقوف بين يديْه في الصلاة :
وضْع اليمنى على اليسرى حالَ قيام القراءة ؛ ففي الموطّأ عن سهل بن
سعد: ((أنه من السنة)) و((كان الناس يُؤمَرون به)).
ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء ، فعظيمُ العظماء
أحقُّ به .
ومنها : السكون في الصلاة ؛ وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه :
والذين هُمْ على صلاتهم دائمون ﴾ [المعارج: ٢٣]. فالدوام هو سكون
الأطراف والطمأنينة .
وأدبه في استماع القراءة : أن يُلقي السمْعَ وهو شهيد .
وأدبه في الركوع : أن يستوي ، ويعظِّم الله تعالى ؛ حتى لا يكون في
قلبه شيء أعظم منه ، ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقلّ من الهباء .
والمقصود : أن الأدب مع الله تبارك وتعالى : هو القيام بدينه ، والتأذُّب
بآدابه ظاهرًا وباطنًا .
ولا يستقيم لأحدٍ قطُّ الأدب مع الله ، إلّا بثلاثة أشياء :
معرفته بأسمائه وصفاته .
ومعرفته بدينه وشرعه ، وما يحبُّ وما يكره .
ونفس مستعدَّة قابلة ليِّنة ، متهيئة لقبول الحقِّ عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا والله
المستعان))(١).
(١) مدارج السالكين ٣٨٤/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣٦
صلاح الأمة في عُلَوَ الهمة - المجلد الخامس
=
الأدب معَ الرسول عَلِ:
((وأمّا الأدب مع الرسول عَ له: فالقرآن مملوء به. فرأس الأدب معه :
كمال التسليم له ، والانقياد لأمره ، وتلقِّي خبره بالقبول والتصديق ، دون أن
يحمِّله معارضة خيال باطل يسمِّيه معقولًا، أو يحمِّله شبهةً أو شكًّا، أو يقدِّم
عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم . فيوخِّده بالتحكيم والتسليم والانقياد
والإِذعان . كما وحّد المرسِل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل، والإِنابة
والتوكُّل ؛ فلا يحاكم إلى غير الرسول عَّ له ، ولا يرضى بحكْم غيره ، ولا يقف
تنفيذَ أمره ، وتصديق خبره ؛ على عرْضِه على قوْل شيخه وإمامه ، وذوي مذهبه
وطائفته ، ومَنْ يعظّمه ؛ فإن أذنوا له نفَّذَه وقبِل خبرَه ، وإذن فإنْ طَلَبَ السلامة
أعرَضَ عن أمْره وخبره وفوّضه إليهم ، وإلّا حَرَّفه عن مواضعه ، وسمَّى تحريفَه
تأويلًا وحمْلًا ، فقال : نؤوِّله ونحمله .
فَلَأَنْ يلقى العبدُ ربَّه بكلِّ ذنب على الإطلاق - ما خلا الشرك بالله -
خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال .
فكمال التسليم والانقياد له هو أدبُ الخواصِّ معه عَّ لهم، لا مخالفة
أمره والشرك به ، ورفع الأصوات ، وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم ،
وعزل كلامه عن اليقين ، وأن يُستفاد منه معرفة الله، أو يُتلقى منه أحكامه .
بل المعوّل في باب معرفة الله : على العقول المنهوكة المتجيِّرة المتناقضة ، وفي
الأحكام : على تقليد الرجال وآرائها . والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبُّكًا ، لا
أن نتلقَّى منهما أصول الدين ولا فروعه . ومَن طلَب ذلك ورامه ، عاديناه
وسعَيْنا في قطْع دابره ، واستئصال شأفته، ﴿بل قلوبهم في غمْرةٍ من هذا
ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذابِ
إذا هم يجأرون لا تجاروا اليوم إنكم منَّا لا تُنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم
فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرًا تهجرون أفلم يدبَّروا القولَ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٣٧
أم جاءهم ما لم يأتِ آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولَهم فهم له منكرون
أم يقولون به جِنَّة بل جاءهم بالحقِّ وأكثرهم للحقِّ كارهون ولو اتبع الحقُّ
أهواءهم لَفسدت السموات والأرض ومَن فیهنَّ بل أتیناهم بذ کرهم فهم عن
ذكْرهم معرضون أم تسألهم خرجًا فخراج ربِّك خير وهو خير الرازقين وإنك
لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط
لَناكبون﴾ [المؤمنون: ٦٣ - ٧٤] . والناصح لنفسه ، العامل على نجاتها: يتدبّر
هذه الآيات حق تدبُّرها ، ويتأمَّلها حقَّ تأمُّلها ، ويُنزلها على الواقع فيرى العجَب ،
ولا يظنُّها اختصَّت بقومٍ كانوا فبانوا، ((فالحديث لك، واسمعي يا جارة )). والله
المستعان .
ومِنَ الأدب مع الرسول عَّهِ:
أن لا يتقدَّم بين يديه بأمر ولا نهي ، ولا إذن ولا تصُرُّف ، حتى يأمر هو
وينهى ويأذن ؛ كما قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسولهِ﴾
[ الحجرات: ١] وهذا باقٍ إلى يوم القيامة ولم يُنسخ ، فالتقدُّم بين يدي سنته
بعد وفاته : كالتقدُّم بين يديْه في حياته ، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم .
ومن الأدب معه : أن لا تُرفع الأصوات فوق صوته ؛ فإنه سببٌ لحُبوط
الأعمال ، فما الظنُّ برفْع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به ؟! أترى
ذلك مُوجِبًا لقبول الأعمال ، ورفع الصوت فوق صوته موجبًا لحبوطها ؟!
ومن الأدب معه : أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره ؛ قال تعالى : ﴿ لا
تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ... ) الآية [النور: ٦٣ ].
وفيه قولان للمفسِّرين :
أحدهما : أنكم لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا ، بل قولوا :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٣٨
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
يا رسول الله . يا نبَي الله . فعلى هذا : المصدر مضاف إلى المفعول : أي
دعاءَكم الرسول .
الثاني : أنَّ المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا ؛ إن
شاء أجاب وإن شاء تَرَك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بدٌّ من إجابته ، ولم يسعْكم
التخلُّف عنها ألبتة . فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل ، أي دعاؤه إيَّ كم .
ومن الأدب معه : أنهم إذا كانوا معه على أمْرٍ جامع - من خطبة ، أو
جهاد ، أو رباط - لم يذهب أحدٌ منهم مذهبًا في حاجته حتى يستأذنه ؛ كما
قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ
جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ [ النور: ٦٢] فإذا كان هذا مذهبًا مقيَّدًا
بحاجة عارضة ، لم يوسع لهم فيه إلّا بإذنه ؛ فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل
الدين ؛ أصوله وفروعه ، دقيقه وجليله ؟! هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه ؟
فاسْأَلُوا أهلَ الذِّكْرِ إن كنتم لا تعلمون﴾ [ النحل: ٤٣].
ومن الأدب معه : أن لا يُستشكل قوْلُه ، بل تُستشكل الآراء لقوله ،
ولا يُعارض نصُّه بقياس ، بل تُهدر الأقيسة وتُلقى لنصوصه ، ولا يُحرَّف
كلامه عن حقيقته لخيال يسمِّيه أصحابه معقولًا ؛ نعم هو مجهول وعن الصواب
معزول ، ولا يُوقف قبول ما جاء به عَّ الِ على موافقة أحدٍ، فكلُّ هذا من
قلَّة الأدب معه عَّه، وهو عيْن الجرأة))(١).
أدبُ الصِّدِّيق رضي اللهُ عنه :
((يتجلّى في كلِّ موقف للصِّديق .. وأبرز ذلك: موقفه مع النبي عَّةِ،
لمّا مرض النبي عَّه وأُمَّ أبو بكر الناسَ في الصلاة، فلمَّا أحسَّ بقدوم النبي
عَ طله ما استطاع أن يتقدَّم بين يديْه أدبًا منه وقال : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة
(١) مدارج السالكين ٣٨٧/٢ - ٣٩٠ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦٣٩
أن يتقدَّم بين يدي رسول الله عَ لّهِ.
فانظر إلى أدب الصِّدِّيق كيف أورثه مقامه، والإِمامة بعدَه فكان ذلك التأتُّر
إلى خلفه - وقد أومأ إليه أنِ اثبتْ في مكانك - جَمْزًا ، وسعْيًا إلى قُدَّام .
فبكلِّ خطوة إلى وراء مراحل إلى قدّام تنقطع فيها أعناق المَطّ . والله
أعلم ))(١) .
أدب عمر رضي الله عنه :
((ورَد أنَّ عمر رضي الله عنه عمد إلى ميزاب للعباس على ممر الناس
فقلَعَه، فقال: أشهد أن رسول الله عَ لِّ هو الذي وضعه في مكانه. فأقسم
عمر: لتصعدن على ظهري ولتضعنَّه موضعه))(٢).
أدَبُ أبي أيُّوب الأنصاري :
:
عن أبي رهم؛ أنَّ أبا أيوب حدَّثه أن رسول الله عَ لّه نزل في بيتنا
الأسفل ، وكنتُ في الغرفة ، فأهريق ماءٌ في الغرفة ، فقمتُ أنا وأُّ أُيُوب بقطيفةٍ
لنا نتبَّعُ الماء ، ونزلتُ فقلتُ : يا رسول الله ، لا ينبغي أن نكون فوقك ، انتقل
إلى الغرفة . فأمَرَ بمتاعه فنُقل ومتاعه قليل . قلت : يا رسول الله ، كنتَ ترسل
بالطعام فأنظر فإذا رأيتُ أثر أصابعك ، وضعتُ فيه يدي(٣) .
أدبُ أمين الأُمَّة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه :
قال الصِّديق: ((كنتُ أول من فاءَ يوم أحد ، فرأيتُ رجلًا يقاتل في
(١) مدارج السالكين ٣٩١/٢ - ٣٩٢.
(٢) السير ٥٠١/٢، وتهذيب ابن عساكر ٣٩٨/٢.
(٣) إسناده صحيح : رواه أحمد والطبراني والحاكم ، والذهبي في السير ، وأخرجه بنحوه
مسلم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٤٠
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
سبيل الله دونه ، وأراه قال : حميَّة . قال : فقلتُ : كنْ طلحة حيث فاتني
ما فاتني . فقلتُ : يكون رجلًا من قومي أحبّ إلَّي. وبيني وبين المشركين
رجلٌ لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله عَّ ◌ُلم منه، وهو يخطِف المشي
خطْفًا لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله عَ ليه
وقد گُسِرَتْ رباعيّته ، وشُجَّ في وجهه ، وقد دخل في و جنته حلقتان من حلق
المِعْفَر. قال رسول الله عَّ لِ: ((عليكما صاحبَكما)) يريد طلحة. وقد
نزف ، فلم نلتفت إلى قوله . قال : وذهبتُ لأَنزِعَ ذلك من وجهه ، فقال :
أُقسم عليك بحقِّي لمَا تركتَني . فتركتُه ، فكره تناولهما بيده ، فيؤذي رسول الله
عَ لِّ، فَأَزَمَّ عليها بفيهِ، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنْيته مع الحلقة ،
وذهبتُ لأصنع ما صنع فقال: أقسمتُ عليك بحقِّي لما تركتَني . قال : ففعل
مثلما فعَل في المرة الأولى ، فوقعتْ ثنيته الأخرى مع الحلقة ، فكان أبو عبيدة
رضي الله عنه من أحسن الناس هتما ))(١) .
فانظر - رحمك الله - كيف بلغ الأدب بأبي عبيدة ؛ لا ينزع حلقتي
المغفر بيده ؛ لئلّا يؤذي رسول الله عَ لّه، بل يزمُّهما بفمه حتى سقطت ثنيتاه .
أدب طلحة الخير : طلحة بن عبيد الله :
يظهر ذلك جليًّا أثناء انسحاب رسول الله عَّ له من أحد ؛ قال ابن
إسحاق : نهض رسول الله عَ لِّ إلى الصخرة من الجبل ليعلوها ، وكان قد
بدَّن(٢) وظاهر بين دِرْعَين ، فلما ذهب لِينهض لم يستطع ، فجلس تحته طلحة
ابن عبيد الله حتى استوى عليها .
(١) السير ٨/١، والبداية والنهاية ٣١/٥ .
(٢) ضعُف وأسنّ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com