النص المفهرس

صفحات 601-620

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠١
بها نفسك ؛ فاذكر عند ذلك ما حمّلك الله من كتابه ، ممَّا لو حملتْه الجبالُ
الرواسي لخَشَعتْ وتصدَّعْت، أما سمعته يقول: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن ...
الآية [ الحشر : ٢١ ] .
الخشوع في الدعاء :
((من أنواع العبادات التي يظهر فيها الذلُّ والخضوع لله عز وجل :
الدعاءُ؛ قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرُّعًا وخفية ﴾ [ الأعراف: ٥٥ ] ، وقال
تعالى : ﴿ إنهم كانوا يُسارعون في الخيرات ويدعوننا رغَبًا ورهبًا و کانوا لنا
خاشعين ﴾ [ الأنبياء : ٩٠ ] .
فمما يظهر فيه من الذلِّ: رفْعُ اليدين. وقد صحَّ عن النبي ◌َُِّّ رفعُ
يديْه في الدعاء في مواطن كثيرة ، وأعظمها في الاستسقاء ؛ فإنه كان يرفع يديه
حتى يُرِى بَيَاضُ إبطيه .
وقد كان بعضُ الخائفين يجلس بالليل ساكنًا مُطْرِقًا برأسه ، ويمدُّ يديْه
كحال السائل ، وهذا من أبلغ صفات الذلِّ ، وإظهار المسكنة والافتقار .
ومنه : افتقار القلب في الدعاء وانكساره لله عز وجل ، واستشعاره شدَّة
الفاقة إليه والحاجة لديه ، وعلى قدر الحُرْقة والفاقة تكون إجابة الدعاء .
ومن ذلك : إظهار الذلّ باللسان في نفْس السؤال والدعاء ، والإلحاح
فيه ؛ قال الأوزاعي رحمه الله تعالى : كان يُقال : أفضل الدعاء : الإلحاح على الله
والتضُرّع إليه .
وقال طاووس رحمه الله تعالى : دخل علي بن الحسين رحمه الله تعالى ذاتَ
ليلة الحُجرة فصلّى ، فسمعتُه يقول في سجوده : عبدُك بفنائك ، فقيرك بفنائك ،
مسكينك بفنائك . قال طاووس : فحفظتُهنَّ، فما دعوتُ بهنَّ في كُرْب إلا
فُرِّج عني .
وقال ابن باكَوَيْه رحمه الله تعالى: إن بعضَ العُبَّاد حجَّ ثمانين حَجَّة على
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٢
قدميْه ، فبينما هو في الطواف وهو يقول : يا حبيبي ؛ وإذا بهاتف يهتف :
أليس ترضى أن تكون مسكينًا حتى تكون حبيبًا ؟ قال : فغُشي علّ، ثم كنتُ
بعد ذلك أقول : مسكينُك ؛ وأنا تائب عن قولي : حبيبي .
فالدعاء تضُرُّع وتذلَّل وخشوع وتمسكُن وانكسار .
واللهِ ما أحلى قول القائل : اسألك بعزِّك وذلِّي إلا رحمتَني . أسألك
بقوَّتك وضعْفي ، وبغناك عني وفقري إليك . هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة
بين يديك . عبيدك سواي كثير ، وليس لي سيِّد سواك . لا ملجأ ولا منجا
منك إلّا إليك . أسألك مسألة المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل ،
وأدعوك دعاء الخائف الضرير ، سؤال من خضعتْ لك رقبتُه ، ورَغِم لك أنْفُه ،
وفاضت لك عيناه ، وذلَّ لك قلبه .
ومَن أعوذ به ممَّا أُحاذرهُ
يا من ألوذ به فيما أؤمِّلهُ
ولا يهيضون عظمًا أنت جابره))(١)
لا يجبر الناسُ عظمًا أنتَ كاسِرُهُ
هكذا يكون دعاءُ الخاشِع، وإلَّ فكما قال سيد البشر عَ لّه: ((ادعوا
الله وأنتم مُوقنون بالإِجابة، واعلموا أنَّ الله لا يستجيب دعاءً مِن قلبٍ غافل
(٢)
لاهٍ)) (٢) .
عالي الهِمَّة مَنِ استوفى دَرَجاتِ الخشوع :
وعالي الهمَّة مَن كملتْ فيه درجات الخشوع واستوفاها ؛ وهي :
١ - وَجَلُ القلب :
إنها الارتعاشة التي تنتاب القلب الخاشع الموصول بالله ، فتغشاه جلالته ،
(١) مدارج السالكين ١٨٧/١.
(٢) حسن بشواهده : رواه الترمذي ، والحاكم عن أبي هريرة ، وحسَّنه الألباني في
صحيح الجامع رقم ٢٤٥ ، والصحيحة رقم ٥٦٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٣
وتتمثَّل عظمة الله ومهابته إلى جانب تقصيره وذنبه . قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون
الذين إذا ذُكر الله وَجِلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى: ﴿وبشر
المخبتين الذين إذا ذكر الله وَجِلت قلوبهم ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
٢ - قشعريرة الجلد :
ثم تسري هذه الشحنة الإِيمانية في الجسد المؤمن ، فيقشعُّ جلده ؛ قال
تعالى: ﴿اللّهُ نزّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعرُّ منه جلود الذین
يخشون ربهم ﴾ [الزمر: ٢٣ ].
٣ - البكاء :
ثم تفيض أعينهم بالدمع ؛ قال تعالى: ﴿ وإذا سمِعُوا ما أُنزِل إلى الرسول
ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ... ) الآية [المائدة: ٨٣]. وقال
عز وجل: ﴿ويُخُّون للأذقان بيكون ويزيدهم خشوعًا ﴾ [ الإسراء: ١٠٩ ].
٤ - لِينُ القلب والجلد جميعًا :
ويتزوَّد الخاشع ببرد اليقين، ويُحس بثلج الإِيمان؛ قال تعالى: ﴿اللّهُ
نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم
ثم تلین جلودهم وقلوبهم إلی ذکر الله ذلك هدی الله يهدي به مَن يشاء ومَن
يضلل الله فما له من هادٍ ﴾ [ الزمر : ٢٣ ] .
٥ - السَّكِينة :
وهي الوقار والسكون الذي يُنزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من
شدَّة المخاوف ، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ، ويُوجب له زيادة الإِيمان
وقوة اليقين والثبات . والسكينة إذا نزلت على القلب ؛ سكن بها وخشعت
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٠٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
إليها الجوارح ، واكتسبتِ الوقار ، ولذلك فهي تجمع قوة وروحًا ، يسكن
إليه الخائف ، ويتسلَّى به الحزين والضَّجِر ، فإذا باشرتْ قلبه ؛ سكّنتْ خوفه ،
وسلّتْ حزنه ؛ فإنها لا حزن معها ، فهي سلوة المحزون ، ومُذهِبَةُ الهمومِ
والغموم ، وكذلك أذهبتْ وَحْمَ ضجرِه ، وبعثت نشوة العزم .
ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله عَّةٍ وعلى المؤمنين في
مواضع القلق والاضطراب .
كيوم الهجرة ؛ إذ هو وصاحبه في الغار ، والعدوُّ فوق رؤوسهم ، لو
نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه ، رآهما ؛ قال تعالى: ﴿ إذ يقول لصاحبه لا
تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنودٍ لم تروها ﴾ [ التوبة :
٤٠ ] .
وكيوم الحديبية ؛ حين اضطربت قلوبهم من تحكّم الكفّار عليهم ،
ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس . وحسبك بضعْف عمر رضي الله
عنه عن حملها - وهو عمر - حتى تَبَّته الله بالصدِّيق رضي الله عنه . قال تعالى :
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم
فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وقال تعالى: ﴿إذا
جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميَّ حميّة الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله
وعلى المؤمنين ﴾ [ الفتح : ٢٦] .
وكيوم حُنَيْن ؛ حين ولَّوا مدبرين من شدَّة بأس الكفار ، لا يلوي أحدٌ
منهم على أحد ، قال تعالى: ﴿ لقد نصركم الله في مواطنَ كثيرة ويوم حُنينٍ
إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنٍ عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحُبَتْ
ثم ولَّيتم مُدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا
لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ﴾ [ التوبة: ٢٥ - ٢٦].
وقال تعالى : ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٥
إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض و کان الله علیمًا حكيمًا
[ الفتح : ٤ ] .
قال ابن عباس : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة ، إلّ التي في سورة
البقرة .
وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: رأيتُ النبي عَُّالمِ ينقل من
تراب الخندق ، حتى وارى الترابُ جلدةَ بْنِه ، وهو يرتجز بكلمة عبد الله
ابن رواحة رضي الله عنه :
ولا تصدَّقنا ولا صلَّيْنا
لاهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا
وثّبِّتِ الأقدامَ إِن لاقيْنا
فأنزلنْ سكينةً علينا
وإن أرادوا فتنةً أبيْنا (١)
إِنَّ الأُلى قدْ بغوا علينا
وفي صفة رسول الله عَ لّه في الكتب المتقدمة: ((إني باعثٌ نبيًّا أُمِّيًّا،
ليس بفظٍّ ولا غليظ ، ولا صحَّاب في الأسواق ، ولا متزيِّن بالفحْش ، ولا
قوّال للخنا . أُسِّده لكل جميل ، وأهبُ له كلَّ خلُقٍ كريم ، ثم أجعل السكينة
لباسَه ، والبَّ شعاره ، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله ، والصدقَ والوفاء
طبيعته ، والعفوَ والمعروف خلقه، والعدل سيرته ، والحقَّ شريعته ، والهدى
إمامه، والإِسلام ملَّته، و((أحمدَ)): اسمَه))(٢) .
قال الهروي عن هذه السكينة: ((هي التي نزلت على قلبِ النبي عَا}
وقلوب المؤمنين ، وهي شيءٌ يجمع قوَّةً ورُوحًا ، يسكن إليه الخائف ، ويتسلّى
به الحزين والضَّجِر ، ويسكن إليه العَصّ والجريء والأبّي))(٣).
(١) رواه البخاري ومسلم .
(٢) مدارج السالكين ٥٠٤/٢ .
(٣) مدارج السالكين ٥٠٧/٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٠٦
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم شارحًا: ((هذا من عيون كلامه وغرره الذي تُثَنَّى عليه
الخناصر ، وتُعقد عليه القلوب ، وتظفر به عن ذوقٍ تامّ .
فذكر أن هذا الشيء الذي أنزله الله في قلب رسوله عَ لّه وقلوب عباده
المؤمنين ، يشتمل على ثلاثة معانٍ : النور ، والقوة ، والروح .
وذكر له ثلاث ثمرات : سكون الخائف إليه ، وتسلّي الحزين والضَّجِر
به ، واستكانة صاحب المعصية والجرأة على المخالفة والإِباء إليه .
فبالروح الذي فيها : حياة القلب . وبالنور الذي فيها : استنارته وضياؤه
وإشراقه . وبالقوة : ثباته وعزمه ونشاطه .
فالنور : يكشف له عن دلائل الإِيمان وحقائق اليقين ، ويميز له بين
الحقِّ والباطل ، والهدى والضلال ، والغِّي والرشد ، والشك واليقين .
والحياة : تُوجب كمال يقظته وفِطنته ، وحضوره وانتباهه من سِنَة
الغفلة ، وتأهُّه للقائه .
والقوة: توجب له الصدق، وصحَّة المعرفة ، وقهْر داعي الغّ والعنَت ،
وضبط النفس عن جَزَعها وهلعها، واسترسالها في النقائص والعيوب. ولذلك ازداد
بالسكينة إيمانًا مع إيمانه .
والإِيمان : يُثمر له النور والحياة والقوة . وهذه الثلاثة تثمره أيضًا
وتُوجب زيادته ، فهو محفوف بها قبلها وبعدها .
فبالنور : يكشف دلائل الإِيمان . وبالحياة : ينتبه من سِنَة الغفلة ،
ويصير يقظانًا. وبالقوة : يقهر الهوى والنفس والشيطان)).
تُحصَّلُ باجتهادٍ أو بكسْبٍ
وتلك مواهبُ الرحمن ليستْ
بإخلاصٍ وجدّ لا بلعبِ
ولکنْ لا غِنی عنْ بذْلِ جهدٍ
بحكمتِهِ وعن ذا النصِّ يُنْبي
وفضْل اللهِ مبذولٌ ولكنْ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٧
كواكبِ بينِ أحجارٍ وتُرْبِ
فما من حكمةِ الرحمن وضْعُ الْـ
فلو قَبِلَ المَحَلَّ لَزَاد ربي
فشكرًا للذي أعطاك منهُ
سَكِينة الوقارِ والخُشوع :
أَنْزَلَها الله في قلوب أهلها ونعتَهمْ بها . وهي ضياء تلك السكينة التي ذكرناها
وثمرتُها، وعنها نشأت . ولما كان النور والحياة والقوة مما يُثمر الوقار ، كانت
سكينة الوقار كالضياء لتلك السكينة ؛ إذ هو علامة حصولها ، ودليل عليها
كدلالة الضياء على حامله .
قال الهروي عن سكينة الوقار: ((وهي على ثلاث درجات : الدرجة
الأولى : سكينة الخشوع عند القيام للخدمة ؛ رعايةً وتعظيمًا وحضورًا )).
قال الإِمام ابن قيم الجوزية: ((يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل
لصاحب مقام الإِحسان .
ولمّا كان الإِيمان موجِبًا للخشوع وداعيًّا إليه قال الله تعالى: ﴿ألم يأنٍ
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقِّ ﴾ [ الحديد: ١٦] ،
دعاهم من مقام الإِيمان إلى مقام الإِحسان ؛ يعني: أما آنَ لهم أن يصلُوا إلى
الإِحسان بالإِيمان ؟! وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم .
وهذه ثلاثة أمور تحقّق الخشوع في الخدمة ؛ وهي :
الأول : رعاية حقوقها الظاهرة والباطنة ؛ فليس يضيِّعها خشوع ولا
وقار .
الثاني : تعظيم الخدمة وإجلالها ؛ وذلك تَبَعٌ لتعظيم المعبود وإجلاله ووقاره ؛
فعلى قدر تعْظيمه في قلب العبد وإجلاله ووقاره ، يكون تعظيمه لخدمته وإجلاله
ورعايته لها .
والثالث : الحضور : وهو إحضار القلب فيها ومشاهدة المعبود كأنه يراه .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٨
فهذه الثلاثة تُثمر له ((سكينة الوقار)). والله سبحانه أعلم))(١).
٦ - الإِخبات :
وقد أفردنا له فصلًا سابقًا .
٧ - الطمأنينة :
((وهي نهاية الإِخبات ، ولذلك فهي سكونُ القلب والنفْس مع قوَّة الأمن
الصحيح الذي لا يكون أمنَ غرور ؛ لأن الغرور قد ينزل القلب والنفْس ، ولكن
هيهات أن تطمئنَّ به النفس أو يطمئنَّ به القلب ؛ لأنه سرعان ما يتركه ، ولكن
الطمأنينة لا تفارق صاحبها ؛ لأنه في مقام الرجوع إلى الله ، حيث لا يبقى
معه شيء من مخاوف الظنون والأوهام ، وكأنه ينظر إليه نظر العيْن ، فيأمن
به اضطرابَ قلبه وقلق نفسه ؛ قال تعالى : ﴿الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبهم
بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب﴾ [ الرعد: ٢٨]. وقال جلّ شأنه :
يا أيتها النفسُ المطمئنّة ارجعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضيةً فادخلي في عبادي
وادخلي جنَّتي ﴾ [ الفجر: ٢٧ - ٣٠ ].
وفي هذا دليل أن الطمأنينة طريق الرجوع إلى الله ؛ فإن النفس لا ترجع
إلى ربِّها ، إلّا إذا كانت مطمئنة ، فهناك ترجع إليه ، وتدخل في عباده الآمنين
الذين لا خوْفٌ عليهم ولا هم يحزنون . وهكذا يتبيّن لك أيُّها العبد الخاشع
الراجع إلى ربِّه؛ أن الخشوع سبعُ درجات طباقًا ، مَنِ ارتقى فيها بسُلِّم الإِخلاص ،
وتوكَّأ على عصا الاتِّباع - ورَدَ مَعِينَ الفلاح))(٢) .
درجات الخشوع عند الهروي :
قال شيخ الإسلام الهروي: ((وهو على ثلاث درجات :
(١) مدارج السالكين ٥٠٩/٢ - ٥١٠ بتصرف .
(٢) الخشوع لسليم الهلالي ص٦١ - دار ابن الجوزي .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠٩
الدرجة الأولى: التذلُّل للأمْر، والاسْتَسْلام للحكْم، والاتّضاعُ لنظَرِ الحقّ»:
قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية: ((التذلُّل للأمر: تلقِّيه بذِلّةِ القبول،
والانقياد والامتثال ، ومواطأة الظاهر الباطن ؛ معَ إظهارِ الضعْف ، والافتقار
إلى الهداية للأمر قبل الفعْل ، والإِعانة عليه حالَ الفعْل ، وقبوله بعد الفعْل .
وأمّا الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي ؛
فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوةٍ . ويجوز أن يريد به : الاستسلام
للحكم القدري ، وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض .
والحق: أن ((الخشوع)) هو الاستسلام للحكمين ، وهو الانقياد بالمسكنة
والذلّ لأمْر الله وقضائه .
وأمَّا الاتضاع لنظَر الحقِّ : فهو اتضاع القلب والجوارح ، وانكسارها
لنظر الربِّ إليها ، واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح .
وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ﴿ ولمن خاف مقام ربِّه جنّتان
[ الرحمن : ٤٦]، وقوله : ﴿ وأمَّا مَن خاف مقامَ ربِّه ونهى النفس عن الهوى
[ النازعات: ٤٠]. وهو مقام الربِّ على عبيده بالاطلاع والقُدْرة والربوبية.
فخوفه من هذا المقام يُوجب له خشوع القلب لا محالة ، وكلّما كان
أشدَّ استحضارًا له ، كان أشدَّ خشوعًا. وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطّلاع الله
عليه ، ونظره إليه .
والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربِّه عند لقائه .
فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل .
وعلى الثاني - وهو أليق بالآية -: يكون من باب إضافة المصدر إلى
المخوف . والله أعلم ))(١).
(١) مدارج السالكين ٥٢٢/١ - ٠٥٢٣
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
((الدرجة الثانية: ترقُّبُ آفات النّفْس والعمَل ، ورُؤية فضْلِ كلّ
ذي فضْلٍ عليك )»:
قال ابن القيم : (( يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعمَلِك وعيوبهما
لك ؛ فإنه يجعل القلب خاشعًا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما ؛
من الكبر والعجب ، والرياء وضعْف الصدق ، وقلَّة اليقين وتشتُّت النّة ،
وعدم تجُّد الباعث من الهوى النفْساني ، وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي
ترضاه لربِّك ، وغير ذلك من عُيوب النفْس ومفسدات الأعمال .
وأما رؤية فضْل كلِّ ذي فضْل عليك : فهو أن تراعي حقوق الناس
فتؤدِّيها ، ولا ترى أنَّ ما فعلوه : من حقوقك عليهم : فلا تعاوضهم عليها ؛
فإن هذا من رُعونات النفس وحماقاتها. ولا تطالبهم بحقوق نفسك . وتعترف
بفضل ذي الفضل منهم ، وتنسىُ فضل نفسك .
وسمعتُ شيخ الإِسلام ابن تيمية - قدّس اللهُ روحه - يقول: العارفُ
لا يرى له على أحدٍ حقًّا ، ولا يشهد له على غيره فضلًا ؛ ولذلك لا يعاتِب ،
ولا يطالِب ، ولا يضارِب .
والخشوع سببٌ موصِّل إلى الفناء الحقِّ ، الفاضل لا المفضول)).
((الدرجة الثالثة : حفْظُ الحرمة عند المكاشفة ، وتصفية الوقت من
مراءاة الخلْقِ ، وتجريد رؤية الفضْل)) :
قال ابن القيم: ((وأما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبْط النفس
بالذلِّ والانكسار ، عن البسْطِ والإِدلال ، الذي تقتضيه المكاشفة ؛ فإن المكاشفة
تُوجب بسطًا ، ويخاف منه شطح ، إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة .
وأمَّا تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفّي وقته عن
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦١١
الرياء ؛ فإن أصحاب هذه الدرجة أجلُّ قذرًا وأعلى من ذلك .
وإنما المراد : أنه يُخفي أحوالَه عن الخلْقِ جُهْدَه ؛ كخشوعه وذلِّه
وانكساره ؛ لئلا يراها الناس فُيُعْجبهُ اطّلاعُهم عليها ورؤيتهم لها ، فيفسَدُ عليه
وقته وقلبه وحاله مع الله ، وكم قد اقتطع في هذه المفازة مِن سالِك ! والمعصوم
من عصمه الله . فلا شيء أنفع للصادق من التحقُّق بالمسْكَنَة والفاقة والذل ،
وأنه لا شيء ، وأنه ممن لم يصحَّ له بعْدُ الإِسلامُ حتى يدعي الشَرَفَ فيه .
ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدّس الله روحه - من
ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره ، وكان يقول كثيرًا : ما لي شيء ، ولا مني
شيء ، ولا فَي شيء. وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت :
أنا المكَدِّي وابن المكدّي وهكذا كان أبي وجدِّي
وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول : والله، إني إلى الآن أجدِّد إسلامي
كلَّ وقت ، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيِّدًا .
وبعث إلّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطّه ، وعلى ظهرها أبياتٌ
بخطِّه مِن نظْمه :
أنا المُسَيْكينُ في مجموع حالاتي
أنا الفقيرُ إلى ربِّ السماواتِ
أنا الظَّلُومُ لنفسي وهي ظالمتي
لا أستطيعُ لنفسي جلْبَ منفعةٍ
وليسَ لي دونَه مولى يدبِّرني
إلّا بإذنٍ مِنَ الرحمنِ خالِقِنا
ولستُ أملِكُ شيئًا دُونه أبدًا
ولا ظهيرَ له كي يستعينَ بِهِ
والفقرُ لي وصْفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا
والخير إنْ يأتِنا مِن عنده ياتي
ولا عنِ النّفْسِ لي دفْعُ المضرَّاتِ
ولا شفيعٌ إذا حاطتْ خطيئاتي
إلى الشفيعِ كما قد جاء في الآياتِ
ولا شريكٌ أنا في بعضِ ذَرَّاتٍ
كما يكونُ لأربابِ الولاياتِ
كما الغِنى أبدًا وصْفٌّ له ذاتي
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١٢
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
وكلّهم عنده عبدٌ له آتي
وهذه الحالُ حالُ الخَلْقِ أجمعِهِمْ
فَهْوُ الجهولُ الظلومُ المشرِكُ العاتي
فَمَنْ بغى مَطلبًا من غيرِ خالِقِهِ
ما كان منهُ وما منْ بعدُ قد ياتي
والحمدُ للهِ مِلْءَ الكونِ أجمِعِهِ
وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإِحسان إلا من الله ،
فهو المانَّ به بلا سبب منك ؛ ولا شفيع له تقدم إليه بالشفاعة ، ولا وسيلة سبقت
منك توسَّلتَ بها إلى إحسانه .
والتجريد : هو تخليصُ شهود الفضْل لوليِّه ، حتى لا ينسبه إلى غيره ، وإلّا
فهو في نفسه مجرَّدٌ عن النسبة إلى سواه . وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق
الشهود الحق في نفس الأمر. والله أعلم ))(١).
تفاوتُ الخشوع في القلوب ، ولعالي الهِمَّة أعلاه :
((متى تكلّف الإِنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه ، مع فراغ
قلْبه من الخشوع وخُلوِّه منه- كان ذلك خشوع نفاق ، وهو الذي كان السلف
يستعيذون منه .
قال أبو الدرداء : استعيذوا بالله من خشوع النفاق . قالوا : وما خشوع
النفاق ؟ قال : أن ترى الجسَدَ خاشعًا والقلب ليسَ بخاشع .
ويتفاوت الخشوع في القلوب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعتْ له ،
وبحسب تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع ؛ فمِنْ خاشعٍ
لقوّة مطالعته لقرْب الله مِن عبده ، واطِّلاعه على سرِّه وضميره ، المقتضي
للاستحياء من الله ومراقبته في الحركات والسَّكَّنات . ومِن خاشعٍ لمطالعته
لكماله وجماله المُقتضي للاستغراق في محبته والشوق إلى لقائه ورؤيته . ومِن
خاشع لمطالعته شدَّةَ بطشهِ وانتقامه وعقابه ، المقتضي للخوف منه . وهو سبحانه
(١) مدارج السالكين ٥٢٤/١ - ٥٢٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦١٣
جابر المنكسرةِ قلوبُهم من أجْلِه ، وهو سبحانه وتعالى يتقَرَّب ممن يُناجيه
في الصلاة ويعفُر وجهه في التراب بالسجود ، كما يتقرب مِن عباده الداعين
له ، السائلين له ، المستغفرين من ذنوبهم بالأسحار ، ويُجيب دعاءهم ،
ويعطيم سؤالهم ، ولا جبرَ لانكسار العبد أعظم من القُرْب والإجابة))(١).
وَصْفُ الحَسَنِ البصري للخاشعين :
قال الحسن البصري: ((إن المؤمنين لمَّا جاءتهم هذه الدعوة من الله ؛
صدّقوا بها وأفضى يقينُها إلى قلوبهم ، وخشعت الله قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم .
وكنتُ والله إذا رأيتُهم ، رأيتُ قومًا كأنهم رأيَ عيْنٍ ، فوالله ما كانوا بأهل
جدَلٍ ولا باطل ، ولا اطمأنوا إلا إلى كتاب الله ، ولا أظهروا ما ليس في قلوبهم ،
ولكن جاءهم عن الله أمرٌ فصدّقوا به ، فنعتهم الله تعالى في القرآن أحسنَ نعْتٍ ،
فقال: ﴿ وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون
قالوا سلامًا ﴾ [ الفرقان: ٦٣ ]. قال: حلماء لا يجهلون ، وإذا جُهل عليهم
حَلموا . يصاحبون عباد الله نهارهم بما يسمعون ، ثم ذكَر ليلَهم ، خير ليل ؛
فقال: ﴿والذين يَبيتون لربِّهم سجّدًا وقيامًا ﴾ [ الفرقان: ٦٤ ] ، تجري دموعهم
على خدودهم فَرَقًا من ربِّهم .
وقال رحمه الله : لأمرٍ ما سهِروا ليلَهم ، لأمرٍ ما خشعوا نهارهم ؛ قال :
والذين يقولون ربَّنا اصرف عنَّا عذابَ جهنّم إنَّ عذابها كان غرامًا﴾
[ الفرقان: ٦٥ ]. قال: وكلّ شيء يُصيب ابن آدم ثم يزول عنه فليس بغرام،
إنما الغرام الملازم له ما دامت السماوات والأرض . قال : صدق القومُ - والله
الذي لا إله إلا هو - فَعَمِلوا ، وأنتم تتمنّون ؛ فإياكم وهذه الأماني - رحمكم الله -
فإن الله لم يُعطِ عبدًا بأمنيته خيرًا قطَّ في الدنيا والآخرة . وكان يقول :
(١) الخشوع في الصلاة ص١٣ - ١٤.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة))(١).
علوُّ خشوعِ النجاشيّ وأصحابِه يقودُهم إلى الإِحسان وأعالي الجِنان :
قال الله تعالى: ﴿ لَتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهودَ والذين
أشركوا ولَتجدنَّ أقربهم مودَّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنَّ
منهم قِسِّيسين ورُهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول
ترى أعينَهم تفيضُ مِن الدمعِ مما عرفوا من الحقِّ يقولون ربَّنا آمنا فاكتبْنا
مع الشاهدین وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من احقّ ونطمع أن يدخلنا ربنا
مع القومِ الصالحين فأثابهم اللهُ بما قالوا جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين
فيها وذلك جزاءُ المحسنين ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٥ ] .
عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه :
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيضُ من الدمع ممَّا عرفوا
من الحقِّ يقولون ربَّنا آمنًّا فاكتبْنا مع الشاهدين ﴾ .
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنهم كانوا كرابين - يعني فلاحين -
قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله عَ له عليهم
القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم ، فقال رسول الله عَ ليه: ((لعلّكم إذا رجعتم
إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم )) . فقالوا : لن ننتقل عن ديننا .
فاكتبنا مع الشاهدين﴾. قال ابن عباس: أي معَ محمد عَّ
وأمته هم الشاهدون ؛ يشهدون لنبيِّهم أنه قد بلّغ، وللُّسل أنهم قد بلّغوا.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ، ولم يخرِّجاه .
قال ابن كثير: (( وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله :
وإِنَّ من أهل الكتاب لمَن يُؤمن بالله وما أُنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين
(١) الخشوع في الصلاة ص ٢٠ - ٢١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
لله ... ) الآية [ آل عمران: ١٩٩]. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ الذين آتيناهم
الكتاب من قبله هم به يُؤمنون وإذا يُتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحقُّ من
ربنا إنَّا كنا من قبله مسلمين) إلى قوله: ﴿ لا نبتغي الجاهلين﴾ [ القصص:
٥٢ - ٥٥ ]. ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فأثابهم الله بما قالوا جناتٍ تجري من
تحتها الأنهار ﴾، فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحقِّ ﴿جناتٍ
تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ ؛ أي ساكنين فيها أبدًا لا يحولون ولا
يزولون؛ ﴿ وذلك جزاء المحسنين): أي في اتباعهم الحقَّ وانقيادهم له حيث
كان، وأين كان، ومع مَن كان ))(١).
(( قال الطبري: عن سعيد بن جُبير : ﴿ذلك بأنَّ منهم قسِيسين ورهبانًا﴾؛
قال: بعَث النجاشي إلى النبي عَّ الِ خمسين - أو سبعين - من خيارهم ،
فجعلوا يبكون ، فقال : هم هؤلاء .
قال سعيد بن جُبير : هم رسل النجاشي ، الذين أرسل بإسلامه وإسلامٍ
قومه ، كانوا سبعين رجلاً ، اختارهم الخيّر فالخيّرَ ، فدخلوا على رسول الله
عَ ◌ّهِ فقرأ عليهم: ﴿ يس والقرآن الحكيم﴾، فبكوا وعرفوا الحق، فأنزل الله
ذلك بأنَّ منهم قسِّيسين ورُهبانًا وأنهم لا يستكبرون ﴾ . وأنزل فيهم
فيهـ
الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ يُؤْتون
أجرهم مرتيْن بما صبروا ﴾ .
فهم لا يبعدون من المؤمنين ؛ لتواضُعهم للحقِّ إذا عرفوه ، ولا يستكبرون
عن قبوله إذا تبيَّنوه ؛ لأنهم أهل دينٍ واجتهاد فيه ، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله .
عن عروة بن الزبير ، في قوله تعالى: ﴿ ترى أعينهم تفيض من الدمع
مما عرفوا من الحق﴾. قال : ذلك في النجاشي.
(١) تفسير ابن كثير ١٥٩/٣ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦١٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن إسحاق : سألتُ الزهرَّ عن الآيات ﴿ ذلك بأن منهم قسِّيسين
ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمِعُوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض
من الدمع ... ) الآية ، وقوله : ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما
؛
قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشي وأصحابه .
قال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من
الحقِّ ونطمع أن يُدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين): أنهم إذا سمعوا ما أنزل
إلى رسول الله محمد عَ لّه من كتابه، آمَنوا به، وصدقوا كتابَ الله ، وقالوا:
ما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونحن نطمع بإيماننا بذلك أن يُدخلنا
رُبُّنا مع القومِ الصالحين ... نطمع أن يدخلنا ربُّنا مع أهل طاعته مداخلهم من
جنته يوم القيامة ، ويُلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتِنا بدرجاتهم في جنَّاته .
فجزاهم الله بقولهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ، خالدين فيها ،
دائمًا فيها مُكْثُهم ، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها ، وذلك جزاء المحسنين ،
جزاءُ كلِّ محسن في قيله وفعْله . وإحسان المُحسِن في ذلك : أن يوحِّد الله
توحيدًا خالصًا محْضًا لا شرْك فيه ، ويقرّ بأنبياء الله ، وما جاءت به من عند الله
من الكتب ، ويؤدِّي فرائضه ، ويجتنب معاصيه ، فذلك كمالُ إحسان المحسنين
الذين قال الله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ [آل عمران:
١٥])) (١).
أورد القرطبي في تفسيره: (( وهذه الآية نزلتْ في النجاشي وأصحابه ...
لمّا كانت وقعة بدر وقتل اللهُ فيها صناديدَ الكفَّار ، قال كفّار قريش: إن ثأركم
بأرض الحبشة ، فأهدوا إلى النجاشي ، وابعثوا له برجلْن من ذوي رأيكم ؛
يُعطيكم مَن عنده ، فتقتلونهم بمَن قُتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو
(١) تفسير الطبري ٥ / ٤ - ٧ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٦١٧
ابن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا، فسمع رسول الله عَ له بذلك،
فبعث رسول الله عَّ لِ عمرو بن أميّة الضمري وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم
على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله عَ له ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب
والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسِّيسين فجمعهم ، ثم أمَر جعفر أن يقرأ
عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم ، فقاموا تفيض أعينهم من الدمع ؛ فهم الذين
أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتجِدنَّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى
وقرأ إلى ﴿ الشاهدين﴾)) .
كلماتٌ للحياة ، يدبِّجها يراغُ فقيدِ الإِسلام سيد قطب ، طيّب اللهُ ثراه ،
وأعلى في الجنة مثواه :
قال رحمه الله: ((هذا مشهدٌ حِّي يرتسم لهذه الفئة من الناس ، إنهم
إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول من هذا القرآن ؛ اهتزّت مشاعرهم ، ولانت
قلوبهم ، وفاضت أعينهم بالدمع ، تعبيرًا عن التأثَّر العميق العنيف بالحقِّ الذي
سمعوه، والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاءً من التعبير إلّا الدمع الغزير ؛
وهي حالة معروفة في النفس البشرية ، حين يبلغ بها التأثّر درجة أعلى من أن
يفي بها القول ، فيفيض الدمع ، ليؤدِّي ما لا يؤديه القول ، وليطلق الشحنة
الحبيسة من التأثّر العميق العنيف .
ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع ، ولا يقفون موقفًا سلبيًّا من
الحقّ الذي تأثّروا به هذا التأثَّر عند سماع القرآن ، والشعورِ بالحقِّ الذي يحمله ،
والإِحساس بما له من سلطان .. إنهم لا يقفون موقف المتأثّر الذي تفيض عيناه
بالدمع ، ثم ينتهي أمْره مع هذا الحق ، إنما هم يتقدَّمون ليتخذوا من هذا الحقّ
موقفًا إيجابيًّا صريحًا .. موقف القبول لهذا الحق، والإِيمان به ، والإِذعان
لسلطانه ، وإعلان هذا الإِيمان وهذا الإِذعان في لهجة قويّة عميقة صريحة .
إنهم أولًا يُعلنون لربِّهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه ، ثم يَدْعُونه -
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٦١٨
سبحانه - أن يضمَّهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ، وأن يسلكهم في سلْك
الأمة القائمة عليه في الأرض - الأمة المسلمة - التي تشهد لهذا الدين بأنه
الحقّ ، وتؤدِّي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها ، لإِقرار هذا الحق
في حياة البشر .
ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوِّق عن الإِيمان
بالله ؛ أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به ، ولا يأملوا - بهذا الإِيمان -
أن يقبلهم ربهم ويرفع مقامهم عنده ، فيدخلهم مع القوم الصالحين .
فهو موقف صريح قاطِع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف
الاستماع والمعرفة .. ثم التأثّر الغامر ، والإِيمان الجاهز ، ثم الإِسلام والانضمام
إلى الأمة المسلمة .
لقد علم الله صِدْق قلوبهم وألسنتهم ، وصِدْق عزيمتهم على المُضي
في الطريق ، وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي
دخلوا فيه ؛ ولهذا الصفّ المسلم الذي اختاروه ، واعتبارهم أن أداء هذه
الشهادة - بكل تكاليفها في النفس والمال - مِنَّةٌ يُمُنُّ الله بها على من يشاء
من عباده ، واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق
الذي أعلنوا المضي فيه، ورجاءهم في ربِّهم أنْ يُدخِلَهم مع القوم الصالحين ..
لقد علم الله منهم هذا كله ، فقبل منهم قولهم ، وكتب لهم الجنة جزاءً لهم ،
وشهِد لهم سبحانه بأنهم محسنون ، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين ، والإِحسان
أعلى درجات الإِيمان والإِسلام والله جل جلاله قد شهد لهذا الفريق من الناس
أنه من المحسنين ))(١).
(١) الظلال ٩٦٢/٢ - ٩٦٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
الفصل الثاني والعشرون
عُلُوُّ الِهِمَّةِ
فِي
ءَ
الأدب
(( نحنُ إلى قليلٍ مِنَ الأدبِ أُحوجُ مِنَّا إلى
كثيرٍ مِنَ العِلْم » .
[ ابن المبارك ]
((كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث ،
تأذَّب وتعبَّد قبل ذلك بعشرين سنة )).
[ سفيان الثوري ]
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/