النص المفهرس
صفحات 581-600
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨١ عُلُوُّ الهِمَّةِ فِي الخُشُوعِ اعلم - رحمنا الله وإياك - أن الخشوع قيامُ القلب بين يدي الربّ بالخضوع والذلِّ والجمعيَّة عليه، ورقَّة القلب وسكونه وانكساره وحُرْقته . والخشوع : خمود نيران الشهوة ، وسكون دُخان الصدور ، وإشراق نور التعظيم في القلب ، واستحضار عظمة الله وهيبته وجلاله . والخشوع قاسَمٌ مشترك بين الأخلاق والعقيدة والعمل ، يغذوها بخشية الله ، فتؤدِّي مقصودها في النفس والقلب معًا . الخشوع معنَّى شرعّ وسلوكٌ سُنّي ، فيه كلّ الانقياد لله ربِّ العالمين. قال الجنيد : الخشوع تذلُّل القلوب لعلام الغيوب . والقلب أمير البدن ، فإذا خشَع القلب ، خشع السمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء وما ينشأ عنها ، حتى الكلام . الخشوع يقظة دائمة لخلَجَات القلب وخفقاته ولفتاته حتى لا يتبلد ، وحذَرٌ من هواجسه ووساوسه ، واحتياط من سهواته وغفلاته ودفعاته ، خشية أن يزيغ وتعتريه القساوة . والخشوعُ عِلمٌ نافع يُباشر القلب ، فيوجب له السكينة والخشية ، والإِخباتَ والتواضعَ والانكسارَ الله، وكلُّ أولئك رشْحٌ من فيْض الخشوع (١). عن زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ أنَّ النبي ◌َّلِ كان يقول: ((اللهمَّ (١) انظر رسالة: الخشوع وأثره في بناء الأمة. لسليم بن عيد الهلالة - دار ابن الجوزي . والخشوع في الصلاة ، لابن رجب الحنبلي . تعليق : علي حسن عبد الحميد - طبع : دار عمار . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٨٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، وقلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا تُستجاب))(١) . والخشوع أولُ علمٍ يُرفع مِن بين هذه الأمة : عن شداد بن أوس: أن رسول الله عَ له قال: (( إن أول ما يُرفع من الناس : الخشوع)) (٢). وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي عَّ له قال: (( أول شيءٍ يُرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا))(٣). وقال حذيفة رضي الله عنه: (( أول ما تفقدون من دينكم : الخشوع ، وآخر ما تفقدون من دينكم: الصلاة )) (٤). وقد مدح الله في كتابه الخاشعين المنكسرين لعظمته ؛ فقال تعالى : إنهم كانوا يُسارعون في الخيرات ويدعوننَا رَغَبًّا ورَهَبًا وكانوا لنا خاشعين [ الأنبياء : ٩٠ ] . وقال تعالى: ﴿ إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدّقين والمتصدّقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات (١) رواه مسلم . ((٢) صحيح : أخرجه الطبراني في الكبير ، والبخاري في خلق أفعال العباد ، والنسائي في الكبرى ، والبيهقي في المدخل ، والحاكم وابن حبان ، والبزار والخطيب في اقتضاء العلم العمل ، والطبراني في الأوائل ، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي . (٣) صحيح : رواه الطبراني في الكبير، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم ٥٤٣ ، وصحيح الجامع رقم ٢٥٦٩ . (٤) مدارج السالكين ٥٢١/١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ١ i تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨٣ والذاكرين الله كثيرًا والذكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا﴾ [ الأحزاب: ٣٥ ] . فأُولى المنازل التي يحطُّ فيها الخاشعون رِحالَهم : مغفرةٌ من الله تمحق السيئات وتربي الحسنات والأجر العظيم ؛ قال تعالى: ﴿ وإنَّ من أهل الكتاب لَمن يُؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أُنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا أولئك لهم أجرهم عند ربِّهم إن الله سريع الحساب ﴾ [آل عمران: ١٩٩ ] . وللخاشعين البشرى مِن ربِّهم : ﴾ [ الحج : قال تعالى: ﴿فإلهكم إله واحد فله أسلِموا وبشّرِ المخبتين ٣٤ ] . ووصَفَ الله المؤمنين بالخشوع في أشرف عبادتهم وهي الصلاة ، وبيَّن أن الخشوعَ طريقُ الفلاح في الدنيا والآخرة ؛ يحُسُّه المؤمن بقلبه ، ويجد مصداقه في واقع حياته ، وعدّ من الله بالفلاح الذي لا يخطر على قلب بَشَر . قال تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتِهم خاشعون ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. ووصف الله الذين أوتوا العلم بالخشوع حين يسمعون كلامه ؛ فقال : إنَّ الذينَ أُوتوا العلْمَ مِن قبله إذا يُتلى عليهم يخُّون للأذقان سُجَّدًا ويقولون سبحان ربِّنا إنْ كان وعدُ ربِّنا لمفعولًا ويخُرُّون للأذقان بيكون ويزيدهم خشوعًا ﴾ [الإسراء : ١٠٧ - ١٠٩ ] . والخشوع طريقٌ إلى أعالي الفردوس : قال تعالى: ﴿إِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [هود: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿أولئك هم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨٤ الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴾ [ المؤمنون: ١٠ - ١١ ] . والخشوع ثبات على منهج الله : قال تعالى: ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحقُّ من ربِّك فيؤمنوا به فتُخبِتَ له قلوبُهم وإنّ الله لهادِ الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾ [الحج: ٥٤ ] . والقلب الخاشع بعيد عن الشيطان : قال سهل: (( مَن خشع قلبُه لم يقرْب منه الشيطان )»(١) . عِتابٌ من اللهِ تعالى واستبطاءً للصحابة ، يدلُّ على عِظمِ منزلةِ الخشوع : ولولا عظم منزلة الخشوع وعُلوّها ، لَمَا عائَب الله الصحابة أفضلَ القرون ، الذين لم يصلوا إلى تلك المرتبة السامية التي يريدها الله لهم بعد بضع سنين واستبطأهم . قال تعالى: ﴿أَلمْ يأْنِ للذينَ آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقِّ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمَدُ فقسَتْ قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أنَّ الله يُحيي الأرضَ بعد موتها قد بيًّّا لكم الآياتِ لعلكم تعقلون ﴾ [الحديد : ١٦ - ١٧ ] . قال ابن مسعود: (( ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿ ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾، إلّا أربع سنين)). رواه مسلم . رنَّة عتاب للمؤمنين الذين لم يبلغوا قمَّة الخشوع الذي يرضاه الله للعُصْبة المؤمنة الأولى التي حملتِ المنهج الرباني . عتاب لجيل القدوة الذي استوى على (١) مدارج السالكين ٥٢٢/١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٨٥ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس سوقه في أحضان النبي الأُسوة ێم (( عتاب من المولى الكريم الرحيم ، واستبطاء للاستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله ، عتاب فيه الوُدُّ ، وفيه الحضُّ ، وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله ، والخشوع لِذِكْره ، وتلقّ ما نزل من الحقِّ بما يليق بجلال الحقِّ من الروْعة والخشية والطاعة والاستسلام .. إن هذا القلب البشري سريع التقلُّب ، سريع النسيان ، وهو يشفُّ ويُشرف فيَفيض بالنور ، ويرفُّ كالشعاع ، فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكُّرٍ تبَّد وقسًا، وانطمست إشراقاته، وأظلم وأعْتَمَ. فلا بدَّ من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع ، ولا بدَّ من الطرْقِ عليه حتى يرفَّ ويشفَّ، ولا بدَّ من اليقظة الدائمة كَتي لا يصيبه التبلُّد والقسَاوة . ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلّد ؛ فإنه يمكن أن تدبّ فيه الحياة ، وأن يُشرق فيه النور ، وأن يخشع لذكْر الله ؛ فالله يحبي الأرض بعد موتها فتنبض بالحياة ، وتزخر بالنّبْت والزهر ، وتمنح الأُكُل والثمار ، وكذلك القلوب حين يشاء الله ... )) (١)، يحييها بعد قسوتها ، ويهدي الحيارى بعد ضلَّتها ، ويفرِّج الكروب بعد شدَّتها ، كما يُحبي الأرض الخاشعة المجدبة الهامدة بالغيْث الهتان الوابل .. والقرآن ربيعُ قلب المؤمن ، كما أن الغيث ربيعُ الأرض . قال ابن عباس: ((إن الله استبطأ قلوب المؤمنين ، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن))(٢). (١) الظلال ص٣٤٨٩ . (٢) مدارج السالكين ٥٢٠/١. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٨٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس آيةُ الخشوعِ سببٌ في توْبةِ وخشوع الجَبَلَيْن : عبدِ الله بنِ المبارك ، والفُضَيل ابن عِياض : قال القرطبي: ((هذه الآية: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله ﴾ [ الحديد: ١٦]. كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وابن المبارك رحمهما الله : قال الحسن بن داهر : سُئل عبد الله بن المبارك عن بدءِ زهْده ، قال : كنتُ يومًا مع إخواني في بستانٍ لنا ، وذلك حين حملتُ الثمار من ألوان الفواكه ، فأكلنا وشربنا حتى الليل ، فِنِمْنا ، وكنتُ مُولَعًا بضْب العُود والطنبور ، فقمتُ في بعضِ الليل ، فضربتُ بصوتٍ يُقال له : راشين السَّحَر ، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة ، والعودُ بيدي لا يجيبني إلى ما أريد ، وإذا به ينطق كما ينطق الإِنسان - يعني العُود الذي بيده - ويقول: ﴿ألم يأنٍ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ﴾ . قلتُ : بلى والله . وكسرتُ العُود ، وصرفتُ مَنْ كان عندي ، فكان هذا أول زُهدي وتشميري . وأمَّا الفضيل بن عياض : فكان سبب توبته أنه عَشق جارية فواعدته ليلاً ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذْ سَمِع قارئًا يقرأ ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾. فرجع القهقرى وهو يقول : بلى والله قد آن ، فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة ، وبعضهم يقول لبعض : إن فُضيلًا يقطع الطريق . فقال الفضيل : أوّاه !! أراني بالليل أسعى في معاصي الله ، وقومٌ من المسلمين يخافونني !! اللهمَّ إني قد تبتُ إليك ، وجعلتُ توبتي إليك جواز بيتك الحرام ))(١). وفي رواية : أنه قال للقافلة : يا قوم ، أنا الفضيل ، جُوزوا ؛ والله لأجتهدنَّ (١) القرطبي ٦٤٢١/٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨٧ أن لا أعصي الله أبدًا. فرجع عمَّا كان عليه . أما خشوع ابن المبارك : فهو أشهر من أن يُذكر ؛ كان إذا قرأ في كتابه (الرقائق) فكأنه بقرة منحورة ، من كثرة البكاء ، وكذا كان الفضيل في خشوعه . قال سعد بن زنبور: (( كنا على باب الفضيل بن عياض ، فاستأذنًّا عليه فلم يُؤذن لنا ، فقيل لنا : إنه لا يخرج إليكم أو يسمع القرآن . قال : وكان معنا رجل مؤذِّن وكان صَيِّنًا (١)، فقلنا له اقرأ: ﴿ ألها كم التكاثر ﴾ ، ورفع بها صوته ، فأشرف علينا الفضيل ، وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ، ومعه خِرْقَة ينشِّف بها الدموع من عينيه ، وأنشأ يقول : فماذا أؤمِّلُ أو أنتظرْ بلغتُ الثمانينَ أو جُزتها وبعد الثمانينَ ما يُنتَظِرْ أتى لي ثمانون من مولدي عَلَتْني السنونَ فأبليْتَني قال : ثم خنقتْه العَبرة ، وكان معنا علي بن خشرم فأتمَّه لنا ، فقال : عَلَتْني السنونَ فأبليْنَني فرقّتْ عظامي وكَلّ البصْ))(٢) الخشوعُ ينتظم جوارحَ العبدِ جميعًا : كان رسول الله ◌َ الله يقول في ركوعه في الصلاة: « ... اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ ، ولك أسلمتُ ، خشع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي ... )) . عالي الهِمَّة في الخشوع : مَنِ اجتمعتْ فيه لهذه الصِّفاتِ : ١ - الخُوْفُ مِنَ اللهِ: قال تعالى: ﴿ فإلهكم إله واحد فله أسلِمُوا وبشِّرِ المخبتين الذين إذا (١) أي : شديد الصوت . (٢) صفة الصفوة ٢٣٩/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨٨ ذُكِرِ الله وَجِلتْ قلوبُهم ... ) الآية [الحج: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿اللهُ نزّل أحسنَ الحديثِ كتابًا متشابهًا مثاني تقشعِرُ منه جلودُ الذين يخشون ربَّهم ﴾ [الزمر : ٢٣]. ٢ - البكاءُ مِن خشية الله : قال تعالى: ﴿ قُلْ آمِنُوا به أو لا تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتوا العلْمَ مِن قبله إذا يُتلى عليهم يخُّون للأذقان سُجَّدًا ويقولون سبحان ربِّنا إنْ كان وعد ربِّنا لمفعولًا ويخُرُّون للأذقان بيكون ويزيدهم خشوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ ]. تهتُّ المشاعر ، وتلين القلوب ، ولا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم من إحساسٍ عظمةِ الله ، فإذا الدموعُ تنطلقُ مُعبّرةً عن ذلك التأثّر الغامر ، الذي تعجّز الألفاظ عن تصويره . ٣ - الصبر على ما أصابهم . ٤ - إقام الصلاة . ٥ - إيتاء الزكاة . قال تعالى: ﴿ وبشّر المخبتين الذين إذا ذُكِر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة وممَّا رزقناهم ينفقون ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. ٦ - اليقين بِلِقَاءِ الله والرُّجوعِ إليه : قال تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاةِ وإنها لَكَبيرةٌ إلّا على الخاشعين الذين يظُّون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ [ البقرة: ٤٥ - ٤٦ ] . ٧ - تعظيمُ شعائر الله : لن يعظِّم شعائر الله إلا خاشع لله ؛ لا يخطو خطوة ولا يتحرّك حركة تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٥٨٩ إلَّا وهو ينظر فيها إلى الله؛ فإنه إنْ لم يكن يراه فإن الله يراه ، فَيَجِيش قلبه فيها بتقواه ، ويتطلع فيها إلى وجهه ورضاه . قال تعالى: ﴿ وإنَّ من أهل الكتاب لمَن يُؤْمن بالله وما أنزل إليكم وما أُنزل إليهم خاشعين الله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلًا أولئك لهم أجرهم عند ربِّهم إن الله سريع الحساب﴾ [آل عمران: ١٩٩]. الخُشوعُ فِي الصَّلاة : قد شرع الله لعباده من العبادات ما يظهر فيه خشوع الأبدان ، الناشئ عن خشوع القلب وذُلّه وانكساره ، ومن أعظم ذلك الصلاة ، حين تستشعر قلوبُ الصالحين رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله ، فتسكُن وتخشع ، فيسري الخشوع منها إلى الجوارح والملامح والحركات ، ويغشى أرواحهم جلالُ الله في حضْرته ، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل ، ولا تشتغل بسواه ، وهم مستغرقون في الشعور به ، مشغولون بنجواه ، ويتوارى عن حِسِّهم كل ما حولهم وكل ما بهم ، فما يضمُّون جوانحهم على شائبة مع جلال الله . قال ابن كثير في ((تفسيره)) (٤٥٦/٥): ((والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمَن فَّغ قلبه لها ، واشتغلَ بها عمَّا عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذٍ تكون راحةً له وقُرّةَ عيْن؛ كما قال النبي عَّله؛ في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن أنس، عن رسول الله عَ الم أنه قال: ((حُبِّبَ إِلَّي الطِّيبُ والنساءُ، وجُعلتْ قِرّة عيني في الصلاة)) (١) . قال تعالى : ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ [المؤمنون: ٢]. قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : خائفون ساكنون . وهو قول مجاهد والحسن وقتادة والزهري . (١) صحيح . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٩٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الخشوعُ : خشوعُ القلب . وكذا قال إبراهيم النخعي . قال ابن سيرين: كانوا يقولون: لا يجاوز بصُرُه مصلاه )). ((وعن سعيد بن جُبير رحمه الله: ﴿ الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ يعني : متواضعين؛ لا يعرف مَن عن يمينه ولا مَنْ عن شماله ، ولا يلتفت ؛ من الخشوع لله عزَّ وجلَّ . وعن مجاهد: ﴿وَقُومُوا لله قانتين ؟ [ البقرة: ٢٣٨]: قال : القنوت : الركون والخشوع ، وغضُّ البصر وخفض الصوت . قال : وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة ، هابَ الرحمن عزّ وجلَّ عنْ أن يشِذَّ نظرُه أو يلتفت ، أو يقلِّب الحصى أو يعبث بشيءٍ، أو يُحدِّث نفسه من أمر الدنيا إلّا ناسيًا ، ما دام في صلاته . وعن مجاهد رحمه الله في قوله تعالى : ﴿ سماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ [ الفتح: ٢٩]؛ قال: الخشوع في الصلاة))(٢). ولله درّ القائل : لأنَّ بها الآرابَ للهِ تخضعُ أُلَا في الصلاةِ الخيرُ والفضلُ أجمعُ وآخر ما يبقى إذا الدين يُرفَعُ وأوَّلُ فْرْضٍ من شريعةِ ديننا وكان كعبدٍ بابَ مولاهُ يقْرَعُ فمَن قامَ للتكْبيرِ لاقته رحمة نجِيًّا فيا طُوباه لو كان يخشعُ وصارَ لربِّ العرشِ حينَ صلاتِهِ والخشوع واجب في الصلاة ، وهذا أرجح الأقوال : قال القرطبي: ((اختلف الناسُ في الخشوع : هل هو من فرائض الصلاة ، أو مِنْ فضائلها ومكمِّلاتها؟ على قولين؛ والصحيح: الأول، ومحلَّه القلب)). (١) الخشوع في الصلاة لابن رجب ص ٢٢، ٢٣. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩١ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((قال الله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿ کبرُ على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى : ١٣] . فقد دلَّ كتاب الله - عز وجل - على مَن كُبُر عليه ما يحبُّه الله ، وأنه مذموم بذلك في الدين ، مسخوط منه ذلك . والذُّ والسُّخط لا يكون إلّا لتْك واجب أو فعْل محرَّم . وإذا كان غير الخاشعين مذمومين ؛ دلَّ ذلك على وجوب الخشوع . ويدلُّ على وجوب الخشوع في الصلاة: أن النبي عَّةٍ توعّد تاركيه ؛ كالذي يرفع بصره إلى السماء ، فإنه حرَّكه ورفعه ، وهو ضدُّ حال الخاشع . عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لّهِ: ((ما بالُ أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ؟! )). فاشتدَّ قولهُ في ذلك ، فقال: (( لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطَفَنَّ أبصارهم))(١) . وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: دخل رسول الله عَ ◌ّه المسجد ، وفيه ناس يُصلُّون رافعي أبصارهم إلى السماء، فقال: (( لينتهِيَنَّ رجالٌ يَشْخَصون أبصارهم إلى السماء، أو لا ترجع إليهم أبصارهم))(٢). اهـ))(٣) باختصار. وذهب إلى الوجوب أيضًا: الحافظُ العراقي في كتابه القيم ((طرح التثريب في شرح التقريب ))، في ردّه على النووي(٤). (١) رواه البخاري . (٢) رواه مسلم . مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٥٣/٢٢ - ٠٥٧٢ (٣) (٤) طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي ٣٧٢/٢. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٩٢ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس (( لو ترك العبد واجبًا مِن واجبات الصلاة عمدًا، لَأَبِطَلها ترْكُه . وغايتُه أن يكون بعضًا من أبعاضها ، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المُعْتَق في الكفّارة، فكيف إذا عدمت رُوحها ولّها ومقصودها (الخشوع)، ؟! وصارت بمنزلة العبد المِّت ؟! إذا لم يُعتدَّ بالعبد المقطوع اليد بعثْقِه تقُّبًا إلى الله تعالى في كفَّارة واجبة ؛ فكيف يُعتدُّ بالعبد الميت ؟ ! . وقال بعض السلف : الصلاة كجاريةٍ تهدَى إلى مَلِك من الملوك ، فما الظنُّ بمَن يُهدي إليه جارية شلَّاء أو عوراء أو عمياء ، أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة ، أو دميمة أو قبيحة ، حتى يُهدي إليه جارية ميتة بلا روح ، وجارية قبيحة ، فكيف بالصلاة التي يُهديها العبد ، ويتقَّب بها إلى ربه تعالى ؟! والله طيِّب لا يقبل إلّا طيِّبًا؛ وليس من العمل الطيِّب : صلاة لا روح فيها ، كما أنه ليس من العِثْق الطيِّب : عثْق عبد لا روح فيه . وتعطيلُ القلب عن عبودية الحضور والخشوع : تعطيلٌ لمَلِك الأعضاء عن عبوديته ، وعزْلّ له منها . فماذا تعني طاعة الرعيَّة وعبوديتها ، وقد عُزِل مالكُها وتعطَّل؟! ))(١) . وعالي الهِمَّة في خشوعه في صلاته يظهر ذلك منه في أفعال الصلاة : ١ - وضْعُ اليمين على الشمال في حال القيام : قال العلامة ابن رجب الحنبلي: (( وممَّا يظهر فيه الخشوع والذلّ والانكسار من أفعال الصلاة : وضْع اليديْن إحداهما على الأخرى في حال القيام ، وقد رُوي عن الإِمام أحمد رحمه الله : أنه سُئل عن المراد بذلك ، فقال : هو ذلّ بين يدي عزيز . (١) مدارج السالكين ٥٢٦/١ - ٥٢٧. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩٣ قال علي بن محمد المصري الواعظ رحمه الله تعالى : ما سمعتُ في العلم بأحسن من هذا : عن أبي صالح السمَّان رحمه الله تعالى قال: يُبعَث الناس يوم القيامة هكذا . ووضع إحدى يديْه على الأخرى . وملاحظة هذا المعنى في الصلاة يُوجب للمصلِّي أن يتذكَّر وُقوفَه بين يدي الله تعالى للحساب . وكان ذو النون - رحمه الله تعالى - يقول في وصْف العُبَّاد : لو رأيتَ أحدهم وقد قام إلى صلاته ، فلمّا وقف في محرابه(١)، واستفتح كلام سيده؛ خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم الناس فيه لربِّ العالمين ، فانخلَع قلبه وذهل عقله))(٢) . ٢ - إقبالُ المصلّي عالي الهِمَّة على الله - عز وجل - وعدم الثفاته: قال ابن رجب : ( ومِن ذلك إقباله على الله عز وجلّ وعدم التفاته إلى غيره ؛ وهو نوعان : أحدهما : عدم التفات قلبه إلى غير ما هو مباح له ، وتفريغ القلب للربّ عز وجل . عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، عن النبي عَّ له ؛ أنه قال في فضل الوضوء وثوابه ، ثم قال: ((فإنْ هو قام وصلّى ، فحمد الله وأثنى عليه ، ومجّده بالذي هو أهلُه ، وفّغ قلبه لله ؛ انصرف من خطيئته كيوم ولدته (١) قال الأخ علي حسن عبد الحميد الحلبي: (( أي : موضع صلاته ، وليس المحراب المعروف اليوم ، وهو التجويف الذي يكون في الحائط ، فقد نصَّ العلماء على أنه بذْعة مُحدَثة ، وللإِمام السيوطي رحمه الله رسالة : إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب)). اهـ. من: التعليق على (( الخشوع في الصلاة)) ص٢٤. (٢) الخشوع في الصلاة ص٢٣ - ٢٤ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩٤ أَمُّه))(١). الثاني : عدم الالتفات بالنظر يمينًا وشمالًا ، وقصْر البصر على موضع السجود ، وهو من لوازم خشوع القلب وعدم التفاته . عن عائشة رضي الله عنها: سألتُ النبي عَّ اله عن الالتفات في الصلاة، فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)) (٢))(٣). قال ابن قيم الجوزية: ((قوله في الحديث: (( ... وآمركم بالصلاة، فإذا صلَّيتم ، فلا تلتفتوا ؛ فإن الله ينصب وجهَهُ لوجه عبده في صلاته ، ما لم يلتفت)) (٤)؛ والالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان : أحدهما : التفات القلب عن الله - عز وجل - إلى غير الله تعالى. والثاني : التفاتُ البصر . وكلاهما منهِّ عنه . ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته ، فإذا التفت بقلبه أو بصَره ؛ أعرض الله - تعالى - عنه ... ومَثَلُ مَن يلتفت في صلاته ببصره أو قلبه : مَثَلُ رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه ، وأقبل يُناديه ويخاطبه ، وهو في خلال ذلك يلتفتُ يمينًا وشمالاً ، وقد انصرف قلبه عن السلطان ، فلا يفهم ما يخاطبه به ؛ لأنَّ قلبَه ليس حاضرًا معه . فما ظنُّ هذا (١) رواه مسلم . (٢) رواه البخاري . (٣) الخشوع في الصلاة ص٢٤ . (٤) صحيح. جزء من حديث الحارث الأشعري عن النبي عَّ ◌َلِ: ((أن الله أمَر يحبى ابن زكريا بخمس كلمات .... )) الحديث . رواه أحمد والترمذي والطيالسي ، وهو صحيح . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٩٥ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس الرجل أنْ يفعل به السلطان ؟! أفليس أقلّ المراتب في حقُّه أن ينصرف مِن بين يديه ممقونًا مُبْعَدًا، قد سقط من عينيه ؟! فهذا المصلِّي لا يستوي والحاضر القلبِ ، المقبل على الله تعالى في صلاته ، الذي قد أشعر قلبه عظمةً مَن هو واقف بين يديه ، فامتلأ قلبه من هيبته ، وذلّتْ عنقه له ، واسْتحْيا من ربِّه تعالى أن يُقبل على غيرِه أو يلتفت عنه . وبين صلاتيهما ؛ كما قال حسَّان ابن عطية: (( إن الرجليْن ليكونان في الصلاة الواحدة ، وإن ما بينهما في الفضْل كما بين السماء والأرض )) . وذلك أن أحدَهُما مقبلٌ بقلبه على الله - عز وجل - والآخر ساهٍ غافل . فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه وبينه حجاب ؛ لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا ، فما الظنُّ بالخالق عز وجل ؟! وإذا أقبل على الخالق - عز وجل - وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس ، والنفس مشغوفة بها ، ملأى منها - فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهتْه الوساوس والأفكار، وذهبتْ به كلّ مذهب ؟! فإن الصلاة إنما تكفِّر سَيئات مَن أدَّى حقَّها ، وأكمل خشوعها ، ووقَفَ بين يدي الله تعالى بقلبه وقالَبه . فهذا ، إذا انصرف منها ؛ وجد خِفَّة من نفسه ، وأحسَّ بأثقال قد وُضعت عنه ، فوجد نشاطًا وراحة وروحًا ، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها ؛ لأنها قَّة عينيه ، ونعيم روحه ، وجنّة قلبه ، ومستراحه في الدنيا ، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها ، فيستريح بها لا منها . فالمحبون يقولون : نصلِّي فنستريح بصلاتنا . كما قال إمامهم وقدوتُهم ونبيهم عَّ ◌َله: ((يا بلال، أرحْنا بالصلاة))، ولم يقل: أرحنا منها. وقال عَّه: ((جُعلت قرّة عيني في الصلاة)). فمن جُعلت قَرّة عينه في الصلاة ؛ كيف تقُرُّ عينه عَ لَّه بدونها ؟! وكيف يُطيق الصبر عنها ؟! فصلاة هذا الحاضر بقلبه ، الذي قّة عينه في الصلاة ، هي التي تصعد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٩٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ولها نور وبرهان ، حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل ... والصلاة المقبولة أن يصلِّي العبد وقلبه متعلِّق بالله عز وجل، ذاكرًا لله عز وجل على الدوام . فأعمال هذا العبد تُعَرَض على الله عز وجل حتى تقف قبالتَهُ ، فينظر الله عز وجل إليها ، فإذا نظر إليها ، رآها خالصةً لوجهه مرضيّة ، وقد صدرت عن قلب سليم مخلص محبٍّ لله عز وجل متقرِّب إليه - أحبَّها ورضيها وقبلها . وإثابته : رضا الله العمل لنفسه ، ورضاه عن معاملة عامِلِه ، وتقريبه منه ، وإعلاء درجته ومنزلته ؛ فهذا يُعطيه بغير حساب . والناس في الصلاة على مراتبَ خمسة : أحدها : مرتبة الظالم لنفسه ، المفرِّط ؛ وهو الذي انتقص من وضوئها ، ومواقيتها ، وحدودها وأركانها . الثاني : مَن يحافظ على مواقيتها وحدودها ، وأركانها الظاهرة ووضوئها ، لكن قد ضيَّع مجاهدة نفسه في الوسوسة ، فذهب مع الوساوس والأفكار . الثالث : مَن حافظ على حدودها وأر كانها ، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه ؛ لئلا يسرق صلاته ؛ فهو في صلاة و جهاد . الرابع : مَن إذا قام إلى الصلاة أكْمَل حقوقها ، وأركانها ، وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها ، لئلا يضيِّع شيئًا منها، بل هَمُّه كلُّه مصروف إلى إقامتها كما ينبغي ، وإكمالها وإتمامها . قد استغرقَ قلبَهُ شأنُ الصلاة وعبوديةُ ربِّه - تبارك وتعالى - فيها . الخامس : مَن إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبَه ووضعه بين يدي ربِّه عز وجل ، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا مِن محبّته وعظمته ، كأنه يراه ويشاهده ، وقد اضمحلّت تلك الوساوس تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩٧ والخطرات ، وارتفعت حُجُبُها بينه وبين ربه . فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضلُ وأعظم ممَّا بين السماء والأرض . وهذا في صلاته مشغولٌ بربِّه عز وجل ، قرير العيْن به . فالقسم الأول مُعاقَب ، والثاني محاسَب ، والثالث مكفّرٌ عنه ، والرابع مثاب ، والخامس مقرّب من ربه ؛ لأنَّ له نصيبًا ممن جُعلت قَّة عينه في الصلاة . فمن قُرّت عينه بصلاته في الدنيا ، قَرَّت عينه بقرْبه من ربه - عز وجل - في الآخرة ، وقَّت عينه أيضًا به في الدنيا ، ومَن قَرّت عيْنه بالله ؛ قَّت به كلَّ عيْن ومَن لم تقرَّ عينه بالله تعالى ، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات ))(١) . ٣ - الركوع : ومن الهيئات التي يظهر فيها الخشوع : الركوع . قال ابن رجب: ((ومن ذلك: الركوع ؛ وهو ذلَّ بظاهر الجسد . ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله ؛ حين بايَع بعضُهم النبي عَُّّلِ أن لا يَخِّرّ إلَّا قائمًا(٢)؛ يعني يسجد من غير ركوع، كذلك فسَّرَه الإِمام أحمد رحمه الله تعالى والمحقّقون من العلماء . وتمام الخضوع في الركوع : أن يخضع القلب لله ويذلَّ له ، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره الله عز وجل ، ولهذا كان النبي عٍَّ يقول في ركوعه: ((خشع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي، وما استقلَّت به قدمي))(٣). إشارة إلى أن خشوعه في ركوعه قد حصل بجميع جوارحه، ومن أعظمها القلب (١) الوابل الصيب لابن قيم الجوزية ص٢٥ - ٢٩ . بتصرُّف. (٢) وهو حكيم بن حزام ؛ أخرجه النسائي عنه بسندٍ حسن ، والطبراني في الكبير ، والطحاوي في مشكل الآثار . (٣) جزء من حديث أخرجه مسلم . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩٨ الذي هو مَلِك الجوارح، والأعضاء كلها تبَع له ولخشوعه))(١). ٤ - السُّجُود : (( ومن ذلك : السجود ؛ وهو أعظم ما يظهر فيه ذلُّ العبد لربه عز وجل؛ حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه وأعلاها عليه حقيقةً - أوضعَ ما يُمكنه ، فيضعه في التراب مُتعفّرًا ، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله عز وجل))(٢) . ٥ - وصْفُ اللهِ بصفات الكمال وتُعوت الجلال : (( ومِن تمام خشوع العبد لله عز وجلَّ وتواضعه له في ركوعه وسجوده : أنه إذا ذلّ لربه بالركوع والسجود وصَفَ ربَّه حينئذٍ بصفات العِزِّ والكبرياء والعظمة والعلوّ، فكأنه يقول: الذلُّ والتواضع وصْفي ، والعلُّ والعظمة والكِبْرياء وصفُك))(٢) . قال الحسن رحمه الله : ((إذا قمتَ إلى الصلاة قانتًا ؛ فقمْ كما أمَرك الله ، وإِيَّاك والسهوَ والالتفاتَ. إِيَّاك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره ، وتسأل الله الجنة وتعوذ به من النار ، وقلبُك ساهٍ لا تدري ما تقولُ بلسانك)) (٤) . عالي الهمَّة الخاشع في صلاته يذكر الموت فيها : قال رسول الله عَ الِ: ((اذكرِ الموت في صلاتك؛ فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته ، لَحريٌّ أن يُحسن صلاته . وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها ، وإياك وكلَّ أمر يُعْتَذر منه))(٥). (١)، (٢)، (٣) الخشوع في الصلاة ص٢٦ - ٢٨ . (٤) الخشوع في الصلاة ص٢٩ . (٥) إسناده حسن : أخرجه الديلمي في مسند الفردوس . عن أنس مرفوعًا . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٩٩ وقال عَ لِّ: ((إذا قمتَ في صلاتك، فصلِّ صلاة مودِّعٍ، ولا تتكلّمْ بكلام تعتذر منه ، وأجْمِعِ اليأسَ عمَّا في أيدي الناس )) (١). سادات الخاشعين في صلواتهم : مّ بك من قبل في ((علو الهمة في الصلاة )) : صلاةُ سادات الخاشعين ، ومنهم : عبد الله بن الزبير ، وعامر بن عبد قيس ، وزاذان ، وعلي زين العابدين ، ومسلم بن يسار ، وإبراهيم التيمي ، وعاصم بن أبي النجود ، والأوزاعي ، ووكيع بن الجراح ، ويزيد بن هارون ، ويعقوب الحضرمي ، والبخاري ، ومحمد بن نصر المروزي . وغيرهم . ((كان خلف بن أيُّوب لا يطردِ الذباب عن وجهه في الصلاة ، فقيل له : كيف تصبر ؟ قال : بلغني أن الفُسَّاق يتصبَّرون تحتَ السِّياط ليُقال : فلان صبور؛ وأنا بين يدي ربي ، أفلا أصبر على ذباب يقع علّ؟! ))(٢). فيا مصيبتاه على ترك الخشوع : (( قال حاتم الأصمُّ : فاتتني صلاة الجماعة ، فعزّاني أبو إسحاق البخاري وحده ، ولو مات لي ولد لعزَّاني أكثر مِنْ عشرة آلاف ؛ لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا))(٣). (١) أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) عن أبي أيوب. وللحديث شواهد تدل بمجموعها على ثبوته : حديث عبد الله بن عمر عند الضياء ، وحديث سعد بن أبي وقَّاص عند الحاكم، وحديث أنس السابق في ((مسند الفردوس )) . المستطرف ٧/١ . (٢) (٣) المستطرف ٨/١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٠٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس الخشوع عند سماع القرآن والعِلْم : العلم النافع هو ما باشر القلوب ، فأوجب لها السكينة والخشية والإِخبات لله والتواضع والانكسار، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك العِلْمُ وإنما كان على اللسان، فهو حجَّة لله على ابن آدم تقوم على صاحبه وغيره ؛ كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم . ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه . وقال الحسن رحمه الله تعالى : العلم علمان : علم باللسان وعلم بالقلب ؛ فعلم القلب هو العلم النافع ، وعلم اللسان حجَّة الله على ابن آدم . قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿ أَمَّن هو قانتٌ آناءَ الليل ساجدًا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكَّر أولو الألباب ) [ الزمر : ٩ ] . وقال تعالى : ﴿ فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين اللهُ نَزَّل أحسن الحديثِ كتابًا متشابهًا مثاني تقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربَّهم ثم تلينُ جلودهم وقلوبهم إلى ذكّر الله ... ) الآية [ الزمر : ٢٢ - ٢٣ ] . وقال تعالى: ﴿ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لَرأيتَه خاشعًا متصدِّغًا من خشية الله ... ) الآية [ الحشر : ٢١ ] . قال أبو عمران الجَوْني : والله ، لقد صرف إلينا ربُّنا في هذا القرآن ما لو صرفه إلى الجبال لمحاها ودحاها . وكان مالك بن دينار رحمه الله يقرأ هذه الآية ثم يقول : أقسم لكم ، لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صُدِّع قلبه . وقال الحسن : يا ابن آدم ، إذا وسوس لك الشيطان بخطيئة، أو حدَّثْتَ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/