النص المفهرس
صفحات 501-520
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠١ عُلُوُّ الهِمَّةِ فِي المَرَاقَبَةِ اعلمْ يا أخي أنَّ (((المراقبة ) دوامُ علْمِ العبد وتيقُّنه باطِّلاع الحقِّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه ؛ فاستدامتُه لهذا العلم واليقين، هي (( المراقبة))، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه ، ناظِرٌ إليه ، سامع لقوله ، وهو مطَّلِع على عمله كلَّ وقت وكل لحظة ، وكل نَفَس وكلّ طرفةٍ عيْن . والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات ، فكيف بحال المريدين ؟! فكيف بحال العارفين ؟!))(١). ((مَن حفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقَب اللهَ في عموم أحواله ، فيعلم أنَّه سبحانه عليه رقيب ، ومِن قلبه قريب ، يعلم أحواله ، ويرى أفعاله ، ويسمع أقواله ، ومن تغافَلَ عن هذه الجملة ، فهو بمعزل عن بداية الوصلة ، فيكف عن حقائق القُرْبة؟! ))(٢). قال تعالى: ﴿ وَكانَ اللهُ على كلِّ شيءٍ رقيبًا﴾. [الأحزاب : ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وهو معكمْ أَيْنَما كنتمْ﴾. [الحديد: ٤]. وقال تعالى: ألم يعلمْ بأنَّ اللهَ يرى﴾. [ العلق: ١٤ ]. وقال تعالى: ﴿واصبرْ لحكمْ رَبِّك فإنَّك بأعيننا ... ﴾. الآية [ الطور: ٤٨ ] ٠ وقال تعالى: ﴿واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحْذَروه ﴾. [ البقرة : ٢٣٥ ] . وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه سأل النبي معَّ لمِ عن الإِحسان ؟ فقال: ((أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإنْ لم تكن تراه، فإنَّه يراك)). (١) مدارج السالكين ٦٥/٢. (٢) الرسالة القشيرية للقشيري ٤٠٥/١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٢ (( قال زيد بن أسلم : مَّ ابن عمر براعٍ ، فقال : هل من جزْرةٍ ؟ فقال : ليس هاهنا ربُّها ، قال ابن عمر : تقول له : أُكَلَها الذئبُ . قال : فرفع رأسه إلى السماء ، وقال : فأين الله ؟! فقال ابن عمر : أنا والله أحقّ أن أقول: أين الله؟! واشترى الراعي والغنم، فأعتقه وأعطاه الغنم))(١). قال الجنيد : مَن تحقَّق في المراقبة ، خافَ على فوات حظّه من ربِّه لا غير . لله ما أحلاها من كلمة !! وقال ذو النون : علامة المراقبة: إيثار ما أنزل الله ، وتعظيم ما عظَّم الله ، وتصغير ما صغَّر الله . . وقال الجريري : مَن لم يحكّم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة ، لم يصل إلى الكشْف والمشاهَدة . وقيل لأبي الحسين بن هنْد : متى يَهُشُّ الراعي غنمَهَ بعصا الرعاية عن مراتع الهَلَكَة ؟ فقال : إنْ علم أنَّ عليه رقيبًا . وقيل : مَن راقب اللهَ في خواطره ، عصَمَه في حركات جوارحه . وقيل : الرجاء يحرِّك إلى الطاعة ، والخوف يُبعد عن المعاصي ، والمراقبة تُؤدِّيك إلى طريق الحقائق . وقيل : المراقبةُ مراعاة القلب لملاحظة الحقِّ مع كلِّ خطْرة وخطوة . وقال الجريري : أَمْرُنا هذا مَبنِّي على فصلَيْن: أن تُلزِم نفسَك المراقبة لله ، وأن يكون العلم على ظاهرك قائمًا . وقال إبراهيم الخَوَّاص : المراقبة خلوص السرِّ والعلانية لله عز وجل. (١) إسناده جيد: رواه الذهبي في العلو، وقال الألباني في مختصر العلو (١٢٧/١): (( إسناد جيد ؛ رجاله رجال الشيخيْن ، غيرَ عبد الله بن الحارث الجمحي ، وهو الحاطبي ، صدوق كما في التقريب)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة فى عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٣ وقيل : أفضل ما يُلزِمِ الإِنسانُ نفسَه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم . وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلستَ للناسِ فكنْ واعظًا لقلبك ونفسك، ولا يغرنّك اجتماعُهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك ، والله يراقب باطنك . وأربابُ الطريق مُجمِعون على أنَّ مراقبة الله تعالى في الخواطر : سببٌ لحفظها في حركات الظواهر ؛ فمن راقب الله في سرِّه ، حفِظَه الله في حركاته في سرِّه وعلانيته . قال المرتعش : المراقبة : مراعاة السرِّ بملاحظة الغيْب مع كلِّ لحظة ولفظة . وسُئل ابن عطاء: ما أفضل الطاعات؟ فقال: مراقبة الحقِّ على دوام الأوقات. وقال إبراهيم الخوّاص : المراعاة تُورث المراقبة ، والمراقبة تُورث خلوصَ السّرِّ والعلانية لله تعالى . وقال الواسطي : أفضل الطاعات حفظُ الأوقات ، وهو أن لا يطالع العبدُ غيَرَ حدِّه ، ولا يراقب غيرَ ربِّه ، ولا يُقارن غير وقته . (( قال أبو سليمان الداراني : كيف يخفى عليه ما في القلوب ، ولا يكون في القلوب إلّا ما يُلقي فيها ؟! أفيخفى عليه ما هو منه ؟! وقال الحسن بن علي الدامغاني: عليكم بحفظِ السرائر ؛ فإنه مطَّلِعِ على الضمائر . قال الجُنيد : قال لي إبراهيم الآجُرِّي رحمه الله: يا غلام ، لأَنْ تردَّ من همِّكَ إلى الله ذَرَّة، خيرٌ لك ممَّا طلعت عليه الشمس)) (١). (١) اللُّمَع للطوسي ص٨٢ - طبع : دار الكتب الحديثة بمصر . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٠٤ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ولله دُّ إمام أَهْلِ السنةِ أحمد بن حنبل وهو يقول : خلوتُ ولكنْ قِلْ علَّ رقيبُ إذا ما خلوتَ الدهَرَ يومًا فلا تَقُلْ ولا أنَّ ما تخفي عليه يغيبُ ولا تحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعةً ذنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبُ لَهَوْنا عنِ الأيَّامِ(١) حتى تتابَعَتْ ويأذَنُ في توباتِنا فنتوبُ فيا ليتَ أنَّ اللهَ يغفرُ ما مضى وخُلِّفتَ في قْنٍ فأنتَ غريبُ(٢) إذا ما مضى القرنُ الذي أنتَ فيهم المراقبةُ تعبُّدٌ بأسمائه الحُسْنِى : اعلمْ يا أخي أنَّ المراقبة هي التعبُّد بأسمائه: ((الرقيب ، الحفيظ ، السميع ، العليم الخبير، البصير، الشهيد، والمحصي))؛ فمن عقل هذه الأسماء وتعبَّد بمقتضاها، حصلتْ له المراقبة . الرَّقيبُ : فالله هو الرقيبُ ، يعْلَم أحوال عباده ، ويعدُّ أنفاسهم ، حفيظ لا يغفل ، وحاضر لا یغیب ؛ قال تعالى في قول عیسی لربِّه : ﴿ فلما توقَّتني كنت أنتَ الرقيبَ عليهم وأنت على كلِّ شيءٍ شهيد ﴾ [المائدة : ١١٧ ]. (( وقد ذكر الرازي أن أحد الشيوخ كان له جمع من التلاميذ ، وكان قد خَصَّ واحدًا منهم بمزيد من العناية ، فسألوه قائلين : ما السبب في ذلك ؟ فقال الشيخ: سأُبيِّنه لكم . وبعد حين أعطى كلّ واحد من التلاميذ طائرًا ، وقال لكلِّ منهم : اذبحْ هذا الطائر حيثُ لا يراك أحد . فمضى كلٌّ منهم إلى جِهَة ، ثم رجع إلى شيخه وقد ذبح الطائر ، ما عدا ذلك التلميذ ، فقد رجع إلى شيخه والطائر في يده ، فسأله الشيخ : هل ذبحتَ هذا الطائر ؟ فأجابه تلميذه : أنت أمرتَني أن أذبح الطائر حيث لا يراني أحد ، ولم أجد موضعًا لا (١) وفي رواية : لهونا عن الأعمال . (٢) مناقب الإمام أحمد ص٢٦٥، ٢٦٦. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٥ يراني الله فيه . فالتفت الشيخ إلى بقيّة التلاميذ وقال : من أجل هذا خصصْته بمزيدٍ من العناية ))(١). فالمراقبة أن يصير الغالِبُ على العبد ذكْره بقلبهِ أنَّ الله مطلع عليه على الدوام ، فيخاف سطوات عقوبته في كلِّ نَفَس ، ويهابه في كلِّ وقت . سُئل بعضُهم : بِمَ يستعين الرجل على غضِّ بصَرِهِ عنِ المحظورات ؟ قال : بعلمه أن رؤية الله تعالى سابقة على نظره ذلك المحظور . ومن أدب المؤمن مع الرقيب : أن يعلم أنَّ الله رقيبُه وشاهده في كلِّ شيء ، ويعلم أن نفسه عدوَّة له ، وكذلك الشيطان اللعين ، وهما ينتهزان منه كلّ فرصةٍ ليحملاه على الغفلة والمخالفة . فما نالَ عُقْبِى رَبِّه غافِلُ القَلْبِ وغفْلَهُ قَلْبِ المَرْءِ بُعْدٌ وحَسْرَةٌ تأخّرَ في يومِ الجهادِ عنِ الركْبِ لقدْ ذَلَّ في يومِ القيامةِ غافلٌ ولله دُّ مَن قال : وإنْ غِبْتَ فالدنيا علَّ محابسُ فَرَوْحي وريحاني إذا كنتَ حاضرًا لِحُبِّي فَفيمَنْ ليْتَ شِعْري أُنافسُ إذا لم أنافسْ في هواكَ ولمْ أغرْ ومَن غَفَل عنِ اللهِ نَسِيَّهُ . وهذا عيْن الطرد والحِرْمان . فليسَ ينفعُهُ طِبُّ الأَطْبَّاءِ فكيفَ يصنعُ مَن أقصاهُ مالِكُهُ فكيف يصنعُ مَن قَدْ غُصَّ بالماءِ مَن غُصَّ داوَى بشُرْب الماءِ غُصَّتَهُ ومن أدب المؤمن أن يراقب نفسه وحِسَّه ، ويتيقَّظ لأنفاسه ؛ قال عبد الله ابن المبارك لرجل: راقبِ الله تعالى. فسأله عن تفسير ذلك، فقال: كُنْ أبدًا كأنَّك ترى الله. (١) له الأسماء الحسنى ٢٣٨/١. https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٠٦ صلاح الأمة فى عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس قال إسماعيل صبري : فَهْوَ أَزْكى ما يكتُبُ المَلَكَانِ اذكُر اللهَ ما خلوتَ كثيرًا وقريبٌ للقلبِ والشِّرْيانِ واحشَهُ إِنْ لهوتَ فهْوَ رقيبٌ وتمسَّكْ بشِرْعِةِ القرآنِ هذِّبِ النفسَ لا تُطِعْ ما تمنَّتْ فمعَ اللهِ أنتَ في كلِّ شانٍ لا تقلْ إنْ خلوتَ إني وحیدٌ أُ حِّ في عالمِ الأكوانِ واقتدارٍ ورحمةٍ وحنانٍ إِنَّ عَيْنَ الإِلهِ ما غابَ عنها ترقُبُ الخلق في جلال وحكم۔ سبحانه وتعالى : رقيبٌ على كلِّ الوجودِ مهيمِنْ رقيبٌ على كلِّ النفوس وإنْ تَلُذْ رقيبٌ تعالى مالكُ المِلْكِ مبصرٌ على الفلكِ الدوَّارِ نجمًا وكوكبًا بصمْتٍ ولم تجهزْ بسرِّ تغيًّا بِهِ كلّ شيءٍ ظاهرًا أو مُحجّبًا الحفيظ : قال تعالى: ﴿ورَبُّك على كلِّ شيءٍ حفيظ﴾ [سبأ: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ ربِّي على كلِّ شيءٍ حفيظ﴾ [ هود : ٥٧ ]. فمن علم أنّ ربّه حفيظ ، حفظ جوارحه وقلبه ، وحفظ دينه عن سطوة الغضب ، وخلابة الشهوة ، وخداع النفس ، وغرور الشيطان . ومَن حفظ جوارحه ، حفِظَ الله عليه قلبه . ومَن حِفِظ لله حقّه ، حفظ الله له حقّه . العَلِيم : ((ومَن علِم أنه سبحانه وتعالى عالم بكلّ شيء حتى بخطرات الضمائر ، ووساوس الخاطر؛ فعليه أن يراقبه ويستحي منه ويكفّ عن معاصيه، ولا يغتّ بجميل ستْره، ويخشى بغتات قهْره، ومفاجآت مكره ؛ قال تعالى: ﴿يَسْتَحْفُونَ من الناس ولا يستخفون مِنَ الله وهو معهم﴾. وقال تعالى: ﴿ وأسُرُوا تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٧ قولكم أو اجْهَروا به إنه عليم بذات الصدور ). وقال تعالى: ﴿ ألا يعلمُ مَن خَلَقَ وهو اللطيف الخبير ﴾ [الملك: ١٤]). الشهيد : هو العليم الحاضر ؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ أيّ شيءٍ أكبرُ شهادةً قل الله ﴾ [ الأنعام : ١٩]. وقال تعالى: ﴿وما تكون في شأنٍ وما تتلو منه مِن قرآنٍ ولا تعملون من عمل إلَّا كَّا عليكم شهودًا إذْ تُفيضون فيه وما يَعزُبُ عن رِبِّك مِن مثقال ذرَّة في الأرض ولا في السماءِ ولا أصغر مِن ذلك ولا أكبر إلّا في كتابٍ مبين ﴾ [ يونس: ٦١ ] . وإذا عَلِم أن الله تعالى شهید یعلم أفعاله ، ویری أحواله ؛ هان عليه ما يعانيه لرضاه . وأهل المعرفة لم يطلبوا مؤنسًا سواه ، ولا طلبوا شيئًا غيره . فإنْ تكلَّمتُ لمْ ألِفِظْ بغيرِكُمُ وإِنْ سكتُ فأَنتُمْ عِقْدُ إضْماري السميعُ الْبَصِيرُ : سبحانه يسمَعُ السَّ والنجوى ، ويُبصر ما تحت الثرى. قال القشيري: ((فَمَن عَرَف أنه بهذه الصفة : كان من أدبه دوامُ المراقبة ، ومطالبة النفس بدقيق المحاسبة . سمعتُ بعض الفقراء يقول : إن بعض الملوك كان له عبد يُقبِل عليه أکثر ممَّا يُقبل على أمثاله ، ولم يكن أحسن منهم صورة ، ولا أكثر منهم قيمة، فكانوا يتعجَّبون من ذلك ، فركِب الملك يومًا إلى الصحراء ومعه أصحابه وعبيده ، ونظر إلى جبل بعيدٍ عليه قطعة ثلْجٍ نظرةً واحدةً ، ثم أطرق ، فركض ذلك العَبْدُ بفرسِهِ قبل أن يَنْظُر الملك إليه ، ولم يعلمِ الجماعة بشيءٍ ، وما لبث إلَّا ساعة حتى عاد ومعه شيء من الثلج ، فقال له الملك : وما أدراك أني أردتُ الثلج ؟ فقال الغلام : لأنك نظرتَ إليه، ونظرُ الملوك إلى شيءٍ لا يكونُ عبئًا . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٨ فقال الملك : إنما أخصُّه بإكرامي ونوالي ، وأقرِّبُه وأقدّمه عليكم ؛ لأن لكلِّ أحدٍ منكم شغلًا ؛ إنكم مشغولون بأنفسكم ، وهو مشغول بمراقبة أحوالي .. شغله مراعاةُ لحَظَاتي ، ومراقبة أحوالي ))(١). قلبي يحبُّكَ لا يُومِي إلى أحدٍ تكادُ همَّتَهُ تلقاكَ بالخَبَرِ المُخْصِي : قال تعالى: ﴿ إِنَّا نحنُ نُحيي الموتى ونكتُبُ ما قدَّموا وآثارَهم وكلَّ شيءٍ أحصيْناه في إمام مبينٍ﴾ [ يس: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وكلّ شيءٍ أحصيْناه كتابًا ﴾. [النبأ: ٢٩]. ((وحظُّ العبدِ من اسم ((المحصي)): أنه متى علم أن الربَّ تعالى يُحصي عليه الكلِّيَّات والجزئيّات ، فهو أيضًا يُحصبها على نفسه ، ويراقب أنفاسه في الدخول والخروج))(٢). ومن ((آداب مَن عَلِم أنه - سبحانه وتعالى - يُحصي أنفاسه ، ويرعى له حواسَّه ؛ أن يعلم أنه قريب وعليه رقيب ، ويعلم أنه يتكلَّف عدَّ نِعَمِه عليه ، مع علمه أنه لا يُحصيها إلّا هو ؛ كما قال تعالى: ﴿وإنْ تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها ﴾، ليزجي وقته بذكْر إنعامه وشكْر أقسامه ، فيستوجب المزيد من مواهب إحسانه ))(٣). أنتَ مُحصيهِ زمانًا ومكانًا كلُّ معلومٍ ففي علْمِكَ كَانَا فيهِ ذَرَّاتٌ دقاقًا وكَيَانًا أنتَ سبحانَك أدرى بالذي (١) الرسالة القشيرية ٤٠٦/١، والتحبير في التذكير ص٤٩. (٢) موسوعة: له الأسماء الحسنى للدكتور أحمد الشرباصي ٣١٠/١ - طبع: دار الجيل . (٣) التحبير في التذكير للقشيري ص٧٣ - طبع : دار الكاتب العربي . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥٠٩ نشوةِ التسبيح قلبًا ولسانًا (١) أَنتَ محصيها وهادِيها إلى درجاتُ المراقبةِ عندَ الغزالي : قال الغزالي رحمه الله: ((المراقبة حالةٌ للقلب يثمرها نوعٌ مِن المعرفة ، وتُثمر تلك الحالة أعمالًا في الجوارح وفي القلب : أمَّا الحالة : فهي مراعاة القلب للرقيب ، واشتغاله به والْتفاتُّه إليه ، وملاحظته إِيَّاه وانصرافه إليه . وأمَّا المعرفة التي تُثْمِرُ هذه الحالة : فهي العلم بأنَّ الله مطَّلِعٍ على الضمائر، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد ، قائم على كلِّ نفس بما كسبَتْ ، وأن سّ القلب في حقّه مكشوف ، كما أن ظاهر البشرة للخلْق مكشوف ؛ بل أشدُّ من ذلك . فهذه المعرفة إذا صارت يقينًا - أعني أنها خلَتْ عن الشكِّ - ثم استولت بعد ذلك على القلب قهرتْه ، فربَّ علمٍ لا شكَّ فيه لا يغلب على القلب ، كعلم الموت ، فإذا استولتْ على القلب استجرَّتِ القلبَ إلى مراعاة جانب الرقيب وصْفٍ همّه إليه ، والموقِنون بهذه المعرفة هم المقرَّبون، وهم ينقسمون إلى الصدِّيقين ، وإلى أصحاب اليمين ، فمراقبتهم على درجتين : الدرجة الأولى : مراقبةُ المقرَّبين مِنَ الصِّدِّيقين : وهي مراقبة التعظيم والإِجلال ، وهو أن يصير القلب مستغرِقًا بملاحظة ذلك الجلال ، ومنكسِرًا تحتَ الهيْبة ، فلا يبقى فيه مُتَّسع للالتفات إلى الغير أصلًا، وهذه مراقبة تتعطل فيها الجوارح عن التلفَّت إلى المباحات فضلًا عن المحظورات . وإذا تحرّكت بالطاعات كانت كالمستعملة بها ، فلا تحتاج إلى تدبير (١) موسوعة: له الأسماء الحسنى ص ٣١١. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وتثبيت في حفظها على سنن السداد ، بل يسدّد الرعية من مُلَّك الراعي ، والقلب هو الراعي ، فإذا صار مستغرقًا بالمعبود صارت الجوارح مستعملةً جارية على السداد والاستقامة من غير تكلّف ، وهذا هو الذي صار همُّه واحدًا، فكفاه الله سائرَ الهموم)) (١) . وقد مرّ بك سابقًا أنَّ رسول الله عَّهِ مِن شُغْله بالدعوة وبما قاله أهل الطائف ؛ انطَلَق مهمومًا على وجهه، فما أفاق إلّا بـ (( قْن الثعالب)). قال الغزالي: (( ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق ، حتى لا يبصر مَن حضر عنده ، ولا تستبعد هذا ، فإنك تجد نظير هذا في القلوب المعظِّمة لملوك الأرض ، حتى إن خدَم الملك قد لا يُحسُّون بما يجري عليهم في مجالس الملوك ؛ لشدَّة استغراقهم بهم ، بل قد يشتغل القلبُ بمُهمّ حقير من مهمَّات الدنيا ، فيغوص الرجل في الفكر فيه ويمشي ، فربما يجاوز الموضع الذي قِصَدَه ، وينسى الشغلَ الذي نهض له . قيل لعبد الواحد بن زيد : هل تعرف في زمانك هذا رجلًا قد اشتغلَ بحاله عن الخلق ؟ فقال : ما أعرفُ إلَّا رجلًا سيدخل عليكم الساعة ! فما كان إلّا سريعًا حتى دخل عُتبةُ الغلام ، فقال له عبد الواحد بن زيد : من أين جئت يا عتبة ؟ فقال : من موضع كذا . وكان طريقه على السوق . فقال : مَن لقيتَ في الطريق ؟ فقال : ما رأيتُ أحدًا . وحُكي عن بعضهم أنه قال : مررتُ بجماعة يترامَوْن وواحد جالسٌ بعيدًا منهم ، فتقدمتُ إليه ، فأردتُ أن أُكلِّمه فقال : ذكْرُ الله تعالى أشهى . فقلتُ : وحدَك ؟! فقال: معي ربِّي ومَلَكَايَ. فقلتُ: مَنْ سَبَق من هؤلاء؟ قال: مَن غفر الله له . فقلتُ : أين الطريق ؟ فأشار نحو السماء ، وقام ومشى ، وقال : (١) إحياء علوم الدين ٤٢٢/٤ - ٤٢٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥١١ أكثرُ خلْقِك شاغِل عنك . فهذا كلام مستغرق بمشاهدة الله تعالى ، لا يتكلّم إلَّا منه ولا يسمع إلا فيه)). والعبدُ يزهو على مقدارٍ مَوْلاهُ قومٌ تخلَّهِمْ زِهْوٌ بسيِّدِهمْ يا حُسْنَ رؤيتِهِمْ في حُسْنٍ ما تاهوا تاهُوا بِهِ عمَّن سواهُ لهُ يقول قائلهم : وشغلتُ عن فهْمِ الحدیث سوى وأدیمُ نحو محدِّئي عقلي ليرى ما كانَ عنكَ فإنَّه شغْلي أنْ قد عقلتُ وعندكم عقلي ويقول قائلهم : لمّا علمتَ بأنَّ قلبيَ فارعٌ والقلْبُ فيكَ هيامُه وغرامُه ممَّنْ سواك ملأتَه بهواكا والرّوحُ لا تنفكُّ عن ذِكْراكا ويقول قائلهم : إنْ عشتُ أو متُّ أعضائي توخِّدهُ أُخلي فؤادي لهُ منْ كلِّ شائبةٍ ((قال أبو عبد الله بن خفيف: خرجتُ من مصر أريد (( الرملة)) للقاء أبي علي الرّوذباري ، فقال لي عيسى بن يونس المصري - المعروف بالزاهد -: إنَّ في ((صُور)) شأبًا وكهْلًا قد اجتمعا على حالِ المراقبة، فلو نظرت إليهما نظرةً لعلّك تستفيد منهما؟ فدخلتُ ((صور )) وأنا جائع عطشان ، فدخلتُ المسجد ، فإذا بشخصيْن قاعدين مستقبلي القبلة ، فسلمتُ عليهما فما أجاباني ، فسلّمت ثانية وثالثة فلم أسمع الجواب ، فقلت : نشدتُكما بالله إلّا رددتُما علَّ السلام فرفع الشابُّ رأسَه فنظر إلَّي وقال : يا ابن خفيف ، الدنيا قليل وما بقي من القليل إلَّا القليل، فخُذْ من القليل للكثير . يا ابنَ خفيف، ما أقلّ شغْلكَ حتى تتفَّغ إلى لقائنا !! قال : فأخذ بكلِّتي ، ثم طأطأً رأسه في المكان ، فبقيتُ عندهما حتى صلّينا الظهر والعصر ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس فذهب جوعي وعطشي وعنائي ، فلمّا كان وقت العصْر قلتُ : عِظْني . فرفع رأسه إلّ وقال: يا ابن خفيف، نحن أصحاب المصائب، ليس لنا لسانُ العِظَة. يا ابن خفيف، عليك بصُحبة من يذكِّرُك بالله رؤيتُه، وتقع هيبتُه على قلبك، يعظك بلسان فعْله ولا يعظك بلسان قوله. والسلام. قُم عنا)). فهذه درجة المراقبين ، الذين غلب على قلوبهم الإِجلال والتعظيم ، فلم يبق فيهم متَّسع لغير ذلك . الدرجة الثانية : مراقبة الوَرِعِين مِنْ أصحابِ الْيَمين : (( وهم قومٌ غلب يقينُ اطلاع الله على ظاهرهم وباطنهم ، وعلى قلوبهم ، ولكن لم تَذْهشْهِمْ ملاحظة الجلال ، بل بقيتْ قلوبُهُم على حدِّ الاعتدال ، متسعة للتلفّت إلى الأحوال والأعمال ، إنها مع ممارسة الأعمال لا تخلُو عن المراقبة ؛ نعم ، غلب عليهم الحياءُ من الله ، فلا يُقدمون ولا يُحجمون إلَّا بعد التثبت فيه ، ويمتنعون عن كلّ ما يُفْتَضَحُون به في القيامة ؛ فإنهم يرون اللهَ في الدنيا مطَّلِعًا عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة))(١). ابنُ عُمَر سيِّدٌ من ساداتِ المراقبين الله : قال عروة بن الزبير: (( خطبتُ إلى عبد الله بن عمر ابنته ونحن في الطواف ، فسكت ولم يجبْني بكلمة ، فقلتُ : لو رضي لَأَجابني ، والله لا أُراجعه فيها بكلمة أبدًا، فقُدِّرَ له أن صَدَر إلى المدينة قبلي ، ثم قدِمتُ فدخلتُ مسجد الرسول عَّ له، فسلَّمتُ عليه وأدَّيتُ إليه من حقِّه ما هو أهلُه، فأتيتُه ورَّب بي ، وقال : متى قدمتَ ؟ فقلتُ : هذا حينُ قدومي . فقال : أكنتَ ذكرتَ لي سَودَة بنت عبد الله ونحن في الطواف نتخايلُ اللهَعز وجل بين أعيننا ، وكنتَ قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموْطن ؟ فقلتُ : كان أمرًا قُدِرَ . قال : (١) إحياء علوم الدين ٤٢٣/٤ - ٤٢٤ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس فما رأيُك اليوم ؟ قلتُ : أحرَص ما كنتُ عليه قطُّ . فدعا ابنيْه سالمًا وعبدَ الله فزوَّ جني ))(١). قال الغزالي في الفرق بين الدرجتين الأولى والثانية : (( وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات ؛ فإنك في خَلْوتك قد تتعاطى أعمالًا ، فيحضركَ صبِّي أو امرأة ، فتعلم أنه مطَّلِع عليك فتستحي منه ، فتُحسِن جلوسك وتراعي أحوالك ، لا عن إجلال وتعظيم بل عن حَيَاء ؛ فإنّ مشاهدته وإنْ كانت لا تدهشك ولا تستغرقُك ، فإنها تهيج الحياء منك ، وقد يدخل عليك مَلِكٌ من الملوك أو كبيرٌ من الأكابر ، فيستغرقُك التعظيمُ حتى تترك كلَّ ما أنت فيه ؛ شغلًا به ، لا حياءً منه ، فهكذا تختلف مراتبُ العباد في مراقبة الله تعالى)) (٢) . مراقبة الوَرِعِين : مراقبةٌ قبلَ العمل ، ومراقبة في العمل : قال الغزالي عن الدرجة الثانية من درجات المراقبة: ((ومَن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ولحظاته ، وبالجملة جميع اختياراته ، وله فيها نظران : نظرٌ قبل العمل ، ونظر في العمل : أمَّا قبلَ العَمَل : فلينظرْ أن ما ظهر له وتحرّك بفعْله خاطره : أهو لله خاصَّة أم هو في هوی النفس ومتابعة الشيطان ؟ فیتوقّف فيه ویتثبت ، حتی ینکشف له ذلك بنور الحق ، فإن كان لله تعالى أمضاه ، وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكفّ عنه ، ثم لام نفسَه على رغبته فيه وهمّه به وميْله إليه ، وعرّفها سوءً فعْلِها وسعيها (١) حلية الأولياء ٣٠٨/١. (٢) إحياء علوم الدين ٤٢٤/٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس في فضيحتها ، وأنها عدوَّة نفْسِها إنْ لم يتداركْها اللهُ بعصْمته ، وهذا التوقُّف في بداية الأمور إلى حدّ البيان واجبٌ محتوم ، لا محيصَ لأحد عنه . قال الحسن : كان أحدهُم إذا أراد أن يتصدَّق بصدقة ، نظر وتثَّت ؛ فإن كان الله أمضاه . وقال الحسن : رحم اللهُ عبدًا وقف عند همِّه ؛ فإن كان لله مضى ، وإن كان لغيره تأخّر . وقال محمد بن علي : إنَّ المؤمن وقَّافٌ متأنٌّ ، يقف عند همِّه ، ليس كحاطب ليل . فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ، ولا يُخلِّص مِن هذا إلَّا العلمُ المتينُ ، والمعرفةُ الحقيقةُ بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان ، فمتى لم يعرفْ نفسَه وربَّه وعدوَّه إبليس ، ولم يعرف ما يوافق هواه ، ولم يميّز بينه وبين ما يحبُّه الله ويرضاه في نَّتَه وهِمَّته وفكرته وسكونه وحر كته - فلا يسلمْ في هذه المراقبة . فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسَه عند همِّه بالفعْل وسعيه بالجارحة ، فيتوقّف عن الهمِّ وعن السعْي ، حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيُمضيه ، أو لهوى النفسِ فيتَّقيه ، ويزجر القلب عن الفكْر فيه والهمِّ به ، فإن الخطوة الأولى في الباطل إذا لم تُدْفَع، أُوْرثت الرغبة ، والرغبة تُورث الهمَّ ، والهمّ يُورث جزْمَ القصْد ، والقصد يُورث الفعْل ، والفعل يُورث البَوار والمقْت . ومعرفة آفات الأعمال قد اندرستْ في هذه الأعصار . عند الشُّرُوعِ في العمل : النظر الثاني للمراقبة : عند الشروع في العمل ؛ وذلك بتفقَّد كيفيَّة العمل ليقضي حقَّ الله فيه ، ويُحسن النيّة في إتمامه ، ويكمل صورته ويتعاطاه على تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٥ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس أكمل ما يمكنه ، وهذا ملازم له في جميع أحواله ؛ فإنه لا يخلو في جميع أحواله عن حركة وسكون ، فإذا راقب الله تعالى في جميع ذلك ، قدَر على عبادة الله تعالى فيها بالنّيَّة وحُسْن الفعْل ومراعاة الأدَب . فإن كان قاعدًا مثلًا فينبغي أنْ يستقبل القبلة ، ولا يجلس متربِّعًا؛ إذْ لا يُجالِس الملوكَ كذلك ، وملكُ الملوك مطّلع عليه ؛ قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : جلستُ مَرَّة متربِّعًا ، فسمعت هاتفًا يقول : هكذا تجالس الملوك ؟! فلم أجلسْ بعد ذلك متربِّعًا . فإذن ، لا يخلو العبد ؛ إمَّا أن يكون في طاعة ، أو في معصية ، أو في مباح . فمراقبته في الطاعة : بالإِخلاص ، والكمال ، ومراعاة الأدب ، وحراستها عن الآفات . وإن كان في معصيته : فمراقبته بالتوبة ، والندم ، والإِقلاع ، والحياء ، والاشتغال بالتفگُّر . وإن كان في مباح : فمراقبته بمراعاة الأدب ، ثم بشُهود المْنِعِم في النعم ، وبالشكر عليها . ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بليَّةٍ لا بدّ له من الصبر عليها ، ونعمة لا بدَّ له من الشكْر عليها ، وكل ذلك من المراقبة . بل لا ينفكُّ العبد في كلِّ حالٍ من فُرْضٍ لله تعالى عليه ؛ إمَّا فعْل يلزمه مباشرته ، أو محظور يلزمه تركه ، أو نذب حثّ عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالی ویسابق به عباد الله ، أو مباح فيه صلاحُ جسمه وقلبه ، وفيه عون له على طاعته . ولكل واحد من ذلك حدود لا بدّ من مراعاتها بدوام المراقبة ومَن يتعدَّ حدودَ اللهِ فقدْ ظلمَ نفسَه﴾ [ الطلاق: ١]. فينبغي أن يتفقَّد العبدُ نفسه في جميع أوقاته في هذه الأقسام الثلاثة، فإذا كان فارغًا من الفرائض وقدرَ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس على الفضائل ، فينبغي أن يلتمسَ أفضل الأعمال ليشتغل بها ، فإنَّ مَن فاته مزيدُ رْح وهو قادر على دركه فهو مغبون ، والأرباح تُنال بمزايا الفضائل ، فبذلك يأخذ العبدُ من دنياه لآخرته ؛ كما قال تعالى: ﴿ ولا تنسَ نصيبَك مِنَ الدنيا﴾. [القصص: ٧٧]. وكلُّ ذلك إنما يمكن بصبْر ساعة واحدة ، وهي الساعة الراهنة ، فيكون ابنَ وقتِه كأَنَّه في آخر أنفاسه ، فلعلَّه آخر أنفاسه وهو لا يدري ، ولا يطوّل أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها . وفي الساعة التي هو فيها مشغول بالجوارح ، بالطعام والشراب ، لا ينبغي أنْ يخلو عن عَمَلٍ هو أفضل الأعمال ، وهو الذكْر والفكّر ؛ فإن الطعام الذي يتناوله مثلًا فيه من الغجائب ما لو تفكّر فيه وفطِن له ، كان ذلك أفضل من كثير من أعمال الجوارح . فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام والاتصال ))(١). درجاتٌ أخرى للمراقبةِ عند شيْخ الإِسلام الهَرَوي وابن القيم : قال الهروي صاحب ((المنازل)): المراقبة: دوامُ ملاحظةِ المقصود . وهي على ثلاث درجات : الدرجة الأولى: مراقَبَةُ الحقّ تعالى في السَّيِّر إليه على الدَّوَام ، بين تعظيمِ مُذْهِلٍ ، ومداناةٍ حامِلةٍ ، وسرورٍ باعث : قال ابن القيم: ((قوله : ( بيْن تعظيمٍ مذهِلٍ ) : فهو امتلاءُ القلب من عظمة الله عز وجل ، بحيث يُذهِلُه ذلك عن تعظيم غيره ، وعن الالتفات إليه ، فلا ينسى هذا التعظيم عند حضور قلبه مع الله ، بل يستصحبه دائمًا ؛ فإن الحضور مع الله يُوجب أنسًا ومحبَّةً ، إن لم يقارنْهما تعظيم ، أورثاه خروجًا (١) إحياء علوم الدين ٤٢٤/٤ - ٤٢٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٧ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس عن حدود العبودية ورُعونةً ، فكل حبّ لا يُقارنه تعظيم المحبوب .: فهو سبب للبعد عنه ، والسقوط من غَيْنِهِ . فقد تضمَّن كلامُه خمسةً أمور : سيّرٌ إلى الله ، واستدامة هذا السير ، وحضور القلب معه ، وتعظيمه ، والذهول بعظمته عن غيره . وأما قوله : ( ومداناة حاملة ): فيريد دنوًا وقربًا حاملًا على هذه الأمور الخمسة ، وهذا الدنُّ يحمله على التعظيم الذي يُذهله عن نفسه وعن غيره ؛ فإنه كلما ازداد قُربًا مِن الحقِّ ازداد له تعظيمًا وذُهولًا عن سواه ، وبعدًا عن الخلْقِ . وأما ( السرور الباعث ) : فهو الفرحة والتعظيم ، واللّذّة التي يجدها في تلك المداناة ؛ فإن سرور القلب بالله وفرحه به ، وقَّة العيْن به ؛ لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة ، وليس له نظير يُقاس به ، وهو حال من أحوال أهل الجنة ، حتى قال بعض العارفين : إنه لَتمُّ بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا ، إنَّهم لَفي عيش طيِّب . ولا ريب أنَّ هذا السرور يَبعثُه على دوام السير إلى الله عز وجل ، وبذْلٍ الجهد في طلبه ، وابتغاء مرضاته ، ومَن لم يجد هذا السرور ، ولا شيئًا منه ، فَلْيَتَّهِمْ إِيمانه وأعماله ؛ فإن للإِيمان حلاوة ، مَن لم يَذُقْها فليرجعْ ، وليقتبسْ نورًا يجد به حلاوة الإِيمان. وقد ذكر النبي عَ لِ ذوق طعم الإِيمان ووَجْدَ حلاوته ؛ فذكر الذوْق والوجْد ، وعلَّقه بالإِيمان، فقال: ((ذاق طعْمَ الإِيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا)). وقال: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإِيمان : مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، ومَن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا الله ، ومَن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يُلقى في النار)). وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : إذا ۔ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥١٨ صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا ، فاتهمْه ؛ فإن الَّب تعالى شكور . يعني أنه لا بدَّ أن يُثيب العامل على عمله في الدنيا ، مِن حلاوة يجدها في قلبه ، وقوَّة انشراح وقّة عين . فحيث لم يجد ذلك فعملُه مدخول . والقصد : أن السرور بالله وقْبِه ، وقَّةِ العين به ، تبعث على الازدياد من طاعته ، وتحثُّ على الجدِّ في السير إليه)) (١) . الدرجة الثانية : مُراقَبة نظَرِ الحقِّ برفْضِ المعارضة ، بالإِعراض عن الاعتراضِ ، ونقْضِ رُعونة التعرُّض : قال ابن القيم: ((هذه مراقبة لمراقبة الله لك، فهي مراقبة لصفة خاصَّة معيَّنة ، وهي تُوجب صيانة الباطن والظاهر ؛ فصيانة الظاهر : بحفظ الحركات الظاهرة ، وصيانة الباطن : بحفظ الخواطر والإِرادات والحركات الباطنة ، التي منها رفض معارضة أمره وخبره فيتجرَّد الباطن من كلّ شهوة وإرادة تُعارِض أمره ، ومن كلّ إرادة تعارض إرادته . ومن كلّ شبهة تعارض خبره ، ومن كلّ محبّة تزاحم محبته ، وهذه حقيقة القلب السليم الذي لا ينجو إلّا مَن أتى اللهَ به ، وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين، وكل تجريد سوى هذا فناقِصٌ. وهذا تجريد أرباب العزائم. ثم بَيَّن الشيخ سبب المعارضة، وبماذا يرفضها العبد؛ فقال: ((بالإِعْراض عن الاعتراض ))؛ فإن المعارضة تتولّد من الاعتراض، و((الاعتراض)) ثلاثةُ أنواع سارية في الناس ، والمعصوم مَن عصمه اللهُ منها : النوع الأول : الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبُه الباطلة ، التي يسمِّيها أربابها قواطع عقلية ، وهي في الحقيقة خيالات جهْلية ، ومُحالات ذِهنية ، اعترضوا بها على أسمائه وصفاته عز وجل، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجْلها ما أثْبَتَهُ لنفسه، وأثبتَه له رسوله عَّه، وأثبتوا ما نفاه، ووالوا بها أعداءه، وعادَوا بها أولياءه ، (١) مدارج الساكين ٦٦/٢ - ٦٨ . https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٥١٩ وحرَّفوا بها الكَلِم عن مواضعه ، ونسوا بها نصيبًا كثيرًا مما ذُكِّروا به وتقطَّعوا لها أمَرَهم بينهم زُبُرًا، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرِحون . والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المخض للوحي ، فإذا سلم القلب له ؛ رأى صحة ما جاء به ، وأنه الحقُّ بصريح العقل والفِطرة ، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة ، وهذا أكمل الإِيمان. ليس كمَنِ الحربُ قائمٌ بين سمعه وعقله وفطِرته . النوع الثاني : الاعتراضُ على شرعه وأمره . وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع : أحدها : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم ، المتضمِّنة تحليل ما حَّم الله سبحانه وتعالى ، وتحريم ما أباحه ، وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما أسقطه ، وإبطال ما صحَّحه ، وتصحيح ما أبطله ، واعتبار ما ألغاه ، وإلغاء ما اعتبره ، وتقييد ما أطلقه، وإطلاق ما قَّده . وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبةً على ذمِّها والتحذير منها ، وضاحوا على أصحابها من أقطار الأرض ، وحذَّروا منهم ، ونفروا عنهم . الثاني : الاعتراض على حقائق الإِيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات ، والكشوفات الباطلة الشيطانية ، المتضمِّنة شرْعَ دينٍ لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله ، والتعوّض عن حقائق الإيمان بخدّعٍ الشيطان ، وحظوظ النفوس الجاهلة . والعجب أنَّ أربابها يُنكرون على أهل الحظوظ ، وكلّ ما هم فيه فحظٌّ ، ولكن حَظَّهم متضمِّن مخالفة مراد الله ، والإعراض عن دينه ، واعتقاد أنه قربة إلى الله . فأين هذا من حظوظ أصحاب الشهوات ، المعترفين بذمِّها ، المستغفرين منها ، المقرِّين بنقصهم وعيْبهم ، وأنها منافية للدين ؟ !. وهؤلاء في حظوظم اتخذوها دينًا ، وقدَّموها على شرع الله ودينه ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٢٠ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس واغتالوا بها القلوب ، واقتطعوها عن طريق الله ، فتولَّد من معقول أولئك ، وآراء الآخرين وأقيستهم الباطلة ، وأذواق هؤلاء : خرابُ العالم ، وفساد الوجود ، وهذْمُ قواعد الدين . وتفاقم الأمر وكاد ، لولا أن الله ضمن أنه لا يزال يقوم به مَن يحفظُه ، ويبيِّن معالمه ، ويحميه من كيْد مَن يكيد . الثالث : الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة ، التي لأرباب الولايات التي قدَّسوها على حكم الله ورسوله ، وحكموا بها بين عباده ، وعطّلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده . فقال الأوَّلون : إذا تعارض العقل والنقل : قدَّمنا العقل . وقال الآخرون : إذا تعارض الأثرُ والقياس : قدَّمنا القياس . وقال أصحاب الذوْق والكشْف والوجْد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع ؛ قدَّمنا الذوق والوجد والكشف . وقال أصحاب السياسة : إذا تعارضتِ السياسة والشرع ، قدَّمنا السياسة . فجعلتْ کل طائفة قُبالةَ دینِ الله وشرعه طاغوتًا يتحاكمون إليه ؛ فهؤلاء يقولون : لكم النقل ، ولنا العقل . والآخرون يقولون : أنتم أصحاب آثار وأخبار ، ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار . وأولئك يقولون : أنتم أرباب الظاهر ، ونحن أهل الحقائق. والآخرون يقولون: لكم الشرع ، ولنا السياسة . فيا لها من بليَّةٍ، عَمَّتْ فأعْمَتْ ، ورزيّة رَمَتْ فأضمَت ، وفتنةٍ دعت القلوب فأجابها كلُّ قلب مفتون ، وأهوية عصَفَت فصُمَّتْ منها الآذان ، وعميتْ منها العيون ، عُطِّلتْ لها - والله - معالم الأحكام ، كما نُفيتْ لها صفات ذي الجلال والإكرام، واستند كلُّ قوم إلى ظلْمِ وظلماتِ آرائهم ، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم ، وصار لأجْلها الوحي عُرْضَةً لكلِّ تحريف وتأويل ، والدين وقفًا على كل إفساد وتبديل . النوع الثالث : الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره . وهذا اعتراض تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/