النص المفهرس
صفحات 381-400
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٣٨١ وإن السفيه يُؤْذيك . واذكرْ أخاك إذا تغيَّبَ عنك بما تحبُّ أن يذكُرَكَ به ، واعْفِهِ عمَّا تحبُّ أن يَعفيَك منه. واعملْ عمل رجلٍ يرى أنه مُجازَّى بالإِحسان ، مأخوذ بالإِجرام ))(١) . وقال مُؤَرِّق العجْلي: ((أمرٌ أنا أُطُبه منذ عشر سنين ، لم أقدر عليه ، ولستُ بتاركٍ طلَبَه .. قالوا: ما هو يا أبا المعتمِر ؟ قال: الصَّمْتُ عمَّا لا يَعنيني))(٢) . ((وقال أبو جعفر محمد بن علي: كفى عيبًا أن يُبصِرَ العبدُ من الناس ، ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يُؤذي جليسَه فيما لا يعنيه . وعن زيد بن أسلم قال : دُخِل على ابن أبي دجانة وهو مريض ، ووجهه يتهَّل ، فقال: ما من عملي شيءٌ أوثق في نفسي من اثنتين : لم أتكلّم فيما لا يَعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليمًا))(٣). وعالي الهِمَّة لا يَخوضُ في فُضولِ الكلام : قال تعالى: ﴿لا خيرَ في كثيرٍ من نجْواهم إلَّا مَن أَمَرَ بصدَقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس ... ﴾ [ النساء: ١١٤ ]. وقال رسول الله عَّ اله: ((طوبى لمن أمسَكَ الفضلَى من لسانه، وأنفق الفضل من ماله)) (٤). (١) الصمت وحفظ اللسان ص ٧٥ . (٢) الزهد لأحمد ص٣٠٥، وأبو نعيم في الحلية ٢٣٥/٢ بلفظ: (( أن أقولَ ما لا يعنيني)). والصمت ص٧٧ . (٣) الصمت صـ ٧٥، ٧٧ . (٤) حسن : أخرجه البغوي وابن قانع في معجمي الصحابة ، والبيهقي من حديث ركب المصريّ، وقال البغوي: لا أدري: أسمع من النبي عَ لِ أم لا. وقال ابن منده: مجهول لا نعرف له صحبه . وقال ابن عبد البر : إنه حديث حسن . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٢ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وفضول الكلام مذموم ، وهذا يتناول الخوْضَ فيما لا يعني ، والزيادة فيما يعنى على قدر الحاجة ، فإنَّ مَن يعنيه أمرٌ يُمكنه أن يذكره بكلام مختصر ، ومهما تأدَّى مقصوده بكلمةٍ واحدةٍ فذكر كلمتين فالثانية فضول ، أي فضْل عن الحاجة ، وهو أيضًا مذموم ، وإن لم یکن فیه إثم ولا ضرر . وقال عطاء بن أبي رباح لمحمَّد بن سُوقة وجماعة: (( يا بَنِي أخي ، إِنَّ مَن كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ، وكانوا يعدون فضول الكلام ، ما عدا كتاب الله ، أن تقرأه ، أو تأمر بمعروف ، أو تنهى عن منكر ، أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بدَّ لك منها ، أتنكرون: ﴿وإنَّ عليكم لحافظين كِرامًا كاتبين﴾ [ الانفطار: ١٠، ١١]، ﴿ ... عن اليمين وعن الشمال قَعِيدٌ * ما يلفظ من قول إلَّا لديه رقيب عتيد﴾ [ق: ١٧ - ١٨ ]؟! أما يستحي أحدكم ، أنه لو نشرتْ عليه صحيفته التي أملى صدرَ نهاره ، كان أكثر ما فيها ، ليس من أمْر دينه ، ولا دُنياه )). وقد مرَّ بنا حديث رسول الله عَ لِ الذي رواه عنه بلال بن الحارث : ((إِنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة .... )) الحديث. وكان علقمة يقول: كم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث رضي الله عنه . وعن الحسن قال: (( يا ابن آدم، بُسطَتْ لك صحيفة، ووُكِّل بك ملَكَانٍ كريمانٍ يكتبانِ عمَلَكَ، فأكْثِرِ ما شئتَ أو أقلّ )). وكان رحمه الله يقول: ((من كثر ماله كثرت ذُنُوبه ، ومن كثر كلامه كثر كَذِبُه ، ومن ساءَ خلقُهُ عَذَّب نفسه )). وكان طاووس يعتذر مِن طول السكوت ، ويقول : إني جَرَّبتُ لساني فوجدتُه لئيمًا راضِعًا (١). (١) قال ابن الأعرابي : الراضيع والرضيع: الخسيس من الأعراب ، الذي إذا نزل به الضيف رضَع بفيه شاته ؛ لئلا يسمعه الضيف فيطلب اللبن . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٨٣ وعن الشعبي قال : ما من خطيب يخطب ، إلّا عُرِضَتْ عليه خطبتُه يوم القيامة . وقال عمر بن عبد العزيز : إنه لَيمنَعُني من كثير الكلام ، مخافَةُ المباهاة . وكان الربيع بن خثيم يقول : لا خير في الكلام إلّا في تسْع : تهليل ، وتكبير ، وتسبيح ، وتحميد ، وسؤالك من الخير ، وتعوُّذُك من الشّرِّ، وأمُرُك بالمعروف ، ونهيك عن المنكر ، وقراءتك للقرآن . وقال إبراهيم التيمي : المؤمنُ إذا أراد أن يتكلّم نظر ، فإن كان كلامه له تكلّم ، وإلّا أمسك عنه، والفاجر إنما لسانه رِسْلًا رِسْلًا(١). عالي الهِمَّة لا يخوض في الباطل : قال الله تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿وكنَّا نخوضُ مع الخائضين [ المدثر : ٤٥ ] . وقال تعالى : ﴿ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حدیثٍ غیرہ إنکم إذًا مثلُهم ... ) الآية [النساء : ١٤٠ ] . وقال عَّه: ((إنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة يُضحِكُ بها جلساءَه يهوي بها أبعد من الثريًّا))(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ امٍ: ((إن الرجل لَيَتَكَلَّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا ، يهوي بها سبعين خريفًا في النار))(٣). (١) أي : كان الكلام على لسانه سهلًا ومتهاونًا فيه . (٢) سنده حسن : أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة ، وحسَّن سنده العراقي في تخريج الإحياء . (٣) أخرجه الشيخان والترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (( أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل ))(١) . (( والخوض في الباطل هو الكلام في المعاصي؛ كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفُسَّاق ؛ فإنَّ كلَّ ذلك مما لا يحلُّ الكلام فيه وهو حرام . وأنواع الباطل لا يمكن حصْرُها لكثرتها وتفتُّنها ، وفي هذا الجنس تقعُ كلمات يَهلك بها صاحبها وهو يستحقرها . ويدخل فيه الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة ، وما جرى من قتال الصحابة ، على وجه يُوهم الطعْن في بعضهم . قال ابن سيرين : كان رجلٌ من الأنصار يمرُّ بمجلسٍ لهم فيقول لهم : توضَّئُوا؛ فإن بعضَ ما تقولون شِّرِّ من الحَدَث)) (٢). وعالي الهِمَّة أبعدُ الناسِ عنِ المِرَاء والجِدَال : عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((أنا زعيمٌ بيتٍ فِي رَبَضِ الجنة لمن ترك المِرَاءَ وإن كان مُحِقًّا ، وببيتٍ في وسَطِ الجنة لمن ترك الكذِب وإن كان مازِحًا ، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُن خُلُقه))(٣). وقال رسول الله عَ لِ: ((ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل ))(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني موقوفًا على ابن مسعود بسندٍ صحيح ، كما قال العراقي في تخريج الإحياء . (٢) الإِحياء ١٢٥/٣. (٣) صحيح : رواه أبو داود والضياء عن أبي أمامة، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٤٧٧، وصحَّحه في السلسلة الصحيحة رقم ٢٧٣ . (٤) حسن : رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي أمامة ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٥٠٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٣٨٥ وقال عَّه: ((المراءُ في القرآنِ كُفْرٌ))(١). وقال أبو الدرداء : كفى بكَ إثمًا أن لا تزال مماريًا. وقال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينَه ◌ُرْضَةً للخصومات أكثر التنقُّل . وحدُّ المراء هو : كلّ اعتراضٍ على كلام الغيْر بإظهار خلَلٍ فيه ؛ إِمَّا في اللفظ، وإمَّا في المعنى، وإمَّ في قصْد المتكلِّم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ، فكلُّ كلام سمعتَه ؛ فإنْ كان حقًّا فصدق به ، وإن كان باطلًا أو كَذِبًا ولم يكن متعلّقًا بأمور الدين ، فاسكُتْ عنه . وأمَّا المجادلة ؛ فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه . قال أبو حنيفة لداود الطائي : لِمَ آثرتَ الانزواءَ ؟ قال : لأجاهد نفسي بتْرك الجدال . فقال : احضرِ المجالس واستمع ما يُقال ، ولا تتكلّم . قال : ففعلتُ ذلك، فما رأيتُ مجاهدة أشدَّ علَّي منها . وعن محمد بن واسع قال : رأيتُ صفوانَ بنَ مُحرِز في المسجد ، وقریًا منه ناس يتجادلون ، فرأيتُه قام فنفض ثيابه ، وقال: إنما أنتم جَرَبٌ ، إنما أنتم جَرَب . وقال عمر بن عبد العزيز : إذا سمعتَ المراءِ فاقصدْ . وسمع الربيع بن خثيم رجلًا يُلاحي رجلًا، فقال: مَهْ !! لا تَلِفِظْ إلّا بخير ، ولا تقلْ لأخيك إلَّا ما تحبُّ أن تسمعه من غيرك ؛ فإن العبد مسئول عن لفظه محصّى عليه ذلك كلِّه؛ ﴿ أحصاه الله ونَسُوه﴾ [ المجادلة: ٦]. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ أن رسول الله عَ لَّه قال: (( خرجتُ لأخبرَكم بليلةِ القذْر ، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فُرُفعتْ ، وعسى أن (١) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب وصحيح الجامع رقم ٦٥٦٣ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٣٨٦ يكون خيرًا لكم ، فالتمسُوها في التاسعة والسابعة والخامسة )) . رواه البخاري . وعالي الهِمَّة لا يخاصِمُ : والخصومة وراء الجدال والمراء ، وهي لجاجٌ في الكلام ليُستوفَى به مالٌ أو حقّ مقصود ، وذلك تارة يكون ابتداءً وتارة يكون اعتراضًا ، والمراء لا يكون إلّا باعتراضٍ على كلام سبق . قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله عَ له: ((إن أبغضَ الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ )) . رواه البخاري. وقال أبو جعفر محمد بن علي : إياكم والخصومة ؛ فإنها تمْحقُ الدين . وقال رحمه الله : لا تجالسوا أصحاب الخصومات ؛ فإنهم يخوضون في آیاتِ الله . وعن فضيل ؛ قال إبراهيم : ما خاصمتَ ؟ قلتُ : لا .. قال : قطُّ ؟ قلتُ : قطُّ . وأقُّ ما يفوته في الخصومة طيبُ الكلام ، والله تعالى يقول: ﴿ وقولوا للناس حُسْنًا ﴾ . قال ابن عباس : لو قال لي فرعون خيرًا ، لَرَددتُ عليه . والكلام اللَّيْن يغسل الضغائن المستكنَّة في الجوارح . قال بعض الحكماء : كلُّ كلام لا يُسخِطُ ربَّك إلا أنك تُرضي به جليسَك ، فلا تكنْ به عليه بخيلًا؛ فإنه لعلَّه يعوِّضك منه ثواب المحسنين(١). وعالي الهِمَّة أبعدُ الناس عن التقتُّرِ في الكلامِ والتشدُّق فيه وتكلُّف السَّجْع : عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي عَ له قال: ((هلَك المتنطُّعون)). (١) الصمت وحفظ اللسان ص ٩٧ ، ٩٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٣٨٧ قالها ثلاثًا . رواه مسلم . والمتنطّعون هُمُ المبالغون في الأمور ، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وقال رسول الله عَ له: ((سيكون قومٌ يأكلون بألسنتهم ، كما تأكل البقرةِ من الأرض))(١). وقال عَّ ◌َله: ((إن الله عز وجل يُغِض البليغَ من الرجال، الذي يتخلَّل بلسانه تخلُّلَ البقرة بلسانها))(٢). وعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لَّه قال: ((إن من أحبِّكم إِلَّي وأقربكم منّي مجلسًا يومَ القيامة؛ أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلَّي ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة ؛ الثرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون)). قالوا : قد علمنا الثرثارون والمتشدِّقون، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبِّرون)). وقال عَّله: ((إن من شرار أمتي الذين غُذُّوا بالنعيم ، الذين يطلبون ألوانَ الطعامِ وألوان الثياب ، يتشدَّقون بالكلام))(٣). وعَالي الهِمَّة ليسَ بالفاحِش ولا بالبذيّ : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له (( ليس المؤمن بالطعَّان، ولا باللَّعَّان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيّ)» (٤). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((ما كان الفحش في شيء إلا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه )»(٥). (١) صحيح: أخرجه أحمد ، والترمذي وغيرهما ، وهو في الصحيحة برقم ٤٢٠. (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي وغيرهما، وهو في الصحيحة برقم ٤٢١ . أخرجه أحمد في ((الزهد ))، وابن أبي الدنيا ، والبيهقي في الشعب من حديث (٣) فاطمة ، وصحَّحه الألباني في الصحيحة برقم ١٨٩١ . (٤) رواه البخاري والترمذي والحاكم وابن حبان . (٥) صحيح : رواه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، والبخاري في الأدب ، وابن = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٨ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس وعن أنس رضي الله عنه قال: (( ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ، ألين من كفِّ رسول الله عَّهِ، ولا شممتُ رائحة قطُّ ، أطيبَ من رائحة رسول الله عَّلِ، ولقد خدمتُ رسول الله عَ لِ عشر سنين، فما قال لي قطُّ: أنٌّ، ولا قال لشيء فعلْتُه: لِمَ فعلْتَه؟ ولا لشيء لمْ أفعلْه: أَلا فعلت كذا !! )). متفق عليه . وعند الترمذي: ((وكان رسول الله عَ لّه مِن أحسن الناس خُلُقًّا ، وما مسستُ خرًّا قطُّ ولا حريرًا ولا شيئًا، كان ألْين من كفِّ رسول الله عَّهِ، ولا شممتُ مِسْكًا قطُّ ولا عطْرًا، كان أطيب من عَرَقِ رسول الله عَ ◌ِّ)). وعن أبي عبد الله الجدلي قال : سألتُ عائشة عن خلُق رسول الله عٍَّ، فقالت: ((لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا، ولا صَخَّابًا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح))(١). لم يكن فاحشًا : أي ذا فحش . ولا متفحِّشًا: أي متكلّفًا فيه ومتعمِّدًا . قال القاضي : نفَتْ عنه تولِّي الفحش والتفوُّه به ، طبْعًا وتكلُّفًا . وقال رسول الله عَّ له: ((إنَّ الله تعالى يُبغض الفاحِشَ المتفخِّش))(٢). عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه قال: كنتُ عند النبي عَ لِ قاعدًا وأبي أمامي، فقال رسول الله عَ لَّه: ((إن الفُحْشَ والتفخُّش ليسَا من الإِسلام في شيء، وإنَّ أحسنَ الناس إسلامًا أحاسِنُهم أخلاقًا)) (٣). حبان عن أنس ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٥٣١ . = (١) صحيح : رواه الترمذي في سننه وفي الشمائل ، والطيالسي، وابن حبان ، وأحمد ، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم ١٦٤٠ . (٢) صحيح : رواه أحمد في مسنده عن أسامة بن زيد ، وأحمد وابن حبان عن ابن عمرو ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٨٧٣ ، والإِرواء ٢١٩٢ . (٣) إسناده صحيح: رواه أحمد في مسنده ٨٩/٥، وابن أبي الدنيا في الصمت ، = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس ٣٨٩ وقال الأحنف بن قيس : ألا أخبركم بأدوإِ الداء : اللسانُ البذيء ، والخلُق الدنيء . فهذه مذمَّة الفُحْش . فأمَّا حدُّه وحقيقتُه: فهو التعبير عن الأمور المستقبَحَة بالعبارات الصريحة ، وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلَّق به ؛ فإن لأهل الفساد عباراتٍ صريحة فاحشة يستعملونها فيه ، وأهل الصلاح يتحاشَوْن عنها ، بل يُكنون عنها ويدلُّون عليها بالرموز ، فيذكرون ما يقاربها ويتعلّق بها . قال ابن عباس : إن الله حَيِي کریم يعفو ويكنو ؛ كنى باللمس عن الجماع . فالمسيس واللَّمْس والدخول والصُّحْبة : كناياتٌ عن الوقاع ، وليست بفاحشة . وليس يختصُّ هذا بالوقاع ، بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط ، أولى من لفظ التغُّط والخراء ، فإن هذا أيضًا ممَّا يخفى، وكلّ ما يخفى يُستحيًا منه ، فلا ينبغي أن تُذكر ألفاظه الصريحة ؛ فإنه فُحْش . وكذلك يُستحسَن في العادة الكناية عن النساء ، فلا يُقال : قالت زوجتك كذا ، بل يُقال : قيل في الحجرة ، أو مِن وراء الستْر ، أو قالت أم الأولاد ؛ فالتلطُّف في هذه الألفاظ محمود ، والتصريح فيها يُفضي إلى الفخْش . وكذلك مَن به عيوب يُستحيا منها ، فلا ينبغي أن يُعبّر عنها بصريح لفظها ، كالبَرَص والقرع والبواسير ، بل يُقال : العارض الذي يشكوه ، وما يجري مجراه ، فالتصريح بذلك داخل في الفُحْش ، وجميع ذلك من آفات اللسان . = وقال العراقي في تخريج الإحياء : إسناده صحيح . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ((قال العلاء بن هارون: كان عمر بن عبد العزيز يتحفّظ في منطقه ، فخرج تحتَ إِبطِهِ خُراجٌ ، فأتيناه نسأله لنرى ما يقول ؟ فقال : مِن أين خرج ؟ فقال: من باطن اليد ))(١) . وعالي الهِمَّة أبعدُ الخَلْقِ عنِ السَّبِّ واللَّعْنِ : أمَّا السَّبُّ : قال رسول الله عَ له: ((مَن سبَّ أصحابي ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))(٢). وقال تعالى: ﴿ والذين يُؤْذون المؤمنين والمؤمناتِ بغير ما اكتسبوا فقدٍ احتملوا بُهتانًا وإثمًا مبينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨ ]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((سباب المسلم فُسوق وقتالُه كفر)) . متفق عليه . وفي الحديث: (( ... وإن امرؤُ سبَّكَ بما يعلم فيك، فلا تسبَّه بما تعلم فيه، فإن أَجَرَه لك، ووَباله على مَن قاله))(٣). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي عَ لَّهِ برجلٍ قد شَرِب(٤) قال: ((اضربوه)). قال أبو هريرة: فمنَّا الضارِب بيده ، والضارب بنعْله ، والضارب بثوْبه، فلمَّا انصرفَ، قال بعضُ القوم: أخزاك الله. قال: ((لا تقولوا هذا ، لا تُعينوا الشيطانَ عليه )). رواه البخاري . وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه ؛ أن رسول الله عَ له قال: ((أربى الإحياء ص١٣١ . (١) (٢) صحيح: رواه الطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وصحَّحه الألباني في الصحيحة رقم ٢٣٤٠ . (٣) صحيح : أخرجه أحمد، وصحَّحه الألباني كما في السلسلة الصحيحة برقم ١٣٥٢. (٤) أي الخمر . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩١ الرِّبَا: شئْمُ الأعراض))(١). وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((الربا اثنان وسبعون بابًا ، أدناها مثل إتيان الرجل أمَّه ، وإنَّ أربى الربا استطالةُ الرجل في عِرض أخيه)) (٢) . انظر إلى أدنى الرِّبا وأعلاه .. واتقِ اللهَ .. ما عسى يكون الأكبر إذا كان الأدنى بمثل هذه الصورة المستقْذَرة ؟ !!. وقال عَ ◌ّه: ((سابُّ المسلم كالمُشْرِف على الهَلَكَة))(٣). وقال عَّةٍ: ((لا تُؤذوا مسلمًا بشتْم كافر))(٤). وقال عَّله: ((لا تسبُّوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا))(٥). وقال عَوَّةٍ: ((المستبَّان شيطانان، يتهاتران ويتكاذبان))(٦). بل ولسان عالي الهمَّة مطهّر عن السبِّ مطلقًا ؛ سبِّ الدَّابّة ، وسبِّ الرِّيح، وسبِّ الديك، وسبِّ الدهر، وسبِّ الحُمَّى ، بل وسبِّ الشيطان ، (١) صحيح : رواه الهيثم بن كليب عن سعيد بن زيد، ورواه عبد الرزاق في الجامع ، والبيهقي في الشعب عن عمرو بن عثمان مرسلًا، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٨٨٥ ، والسلسلة الصحيحة رقم ١٤٣٣ . (٢) صحيح : رواه الطبراني في الأوسط، وصحَّحه الألباني في الصحيحة رقم ١٨٧١ ، وصحيح الجامع رقم ٣٥٣١ . (٣) حسن: رواه البزار عن ابن عمرو، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٥٨٦. (٤) صحيح: رواه الحاكم والبيهقي في السنن عن سعيد بن زيد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٧١٩١. (٥) رواه أحمد والبخاري والنسائي عن عائشة . (٦) صحيح: رواه أحمد والبخاري في الأدب عن عياض بن حمار، وصحَّحه الألباني في ((الإِيمان)) لأبي عبيد، وصحيح الجامع رقم ٦٦٩٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩٢ وسبِّ آلهة الزُّور . عن عمران بن الحُصين رضي الله عنه قال: بينما رسول الله عَ له في بعض أسفاره ، وامرأة من الأنصار على ناقة ، فضجِرتْ فلعنتْها ، فسمع ذلك رسول الله عَ لّم فقال: ((خذوا ما عليها ودعوها؛ فإنها ملعونة)). قال عمران : فكأني أراها الآن تمشي في الناس ، ما يَعرِض لها أحدٌ . رواه مسلم . وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال : بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم ، إذْ بُصَرَتْ بالنبي عَ ◌ّمه وتضايق بهم الجبل ، فقالت : خَلْ(١)، اللهمَّ الْعَنْها. فقال النبي عَّ ◌َلمِ: ((لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة)). رواه مسلم . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((الريح من روح الله ، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها فلا تسبُّها ، واسألوا اللهَ خيرَها ، واستعيذوا بالله من شرِّها))(٢) . وعن زيد بن خالد رضي الله عنه؛ أن رسول الله عَ الم قال: ((لا تسبُّوا الديك؛ فإنه يُوقظ للصلاة ))(٣). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَّ ◌َّهِ أنه قال: ((لا تَسْبُّوا الدهَرَ، فإن اللهَ هو الدهر)) (٤). رواه مسلم . (١) حَلْ : كلمة تُقال لزجْر الإِبل . (٢) صحيح : أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، وهو في الكلم الطيب برقم ١٥٣ ، صحَّحه الألباني . (٣) صحيح : رواه أبو داود ، وإسناده صحيح ، صحَّحه الألباني في المشكاة برقم ٤١٣٦ . (٤) قال النووي في شرح مسلم: ((أي: لا تسبُّوا فاعل النوازل ؛ فإنكم إذا سببتم فاعِلَها ، وقَع السبُّ على الله تعالى ؛ لأنه هو فاعلها ومنزِّلها ، وأما الدهر الذي هو = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩٣ وعن جابر رضي الله عنه؛ أن رسول الله عَ له دخل على أمّ السائب - أو أم المسيَّب - فقال: (( ما لك يا أمَّ السائب - أو يا أمَّ المسيب - تزفزفين(١)؟)). قالت: الحُمَّى، لا بارك اللهُ فيها. فقال: ((لا تسبِّي الحُمَّى؛ فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكِيرُ حبَثَ الحديد))(٢) . وقال رسول الله عَّه: ((لا تسبُّوا الشيطان، وتعوَّذوا بالله من شرِّه))(٣). وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ولا تسبُّوا الذينَ يدعونَ مِنْ دُون اللهِ فِيسُوا اللهَ عَدْوًا بغيْرِ عِلْمِ ... ) الآية [الأنعام: ١٠٨]. وثبت عن علي رضي الله عنه ؛ أنه سُئل عن قول الرجل للرجل : ((يا فاسق))، ((يا خبيث))، قال: «هُنَّ فواحشُ، فيهنَّ تعزير ، وليس فيهنَّ حدٍّ ))(٤) . وأُمَّا اللَّعْنُ : فقد قال رسول الله عَ لَّهِ: ((إني لم أُبَعَثْ لعَّانًا)(٥) . وقال عَّ ◌َله: ((إني لم أُبعثْ لعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمة))(٦). الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جمْلَة خلْق الله، ومعنى: ((فإن اللهَ هو = الدهر )): أي فاعل النوازل والحوادث، وخالق الكائنات. والله أعلم)). (٢) رواه مسلم، والبخاري في ((الأدب المفرد )). (١) تزفزفين : أي ترتعدين . (٣) صحيح: رواه المخلص، والديلمي، وتمَّام في فوائده، وصحَّحه الألباني في الصحيحة رقم ٢٤٢٢ ، وصحيح الجامع رقم ٧١٩٥ . (٤) أخرجه البيهقي ، انظر : إرواء الغليل رقم ٢٣٩٣ . (٥) صحيح: رواه الطبراني في الكبير عن كريز بن أسامة، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٥٠١. (٦) صحيح: رواه مسلم، والبخاري في الأدب عن أبي هريرة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٤ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس وقال عَّ ◌ُلِ: ((لا يكون المؤمن لعَّانًا))(١). وقال عَ لّم: ((أوصيك أن لا تكون لعَّانًا))(٢). وقال عَّ ◌ُله: ((لَعْنُ المؤمنِ كقتْله))(٣). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لِ: ((لا ينبغي لِصِدِّيق أن يكون لعَّانًا)) . رواه مسلم. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن العبدَ إذا لعَن شيئًا صعِدت اللَّعْنة إلى السماء ، فتُغْلَق أبواب السماء دُونها ، ثم تهبط إلى الأرض ، فتُغلَقُ أبوابُها دونها ، ثم تأخذ يمينًا وشمالاً، فإذا لم تجدْ مَسَاغًا؛ رجَعتْ إلى الذي لُعِن؛ فإن كان لذلك أهلًا، وإلّا رجعتْ إلى قائلها )) (٤) . (( واللعْن: إما لحيوان أو جماد أو إنسان ، وكلُّ ذلك مذموم . والصفات المقتضية للّعن ثلاثة: الكفر، والبدعة ، والفِسْق. وللَّعن في كُلِّ واحدة ثلاث مراتب : الأولى : اللَّعْنُ بالوصف الأعمِّ ؛ كقولك : لعنةُ الله على الكافرين والمبتدعين والفَسَقَة . الثانية : اللعْنُ بأوصاف أخصَّ منه ؛ كقولك : لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس. وعلى القدَرِيَّة والخوارج والرافضة، أو على الزُّناة والظَّلَمة (١) صحيح: رواه الترمذي والبخاري في الأدب عن ابن عمر، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٧٧٧٤ . (٢) صحيح: رواه أحمد، والبخاري في التاريخ، والطبراني في الكبير عن جرموز بن أوس وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٥٤٢ . (٣) جزءٌ من حديثٍ ، متفق عليه ، عن ثابت بن الضخَّاك . (٤) صحيح: رواه أبو داود ، وروى أحمد نحوه ، وصحَّحه الألباني في (( صحيح سنن أبي داود )) برقم ٤٠٩٩ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩٥ وآكِلي الربا . وكل ذلك جائز . الثالثة : اللعْنُ للشخْص المعيّن ؛ وهذا فيه خطَّرِ؛ كقولك: زيدٌ لَعَنَهُ الله ، وهو كافر أو فاسق أو مبتدع . والتفصيل فيه أنَّ كلَّ شخصٍ ثبتتْ لعنتهُ شرعًا فتجوز لعنته ، كقولك: فرعون لعنه الله ، وأبو جهل لعنه الله ، لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر ، وعُرف ذلك شرعًا . وأما شخصٌ بعينه في زماننا ؛ كقولك : زيد لعنه الله - وهو يهودي مثلًا - فهذا فيه خطرٌ ؛ لأنه ربما يُسْلِمُ فيموت مقرَّبًا عند الله ، فكيف يُحكم بكونه ملعونًا ؟! فإن قلتَ : يُلعن لكونه كافرًا في الحال ، كما يُقال للمسلم : رحمه الله ؛ لكونه مسلمًا في الحال ، وإن كان يُتصوَّر أن يرتدَّ . فاعلمْ أن معنى قولنا : رحمه الله ؛ أي ثبّته الله على الإِسلام الذي هو سبب الرحمة ، وعلى الطاعة ، ولا يمكن أن يُقال: ثبّت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة ؛ فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر ، بل الجائز أن يُقال : لعنه الله إن مات على الكفر ، ولا لعنه الله إن مات على الإِسلام . وذلك غيب لا يدرى، والمطلق متردِّدٌ بَيْنَ الجهتيْن، ففيه خطر، وليس في ترك اللَّعْن خطر . وإذا عرفت هذا في الكافر ، فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى ، فلعْن الأعيان فيه خطر ؛ لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلَّ مَن أَعْلَمَ به رسول الله عَ له ، فإنه يجوز أن يَعلم مَن يموت على الكفر ، ولذلك عيَّن قومًا باللعن ، فكان يقول في دعائه على قريش: ((اللهمَّ عليك بأبي جهل بن هشام وعُتبة ابن ربيعة)) (١) . وذكر جماعةً قتلوا على الكفر ، حتى إنّ مَن لم يعلمْ عاقبته كان يلعنه ، فُنُهِي عنه ؛ إذ إِنَّه كان يلعن الذين قتلوا أصحاب بئر معونة في (١) متفق عليه ، من حديث ابن مسعود . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس قنوته شهرًا، فنزل قوله تعالى: ﴿ ليسَ لك مِن الأمْرِ شيءٍ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنَّهم ظالمون﴾(١) . يعني أنهم ربما يُسْلِمون، فمِن أين تعلم أنهم ملعونون ؟! كذلك مَن بان لنا موته على الكفر جاز لعنه، وجاز ذمُّه إن لم يكنْ فيه أذَّى على مسلم، فإن كان؛ لم يَجُزْ ... شَرِب نعمانُ الخمَرَ فَحُدَّ مَرَّاتٍ في مجلس رسول الله عَ لّله ، فقال بعض الصحابة: لعنه الله، ما أكثر ما يُؤْتَى به !! فقال عَ ◌ٍّ: ((لا تكن عونًا للشيطان على أخيك)). فنهاه عن ذلك(٢)، وهذا يدلُّ على أن لعْن فاسق بعينه غير جائز . وعلى الجملة : ففي لعن الأشخاص خطرٌ فَلْيُجتَنَبْ ، ولا خطرَ في السكوتِ عن لعْنِ إبليسَ مثلاً ، فضلًا عن غيره . والمؤمن ليس بلعَّان، فلا ينبغي أن يُطلق اللسان باللعنةِ إلَّا على من مات على الكفر أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم ، دون الأشخاص المعيَّنين . (١) حديث : أنه كان يلعن الذين قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهرًا ، فنزل قوله تعالى: ﴿ ليسَ لك مِن الأمر شيء﴾ أخرجه الشيخان من حديث أنس : دعا رسول الله عَ الله على الذين قتلوا أصحابَ بئر معونة ثلاثينَ صباحًا .. الحديث. وفي رواية لهما: «قنتَ شهرًا يدعو على رعلٍ وذكوان .. )) .. الحديث. ولهما من حديث أبي هريرة: (( وكان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ، يكبِّر ويرفع رأسَه ...: ((اللهمَّ الْعَنْ لحيان ورعلا .. )) الحديث. وفيه: ((ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله ﴿ ليس لكَ من الأمْرِ شيءٍ﴾)). لفظ مسلم . (٢) للبخاري من حديث عمر: أن رجلًا على عهد رسول الله عَّهلم كان اسمُه عبد الله، وكان يلقّب: حمارًا، وكان يُضحك رسول الله عَّله، وكان قد جلده في الشراب ، فأُتي به يومًا ، فأمر به فجُلِدَ ، فقال رجل من القوم: اللهم الْعنْه؛ ما أكثر ما يُؤتى به !! فقال النبي عَّهِ: (( لا تلعنوه ، فوالله ما علمتُ إلَّا أنه يحبُّ الله ورسوله)). تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩٧ قال مكي بن إبراهيم : كُنا عند ابن عون ، فذكروا بلال بن أبي بردة ، فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه ، وابن عون ساكت ، فقالوا : يا ابن عون ، إنما نذكره لِمَا ارتكب منك . فقال : إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة : لا إله إلا الله ، ولعَنَ الله فلانًا؛ فَلَأَنْ يخرُجَ مِن صحيفتي : لا إله إلا الله ، أحبُّ إلي مِن أن يخرجَ منها: لعَنَ الله فلانًا . ويقرب مِنَ اللَّعْن: الدعاءُ على الإِنسان بالشرِّ ، حتى الدعاء على الظالم ، كقوْل الإِنسان مثلًا: لا صحّح الله جسْمَه ، ولا سلّمه . وما يجري مجراه ؛ فإن ذلك مذموم (١). وعَالي الهِمَّة ينذُر منه المزَاحُ، ويَتَّعُ هديَ رسول الله عَِّ فيه: لقد كان رسول الله عَ لّه يمزح، لكنَّه لا يقول إلّ حقًّا، ولا ينطق إلّا صدقًا ، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله ، إنك تُداعُبْنَا؟ قال: (( نعم ، غير أني لا أقول إلا حقًّا ))(٢). ولكنْ هذا على سبيل الندرة ، فقد كان النبي عَّدٍ كما وصفه جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: ((كان طويلَ الصمْتِ، قليلَ الضَّحِك))(٣). وكثرة المزاح والإِفراط فيه تؤدِّي إلى كثرة الضحك، وقد قال عَّهِ: ((لا تُكثرِ الضَّحك؛ فإن كثرة الضحِكِ تُميت القلبَ)) (٤). (١) الإحياء ٣ / ١٣٢ - ١٣٥. (٢) رواه الترمذي في ((الشمائل))، وصحَّحه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية برقم ٢٠٢. (٣) حسن : رواه أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم ٤٦٩٨ . (٤) صحيح : رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، وصحَّحه الألباني في الصحيحة رقم ٥٠٦ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٨ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس أما المزاح الكثير ، فلا وألف لا ؛ فقد شاب عليه الناس ، وكأنهم قد رضعوه في المهد ، وفي مصائب الأُمَّة ما يُغني عنه . ((فإن قلت: قد نُقِل المزاح عن رسول الله عَ لم وأصحابه، فكيف يُنهى عنه ؟ فأقول: إن قَدَرْتَ على ما قدَر عليه رسولُ اللهِ عَ له وأصحابه، وهو أن تمزح ولا تقول إلَّ حقًّا، ولا تُؤذي قلبًا، ولا تفرّط فيه ، وتقتصر فيه أحيانًا على الندور - فلا حَرَجَ عليك، ولكن مِن الغلَطِ العظيم أَنْ يَتَّخذ الإِنسان المزاحَ حرفَةً يواظب عليه ويُفْرِطُ فيه ، ثم يتمسَّك بفعْل رسول الله سَِّ ، وهو كمن يدور نهارَه مع الُّنُوج ينظر إليهم وإلى رقصهم، ويتمسَّك بأن رسول الله عَ ◌ّلِ أذِنَ لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد، وهو خطأ ؛ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإِصرار، ومِن المباحات ما يصير صغيرة بالإِصرار ، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا))(١). قال خالد بن صفوان : المُزاحِ سِباب النَّوْكَى . قال : وكان يُقال لكل شيء بذْر ، وبذْرُ العداوة المزاحُ . وعن محمد بن المنكدر قال : قالت لي أمي : لا تمازِح الصبيان ، فتهونَ عليهم . وقال الأحنف بن قيس : مَن كثر كلامه وضحِكُه ومزاحه ، قلَّت هیبتُه . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : مَن مَزح ، استُخِفّ به . وصدَق رسول الله عَُّّل؛ إذ يقول: ((لو تعلمون ما أعلم لَبكيْتُم كثيرًا ولَضحِكتم قليلاً))(٢). (١) الإِحياء ٣ / ١٣٨. (٢) متفق عليه من حديث أنس وعائشة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٣٩٩ وعَالي الهِمَّةِ متطهِّرٌ تمامًا عن بقيَّةِ حصائد الألسُن(١): عالي الهمَّة لا يقْرَب هذه الحصائد ويطهِّر لسانه عنها . ومِن هذه الحصائد : ١ - اليمينُ الكاذبة عمْدًا. ٢ - شهادة الزور . ٣ - القذف . ٥ - البهتان والافتراء : ٤ - عدَمُ الستْر على المسلم . فلقد نظر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يومًا إلى الكعبة ، فقال : ما أعظَمَكِ وأعظَمَ حُرْمَتَكِ ، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً منك . ٦ - الكذب . ٧ - النميمة . ٨ - الغِيبة : قال خُصيف، وعبد الكريم بن مالك : أدركْنَا السَّلَف ، وهم لا يرون العبادة في الصّوْم ولا في الصلاة ، ولكن في الكفّ عن أعراض الناس . وقال الحسن : والله لَلْغِيبَةُ أسرعُ في دين المؤمن من الأَكَلَة في جَسَدِه . وقال عون بن عبد الله : ما أحسب أحدًا تفرّغ لعيوب الناس ، إلَّا من غفلة غفلَها عن نفسه . وكان سيّدُ القَرَّاء ميمون بن سياه لا يغتابُ ، ولا يدع أحدًا عنده يغتاب ؛ ينهاه ، فإذا انتهى وإلّا قام(٢). عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ للنبي - عَ لِه -: حسْبُك من صفية - زوج النبي عَ ◌ّةٍ - كذا وكذا - تعني أنها قصيرة - فقال النبي عَّةٍ: ((لقد قلتِ كلمةٌ لو مُزجتْ بماءِ البحرِ لَمَزَجَتْه»(٣). (١) وقد أوردها وأحسَن وأطَالَ وأطيَبَ: الشيخ حُسين العوايشة، التلميذ النجيب المُحدِّث العصر شيخنا الألباني، في كتابه القيم: ((حصائد الألسن)) فَلْتُراجَعْ. (٢) الصمت لابن أبي الدنيا صـ ١٣٨. (٣) صحيح : أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصحَّحه الألباني في تخريج أحاديث = تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٤٠٠ ٩ - إنشاء السّرّ. ١٠ - النفاق العملي لا الاعتقادي: وهو أن يشابه عملُ المسلم عمَلَ المنافقين من غير استحلال له ، وما في ظاهره من نفاق ليس في باطنه ؛ إذا حدَّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصَم فجَر ، وإذا وعد أخلف . لما حضرتْ عبدَ الله بن عمر الوفاة قال : إنه كان خطب إلّي ابنتي رجلٌ من قريش ، وقد كان مني شبهُ الوَعْد ؛ فوالله ؛ لا ألقى الله بُثُلثِ النفاق ؛ أُشهد کم أني قد زوجته ابنتي . ١١ - السخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب: (( قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيتُ رجلًا يرضع عنْزًا فضحكت منه ، لَخَشِيتُ أن أصنع مثلَ الذي صنَع)) . وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكّل بالقول ، لو سخِرتُ من كلْبٍ ، لَخشيت أن أحوَّل كلبًا(١). قال ◌َ له: ((ما أحب أني حكيتُ إنسانًا، وأن لي كذا وكذا)) (٢). قال المناوي: ((( ما أحبُّ أني حكيْتُ إنسانًا ) : أي فعلتُ مثل فعْله ، أو قلتُ مِثل قوله ، منقصًا له . يقال : حكاه وحاكاه . قال الطيبي: وأكثر ما تُستعمل المحاكاة في القبيح)). ١٢ - مقاطعة الكلام : عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا قلتَ الحلال والحرام ، برقم ٤٢٧ . = (١) القرطبى ٩ / ٦١٤٥ . (٢) صحيح : أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود ، رقم ٤٠٨٠ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/