النص المفهرس

صفحات 321-340

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُمَّ الهمة - المجلد الخامس
٣٢١
حتى يَخُصَّ بِهِ الأُدنى مِنَ الخَدَمِ
أَّا يُنيل الأقاصي صوْبَ(١) راحَتِهِ
رؤَّی السواحلَ ثمَّ امتدّ في الأُممِ
إِنَّ الفراتَ إذا جاشتْ غَوَارِبُهُ(٢)
وأما التبُرع: ففيمن عدا هؤلاء الثلاثة من البعداء الذين لا يُدْلون بنَسب،
ولا يتعلّقُون بسبب ، فإن تبرّع بفضلٍ الكرم وفائض المروءة ، فنهض في حوادثهم ،
وتكفّل بنوائبهم ؛ فقد زاد على شروط المروءة ، وتجاوَزَها إلى شروط الرياسة .
وقيل لبعض الحكماء : أيّ شيء مِن أفعال الناس يُشبه أفعال الإِله ؟ قال :
الإِحسان إلى الناس .
وإن كفَّ تشاغلًا بما لزَم فلا لوْم ، ما لم يلجأ إليه مضطرّ ؛ لأن القيام
بالكُلِّ مُعْوِز، والتكفُّل بالجميع متعذّر ، فهذا حكم المؤازرة .
(٥ ) المُيَاسَرة :
فأما المياسرة فنوعان :
أحدهما : العَفْوُ عن الزلَّات ..
والثاني : المسامحة في الحقوق .
فأمَّا العفو عن الهفَوات :
فلأنه لا مُبَرَّأُ من سهْو وزَلَلٍ ، ولا سليم من نقصٍ أو خلل ، ومَن رام
سليمًا من هفْوَة ، والْتمسَ بريئا من نبْوَة، فقد تعدَّى على الدهر بشَطَطِهِ ،
وخادَعَ نفسه بغلَطِه، وكان من وجود بُغْيته بعيدًا، وصار باقتراحه فردًا وحيدًا.
وقد قالت الحكماء : لا صديقَ لمن أراد صديقًا لا عيب فيه .
وقيل لأحدهم : هل مِن أُحد لا عيْبَ فيه ؟ قال : مَن لا موتَ له .
وقال بعض الأدباء : ثلاث خصال لا تجتمع إلّا في كريم : حسْن المخضر ،
واحتمال الزلّة ، وقلَّة الملال . وقال ابن الرومي :
(١) الصوب : المطر ، والمراد به العطاء .
(٢) الغوارب : جمع غارب ، وهي الأمواج العالية .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٢٢
صلاحِ الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس
ووُدُّكَ مقبولٌ بأهلٍ ومرحبٍ
فعذرُك مبسوطٌ لذنبٍ مقدَّمٍ
لدَّ مقامَ الكاشح (١) المتكذِّبِ
ولو بلَّغَْني عنْكَ أُذني أقمتُها
خليلًا إذا ما القلبُ لم يتقلَّبِ
فلستُ بتقليبِ اللسانِ مُصارِمًا
وإذا كان الإِغضاء حتْمًا، والصفحُ كرَمًا، ترتّب بحسب الهفْوة وتنزّلَ
بقدر الذنب .
والهفواتُ نوعان : صغائر ، وكبائر .
فالصغائر : مغفورة ، والنفوس بها معذورة ؛ لأنّ الناس مع أطوارهم
المختلفة، وأخلاقهم المتفاضلة لا يسْلمون منها، فكان الوجد فيها مطّرَحًا، والعتبُ
مستقبَحًا .
وأما الكبائر فنوعان :
الأول : أن يهفو بها خاطيًا، ويزلَّ بها ساهيًا، فالحَرَج فيها مرفوع ،
والعتْب عليها موضوع ؛ لأن هفوة الخاطئ هدَر ، ولوُمه هذَر . وقال بعض
الحكماء : لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحِيلة عن استصلاحه .
وقال الأحنف بن قيس : حقّ الصَّدِيق أن تحمِلَ له ثلاثًا : ظُلْم الغضَب،
وظلم الدَّالَّةُ(٢) ، وظلْم الهفْوة .
وقيل: التثُبُّت نصْفُ العفو . وقال بعض الحكماء : لا يفسدك الظنُّ
على صديقِ أصلحك اليقينُ له .
والثاني: أن يعتمد ما اجترم من كبائره ، ويقصد ما اجترح من سيئاته ...
ولا يخلو فيما أتاه من أربع أحوال :
فالحال الأولى : أن يكون موتورًا ، قد قابل على تَرَةٍ ، وكافأ على مساءة ،
فاللائمة على مَن وتره عائدة ، وإلى البادئ بها راجعة ؛ لأن المكافى أعذر ، وإن
(١)
العدو المتبغض .
(٢) الدالَّة: ما تدلُّ به على صديقك - يُقال: له عَلَّي دالة ؛ أي فضل ومنزلة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٣٢٣
كان الصفح أجمل ، والإِغضاء عن هذا أوجب . وإن لم تكن المكافأة ذنبًا .
ومَنْ كنتَ السببَ لبلائه ، وجَبَ عليك التلطّف له في علاجه من دائه .
والحال الثانية : أن يكون عدوًّا قد استحكمتْ شَخْناؤه ، واستوعرتْ
سَرَّاؤه ، واستخشنتْ ضَرَّاؤه ، فهو يتربَّص بدوائر السوء انتهاز فُرَصه ، ويتجرّع
لمهانة العجْز مرارة غُصَصِهِ ، فإذا ظِفِرِ بنائبةٍ ساعدَها ، وإذا شاهد نعمة عائدها ،
فالبعد منه حَذَرًا أسلمُ ، والكفُّ عنه متاركةً أغنم ؛ فإنه لا يُسْلَم من عواقب
شرِّه ، ولا يُقْلَت من غوائل مكْره . وقد قالت الحكماء : لا تعرضنَّ لعدوّك
في دوْلَته ، فإذا زالتْ كُفِيتَ شَّه . وقال لقمان لابنه: يا بنَّ، كذَب مَنِ
قال : إن الشَرّ بالشَّرْ يُطفأ. فإن كان صادقًا فَلْيوقِذْ نارَيْنَ ، ولْينظرْ : هل تُطِفِىُّ
إحداهما الأخرى ؟ وإنما يطفئُ الخيرُ الشّ، كما يطفئ الماءُ النارَ . وقال جعفر
ابن محمد : كفاك من الله نصرًا أن ترى عدوَّك يعصي الله فيك . وقال بعض
الحكماء : بالسيرة العادلة يُقْهر المعادي . وقال البحتري :
وأُقسمُ لا أُجزيكَ بالشرِّ مثلَهُ كفى بالذي جازيتني لكَ جازِيَا
والحال الثالثة: أن يكون لئيمَ الطبع ، خبيث الأصل ، قد أغراه لؤم
الطبْعِ على سُوءِ الاعتقاد ، وبعثَهُ خبيثُ الأصل على إيثار الفساد ، فهو لا يستقبح
الشّ، ولا يكفّ عن المكروه ... فهذه الحال أعظم ؛ لأنَّ الإِضرار بها أعُم ،
ولا سلامة من مثله إلّ بالبعد والانقباض، ولا خلاصَ منه إلا بالصفْح والإعراض ؛
فإنه كالسَّبِّعِ الضاري في سَوَارِحِ الغنم، وكالنار المتأجِّجَة في يابس الحَطَب،
لا يَقْربها إلَّا تالِف، ولا يدنو منها إلا هالِك.
أخي : أعداؤك داؤك، وفي الْبُعْد عنهم شفاؤك . وقيل : شرف الكريم:
تغافله عن اللئيم .
والحال الرابعة : أن يكون صديقًا قد استحدث نَبْوة وتغيُّرًا، أو أخّا
قد استجدَّ جَفْوةً وتنكُّرًا، فأبدى صفحةَ عقوقِه، واطَّرح لازِم حقوقه ، وعدَل
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٢٤
صلاحِ الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
عن بِّ الإِخاءِ إلى جفْوة الأعداء . فهذا قد يعرض فى المودَّات المستقيمة ،
كما تعرِض الأمراض في الأجسام السليمة ، فإن عُولجتْ أَقلعتْ ، وإن أُهمِلَتْ
أَسْقَمَتْ ثم أَتلفتْ . ولذلك قالت الحكماء : دواء المودَّة كثَرَة التعاهُد .
ولا تكنْ كامرئ قابلَ على الجفوة ، وعاقب على الهفوة، واطَّرَحَ
سالف الحقوق ، وقابَلَ العقوقَ بالعقوق ، فلا بالفضل أخَذَ ، ولا إلى العفو
أخلد . وقد علم أنَّ نفسه قد تطغى عليه فتُرديه ، وأنَّ جسمَه قد يسقم عليه
فيؤلمه ويُؤذيه ، وهما أخصُّ به وأحنى عليه من صديق قد تميَّز بذاته ، وانفصل
بأدواته ، فيريد من غيره لنفسه ما لا يجده من نفسه لنفسه . هذا عيْن المحال
ومخْضُ الجهل .
فلا تتخذ عدوًّا واحدًا والواحد كثير، واتخذْ ألفَ صديقٍ والألفُ قليل .
واعلمْ أن العفو والعقوبة بمنزلة الجود والبخل ، فتمسَّكْ بأيِّهما شئتَ .
فإذا كان الأمر على ما وصفتُ ، فمِن حقوقِ الصفْح : الكشْفُ عن
سبب الهفوة ، ليعرفَ الداء فيعالجه ، ولا يخلو حال السبب من أن يكون
لَمَلَلٍ أو زلَلٍ؛ فإن كان لملَلٍ ، فمودَّاتُ المَلُول ظُلُّ الغمام ، وحلْم النيام،
ورغبتك فيمن يزهد فيك ذلِّ ، وَزَهْدُك فيمن يرغب فيك صِغَرُ هِمة .
وإن كان لسبب لُوحِظَتْ أسبابه ؛ فإن كان لها مدخل في التأويل ،
وشبهة تؤول إلى جميل ، حمَله على أجمل تأويل ، وصَرَفه إلى أحسن جهَةٍ .
مَّ على خالد بن صفوان صديقان له ، فعَّج عليه أحدهما ، وطواه
الآخر ، فقيل له في ذلك ، فقال : نعم ، عَّج علينا هذا بفضله ، وطوانا هذا
بثقته بنا .
فإن لم يكن لزلله في التأويل مدخل ، نظر حالَه بعد زلله ، فإن ظهر
ندمُه ، وبان خجَلُه ؛ فالندم توبة والخجل إنابة ، ولا ذنب لتائب ، ولا لوم
على مُنيب ، ولا يُكَلَّف عذرًا عمَّا سلف، فيلجأ إلى ذلِّ التحريف ، أو خجل
التعنيف .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٣٢٥
قال بعض الحكماء : شفيع المذنب إقرارُه ، وتوبتُه اعتذاره .
ومَن لم يقبل التوبة عظمت خطيئته ، ومَن لم يُحسن إلى التائب قُبُحت
إساءته ، والكريم من أوسع بالمغفرة ، إذا ضاقت بالذنب المعذرة .
وإنْ عَجَّل العذْر قبل توبته ، وقدّم التنصُّل قبل إنابته ؛ فالعذْرُ توبة ،
والتنصُّل إنابة ، فلا يكشف عن باطن عذْره ، ولا يُعنَّف بظاهر عذره .
وشافِعُ المذنب خضوعه إلى عذْره .
إِنْ بَرَّ عندكَ فيما قالَ أُو فَجَرا
اقبل معاذیرَ مَن یأتیكَ معتذِرًا
وقدْ أجلَّكَ مَن يَعصِيكَ مُستَتِرًا
فقدْ أطاعَكَ مَنْ يُرضيكَ ظاهِرُهُ
وإن ترَك نفسه في زلَّلِه ، ولم يتداركْه بعذْرِهِ وتنصُّلُه ، فلا ينفكُّ حاله
عن أمور ثلاثة :
أحدها : أن يكون قد كفَّ عن سِّئ عمله ، وأقنع عن سالف زَلله ،
فالكفّ إحدى التوبتين ، والإقلاع أحد العذرَيْن ، فكنْ أنت المعتذر عنه بصفحك ،
والمتنصِّل له بفضلك ، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المحسن على
المسيء أمير .
والثاني : أن يكون قد وقف على ما أسلف من زلله ، غيرَ تارك ولا متجاوز ،
فوقوف المرض أحد البرأيْن، وكفّه عن الزيادة إحدى الحُسْنَيْن ، وقد استبقى
بالوقوف عن التجاوز أحدَ شِطْريه ، فعوِّلْ به على صلاح شطره الآخر ، وإِيَّاك
وإرجاءَه ؛ فإنّ الإِرجاء يُفسد شطر صلاحه ، والتلافي يُصلح شطَرَ فساده ،
فإنّ مَن سَقم مِن جسمه ما لم يعالجه ، سرى السقم إلى صحته ، وإن عالجه
سَرَتْ الصحة إلى سَقَمِه .
والثالث : أن يتجاوز مع الأوقات ، فيزيد فيه على مرور الأيام . فهذا
هو الداء العضال ، فإن أمكن استدراکه وتأثَّی استصلاحه - وذلك باستنزاله
عنه إن علا، وبإرغابه إن دنا ، وبعتابه إن ساوى - فذاك ، وإلَّ فَآخرُ الداء
العياءِ : الكُتّي . ومن بلغت به الأعذار إلى غايتها ، فلا لائمةً عليه .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٢٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
المسامحة في الحقوق :
لأن الاستيفاء موحش ، والاستقصاء منفِّر، ومَنْ أراد كلّ حقّ من النفوس
المستصعبة بشحٍّ أو طمَع ، لم يصل إليه إلا بالمنافرة والمشاقّة . والأَلْيَق لأمور
المروءة استلطاف النفوس بالمياسرة والمسامحة ، وتألَّفها بالمقاربة والمساهلة ، فمَن
عاشر إخوانه بالمسامحة دامت له مودَّاتُهم .
وإذا أخذت عفو القلوب زكا رِيعُك ، وإن استقصَّيْتَ أكديتَ .
والمسامحة نوعان : ( أ) في عقود. ( ب ) في حقوق .
فأما العقود : فهو أن يكون فيها سهْلَ المناجَزَة ، قليلَ المحاجَزَة ، مأمونَ
الغيْبَة ، بعيدًا من المكر والخديعة .
حكى ابن عون: أنَّ عمر بن عبد الله اشترى للحسن البصري إزارًا
بستة دراهم ونصف ، فأعطى التاجرَ سبعة دراهم ، فقال : ثمنه ستة دراهم
ونصف . فقال : إني اشتريتُه لرجل لا يقاسم أخاه درْهمًا .
وأما الحقوق : فتتنوّع المسامحة فيها نوعيْن :
أحدهما : في الأحوال . والثاني : في الأموال .
فأما المسامحة في الأحوال : فهي اطِّراح المنازعة في الرتب ، وترك المنافسة
في التقدُّم ؛ فإن مشاحَّة النفوس فيها أعظم ، والعناد عليها أكثر ، فإن سامح فيها
ولم ينافس ، كان مع أخذه بأفضلِ الأخلاق ، واستعماله لأحسن الآداب :
أوقعَ في النفوس من إفضاله برغائب الأموال ، ثم هو أزيد في رتبته ، وأبلغ في
تقدُّمه ، وإن شاحَّ فيها ونازَع ، كان مع ارتكابه لأخشنِ الأخلاق ، واستعماله
لأهجنٍ(١) الآداب: أنكى في النفوس من حدِّ السيْف وطعْن السنان ، ثم هو
أخفض للمرتبة ، وأمنع من التقدُّم .
(١) أهجن : أقبح .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٣٢٧
وأما المسامحة في الأموال : فتتنوّع ثلاثة أنواع :
(أ ) مسامحة إسقاطِ لعُذْم(١) .
( ب ) ومسامحة تخفيف لعجزٍ .
( جـ ) ومسامحة إنكار لعُسْرة .
وهي مع اختلاف أسبابها تفضّلٌ مأثور ، وتألف مشكور .
وإذا كان الكريم قد يجود بما تحويه يده ، وينفذُ فيه تصرُّفه ؛ كان أولى
أن يجود بما خرج عن يده فطاب نفسًا بفراقه ، وقد تصل المسامحة في الحقوق
إلى من لا يقبل البَّ ويأبى الصلة ، فيكون أحسن موقعًا وأزكى محلًّا .
( ٦ ) الإِفْضَال :
وأما الإفضال فنوعان : إفضال اصطناع . وإفضال استكفاف ودفاع .
فأما إفضال الاصطناع : فنوعان :
أحدهما : ما أسداه جودًا في شكور .
والثاني : ما تألَّف به نَبْوةَ نفورٍ ، وكلاهما من شروط المروءة ؛ لما فيها
من ظهور الاصطناع ، وتكاثر الأشياع والأتباع .. ومَن قَّت صنائعه في الشاكرين ،
وأعرض عن تألَّف المنافِرِين ؛ كان فردًا مهجورًا، وتابعًا محقورًا ، ولا مروءة
المتروكٍ مُطَّرَح ، ولا قدْرَ لمحقور مهتَضَم . وقال عمر بن عبد العزيز : ما طاوعني
الناس على شيء أردتُه من الحق ، حتى بسطتُ لهم طَرَفًا من الدنيا .
وقال بعض الحكماء : أقلُ ما يجب للمنعم بحق نعمته ألَّا يتوصَّل بها إلى
معصيته .
قال بعض الأعراب :
من جمعَ المالَ ولم يَجُدْ بِهِ وجمَّعَ المَالَ لعام جديهِ
هانَ على الناسِ هوانَ كلْبِهِ
(١) فقر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٢٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
فإن ضاقتْ به الحال عن الاصطناع بماله ، فقد عدِم من آلة المكارم
عمادَها ، وفَقَدَ من شروط المروءة سنادَها ، فليؤاسٍ بنفسه مؤاساة المسعف ،
ولْيسعد بها إسعاد المتألّف .
قال المتنبي :
لا خيْلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ فَلْيُسعدِ النطقُ إنْ لم يُسعدِ الحالُ
وأما إفضال الاستكفاف : فلأن ذا الفضل لا يعدِم حاسدَ نعمة ،
ومعاندَ فضيلة ، يعترِيه الجهل بإظهار عناده ، ويبعثه اللَُّم على البِذَاءِ بسَفَهِه ،
فإن غفل عن استكفاف السفهاء ، وأعرض عن استدفاع أهل البذاء ، صار
عِرْضه هدفًا للمثالب ، وحاله عُرْضةً للنوائب ، وإذا استكفّ السفيه ، واستدفعَ
البذيءَ ، صان عرضَهُ ، وحمى نعمتَه .
قالت عائشة رضي الله عنها: ((ذُبُّوا بأموالكم عن أعراضكم )).
ولاستكفاف السفهاء بالإِفضال شرطان :
أحدهما : أن يُخفيَه ، حتى لا تنتشر فيه مطامعُ السفهاء ، فيعمدون إلى
اجتدائه بسببه ، وإلى ماله بثلْبه .
والثاني : أن يتطلب له في المجاملة وجهًا ، ويجعل في الإِفضال عليه سببًا ؛
لئلا يرى أنه على السَّفَهِ واستدامةِ البذاء.
واعلمْ أنك ما حييتَ ملحوظُ المحاسن ، محفوظُ المساوئ ، ثم مِن بعد
ذلك حديثٌ منتشِرً ، لا يراقبك صديق ، ولا يحامي عنك شقيق ... فكنْ أحسن
حديث يُنشَر ، يكن سعيُك في الناسِ مشكورًا، وأجرُك عند الله مذخورًا .
ونختم حقوق المروءة وشروطَها ، بما ثبت عن الشافعي رحمه الله ؛ قال :
(للمروءة أربعةُ أركان: حُسْن الخُلُق، والسخاء، والتواضع، والشكر))(١).
(١) توالي التأسيس لابن حجر صـ ٧٢ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٣٢٩
عالي الهِمَّة بعيدٌ كلَّ البعدِ عن الخصال التي تحْرِمُ المروءة :
والخصال التي تخرِم المروءة كثيرة ، وعالي الهمة يأبى أن يلْطَخ نفسه بأيّ
خصلة منها ، ولذا تجده أبعدَ الناس عنها . وهذه الخصال أتت متفرِّقة في بطون
الكتب ، ولقد تعِب في جمْعها رجل من أهل الحديث ، وتلميذ نجيب من تلامذة
محدِّث الدنيا الشيخ الألباني ... ألا وهو الشيخ الحبيب إلى القلوب: ((مشهور
حسن آل سلمان)) في كتابه القيِّم: ((المروءة وخوارمها)) .. مدّ الله في عمره ..
وجعله من سادات الربَّانَيِّين . وهذه الخصال نلخصها هنا . وباقتراف الفرد
لخصلة منها تُثْلَم مروءَتُه ، وتسقط عدالته . وهذه الخصال هي :
(١ ) اتباع الهوى:
قال ابن القيم : ((إن أغزر الناس مروءة أشدُّهم مخالفة لهواه . قال معاوية :
المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى ؛ فاتباع الهوى يُزمن المروءة ، ومخالفته
تُنعشها)).
وقال قبل ذلك: ((والهوى يُعمي صاحبه من ملاحظتها ، والمروءة والدين
والعقل ينهى عن لذّة تُعقِبُ ألمًا، وشهوةٍ تُورث ندَمًا ، فكل منهما يقول للنفس
إذا أرادت ذلك : لا تفعلي . والطاعة لمن غلب)).
ثم قال: ((ومَن لا دين له ؛ يُؤثر ما يهواه ، وإن أَدَّاه إلى هلاكه في
الآخرة ، لضعْف ناهي الدين ، ومن لا مروءة له ؛ يُؤثر ما يهواه ، وإن ثُلِمَ
مروءته أو عُدِمَها ؛ لضعف ناهي المروءة ؛ فأين هذا من قول الشافعي رحمه
الله تعالى: لو علمتُ أن الماءَ البارِدَ يَثْلَمُ مروءتي، لما شربتُه؟!))(١).
قال عمرو بن العاص : اللّذة طرْحُ المروءة .
قال الجاحظ : ((وقد صدَق عمرٌو؛ ما تكون الزّماتة والوقار إلَّا بحمْل
على النفس شديد، ورياضة متعِبَة))(٢).
(١) روضة المحبين لابن القيم صـ ٤٢٢، ٤٢٨ .
(٢) رسائل الجاحظ ١ / ١٤٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
(٢ ) أخْذُ العِوَض على إطعامِ وسُقيا الأسير.
(٣) أخذ العِوَض على تعليم القرآن والتحديث من غير حاجة :
قال ابن الصلاح: (( أخذ العوض على التحديث شبيه بأخذ الأجرة على
تعليم القرآن ونحوه ، غير أن هذا من حيث العَرْف خَرْمٌ للمروءة ، والظنُّ يُساء
بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذرٍ ينفي ذلك عنه ))(١) .
والمشارطة على أخذ الأجرة على الحديث أبلغ في الدناءة من الأكل على
الطريق ، وهو جارٍ مجرى اشتراط الأجرة على صلاة النافلة .
( ٤) أخذ نثار العرس بفضل قوّة أو بفضل قلّة حياء(٢).
( ٥ ) إخراجُ الريح بصوت وهو يقدر على خلافه :
وفي حديث عبد الله بن زَمْعة عند البخاري: أنه سمع النبي عَّ المه يخطب ...
وفيه: ثم وعظهم في ضَحِكِهم من الضرْطة، وقال: ((لِمَ يضحكُ أحدُكم ممَّا
يفعل ؟! )).
وعدّه ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (٣٥٣/٢) من خوارم المروءة .
(٦) إخراجُ اليديْن من تحت الجبَّة بين الناس لغير حاجة :
في حديث المغيرة بن شعبة في ((صحيح مسلم)): ((خرج رسول الله عد اله
ليقضي حاجته ، فلمَّا رجع تلقَّيتُه بالإِدواة ؛ فصببتُ عليه ، فغسل يديه ثم غسل
وجهه ، ثم ذهب ليغسل ذراعيْه فضاقت الجبّة، فأخرجهما من تحت الجبّة)).
قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٩/٣): (( فيه جواز
مثل هذا للحاجة وفي الخلوة ، وأما بين الناس ؛ فينبغي أن لا يُفعل لغير حاجة ؛
لأن فيه إخلالًا بالمروءة .
(١) علوم الحديث لابن الصلاح صـ ٢٣٥، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني صـ ٢٣٥،
وتوضيح الأفكار للصنعاني ٢ / ٢٥٤ .
(٢) أومأ القليوبي إلى أنه من الخوارم في ((حاشيته على شرح المحلّى على المنهاج)) ٢٩٩/٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٣٣١
(٧) إدامة تأخير الصلاة (١).
(٨) إدامة ترك تسبيحات الصلاة(٢).
( ٩ ) الادِّهانُ عند العطَّار :
عن ابن سيرين قال: (( ثلاثة ليست من المروءة : الأكل في الأسواق ،
والادِّهان عند العطار، والنظر في مرآة الحجَّام »(٣).
(١٠ ) استخدام الضيف :
(( قال رجاء بن حَيْوة : سمرتُ عند عمر بن عبد العزيز ذاتَ ليلة ، فعشا
السراج ، فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، ألّا أنّه هذا الغلام يُصلِحِه ؟ فقال : لا ،
دعْه ينام ؛ لا أحب أن أجمع عليه عملَيْن . فقلتُ : أفلا أقوم أُصلحه ؟ فقال :
لا ، ليس من المروءة استخدامُ الضيف . ثم قام بنفسه فأصلحه وصبَّ فيه زيْتًا ،
ثم جاء وقال : قمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز ، وجلستُ وأنا عمر بن عبد
العزيز ))(٤) .
(١١ ) الاستخفافُ بالناس والتشهير(٥) بهم، وخاصَّة العلماء والدُّعاة:
جاء في ((عيون الأخبار)): (( قد استدللتَ على كثرة عيوبك بما تُكثر
من عيْب الناس ؛ لأن الطالب للعُيُوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها))(٦).
والمبالغة والتهويل في نقد الغير غفلة عن عيْب النفْس .
(٢،١) بغية المسترشدين صـ ٢٨٢ .
(٣) روضة العقلاء لابن حبان صـ ٢٣٣، و((الظرف والظرفاء)) للوشاء صـ ٨٧ .
(٤) ((الإِمتاع والمؤانسة)) لأبي حيَّان التوحيدي ٦٨/٢، وابن كثير في ((البداية والنهاية))
( ٩ / ٢١١ ) .
(٥) التحرير لابن الهمام ٣ / ٤٦، والرسائل الزينية لابن نجيم ٢٥٦، والعتر في منهج
النقد ٨٠ .
(٦) عيون الأخبار ٢ / ٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣٢
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم: (( من قواعد الشرْع والحكمة أيضًا : أنَّ مَن كثرت
حسناته وعظُمتْ ، وكان له في الإِسلام تأثير ظاهر ؛ فإنه يُحتمل منه ما لا يُحتمل
لغيره، ويُعفى عنه ما لا يعفى عن غيره ؛ فإنَّ المعصية خبَثٌ ، والماء إذا بلغ
قُلتْنِ لم يحملِ الخبث ، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبثٍ)(١).
(١٢ ) الاستمناء أو جَلْد عَمِيرةٍ(٢):
قال ابن العربي: (( قال بعض العلماء : إنه - أي الاستمناء - كالفاعل
بنفسه ، وهي معصية أحدثها الشيطان ، وأجراها بين الناس ، صارت قِيلةً ،
ويا ليتها لم تُقل ، ولو قام الدليل على جوازها ، لكان ذو المروءة يُعرض عنها
لدناءتها)). ثم قال: (( ... ولكنَّ الاستمناء ضعيف في الدليل، عارٌ بالرجل
الدنيء، فكيف بالرجل الكبير ؟! ))(٣).
وقال الشوكاني عن الاستمناء: ((لا شكَّ أن في هذا العمل هجنة ،
وخِسَّة، وسقوط نفس، وضياع حِشْمة، وضعْف هِمَّة))(٤).
والاستمناء حرام عند جمهور العلماء .
فإن كان الاستمناء بيد الحليلة ؛ فجائز بإجماع .
وإن كان بيد أجنبية ، أو أُدخل الأجنبيّ أصبعه في فرج امرأة ؛ فحرام
اتفاقًا .
فإن فعله الرجل للتلَّذُّذ واستبدله بالزوجة والأمَة ؛ فحرام .
(١) مفتاح دار السعادة ١ / ١٧٦ .
(٢) في القاموس المحيط صـ ٥٧٢: ((وأبو عمير: كنية الذَّكَرِ، وَجَلْد عَمِيرة : كناية
عن الاستمناء باليد))، وأفاد الزبيدي في ((التاج)) أنَّ عميرة مستعار للكفّ.
(٣) أحكام القرآن للقاضي أبي بكر بن العربي ٣ / ١٣١٠.
(٤) بلوغ المنى في حكم الاستمنى للشوكاني ، تحقيق : مشهور حسن آل سلمان
صـ ٨٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٣٣٣
فإن فعَله ليكسر حِدَّة شهوته، وشِدَّة شَبَقِهِ فحسْب ؛ فحرام . فإن
كان هذا الفعل لدفْع مضرّة الزنى أو اللواط التي باتت - أو كادت - متحقَّقة
في حقّه ؛ فهو مباح بعد أن يجرّب الصيامَ ويجاهد نفسه .
(١٣) اعتياد البول قائمًا بلا ضرورة ، أو في الماء :
عدَّ السخاوي في ((فتح المغيث)) (١ / ٢٩١ ): من خوارم المروءة :
((البول قائمًا - يعني في الطريق - وبحيث يراه الناس، وفي الماء الراكد)).
( ١٤ ) الإِعلان بالفسْق :
قال السرخسي: ((ولا مروءة لمن يكون معلِنًا بفسْقٍ شرعًا)).
(١٥ ) إفساد المال .
( ١٦ ) إكثار المضايقة في اليسير الذي لا يُسْتَقْصَى فيه .
( ١٧ ) الأكْل في الطريق والأسواق :
بات علّ بن المديني عند عبد الله بن داود - الخريبي - بالخُرَيبة ،
فدخل حانوت بقّال يتعشَّى ؛ فقال له عبد الله: (( لو صبرتَ ليلةً واحدة كنتَ
تموت ؟! أين الدِّين ؟! أين المروءة؟! ما لك مروءة، ولا فيك خير؟! ))(١).
وعدّه من الخوارم : ابنُ سيرين ، والسرخسي ، والفخر الرازي ، والغزالي ،
وابن عقيل ، والمجد ابن تيمية ، والعيني ، والنووي ، وزكريا الأنصاري ،
والآمدي ، والسخاوي ، والشيرازي(٢) .
والأكل في الأسواق والطرقات يكون من خوارم المروءة بالشروط التالية :
(١) تاريخ دمشق: ترجمة عبد الله بن داود الخريبي.
(٢) انظر: أصول السرخسي ١ / ٣٥٠، المحصول للرازي ٤ / ٣٩٩، المستصفى
للغزالي ١ / ١٥٧، المحرر ٢ / ٢٦٨ للمجد ابن تيمية، روضة الطالبين ٢٣٢/١١،
فتح الباقي لزكريا الأنصاري ١ / ٢٩٤، فتح المغيث للسخاوي ١ / ٢٩١، شرح
اللمع للشيرازي ٢ / ٦٣١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
أولًا : أن يكون بمرأى من الناس ، أمَّا إذا أُكَلَه في السوق وهو خالٍ
من الناس كالليل مثلًا ، أو أكله مستترًا في داخل الدكّان ؛ فلا يقدح ذلك
في المروءة .
ثانيًا : أن يكون الأكل كثيرًا بأن يضع مائدة في السوق ، فلو أكل قليلًا
فلا يقدح ، والكثرة والقِلَّة يحدِّدها العُرْف .
ثالثا : أن يكون الشخص من غير أهل السوق ، فإن كان من أهل السوق ،
أو ممَّنِ اعتاد الأكْل هناك ، فإنه لا يقدح في المروءة .
رابعًا : أن يكون الشخص مختارًا أَكْلَه، فلو أكل مضطرًّا أو لعُذر -
كعَلَبة جُوعٍ ، أو إرضاءً لصديق - فلا تقدح في مروءته .
وأُكْل العِلْك ((اللبان)) للرجال ، ما لم يكن للتداوي ؛ لما فيه من التشبُّه
بالنساء ، وكذا في حقٌّ النساء إن كان عند الرجال الأجانب .
( ١٨ ) الأكْل من موضع يد صاحبه ومِن غير ما يليه :
أخرج مسلم في ((صحيحه))؛ عن عمرو بن أبي سلمة قال : كنتُ
غلامًا في حِجْر رسول الله عَّ ◌َلِ، وكانت يدي تطيش في الصَّحْفة، فقال لي :
(( يا غلام ، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك )).
قال النووي في ((شرحه)) (١٣ / ١٩٣): ((لأنّ أكله من موضع
يد صاحبه سوءُ عِشْرة وترْكُ مروءة)).
(١٩ ) الألعاب :
قَرّر ابن قدامة في ((المغني)) (٣٧/١٢-٣٨): أن الأصل في اللعب:
الإِباحة ، وما كان فيه دناءة يترفع عنها ذوو المروءات ؛ مَنع الشهادة إذا فعَله
ظاهرًا وتكَّر منه .
ونحوه عند الدردير في ((الشرح الصغير)) (٥ / ٢٨)؛ فقال في معْرِض
حديثه عمَّا يُخلّ بالمروءة: ((وكذا سائر اللعب ، إلّا ما استثناه الشارع؛
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُمَّ الهمة - المجلد الخامس
٣٣٥
كالمسابقة، واللَّعِب مع الزوجة والطفل ، إذا لم يَكْثُر . والكلام في اللعب
بما ذُكر إنما هو إذا أدمن ذلك .
قال الأبهري في الفرق بين الإدمان وعدمه : إن الإِنسان لا يَسْلَم من
یسیر اللهو .
كان عروة بن الزبير يقول لولده : يا يَنَّي ، العبوا؛ فإن المروءة لا تكون
إلَّا بعد اللعب))(١).
(٢٠ ) المداومة على إنشاد الشعر والتكسُّب به :
((فلا تُقبل شهادةُ شاعرٍ مُفْرِط بالمدح بإعطاء، أو بالذمِّ بعَدَمِه ، ولا مُشَبِّب
بمدحِ خمرٍ أو بمرد أو بامرأة معينة محرَّمة، ويُفسِّقُ بذلك))(٢).
(٢١ ) البول على قارعة الطريق المسلوكة وفي الأماكن العامَّة :
قال ابن الهمام : « ومثله الذي یکشف عورته ليستنجي من جانب بركة
والناس خُضُور))(٣) .
وعدّه من خوارم المروءة : السرخسيّ والرازي والغزالي ، وابن الإِخوة
والقاضي عياض والسبكي .
(٢٢ ) التَّجَشُّؤُ بصوتٍ مزعجٍ ما وجد إلى خلافه سبيلًا :
في الحديث الحسَن: أن رجلاً تجشَّأ عند النبي عَ لّهِ، فقال: ((كُفَّ
عنَّا جشاءَك ؛ فإن أكثرهم شِبَعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة)).
(١) عيون الأخبار لابن قتيبة ١ / ٤١٢ .
(٢) انظر: مغني المحتاج للخطيب الشربيني ٤٣٢/٤، وحاشية الروض المربع ٤٢٥/٣،
وروضة الطالبين ٢٣٠/١١ .
(٣) انظر: فتح القدير لابن همام ٤١٤/٧، وبُغية الرائد للقاضي عياض صـ ٤٠، ومعالم
القربة لابن الإخوة صـ ٣١٤، والمستصفى ١ / ١٥٧، والمحصول ٤ / ٣٩٩،
وأصول السرخسي ١ / ٣٥٠ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وعدَّه ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (٢ / ٣٥٣) من خوارم
المروءة .
(٢٣ ) تحديث الناس بمُباضَعَة وجِمَاع الزوجة:
عدَّه ابن قدامة في ((المغني))، ومجد الدين ابن تيمية ، وابن النجار في
((منتهى الإِرادات))، من خوارم المروءة .
قال ابن نُجيم: ((وذِكْر ما يجري من امرأته في الخلوة ومهازلتها ، حيث
يسمع غيره )).
(٢٤ ) التحيَّة العسكرية :
قال الشيخ حمُّود التويجري : ((وإذا عُلِمَ فضل السلام، وأنه تحية المسلمين
في الداريْن ، فليُعلمْ أيضًا أنه لا أسْفهَ رأيًا ممَّن رَغِب عن ذلك ، واستبدل عنه
بإشارات الإفرنج ، وضرْبهم بالأرجل شبه البغال والحمير إذا أحسّت بشيء يدبُّ
على أرجلها ... بل ضرب الشُّرَط بأرجلهم أفحشُ وأنكُرُ من ضرب البغال والحمير
بأرجلها ، وكفى بالتحية العسكرية مهزأة ومنقصة عند كلُّ عاقل سليم مِن
أمراض المدنية الإفرنجية وأدناسها ))(١).
( ٢٥ ) تُرْكُ الزاني يزني ، وتمكينه من ذلك :
لا يليق بذوي المروءات . قاله ابن العربي .
( ٢٦ ) ترك الوتر :
قال أحمد بن حنبل: (( مَن ترك الوتر عمدًا ؛ فهو رجل سوءٍ ، ولا ينبغي
أن تُقبَل له شهادة)).
( ٢٧ ) التصريح بأقوال الخنَا وما يُسْتَبْشَع في الملأ من غير حاجة ولا ضرورة:
من قوادح المروءة - كما قال الدردير في ((الشرح الصغير)) -: ((الهزلُ
(١) الإِيضاح والتبيين للشيخ حمود التويجري صـ ١٦٩.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٣٣٧
الخارج عن عُرْف أهل الكمال ، من المجون والدعابة ))(١).
وعَّفه الدسوقي بقوله : «قوله بأن لا يُبالي بما يقع منه من الهزل ؛ أي كإخراج
الصوت من فِيه ، وكالنطق بألفاظ الخنا في الملأ: مما يُستبْشع النطق به))(٢) .
والتصريح بما يُستحيا من التلفّظ به من أنواع الَّفَث في القول ، من أجل
الحاجة الملجئة لذلك : مشروع (٣)، وما عدا ذلك: من خوارم المروءات .
( ٢٨ ) تعاطي الإِنسان ما لا يحسنه ، ودعواه معرفة ما لا يعرفه :
قال ابن الوزير عنه : ((من عادات السفهاء، ومَن لا حياء له ولا مروءة))(٤).
(٢٩ ) تقبيل الرجل زوجَه عند الناس :
أو وضع يده على موضع الاستمتاع منها من صَدْر ونحوه .
روى الخطيب البغدادي في ترجمة: (( القاضي أبي بكر موسى بن إسحاق
الخطمي))، قال: ((تقدَّمت امرأة، فادَّعى وليُّها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا ،
فأنكر ، فقال القاضي : شهودك . قال : قد أحضرتُهم . فاستدعى بعضَ الشهود
أنْ ينظر المرأة ليشيرَ إليها في شهادته ، فقام الشاهد ، وقالوا للمرأة: قومي . فقال
الزوْج : تفعل ماذا ؟ قال الوكيل : ينظرون إلى امرأتك وهي مُسْفرة لتصحّ
عندهم معرفتُها . فقال الزوج : فإني أشهد القاضي أنّ لها علَي هذا المُهْر الذي
تدَّعيه ، ولا تُسْفر عن وجهها . فُرُدَّت المرأة ، وأخبرت بما كان من زوجها .
فقالت المرأة : فإني أشهد القاضي أني قد وهبتُ له هذا المهْر ، وأَبرأَتُه منه في
الدنيا والآخرة . فقال القاضي: يُكتب هذا في مكارم الأخلاق))(٥) .
(١) الشرح الصغير للدردير ٥ / ٢٨ .
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ١٦٦.
(٣)
انظر فتح الباري ١٢ / ١٢٥ .
(٤) الروض الباسم لابن الوزير ١ / ١٥٨، طبع: دار الإفتاء.
(٥) تاريخ بغداد ١٣ / ٥٣.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٣٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
(٣٠ ) تكتيفُ اليديْن على الذُّبر :
قال الشيخ حمُّود التويجري: ((وهذا الفعل السخيف من أفعال الإفرنج
وأضرابهم من أعداء الله تعالى ، كما حدّثنا بذلك مَن خالطهم كثيرًا ، ورأى ذلك
منهم، وقد تلقّى ذلك عنهم كثير من سفهاء المسلمين)). ثم قال عنه: (( إنه
فعْل مُستَقْبَح عند ذوي المروءات والشيم ، وكيف لا يكون ذلك قبيحًا بالرجل
أن يضع يده على دُبُره ثم يمشي بين الناس ، وهو على ذلك الوضع المسْتَهْجَن
المزْرِي بالصبيان الصغار ، فضلًا عن الرجال الكبار .
فينبغي للعاقل أن يسمو إلى معالي الأمور التي تجمِّله وتُزيِّنه ، ويبعد عن
سفاسف الأمور التي تدنِّسه وتَشينه . والله الموفِّق))(١).
(٣١) تكرّر حضورِ ويمةٍ غيرِ نحوِ سلطانٍ، بلا طلب ولا ضرورة، ولا استحلال
صاحبها ؛ لالتقاط العشار :
قال ابن قدامة : ((ولا تُقبَلُ شهادة الطفيلي ، وهو الذي يأتي طعام الناس
من غير دعوة ، وبهذا قال الشافعي ، ولا نعلم فيه مخالفًا)). وعلَّل ذلك بقوله :
((لأنه يأكل محرَّمًا، ويفعل ما فيه سَفَةٌ ودَنَاءة وذَهابُ مروءة، فإن لم يتكرّر
هذا منه ، لم تُرَدَّ شهادته ؛ لأنه من الصغائر))(٢) .
(٣٢) التوسُّع في المأكل والمشرب والرفاهية، بحيث يقع بسببه قصور في
الطاعات أو النفقة على مَن يَعُول :
(١) الإِيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين. للشيخ التويجري
صـ ١٨٧، ١٨٩.
(٢) المغني ٤٩/١٢، والطفيلي: نسبة إلى رجل يُقال له: ((الطفيل)) من بني عبد الله
من غطَفان، أكثر من الإِتيان إلى الولائم من غير دعوة ؛ فسُمِّي ((طفيلي العرائس))
فضرب به المثل في الطمع ، والطفيلي هو أيضًا في اللغة الإِمَّعة ، وهو أيضًا الوارش ،
وهو الذي يدخل على القوم في طعام لم يُذْعَ إليه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٣٣٩
موكّلانِ بتهْديمِ المروءَاتِ
نومُ الغداةِ وشرْبٌ بالعشيَّاتِ
(٣٣) الجَشَع عند الأكل ، سواء كان وحدَه أو بين الناس :
عدّه ابن القيم في ((مدارج السالكين)) (٢٥٣/٢) من خوارم المروءة .
( ٣٤) جعْلُ النّفْسِ مسخرة ، بحيث يُضْحك به في كلامه أو لباسه :
عدّه ابن الإخوة في ((معالم القربة)) من خوارم المروءة . وعدّ الرازي ،
والغزالي في ((المستصفى))، والآمدي في ((الإحكام))، مما يقدح في المروءة:
إفراط المزاح(١) .
وذهب القاضي أبو بكر الطرطوشي إلى أن من خوارمها : الحكاية المضحكة .
نقل ذلك القاضي عياض في ((بغية الرائد )) صـ ٢٣٩ - ٢٤١ .
قال ابن قدامة في ((المغني)) (١٢ / ٣٣) مع ((الشرح الكبير)):
((وأما المروءة؛ فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية به)). ثم مثَّل عليه بقوله: ((أو
يتمسْخَر بما يضحك الناس به )).
وقال ابن مفلح: (( وكذا مثَّل غيرُ واحد من الأصحاب - أي على
الخوارم - بحكاية ما يضحك منه الناس ، ونارنجيات وتعزيم))(٢) .
وذكره صاحب ((العباب)) من الأحناف ، فعدَّ من جُملة الخوارم :
((وجعْل نفسِهِ ضحْكَةً))، و((إكثار حكايات مضحكة)). نقله ابن نجيم في
(( الرسائل الزينية))(٣).
وعدّ المجد ابن تيمية في ((المحرر))، وابن النجار في ((منتهى الإرادات))
(١) انظر: معالم القربة صـ ٣١٤، والمحصول ٤ / ٣٩٩، والمستصفى ١ / ١٥٧،
والإحكام ٢ / ١٠٩ .
(٢) النكت والفوائد السنية لابن مفلح ٢ / ٢٦٨.
(٣) انظر: الرسائل الزينية، لابن نجيم صـ ٢٥٧، وروضة الطالبين ١١ / ٢٣٢، وفتح
الباقي لزكريا الأنصاري ١ / ٢٩٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
(٢ / ٦٦١)، وابن ضويان في ((منار السبيل)) (٢ / ٤٨٨)، والبهوتي
في ((الروض المربع)) (٤٨٤) من الخوارم: المُتَمَسْخِر .
قال العنقري في ((حاشيته )): هو الذي يأتي بما يُضحك الناس؛ من
قول أو فعل .
قال الشيخ تقي الدين: ((وتحرُم محاكاة الناس للضحك ، ويعزَّر هو
ومن يأمره ؛ لأنه أذى))(١) .
يُعلم بهذا أن ( المهرِّجين) و ( الممثِّلين)، ولا سيما على ( المسارح )
فيما يسمَّى بـ (الكوميديا): مخرومو المروءة، وكذا من يقومون بإصدار ((النِّكات))
و ((المضحكات)) في مجامع الناس العامَّة في ((السيرك)) وغيره، بمناسبة أو دونها .
(٣٥ ) الجلوسُ على الطرقات :
ذكَرَه ضمْن المباحات القادحة في المروءات : أبو القاضي بن الطيب ، نقله
عنه القاضي عياض في ((بغية الرائد)) (٤١ ).
قال عبد الملك بن عُمير: ((إن من مروءة الرجل جلوسَه ببابه))(٢) .
والجلوس في الطرقات وفي حوانيت الناس للحديث ، ليس من المروءة .
وفي ترجمة أبي الجوزاء الربعي: أنه ((لم يجلس على دكاكينَ قطُّ))(٣).
(٣٦ ) الحِرْص:
عدَّه الوشاء من خوارم المروءة (٤) .
( ٣٧ ) الحَسَد :
أعداء المروءة بنو عمِّ السوء؛ إنْ رأَوْا خيرًا ستروه ، وإنْ رأوْا شَّا
أذاعوه .
(١) حاشية الروض المربع ٣ / ٤٢٤.
(٢)
عيون الآخبار ١ / ٤١٢ .
(٣)
طبقات ابن سعد ٧ / ٢٢٤ .
الظرف والظرفاء للوشاء صـ ٩٤ .
(٤)
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/