النص المفهرس

صفحات 261-280

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٦١
ولا ماله الذي أخذه الكفار ، ولم يضمنهم دية مَن قتلوه في سبيل الله .
ولما عزم الصدِّيق رضي الله عنه على تضمين أهل الردَّة ما أتلفوه من
نفوس المسلمين وأموالهم ؛ قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه- بمشهد
من الصحابة رضي الله عنهم -: (( تلك دماء وأموال ذهبتْ في الله ، وأجورها
على الله ، ولا دية لشهيد )) . فأصفق الصحابة على قول عمر ، ووافقه عليه
الصديق .
فمن قام لله حتى أوذي في الله ؛ حرّم الله عليه الانتقام ، كما قال
لقمان لابنه: ﴿وأُمُرْ بالمعروف وائه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن
ذلك من عزم الأمور﴾. [ لقمان : ١٧ ] .
المشهد التاسع: مشهد ((النِّعمْة)):
وذلك في وجوه :
أحدها : أن يشهد نعمة الله عليه في أنْ جعله مظلومًا يترقّب النصر ،
ولم يجعله ظالما يترقّب المقْت والأخذَ . فلو خُيِّرِ العاقل بين الحالتينْ - ولا بدَّ
من إحداهما - لَاختار أن يكون مظلومًا .
ومنها : أن يشهد نعمة الله في التکفیر بذلك مِن خطاياه ؛ فإنه ما أصاب
المؤمنَ هَمٍّ ولا غمٍّ ولا أذَّى إلّا كفَّر الله به من خطاياه ، فذلك في الحقيقة دواء
يُستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ، ومَن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها
وأسقامه ، ولم يداوِهِ في الدنيا بدواء يُوجب له الشفاء ؛ فهو مغبون سفيه .
فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشْفِقِ عليك ، فلا تنظر إلى مرارة
الدواء وكراهته ومَن كان على يديه ، وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركَّبه لك ،
وبعثَه إليك على يدي مَن نَفعَك بمضرّته .
ومنها: أن يشهد كوْن تلك البليَّة أهون وأسهل من غيرها؛ فإنه ما من محنة
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٢
صلاحِ الأمة في علُمُ الهمة - المجلد الخامس
إلَّا وفوقها ما هو أقوى منها وأمُ ، فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال ،
فلينظرْ إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده ، وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين
فهيِّنة ، وأنها في الحقيقة نعمة ، والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين .
ومنها : توفية أجْرها وثوابها يوم الفقر والفاقة ، وفي بعض الآثار : أنه
يتمنَّى أناسٌ يوم القيامة لو أنَّ جلودَهم كانت تُقْرَض بالمقاريض ، لِمَا يرون
من ثواب أهل البلاء .
هذا، وإن العبد لَيشتدُّ فرحُه يوم القيامة بما له قِبَلَ الناسِ من الحقوق
في المال والنفس والعِرْض ، فالعاقل يعدُّ هذا ذُخرًا ليوم الفقر والفاقة ، ولا يُبطله
بالانتقام الذي لا يُجدي عليه شيئًا .
حبس أحدُ السلاطين رجلًا ، فكتب إليه بعض إخوانه الصالحين :
اشكر الله . ثم ضُرب ، فكتب إليه : اشكرِ الله . ثم قُيِّد هو ومجوسي مبطون
بقيْدٍ واحد ؛ فكان المجوسي يقوم بالليل لقضاء الحاجة مرَّاتٍ ، وكلَّما ذهبَ
ذهبَ معه الرجل ، فيقف على رأسه حتى يقضي حاجته ، فكتب إليه صاحبه :
اشكر الله . فقال : على ماذا أشكر الله ؟! وأنّ بلاء فوقَ ما أنا فيه ؟! فكتب
إليه : لو جُعل الزنار الذي في وسَطه في وسَطك كما جعل القيْد في رِجْلك ،
ما كنت تصنع ؟ فاشكر الله على سلامة الدين .
المشهد العاشر: مشهد ((الأُسْوَة)):
وهو مشهد شريف لطيف جدًّا ؛ فإن العاقل اللبيب يرضى أن يكون
له أسوة برسُل الله وأنبيائه ، وأوليائه وخاصَّته من خلقه ؛ فإنهم أشدُّ الخلق
امتحانًا بالناس ، وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحُدُور ، ويكفي تدبُر
قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم ، وشأن نبينا عَّهِ وأذى أعدائه له بما
لم يُؤْذَه مَنْ قبلَه. وقد قال له وَرَقة بن نوفل: ((لَتْكَذَّبنَّ، ولَتُخْرَجَنَّ،
وَلِتُؤْذَيَنَّ)). وقال له: ((ما جاء أحد بمثل ما جئتَ به إلا عُودي)). وهذا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٦٣
مستمرّ في ورثته كما كان في مورثهم عَّ لِ. أفلا يرضى العبد أن يكون له
أسوة بخيار خلْق الله ، وخواصِّ عباده ؛ الأمثل فالأمثل ؟!
ومَن أحبَّ معرفة ذلك فليقفْ على مِحَنِ العلماء ، وأذى الجھَّال لهم .
وقد صنف في ذلك ابن عبد البر كتابًا سمَّاه («محنُ العلماءِ)).
المشهد الحادي عشر: مشهد ((التوحيد )):
وهو أجلُّ المشاهد وأرفعها . فإذا امتلأ قلبه بمحبّة الله ، والإِخلاص له
ومعاملته، وإيثار مرضاته، والتقُّب إليه ، وقَّة العيْن به ، والإِنس به، واطمأنَّ
إليه ، وسكن إليه ، واشتاق إلى لقائه ، واتخذه وليًّا دون مَن سواه ، بحيث فَوَّض
إليه أموره كلها ، ورضي به وبأقضيته ، وفني بجبَّه وخوفه ورجائه وذكْرٍه
والتوكُّل عليه ، عن كلّ ما سواه - فإنه لا يبقى في قلبه متَّسع لشهود أذى
الناس له ألبتة ، فضلًا عن أن يشتغل قلبه وفكْره وسِرُّه بتطلُّب الانتقام والمقابلة ؛
فهذا لا يكون إلّا مِن قلبٍ ليس فيه ما يُغنيه عن ذلك ويعوِّضه منه ، فهو قلبٌ
جائع غير شبعان ؛ فإذا رأى أَّ طعام رآه هَفَتْ إليه نوازعه ، وانبعثتْ إليه
دواعيه . وأما مَنِ امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها ؛ فإنه لا يلتفت إلى ما
دونها . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
فمَن عامَل الخلْقَ بهذه المعاملة؛ ((من إقامة أعذارهم ، والعفو عنهم ،
وترك مقابلتهم ؛ استوتْ كراهتُهم ومحبتهم له ، وكان ذلك سببًا لنجاتهم الأخروية
أيضًا ؛ إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه ، وتلقّي ما يأمرهم به وينهاهم عنه أحسنَ
التلقِّي . وهذه طباع الناس))(١) .
((الدرجة الثانية : تحسينُ مُخُلُقك مع الحقِّ ؛ وتحسينه منك : أنْ تعلم
أنَّ كلَّ ما يأتي منك يُوجب عُذرًا ، وأنَّ كل ما يأتي من الحقّ يوجب شكرًا ،
(١) مدارج السالكين ٣٢٤/٢
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وأن لا ترى له من الوفاء بُدًّا)).
الله دُّك يا شيخ الإسلام الهروي !! ما أطيب وأعطر هذا القول منك !!
قال شيخ الإسلام ابن القيِّم شارحًا: ((هذه الدرجة مبنيّة على قاعدتين :
إحداهما : أن تعلم أنك ناقص : وكُلُّ ما يأتي من الناقص ناقص ، فهو
يُوجب اعتذاره منه لا محالة ، فعلى العبد أن يعتذر إلى ربِّه من كلِّ ما يأتي به
من خير وشرِّ ؛ أما الشُّ : فظاهر ، وأما الخير : فيعتذر من نقصانه ، ولا يراه
صالحًا لربِّه ، فهو - مع إحسانه - معتذر في إحسانه ، ولذلك مدح الله أولياءه
بالوَجَل منه مع إحسانهم، بقوله: ﴿والذين يُؤْتون ما آتوا وقلوبُهم وَجِلة
[ المؤمنون: ٦٠] وقال النبي عَّلهم: ((هو الرجل يصوم ويتصدق ، ويخاف أن
لا يُقْبَل منه)). فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى . والحامل له على هذا الاعتذار
أمران :
أحدهما : شهود تقصيره ونقصانه .
والثاني : صدق محبَّته : فإن المحبَّ الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية
إمکانه ، وهو معتذر إليه ، مُستحي منه : أن يواجهه بما واجهه به ، وهو يرى
أن قدْرَه فوقه وأجلّ منه ، وهذا مشاهد في محبّة المخلوقين .
القاعدة الثانية : استعظام كل ما يصدر منه سبحانه إليك : والاعتراف
بأنه يُوجب الشكر عليك ، وأنك عاجز عن شكره ، ولا يتبين هذا إلّا في المحبَّة
الصادقة ؛ فإن المحبَّ يستكثر من محبوبه كل ما يناله ، فإذا ذكره بشيء وأعطاه
إياه ؛ كان سروره بذكره له ، وتأهيله لعطائه : أعظم عنده من سروره بذلك
العطاء ، بل يغيب بسروره بذكره له عن سروره بالعطيّة ، وإن كان المحبُّ يسُّه
ذكْر محبوبه له ، وإن ناله بمساءة . كما قال القائل :
لئنْ ساءني أنْ نلتَني بمساءةٍ لقدْ سَرَّني أني خطرتُ ببالِكًا
فكيف إذا ناله محبوبه بمسرّة ، وإن دقّتْ ؟! فإنه لا يراها إلا جليلة خطيرة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٦٥
فكيف هذا مع الربِّ تعالى الذي لا يأتي أبدًا إلّا بالخير ؟! ويستحيل خلافَ
ذلك في حقّه . كما يستحيل عليه خلاف كماله . وقد أفصح أعرف الخلق
بربّه عن هذا بقوله: ((والشُّ ليسَ إليك)) . أي لا يضاف إليك ، ولا ينسب
إليك ، ولا يصدر منك ؛ فإن أسماءه كلها حسنى ، وصفاته كلها كمال ،
وأفعاله كلها فضْل وعدل ، وحكمة ورحمة ومصلحة ، فبأي وجه ينسب الشرّ
إليه سبحانه وتعالى ؟! فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر ، وله فيه
النعمة والفضل .
قوله: ((وأن لا يرى من الوفاء بذًّا)):
يعني : أن معاملتك للحقِّ سبحانه بمقتضى الاعتذار من كل ما منك ،
والشكر على ما منه : عقدٌ مع الله تعالى ، لازم لك أبدًا، لا ترى من الوفاء
به بدًّا . فليس ذلك بأمر عارض ، وحال يحول ، بل عقد لازم عليك الوفاء
به إلى يوم القيامة ))(١) .
((الدرجة الثالثة: التخلُّق بتصفية الخُلُق ، ثم الصعود عن تفرقة
التخلُّق ، ثم التخلُّق بمجاوزة الأخلاق )) :
((هذه الدرجة ثلاثة أشياء :
أحدها : تصفية الخُلُق بتكميل ما ذُكِر في الدرجتين قبله ؛ فيصفِّيه من
كل شائبة وقدَّى ومشوش ، فإذا فعلتَ ذلك صعدتَ من تفرقته إلى جمعيَّتَك
على الله ؛ فإن التخلَّق تهذيب واستعداد للجمعية ؛ وإنما سمَّاه تفرقة لأنه اشتغال
بالغير ، والسلوك يقتضي الإقبال بالكلِّية، والاشتغال بالربِّ وحده عمَّا سواه .
ثم يصعد إلى ما فوق ذلك ، وهو مجاوزة الأخلاق كلها بأنْ يغيب عن
(١) مدارج السالكين ٣٢٤/٢ - ٣٢٦
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٦
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
الخلق والتخلّق . وهذه الغيبة لها مرتبتان :
إحداهما : الاشتغال بالله عن كلّ ما سواه .
والثانية: الفناء في الفردانية التي يسمُّونها ((حضرة الجمع))، وهي
موهبية لا كسبيَّة ، لكن العبد إذا تعرَّض وصدَق في الطلب ، رُجي له الظفر
بمطلوبه . والله أعلم)) انتهى كلام ابن القيم .
كنْ مع الحقّ بلا خَلْقٍ ، ومع الخَلْقِ بلا نفْس :
قال ابن القيِّم: ((ومدار حسْنِ الخُلُق مع الحقِّ ، ومع الخلق : على
حرفيْن ، ذكرهما عبد القادر الجيلاني ؛ فقال: (( كنْ مع الحقِّ بلا خَلْق ، ومع
الخلْق بلا نفس )).
فتأمّل ، ما أجلَّ هاتين الكلمتين ، مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد
السلوك ولكل خلُق جميل !! وفساد الخُلُق إنما ينشأ من توسُّط الخلق بينك وبين
الله تعالى ، وتوسُّط النّفْس بينك وبين خلقه ، فمتى عزلتَ الخلْق ، حالَ كونك
مع الله تعالى ، وعزلتَ النفس ، حال كونك مع الخلق ، فقد فزتَ بكلّ ما
أشار إليه القوم، وشمَّروا إليه ، وحاموا حوْله . والله المستعان)).
نفائسُ وأمثلةٌ عَطِرةٌ مِن حُسْنِ مُخُلُقٍ سَلَفِنا :
الإِمام ابنُ منده وحُسْن خلُقه: ((مَن كَتَب عني حديثًا فأنا له عبد)):
قال يحيى بن منده : كان عمي سيفًا على أهل البدع ، وهو أكبر من
أن يُثني عليه مثلي ، كان - والله - آمَرًا بالمعروف ، ناهيًا عن المنكر ، كثير
الذكر ، قاهرًا لنفسه ، عظيم الحلم كثيرَ العلم ؛ قرأتُ عليه قول شعبة : مَن
كتبت عنه حديثًا فأنا له عبد ؛ فقال عمي: من كتب عني حديثًا فأنا له عبد(١).
(١) انظر ترجمته في السير ٣٤٩/١٨ - ٣٥٤.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٦٧
الإِمام أبو إسحاق الشيرازي وحُسْن ◌ُخُلُقه :
قال خطيب الموصل أبو المفضَّل : حدَّثني أبي قال: توجّهتُ من الموصل
سنة ٤٥٩هـ إلى أبي إسحاق، فلمَّا حضرتُ عنده، رحَّبَ بي وقال : من أين
أنت !؟ فقلتُ: من الموصل . قال : مرحبًا ؛ أنت بلدِّي. قلتُ : يا سيِّدَنا ،
أنت من فيروزآباد ؟! قال : أمَا جمعتْنا سفينة نوح ؟! فشاهدتُ من حُسْن
أخلاقه ولطافته وزهده ، ما حَبَّب إلَّي لزومه ، فصحبتُه إلى أن مات(١).
وقيل : إن أبا إسحاق نزع عمامته - وكانت بعشرين دينارًا - وتوضَّأ
في دجلة ، فجاء لصُّ فأخذها وترك عمامةً رديئة بَدَلها ، فطلع الشيخ فلبِسها ،
وما شعر حتى سألوه وهو يدرِّس، فقال: لعلّ الذي أخذها محتاج(٢).
إبراهيمُ بنُ أدهمَ أستاذُ الأُستاذِين في حُسن الخُلُقِ :
((خرج رحمه الله إلى بعض البراري ، فاستقبله رجل جندٌّ ، فقال:
أنت عبد؟ قال : نعم . فقال له : أين العمران ؟ فأشار إلى المقبرة ، فقال
الجندي : إنما أردتُ العمران !! فقال: هو المقبرة . فغاظه ذلك فضرب رأسَه
بالسوط فشجَّه ، وردَّه إلى البلد فاستقبله أصحابه ، فقالوا : ما الخبر ؟ فأخبرهم
الجندي ما قال له ، فقالوا : هذا إبراهيم بن أدهم !! فنزل الجندي عن فرسه
وقبّل يديْه ورجليْه ، وجعل يعتذر إليه ، فقيل بعد ذلك له : لِمَ قلتَ له : أنا
عبد ؟ فقال : إنه لم يسألني : عبدُ من أنت ، بل قال : أنت عبد ؟ فقلتُ :
نعم ؛ لأني عبد الله ، فلمَّا ضرب رأسي سألتُ الله له الجنة . فقيل : كيف
وقد ظلمك ؟ فقال : علمتُ أنني أُوْجَر على ما نالني منه ، فلم أُرِدْ أن يكون
نصيبي منه الخير ونصيبُه مني الشرّ))(٣).
(١)، (٢) انظر الترجمة في السير ١٨/ ٤٥٢ - ٤٦٤.
(٣) الإحياء ٣/ ٧٦
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٦٨
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
شيخ الإسلام أبو عثمان الحِيري يعلِّمنا حُسْنِ الخُلُقِ: ((إنّ مَنِ استحقَّ النارَ
فصُولح على الرماد ، لم يجُزْ له أن يغضب)):
(( اجتاز رحمه الله يومًا في سكّة، فطرحت عليه إجانة رماد ، فنزل عن
دأبّته فسجد سجدة الشكر ، ثم جعل ينفُض الرماد عن ثيابه ، ولم يقلْ شيئًا ،
فقيل : ألا زبرتهم ؟ فقال: إنّ من استحقَّ النارَ فصُولح على الرَّمَاد، لم يجُزْ
له أن يغضب .
ودُعي أبو عثمان الحيري إلى دعوة ، وكان الداعي قد أراد تجربته ، فلمَّا
بلغ منزله قال له : ليس لي وجه . فرجع أبو عثمان ، فلمَّا ذهب غيرَ بعيد ،
دعاه ثانيًا فقال له : يا أستاذ ، ارجعْ . فرجع أبو عثمان ، فقال له مثل مقالته
الأولى فرجع ، ثم دعاه الثالثة وقال : ارجعْ على ما يُوجب الوقت . فرجع ،
فلمَّا بلغ الباب ، قال له مثل مقالته الأولى ، فرجع أبو عثمان ، ثم جاءه الرابعة
فردَّه ، حتى عامله بذلك مرَّات وأبو عثمان لا يتغيّر من ذلك ، فأكبّ على رجليْه
وقال : يا أستاذ ، إنما أردتُ أن أختبرك، فما أحسن خلُقَك !! فقال : إن
الذي رأيتَ مني هو خلُق الكلْب ؛ إن الكلب إذا دُعي أجاب وإذا زُجرَ
انزجر)»(١) .
(( من أين تعلمتَ الحِلْم؟)):
((وقيل للأحنف بن قيس : مِن أين تعلَّمتَ الحِلْم ؟ فقال : من قيس
ابن عاصم . قيل : وما بلغ حلمه ؟ قال : بينما هو جالس في داره ، إذ أتته
جارية له بسَفُود عليه شِواء ، فسقط من يدها ، فوقع على ابنٍ له صغير فمات ،
فِدُهِشَتِ الجارية ، فقال لها: لا روعَ عليك؛ أنت حرّة لوجه الله تعالى))(٢).
(١) الإحياء ٧٦/٣
(٢) الإِحياء ٣/ ٧٧
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٦٩
((إِنْ كان ولا بُدَّ، فارموني بالصِّغَار »:
((وقيل : إن أُويسًا القرني كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة ، فكان
يقول لهم : يا إخوتاه ، إن كان ولا بدَّ فارموني بالصِّغَار ؛ حتى لا تُدموا ساقي ،
فتمنعوني عن الصلاة))(١) .
(( يا هذه ، وجدتِ اسمي الذي أضلَّه أهلُ البصرة)»:
((وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله : يا مرائي. فقال : يا هذه،
وجدتِ اسمي الذي أضلَّه أهل البصرة )) (٢) .
((لأتعلَّم الحلم عليه )):
(( وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلامُ سوءٍ ، فقيل له : لِمَ تُمْسِكِه ؟
فقال: لأتعلَّمَ الحلّمَ عليه))(٣) .
علامة حُسْنِ الخُلُقِ :
قال يوسف بن أسباط : علامة حُسْن الخلق عشرُ خصالٍ :
١ - قلّة الخلاف. ٢ - وحسْن الإنصاف. ٣ - وترك طلب العثرات.
٤ - وتحسين ما يبدو من السيئات . ٥ - والتماس المعذرة . ٦ - واحتمال
الأذى .
٧ - والرجوع بالملامة على النفس . ٨ - والتفرّد بمعرفة عيوب نفسِه
دون غيره .
٩ - وطلاقة الوجه للصغير والكبير . ١٠ - ولطْف الكلام لمن دُونه
ولمن فوقه .
(١)، (٢)، (٣) الإحياء ٧٧/٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٠
صلاح الأمة في عُلُمَّ الهمة - المجلد الخامس
وسُئل سهل عن حسن الخلق فقال: (( أدناه احتمال الأذى ، وترْك
المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له ، والشفقة عليه))(١).
ونمضي مع قافلة النور وركْب السادة :
((كان الفُضَيل بن عياض رحمه الله إذا قيل له : إن فلانًا يقع في عِرْضك ؛
يقول : والله لأغيظنَّ من أمره . يعني إبليس ، ثم يقول: اللهمَّ إن كان صادقًا
فاغفر لي ، وإن کان کاذبًا فاغفر له .
وقد كان أبو معاوية الأسود يدعو لمن نال منه .
وشتم رجل بكر بن عبد الله المزني رحمه الله، وبالَغ في شتْمه وهو
ساكت ، فقيل له : ألَا تشتمه كما شتمك ؟! فقال : إني لا أعرف له شيئًا من
المساوي حتى أشتمه به ، ولا يحلُّ لي أن أرميَه بالكذب .
وقال رجل لثور بن يزيد رحمه الله : يا قدَري ، يا رافضي . فقال له :
إن كنتُ كما قلتَ لي ، فأنا رجلُ سوءٍ ، وإن كنتُ على خلافٍ ذلك فأنتَ
في حلّ مني .
وقد قال رجل مرةً لسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم : يا شيخ
السوء : فقال له سالم: ما أراك أبعدتَ يا أخي))(٢).
لطيفة :
الحلمُ على خمسة أقسام :
قال السريّ السقطي : الحلم على خمسة أقسام :
(١) الإحياء ٧٧/٣ .
(٢) تنبيه المغترين للشعراني ص ٧١ - ٧٢ - طبع : عيسى الحلبي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٢٧١
الأول : حلم غريزي : وهو هبة من الله تعالى للعبد ، به يعفو عمَّن
ظلمه ، ويعطي من حرمه ويصل به رحمه وإن قطَعَه .
والثاني: حلم تحالم : وهو أن يكظم العبدُ غيظه رجاءَ الثواب ، وفي
القلب كراهة .
الثالث : حلم مذموم : وهو حلْم العبد على مَن جنى عليه ، رياءً
وسمعة ؛ يعني يراني به جلساءَه وهو حاقد ساكت .
الرابع : حلم كِيْر : وهو أن الشخص لا يراه أهلًا بأن يجاوبه .
الخامس : حلم مهابة ومذلَّة(١). اهـ.
فاعلمْ ذلك ؛ فإنه نفيس جاءَك به السريّ .
((مدحوا عند الفضيل بن عياض رجلًا، وقالوا : إنه لا يأكل الخبيص .
فقال : وما ترْكُ أُكْل الخبيص ؟! انظروا كيف صلتُه للرحم !! انظروا كيف
كظمُه للغيظ !! انظروا كيف عطفُه على الجار والأرملة واليتيم !! انظروا كيف
حسن خلقه مع إخوانه !!
وكان حاتم الأصمُّ يقول: قد قلَّتْ أخلاق الرجال في ثلاث : تعظيم
أخلاق الإِخوان ، وستْر معايبهم، واحتمال أذاهم))(٢).
محمد بن واسع يُحسْن إلى شاةٍ صَحِبَتْه :
((كان محمد بن واسع يقول: لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يُحسن
إلى كلِّ مَن صَحِبَه ولو ساعة . وكان إذا باع شاة يوصي بها المشتري ويقول :
قد كان لها معنا صُحْبَة))(٣).
(١) تنبيه المغترين ص ٧٢ .
(٢) ، (٣) تنبيه المغترين ص ٣١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٢
صلاح الأمة فى عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
ومسْكُ الختامِ : حديثُ عُلبة بن زيد بن حارثة الأنصاري الأوْسي ، صاحبٍ
الخُلُق التمام :
لله دُرُّه من صحابي جليل !!
روى ابن منده بإسناده: ((كان علبة بن زيد بن حارثة رجلًا من
أصحاب النبي عَّلِ، فلما حضَّ على الصدقة ، جاء كلّ رجل منهم بطاقتِه
وما عنده ، فقال علبة بن زيد : اللهم إنه ليس عندي ما أتصدَّق به ؛ اللهم
إني أتصدَّق بعِرْضي على مَن ناله مِن خلْقِك. فأمر رسول الله عَ لّهِ مناديًا
فنادى: أين المتصدِّق بعرضه البارحة؟ فقام عُلبة، فقال: ((قد قُبِلتْ صدقتُكَ)).
وفي زاد المعاد: فقال النبي عَّ ◌ُلِ: (( أبشر؛ فوالذي نفسُ محمدٍ بيده ، لقد
كُتِبَتْ في الزكاة المتقبَّلة )).
هذه نفوس قد ذُلِّلتْ بالمجاهدة ، فاعتدلتْ وطابت أخلاقُها ، ونُقِيت
من الغشرِّ والغُلِّ بواطنُها فأثمرت الأطايب ، فظهرت العلامات على ظواهرهم ،
فمَن لم يصادفْ من نفسه هذه العلامات ، فلا ينبغي أن يغتَّ بنفسه فيظنَّ بها
حُسْنِ الخُلُق ؛ فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلّ المقرّبون والصِّدِّيقون .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
الفصل الثاني عشر
عُلُوُّ الِهِمَّةِ
في
الفُتُوَّةِ ((مكارم الأخلاق ))
((إنما بُعثت لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق ))
[ حديث صحيح ]
((مَن لم يتفتَّى لم يُحسن يتقرَّا))
[ تقرًا : تنسَّك وتوزَّع ]
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٢٧٥
عُلُوُّ الِهِمَّةِ في الفُتُوَّةِ ((مكارم الأخلاق ))
اعلم يا أخي أن الفُتُوَّة إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخَلْق ،
وهذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإِحسان إلى الناس ، وكف الأذى عنهم واحتمال
أذاهم . فهي استعمال حُسْن الخُلُق معهم . فهي في الحقيقة نتيجة حُسْن الخلق
واستعماله .
المروءة والفُتُوَّة :
قال ابن القيم: ((والفرق بينها وبين المروءة : أن المروءةَ أَعُمُّ منها ؛ فالفتوة
نوع من أنواع المروءة . فإن المروءة استعمال ما يَجمُل ويزين مما هو مختصُّ
بالعبد ، أو متعدٍّ إلى غيره ، وتَرْك ما يدنس ويشين مما هو مختصٌّ أيضًا به ،
أو متعلِّق بغيره ))(١) .
المنازل ثلاثة : التخلُّق وحُسْنِ الخُلُق ، ثم الفُتُوَّة، ثم المروءة :
قال ابن القيم: ((هي ثلاثة منازل: منزلة التخلُّق وحُسْن الخُلُق ، ومنزلة
الفتوة ، ومنزلة المروءة .
وهذه منزلة شريفة لم تعبّر عنها الشريعة باسم (( الفتوة))، بل عبَّرت
عنها باسم ((مكارم الأخلاق))، كما في حديث عن النبِّ عَ الِ: ((إنما بُعِثت
لأتمِّم مكارمَ الأخلاق ))(٢).
(١) مدارج السالكين ٣٤٠/٢ .
(٢) صحيح : رواه من حديث أبي هريرة: البخاري في الأدب المفرد ( ٢٧٣ )،
وابن سعد في الطبقات (١٩٢/١)، والحاكم ، وأحمد ، وقال الحاكم: صحيح
على شرط مسلم . ووافقه الذهبي ، وصحَّحه ابن عبد البر .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
ولم يجئ اسم (( الْفتوة)) في القرآن ولا السُّنَّة ولا في لسان السلف ،
وإنما استعمله مَنْ بعدهم في مكارم الأخلاق. وأصلها عندهم : أن يكون العبد
أبدًا في أمر غيره .
وأقْدَم مَن علمتُه تكلّم في (( الفتوة)): جعفر بن محمد ، ثم الفضيل
ابن عياض، والإِمام أحمد ، وسهل بن عبد الله ، والجنيد ، ثم الطائفة .
فيُذكَر أن جعفر بن محمد سُئل عن الفتوة ، فقال للسائل : ما تقول
أنت ؟ فقال : إن أُعطيتُ شكرت، وإن مُنعت صبرت . فقال : الكلاب عندنا
كذلك . فقال السائل : يا ابن رسول الله ، فما الفتوة عندكم ؟ فقال : إن
أُعطينا آثرنا ، وإن مُنعنا شكرنا .
وقال الفضيل بن عياض : الفتوة : الصفحُ عن عثرات الإِخوان .
وقال الإِمام أحمد رضي الله عنه، في رواية ابنه عبد الله عنه، وقد سُئل
عن الفتوة ، فقال : تَرْكُ ما تهوى لما تخشى .
ولا أعلم لأحدٍ من الأئمة الأربعة فيها سواه ))(١).
((وقال سفيان الثوري: (( من لم يتفتّى لم يُحسن يتقرّا)).
وذُكرت الفتوة عند سفيان رحمه الله ، فقال : ليست بالفسق ولا بالفجور ؛
ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد : طعامٌ موضوع ، وحجابٌ مرفوع ،
ونائلٌ مبذول ، وبِشْرٌ مقبول ، وعفافْ معروف ، وأذى مكفوف .
وقال آخر :
الشّرْب صَبوحٍ أو لشُرْبِ غَبُوقِ
ولیس فتى الفتیانِ مَن راح واغتدى
لضّ عدوٍّ أو لنفْعِ صديقٍ))(٢) .
ولکن فتی الفتیانِ مَن راح واغتدی
(١) مدارج السالكين ٣٤١/٢ .
(٢) بهجةً المجالس ، وأنس المجالس ، وشَحْذ الذاهن والهاجس لابن عبد البر القرطبي
١ / ٦٤٥ - ٦٤٧ . طبع مكتبة ابن تيمية .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٢٧٧
كمال هذا الخلق :
وقال الدقَّاق: هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله عَ لّه؛ فإن كلَّ
أحدٍ يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، وهو يقول: ((أُمَّتِي أُمَّتي)).
وقال سهل : هي اتِباع السنة .
وقيل : هي الوفاء والحفظ .
وسُئل الجنيد عن الفتوة ، فقال: لا تُنافر فقيرًا، ولا تُعارض غنيًّا .
وقال أيضا : الفتوة : كفّ الأذى ، وبَذْل الندى .
وقال الحارث المحاسبي : الفتوة : أن تَنصِف ولا تنتصف .
وقال عمر بن عثمان المكّي : الفتوة : حُسْن الخلق .
وقال محمد بن علي الترمذي : الفتوة : أن تكون خَصْمًا لربِّك على
نفسك .
وقيل : الفتوة : أن لا ترى لنفسك فضلًا على غيرك .
وقيل : الفتوة : كسْر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى ؛ وهو نفسك ؛
فإن الله حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام : أنه جعل الأصنام جُذاذًا ، فكسر
الأصنام له . فالفتى من كسر صنمًا واحدًا في الله .
وقيل : الفتوة : أن لا تكون خصمًا لأحد ، يعني في حفظ نفسك .
وأمَّا في حق الله، فالفتوة: أن تكون خصمًا لكل أحد، ((ولو كان الحبيب المصافيا)).
وقال الترمذي : الفتوة : أن يستوي عندكم المقيم والطارئ .
وقيل : ليس الفتوة أن تَرْبح على صديقك .
وقيل : فضيلة تأتيها ، ولا ترى نفسك فيها . وقيل: أن لا تحتجب ممَّن
قصدك .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٢٧٨
وقيل : أن لا تهرب إذا أقبل العافي ، يعني طالب المعروف . وقيل :
إظهار النعمة وإسرار المحنة .
وقيل : أن لا تدَّخِر ولا تعتذر .
فُوَّة يوسف عليه السلام مع إخوته :
انظر رحمك الله إلى ما قاله الله تعالى حاكيًا على لسان يوسف: ﴿ورفع
أبويه على العرش وخرُّوا له سُجَّدًا وقال يا أبتِ هذا تأويل رؤيايَ مِن قَبْلُ
قد جعلها ربِّي حقًّا وقد أحسن بي إذْ أخرجني من السِّجن وجاءَ بكم من
البدوِ من بَعْدٍ أن نزغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي إِنَّ رِّي لطيفٌ لما يشاء
إنه هو العليمُ الحكيمُ ﴾. [ يوسف : ١٠٠ ] .
قال ابن القيم: (( لم يقل: (أخرجني من الجُبِّ)؛ حفظًا للأدب مع
إخوته ، وتفتِّيًا عليهم : أن لا يُخجلهم بما جرى في الجبِّ. وقال: ﴿ وجاء
بكم من البدو ﴾ ولم يقل : ( رفع عنكم جهد الجوع والحاجة ) أدبًا معهم .
وأضاف ما جرى إلى السبب ، ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه ،
فقال: ﴿ من بعد أن نزغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي﴾، فأعطى الفُتُوَّة
والكرم والأدب حقّه ، ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق إلا الرسل والأنبياء صلوات
الله وسلامه عليهم)) (١) .
كمال الفُتُوَّة في بيتِ الثُّوَّة :
قال ابن القيم: ((ومن الفتوة التي لا تُلْحق: ما يُذْكر أن رجلًا نام من
الحاج في المدينة ، ففقد هميانًا فيه ألف دينار ، فقام فزعًا ، فوجد جعفر بن
محمد ، فعلِقٍ به وقال : أخذتَ همياني ؟ فقال : أيّ شيء كان فيه ؟ قال : ألف
دينار. فأدخله داره ووزن له ألف دينار، ثم إن الرجل وجد هميانه ، فجاء إلى
(١) مدارج السالكين ٣٨٠/٢ - ٣٨١.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٢٧٩
جعفر معتذرًا بالمال ، فأبى أن يقبله منه ، وقال : شيء أخرجته من يدي لا
أستردُّه أبدًا . فقال الرجل للناس : مَن هذا ؟ فقالوا : هذا جعفر بن محمد
رضي الله عنه))(١) .
الله دُّهم من أهل بيتٍ ، لسان حالهم يقول :
تركنا البحارَ الزَّاخِراتِ وراءنا فمن أين يدري الناس أَنَّى توجَّهنا
من فُوَّة رجل مع امرأته: ((سبقتَ الفتيان )):
(( وقيل : تزوّج رجل بامرأة ، فلما دخلت عليه رأى بها الجدري، فقال:
اشتكيت عيني . ثم قال : عميت . فبعد عشرين سنة ماتت ، ولم تعلم أنه
بصير ، فقيل له في ذلك ، فقال : كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها . فقيل له :
سبقتَ الفتيان .
مِثْلُك يخدم الفتيان :
وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى، فقال الرجل : يا غلام قدِّم السفرة . فلم
يقدِّم ، فقالها ثانيًا وثالثًا، فلم يقدِّم ، فنظر بعضُهم إلى بعض ، وقالوا : ليس
من الفتوة أن يستخدم الرجل مَن يتعاصى عليه في تقديم السفرة كلّ هذا . فقال
الرجل: لِمَ أبطأت بالسفرة ؟ فقال الغلام : كان عليها نمل . فلم يكن من الأدب
تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ، ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن
الزاد ، فلبثتُ حتى دبَّ النمل . فقالوا : يا غلام ، مثلك يخدم الفتيان .
واستضاف رجُلٌ جماعةً من الفتيان ، فلما فرغوا من الطعام ، خرجت
جارية تصبُّ الماء على أيديهم ، فانقبض واحد منهم ، وقال : ليس من الفتوة
أن تصبَّ النسوانُ الماء على أيدي الرجال . فقال آخر منهم : أنا منذ سنين أدخل
(١) مدارج السالكين ٣٤٣/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٢٨٠
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
إلى هذه الدار، ولم أعلم أن امرأة تصبُّ الماء على أيدينا أو رجلًا)) (١).
الله دُّك .. فقد سار على دربك الربيع بن خثيم ، تلميذُ ابن مسعود رضي
الله عنه، والذي تردّد على بيته السنين الطويلة ، ومن كثرة غضّ طرفه ، كانت
الجارية تظنُّه أعمى ... فإذا طرق الباب دخلت على ابن مسعود ، وقالت له :
((صاحبك الأعمى أتى )) .
((نكتة الفتوة: أن لا تشهد لك فضلًا، ولا ترى لك حقًّا)):
يقول ابن القيم - شارحًا كلام شيخ الإسلام الهروي -: ((يقول : قلب
الفتوة ، وإنسان عينها : أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك ، وتغيب
بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم .
والناس في هذا مراتب ؛ فأشرفها : أهل هذه المرتبة ، وأخسُّها :
عكسهم . وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم ، وشهود حقوقهم
على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم .
وأوسطهم : من شهد هذا وهذا ؛ فيشهد ما في العيب والكمال ،
ويشهد حقوق الناس عليه وحقوقه عليهم .
درجات الفُتُوَّة :
قال الهروي: (( وهي على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : تَرْك الخصومة ، والتغافل عن الزلَّة ، ونسيان
الأذيَّة)):
((هذه الدرجة من باب الترك والتخلي، وهي أن لا يخاصم أحدًا ؛ فلا
ينصب نفسه خصمًا لأحدٍ غيرها ، فهي خَصْمُه .
(١) مدارج السالكين ٣٤٣/٢.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/