النص المفهرس
صفحات 201-220
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس ٢٠١ عُلُوُّ الهِمَّة في الرغْبَة اعلمْ يا أخي أنَّ الرغبةَ ثمرةُ الرجاء ، وهي منه بالحقيقة ، والرجاء طمَعٌ ، والرغبة طلبٌ ، فَمَن رجا الشيءَ طلبَه ورغبَ فيه ، وكلُّ راجٍ راغبٌ ، وكلّ خائف هاربٌ . وقد أثنى الله على زكريًّا - عليه السلام - وبَيْتِهِ بها ، فقال تعالى : ... إنهمْ كانوا يُسارعُون في الخيراتِ ويدْعُونَنا وَغَبًا وَرَهَبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ الآية [ الأنبياء: ٩٠ ] . درجاتُ الرِغْبَة : قال شيخ الإسلام الهروي(١): والرغبة على ثلاث درجات : ((الدرجة الأولى: رغبةُ أهل الخبر : تتولَّدُ من العِلْم ، فتبعثُ على الاجتهادِ المَنُوطِ بالشُّهودِ ، وتصون السالِكَ عن وهْنِ الفَتْرة ، وتمنعُ صاحبَها مِنَ الرجوع إلى غَنَاثَةِ الرُّخَص )): وهي رغبة أهل الإِيمان المتولِّد مِن العلم والخَبر ، المتصل والمشرف على منزلة الإِحسان . وشهودُ هذا المقام الرفيع : أن تعبدَ الله كأنَّك تراه ، ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا . وتحقيق مقام الإِحسان : هو الفَنَاء المحمود ، وهو أن يَفْنى العابد بحبٍّ الله وخوفه ورجائه ، والتوكُّل عليه وعبادته ، والتبتُّل إليه عن غيره . وليس فوق (١) مدارج السالكين ٥٦/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٠٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ذلك مقام يُطلَب، إلَّا ما هو من عوارض الطريق . وهذه الرغبة تحفظ السالك عن وهْن فُتوره وكَسَله، الذي سبَّبه عدم الرغبة أو قلّتها . قال ابن القيم: ((وقوله: ((تمنع صاحبها من الرجوع إلى غَثَاثَة الُّخَص)): أهل العزائم بِناءُ أمرهم على الجدِّ والصدق ، فالسكون منهم إلى الرّخَص رجوعٌ وبطالة . وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل ليس على إطلاقه ؛ ((فإِنَّ الله يحبُّ أن يُؤْخَذَ بُرُخَصِهِ كما يُحبُّ أن يُؤْخذ بعزائمه)) (١) . وفي المسند مرفوعًا إلى النبي عَّ له: ((إن الله يحبُّ أن يُؤخَذ برخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته))(٢)؛ فجعل الأخذ بالرخص قُباله إتيان المعاصي . وجعل حظَّ هذا: المحبَّة، وحظَّ هذا: الكراهية. ((وما عَرَض للنبِّ عَّ له أمران، إلَّا اختار أيسَرَهما، ما لم يكن إثمًّا)). والرخصة أيسر من العزيمة ، وهكذا كان حاله في فطره وسفره ، وجمْعِه بين الصلاتين ، والاقتصار من الرباعية على ركعتين ، وغير ذلك . فنقول : الرخصة نوعان : النوع الأول : الرخصة المستقرَّة المعلومة من الشرع نصًّا : كأكْل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة ، وإن قيل لها : عزيمة ؛ باعتبار الأمر والوجوب ، فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة ؛ وكفطْر المريض (١) أخرج أحمد في مسنده، والبيهقي في سنته ، عن ابن عمر ، وما أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم؛ قال رسول الله عَ له: ((إن الله تعالى يحبُّ أن تُؤْتِى رُخَصُه كما يحبُّ أن تؤتى عزائمه)). صحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ( ١٨٨١ ). (٢) صحيح : أخرجه أحمد ، وابن حبان ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال رسول الله عَ اله:((إن الله تعالى يحبُّ أن تُؤْتِى رُخَصُه، كما يكره أن تؤتى معصيته )). وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع رقم ( ١٨٨٢ ) . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٠٣ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس والمسافر ، وقصْر الصلاة في السفر ، وصلاة المريض إذا شقَّ عليه القيام قاعدًا ، وفطْر الحامِل والمُرْضع خوفًا على ولديْهما ، ونكاح الأمة خوفًا من العنَت ونحو ذلك ، فليس في تعاطي هذه الرُّخص ما يُوهن رغبته ولا يردُّ إلى غَثاثةٍ ، ولا يُنقص طلبه وإرادته ألبتة ؛ فإن منها ما هو واجب ، كأكْل الميتة عند الضرورة ، ومنها ما هو راجح المصلحة ، كفطر الصائم المريض ، وقصر المسافر وفطره ، ومنها ما مصلحته للمترخّص وغيره . ففيه مصلحتان : قاصرة ومتعدِّية ، كفطر الحامل والمرضع . ففعْلُ هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها . النوع الثاني : رُخَصُ التأويلات ، واختلاف المذاهب : فهذه تَتَبُّعُها حرامٌ يُنقص الرغبة ، ويُوهِن الطلب ، ويرجع بالمترخّص إلى غثائة الرخص . فإنّ من ترخَّصَ بقول أهل مكة في الصَّرِّف ، وأهل العراق في الأشربة ، وأهل المدينة في الأطعمة ، وأصحاب الحِيَل في المعاملات ، وقوْل ابن عباس في المُتْعة، وإباحة لحوم الحُمُر الأهلية ، وقول مَن جوَّز نِكاح البغايا المعروفات بالبِغاء ، وجَوَّز أن يكون زوجَ قْبة ، وقوْل مَن أباح آلاتِ اللَّهو والمعازف ؛ من اليراع والطنبور والعُود والطبل والمزمار ... وقول من أباح الغناء ، وقول من جوّز استعارة الجواري الحِسَان للوطْءٍ، وقول من جوَّز للصائم أكل البَرَد ، وقال : ليس بطعام ولا شرابٍ ، وقول من جوَّز الأكْل ما بين طُلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم ، وقوْل من صحَّح الصلاة بـ ﴿ مُذْهامَّتَانِ﴾ بالفارسية ، وركَع كلحظة الطرف ، ثم هوى من غير اعتدال، وفصل بين السجدتين كَحَدِّ السَّيْف، ولم يصلِّ على النبي عَ ◌ّهِ، وخرج من الصلاة بحَبْقة ، وقول مَن جَوَّز وطءَ النساء في أعجازهنَّ، ونكاح بنته المخلوقة مِن مائه ، الخارجة من صلبه حقيقة ، إذا كان ذلك الحمْل مِن زِنا .. وأمثال ذلك من رُخَص المذاهب وأقوال العلماء - فهذا : الذي تنقص بترتُصه تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٠٤ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس رغبتُه، ويُوهن طلبه، ويلقيه في غثائة الرُّخَص. فهذا لوْنٌ والآخر لونٌ))(١). ((الدرجة الثانية : رَغْبةُ أربابِ الحال ؛ وهي رغبة لا تُبقي مِنَ المجهودِ مبذولًا، ولا تدَعُ للهِمَّة ذُبولًا، ولا تتركُ غير القصْدِ مأمولًا »: قال ابن القيم: (( يعني : أنَّ الرغبة الحاصلة لأرباب الحال فوق رغبة أصحاب الخبر ؛ لأن صاحب الحال كالمضطر إلى رغبته وإرادته ، فرغبته لا تدعُ منه مجهودًا مقدورًا إلَّا بَذَلَه، ولا تدَعُ لِهِمَّته وعزيمته فتْرةً ولا خمودًا، وعزيمتُه في مزيد بِعَدَدِ الأنفاس ، ولا تترك في قلبه نصيبًا لغير مقصوده ؛ وذلك لغَلَبة سلطان الحال . وصاحب هذا الحال لا يقاومه إلا حالٌ مثل حاله أو أقوى منه ، ومتى لم يصادفْه حالٌ تُعارضه، فله من النفوذ والتأثير بحسب حاله)). ((الدرجة الثالثة: رغبةُ أهل الشُّهُود؛ وهي تشرُّقٌّ يصحَبُه تقيَّة ، تحمله عليها هِمَّة نقيَّة ، لا تبقي معه من التفرّق بقيَّة)): وهو أن يفنى لمولاه بحبِّه وخوفه ورجائه وعبادته والتبتُّل إليه عن غيره ، يحمِلُه عليها مِمَّة نقيّة من أدناس الالتفات إلى ما سوى الحقِّ ، بحيث لا يبقى معه بقيّة من تفرقٍ ، بل قد اجتمع شاهدُه كلُّه وانحصر في مشهوده . وأراد بالشهود هاهنا : شهود الحقيقة . والتشُّف هاهنا : تشرُّف عن التفاته إلى ما سوى مشهوده . و(( التقيَّة)) التي تصْحَب هذا التشُّرف: يحتمل أن يريد بها التقيَّة من إظهار الناس على حاله ، واطِّلاعهم عليها ؛ صيانةً لها وغيْرةً عليها . ويحتمل أن يريد بها الحَذَرَ من التفاته في شهوده إلى ما سوى حَضْرةِ مشهوده ، فهي تتقي ذلك الالتفاتَ وتحْذَره كلَّ الحذَر . (١) مدارج السالكين ٥٧/٢ - ٥٨ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٢٠٥ ثم ذكَر الحامِلَ له على هذه الرغبة ، وهي اللطيفة المذْرِكة المريدة ، التي قد تطهّرت قبل وصولها إلى هذه الغاية ، وهي : الهِمَّة النقيَّة . ولو لم يحصل لها كمال الطهارة ، لَبقيتْ عليها بقيَّة منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة . والله سبحانه وتعالى أعلم ))(١). (١) مدارج السالكين ٥٩/٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل العاشر عُلُوُّ الهِمَّةِ في التَهْذِيبِ والتصْفِيَة تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٢٠٩ عُلُوُّ الهِمَّة في التهذيبِ والتصْفِيَة [ قال ابن القيِّم عن هذه المنزلة من منازل العبودية: ((هو سبْك العبودية في كِيرِ الامتحان ، طلبًا لإِخراج ما فيها من الخبَث والغشِّ ، وهو صعب على المبتدِئ ؛ فهو له كالمحنة ، وطريقة للمرْتاض الذي قد مرَّن نفسه ، حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه)). درجاتُ التهذيبِ والتَصْفِيَة : قال صاحبُ ((المنازل)) شيخ الإسلام الهرويُ الأنصاريُ: وهو على ثلاث درجات : ((الدرجة الأولى : تهذيبُ الخِدْمَة ؛ أنْ لا يخالجها جَهَالةٌ ، ولا يَشُوبها عادة ، ولا يقف عندها هِمَّة)): قال ابن القيم شارِحًا ومبيّنًا هذه الدرجة: (( أي : تخليص العبودية وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة ، وهي : مخالجة الجهالة ، وشوب العادة ، ووقوفُ همَّةِ الطالب عندها . النوع الأول : مخالجة الجهالة : فإن الجهالة متى خالطتِ العبودية ، أوردها العبد غير موردها ، ووضعها في غير موضعها، وفعَلَها في غير مستحقُّها ، وفعَل أفعالًا يعتقد أنها صلاح ، وهي إفساد لخدمته وعبوديته ، بأن يتحرّك في موضع السكون ، أو يسكن في موضع التحُّك ، أو يفرّق في موضع جمْع ، أو يجمع في موضع فْق ، أو يطير في موضع سفوف ، أو يُسفّ في موضع طيران ، أو يُقْدِمَ في مَوْضِع إحجامٍ ، تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس أو يُحْجِم في موضع إقدام.، أو يتقدَّم في موضع وُقوف ، أو يقف في موضع تقدُّم ، ونحو ذلك من الحركات التي هي حقُّ الخدمة ، كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس . فالخدمة ما لم يصحبها علْمٌ ثانٍ بآدابها وحقوقها ، غير العلم بها نفسِها ؛ كانت مظنَّةَ أَنْ تُبعِدَ صاحبَها ، وإنْ كان مراده بها التقُّب . ولا يلزم خُبوط ثوابها وأجْرها ، فهي إنْ لم تُبعده عن الأجر والثواب ، أبعدته عن المنزلة والقْبة ، ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلَّا بمعرفةٍ خاصَّة بالله وأمْره ، ومحبَّة تامَّةٍ له ، ومعرفةٍ بالنفس وما منها . النوع الثاني : شوْب العادة : وهو أن يُمازِج العبوديةَ حكمٌ من أحكام عوائد النفس تكون مُنْفِذة لها ، مُعينة عليها ، وصاحبها يعتقدها قْبةً وطاعةُ ، كَمَنِ اعتاد الصوم - مثلًا - وتمرّن عليه ، فألِفَتْه النفس ، وصار لها عادة تتقاضاها أشدَّ اقتضاء ، فيظنّ أن هذا التقاضي محضُ العبودية ، وإنما هو تقاضي العادة ؛ وعلامةُ هذا : أنه إذا عَرَض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتمَّ مصلحة ؛ لم تُؤْثِرها إيثارها لِمَا اعتادته وأُلِفَتْه، كما حُكِي عن بعض الصالحين قال: حَجَجْتُ كذا وكذا حَجَّة على التجريد ، فبان لي أنَّ جميع ذلك كان مشوبًا بحظّي ؛ وذلك : أن والدتي سألتني أن أستقى لها جَرْعةَ ماء، فثقل ذلك على نفسي ، فعلمتُ أن مطاوعة نفسي في الحجَّات كان بحظِّ نفسي وإرادتها ، إذْ لو كانت نفسي فانية ، لم يَصعُبْ عليها ما هو حقُّ الشرع . النوع الثالث : وقوفُ هِمَّته عند الخدمة : وذلك علامةُ ضعْفها وقصورها؛ فإنَّ العبد المحْض لا تقفُ هِمَّته عند خدمة ، بل هِمَّته أعلى من ذلك ؛ إذْ هي طالبة لرضا مخدومه ، فهو دائمًا مستصغِّرٌ خدمته له ، ليس واقفًا عندها ، والقناعة تُحمَد مِن صاحبها إلَّا في هذا الموضع ، فإنها عيْن الحرمان ، فالمحبُّ لا يقنع بشيءٍ دون محبوبه ، فوقوف تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١١ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس هِمَّةِ العبد مع خدمتها وأجرتها : سْقوط فيها وحرمان ))(١). ((الدرجة الثانية: تهذيبُ الحال؛ وهو أنْ لا يَجْنح الحالُ إلى عِلْم، ولا يخضع لرَسْمٍ ، ولا يلتفت إلى حظّ)): قال ابنُ القيِّم شارحًا وموضِّحًا للمبهَمَات من الألفاظ: ((أمَّا ( جُنوح الحال إلى العلم ) ؛ فهو نوعان : ممدوح ، ومذموم ؛ فالممدوح : التفاته إليه ، وإصغاؤه إلى ما يأمر به ، وتحكيمه عليه. فمتى لم يجنحْ إليه هذا الجنوح ، كان حالًا مذمومًا ناقصًا مبعِدًا عن الله ، فإنَّ كلّ حال لا يصحبه علم : يُخاف عليه أن يكون من خدَع الشيطان . وهذا القذْر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم ، وعلى أهل الثغور ثغورَهم ، وشرّدهم عن الله كُلّ مشردٍ ، وطردهم عنه كلَّ مطردٍ، حيث لم يحكّموا عليه العلمَ ، وأعرضوا عنه صفْحًا ، حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإِيمان وشرائع الإسلام . وهم الذين قال فيهم سيِّد الطائفة الجُنَيْد بن محمد ، لمَّا قيل له : أهل المعرفة يَصلُون إلى ترك الحركات من باب البر والتقُّب إلى الله ؟ فقال الجنيد : إن هذا كلام قومٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح ، وهو عندي عظيمة ، والذي يزني ويسرق أحسنُ حالًا من الذي يقول هذا ؛ فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها ، ولو بقيتُ ألفَ عام ، لم أُنقص من أعمال البِرِّ ذرّة؛ إلّا أن يُحَال بي دونها. وقال: الطُّرق كلُّها مسدودة على الخلق، إلَّا مَنِ اقتفى أثر الرسول عَّه . وقال : مَن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ، لا يقتدى به في طريقنا هذا؛ لأن طريقنا وعلمنا مقيَّد بالكتاب والسنة . (١) مدارج السالكين ٩٨/٢ - ٩٩. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس وقال : عِلْمنا هذا مشيَّد بحديث رسول الله ێ. والبليَّة التي عرضتْ لهؤلاء : أنَّ أحكام العلْم تتعلَّق بالعلم وتدعو إليه ، وأحكام الحال تتعلَّق بالكشْف ، وصاحب الحال تردُ عليه أمورٌ ليست في طَّوْر العلم ، فإِنْ أقام عليها ميزانَ العلم ومعيارَه ، تعارَضَ عنده العلمُ والحال ، فلم يجد بُدًّا من الحكم على أحدهما بالإِبطال . فمَن حصلت له أحوال الكشْف ، ثم جنَحَ إلى أحكام العلْم ، فقد رجَعَ القهقرَى ، وتأثّر في سيره إلى وراء . فتأمَّلْ هذا الوارد ، وهذه الشبهة التي هي سمَّ ناقع : تُخرج صاحبها من المعرفة والدين، كإخراج الشعْرة من العجين . واعلمْ أن هذه المعرفة الصحيحة هي رُوح العلم ، والحالُ الصحيح هو روح العمل المستقيم ، فكلّ حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقًا للعلم : فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة ، ولا يُنكر أن يكون لهذه الروح أحوال ، لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها ، فمتى عارض الحالَ حكْمٌ من أحكام العلم فذلك الحال إمَّا فاسد ، وإمَّا ناقص ، ولا يكون مستقيمًا أبدًا . فالعلم الصحيح والعمل المستقيم : هما ميزانُ المعرفة الصحيحة والحال الصحيح ، وهما كالبدَنَيْن لُرُوحَيْهما . فأحسن ما يُحمَل عليه قولُه: ((أن لا يَجْنَح الحالُ إلى العلم)): أنَّ العلم يدعو إلى التفرقة دائمًا، والحالُ يدعو إلى الجمعيَّة ، والقلب بين هذيْن الداعيَيْن ، فهو يُجيب هذا مرةً وهذا مرةً . فتهذيبُ الحال وتصفيتُه : أن يُجيب داعَ الحال لا داعي العلم ، ولا يلزم من هذا إعراضُه عنِ العلم ، وعدَمُ تحكيمه والتسليم له ، بل هو متعبِّد تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٣ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس بالعلم ، محكِّمٌ له ، مستسلم له ، غيرُ مجيب لداعيه من التفرقة ، آخذ من العلم ما يصحِّح له حالَه وجمعيَّته ، غيرُ مستغرقٍ فيه استغراقَ مَن هو مُطَّرِحٌ هِمَّته وغاية مقصده ، لا مطلوبَ له سواه ، ولا مرادَ له إلَّا إِيَّاه . فالعلم عنده آلةٌ ووسيلة ، وطريقٌ توصِّله إلى مقصده ومطلوبه ، فهو كالدليل بين يديْه ، يدعوه إلى الطريق ويدلَّه عليها ، فهو يُجيب داعِيَه للدلالة ومعرفةِ الطريق . وما في قلبه من ملاحظة مقصده ، ومطلبه من سيره وسفره ، وباعثُ هِمَّته على الخروج من أوطانه ومربَّه ومن بين أصحابه وخُلَطائه ، الحامل له على الاغتراب والتفُرّد في طريق الطلب - هو المسيِّر له والمحرّك والباعث ، فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزئيّات أحوال الدليل ، وما هو خارج عن دلالته على طريقه . فهذا مقصد شيخ الإسلام - إن شاء الله تعالى - لا الوجه الأول . والله سبحانه وتعالى أعلم . ولا يخضع لرَسْمِ : وأما قوله: ((ولا يخضع لرسمٍ)): أي لا يستولي على قلبه شيء من الكائنات ؛ بحيث يخضع له قلبه ؛ فإنّ صاحب الحال إنما يطلب الحَّ القيُّوم ، فلا ينبغي له أن يقفَ عند المَعَاهد والُّسوم . ولا يلتفت إلى حظٍّ : وأما قوله: ((ولا يلتفت إلى حظِّ)): أي إذا حصل له الحال التامُّ، لم يشتغل بفرحه به وحظه منه واستلذاذه ؛ فإن ذلك حظٍّ من حظوظ النفس ، وبقيَّة من بقاياها))(١). ((الدرجة الثالثة: تهذيبُ القصْد؛ وهو تصفيتُه مِن ذُلِّ الإِكراه ، وتحقُّظه مِن مرضِ الفُتور ، ونُصْرته على منازَعَات العلْم )) : قال ابن القيِّم: ((هذه أيضًا ثلاثة أشياء تُهذِّب قصدَه وتصفِيه : (١) مدارج السالكين ٩٩/٢ - ١٠١ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢١٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس أحدها: ((تصفيتُه من ذلِّ الإِكراه )): أي لا يسوق نفسَه إلى الله كرهًا كا لأجير المسخَّر المكلّف، بل تكون دواعي قلبه وجواذِبُه منساقة إلى الله طوْعًا ومحبَّةً وإيثارًا ، كجريان الماء في منحدره ، وهذه حال المحبِّين الصادقين ، فإن عبادتهم طوْعًا ومحبَّة ورضًا ، ففيها قرّة عُيونهم وسرور قلوبهم ، ولَّذِّة أرواحهم ، كما قال النبي عَ لِ: ((وجُعلت قرّة عيني في الصلاة)). وكان يقول: (( يا بلال ، أرحنا بالصلاة )) . فقرة عيْن المُحِبِّ ولذَّته ونعيم رُوحه في طاعة محبوبه ، بخلاف المطيع كرهًا ، المتحمِّل للخدمة ثِقلًا . وفي قوله: ((ذَلّ الإِكراه )) لطيفةٌ؛ وهي أنَّ المطيع كرهًا يرى أنه لولا ذُلُّ قهْره وعقوبة سيِّده له ، لَمَا أطاعه ، فهو يتحمَّل طاعته كالمكره الذي قد أَذَلَّه مُكْرِهُهُ وقاهِرُه ، بخلاف المحبِّ الذي يعدُّ طاعة محبوبه قوَّة ونعيمًا ولدَّةً وسُرُورًا ، فهذا ليس الحامِل له ذُلُّ الإِكراه . الثاني: ((تحفّظُه من مَرَض الفتور)) : أي توقّيه من مَرَض فُتور قصده، وخمود نار طلَبِه ؛ فإن العزم هو روح القصد ، ونشاطه كالصحّة له ، وفتوره مرض من أمراضه ، فتهذيب قصْده وتصفيته : بحِمْيَته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره ، وإنما يتحقَّظ منه بالحِمْية من أسبابه وهو أن يلهو عن الفضول من كلِّ شيءٍ ، ويحرِص على ترك ما لا يعنيه ، ولا يتكلّم إلّا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله ، ولا يصحب إلَّا مَن يُعينه على ذلك ، فإنْ بُلي بمَن لا يُعينه ، فلْيدرأَه عنه ما استطاع ويدفعه دفْعَ الصائل . الثالث : ((نصرة قصده على منازعات العلم)): ومعنى ذلك نصرة خاطر العبودية المخضة ، والجمعيَّة فيها والإقبال على الله فيها بكليَّة القلب ، على جواذب العلم ، والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفَضَلاته . فتهذيب القصْد وتجريدُه : أن قصده وعبوديته محبَّةٌ لله بلا علَّة ، وأن تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس ٢١٥ لا يحبَّ الله لِمَا يُعطيه ويحميه منه، فتكون محبَّته لله محبَّةَ الوسائل ، ومحبَّته بالقصد الأول لِمَا يَناله من الثواب المخلوق ، فهو المحبوب له بالدَّات ، بحيث إذا حصل له محبوبه تسلّى به عن محبة من أعطاه إِيَّاه ، فإن من أحبَّك لأمرٍ وَالَاك عند حصوله، ومَلَّكَ عند انقضائه))(١). فلا يجعل محبوبه تعالى وسيلةً له إلى غيره ، بل يجعل ما سواه وسيلةً له إلى محبوبه . (١) مدارج السالكين ١٠٢/٢ - ١٠٣. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com الفصل الحادي عشر عُلُوُّ الهِمَّةِ التحلِّي بحُسّنِ الخُلُقِ قالت عائشة عن خُلُق رسول الله عَّ: ((كان مُخُلُقه القرآن)) [ رواه الشيخان ] (( كُنْ مع الحقِّ بلا خَلْق ، ومعَ الخَلْقِ بلا نَفْسٍ)) [ الجيلاني ] https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس ٢١٩ عُلُو الهِمَّة في التحلِّي بحُسْنِ الخُلُق اعلمْ - هدانا الله وإِيَّاك - أنَّ ((الخُلُق الحسَن صفة سيِّد المرسلين، وأفضل أعمال الصِّدِّيقين ، وهو على التحقيق شطْر الدين ، وثمرة مجاهدة المتقين ، ورياضة المتعبدين . والأخلاق السيئة هي السمومُ القاتلة ، والمهلكات الدامغة ، والمخازي الفاضحة ، والرذائل الواضحة ، والخبائث المبعِدة عن جوار ربِّ العالمين ، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين ، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، كما أنَّ الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجِنان ، وجوار الرحمن . والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب ، وأسقام النفوس ، إلّا أنَّه مَرَض يُفوّت حياة الأبد ، وأين منه المرضُ الذي لا يُفرِّت إلّا حياة الجَسَد ؟! ومهما اشتدَّتْ عناية الأطبّاء بضبط قوانين العلاج للأبدان ، وليس في مرضها إلّا فوت الحياة الفانية ، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب - وفي مرضها فوت حياة باقية - أولى ، وهذا النوع من الطبّ واجب تعلُّمه على كلِّ ذِي لُبِّ ؛ إذ لا يخلو قلبٌ من القلوب عن أسقام ، لو أهملتْ تراكمتْ ، وترادفت العلل وتظاهرتْ ، فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها ، ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها ، فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى: ﴿قد أفلح مَن زكاها ﴾ [ الشمس : ٩] ، وإهمالها هو المراد بقوله: ﴿وقد خاب مَن دسَّاها﴾(١) [الشمس: ١٠]. وتزكية النفوس ، بالتحلِّي بالأخلاق الحسَنة ، والتخلِّي عن سيِّئها - مطلب عظيمٌ وربع الرسالة المحمدية(٢) ، ولذا أقسم الله عز وجل أحدَ عشر (١) إحياء علوم الدين ٥٣/٣. (٢) لقوله تعالى: ﴿ يتلو عليهم آياتِهِ ويزكِّيهم ويعلِّمُهُم الكتاب والحكمة تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٢٢٠ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس قسَمًا متتاليًا - لم تأت إلّا في موضع واحد من القرآن الكريم - على أنَّ الفلاح مَنوط بتزكية النفوس ؛ قال تعالى: ﴿ والشمسِ وضُحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلّاها والليل إذا يغشاها والسماءِ وما بناها والأرض وما طحاها ونفسٍ وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكَّاها وقد خاب من دسَّاها﴾ [الشمس: ١ - ١٠]. وقال سبحانه: ﴿قد أفلح مَن تزكَّى وذكر اسمَ ربِّه فصلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. وتزكية النفوس ملاك دعوة الرسل بعد التوحيد ؛ فهذا موسى عليه السلام يقول لفرعون: ﴿ هل لكَ إلى أن تزكَّى وأهديَك إلى ربِّك فتخشى ﴾ [ النازعات: ١٨ - ١٩ ] : وتزكية النفوس سببُ الفوز بالدَّرجات العلى والنعيم المقيم ، كما قال عز وجل : ومَن يأْتِهِ مؤمنًا قد عمل الصالحاتِ فأولئكَ لهمُ الدرجاتُ العُلى جناتُ عدٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء مَن تزكَى﴾ [ طه: ٧٥ - ٧٦ ] . وكان مِن دعائه عَّه: «اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنتَ خير مَن زكَّاها، أنتَ ولِيُّها ومولاها))(١) . وجعل النبي عَّ لم تزكية النفس إحدى الخصال الموجبة لذوْقٍ طعْم الإِيمان ، وفسَّر التزكية بإحدى مراتب الإِحسان ، وهو أعلى مقامات الدين ، وهو أنْ يعلمَ أن الله عزَّ وجل معه حيث كان ؛ قال رسول الله عَ اله: ((ثلاث مَنْ فَعَلَّهُنَّ فقد ذاق طعْمَ الإِيمان: مَن عَبَدَ الله عز وجل وحده بأنه لا إله إلا هو. وأعطى زكاةً ماله طيِّبة بها نفسُه في كلِّ عام، ولم يُعط الهَرِمة ، ولا الدرنة ، ولا المريضة ، ولكن مِن أواسط أموالكم ؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خيرها ، ولم يأمركم بشرها . وزكّى نفسَه)). فقال رجل : وما تزكية النفس ؟ فقال: (( أن يعلم أن الله عز وجل معه حيث. (١) أخرجه مسلم . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/