النص المفهرس

صفحات 61-80

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
٦١
وفي عصرنا :
الصدقُ مليكٌ مطرودٌ
لا جاهَ لديهِ ولا سلطانْ
سجنوہ دوامًا في قفصٍ
سرَقوا الأوسِمَةَ مَعَ الِيجانْ
صلَبوا أجنحةَ الطيرِ
وباعُوا الموتى والأكفانْ
قطعوا أوردة الصدقِ
ونصَبوا سْكًا للبهتانْ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
الفصل الثالث
عُلُوُّ الِهِمَّةِ
في
اليَقِينِ
هداةٌ دعاةٌ إلى ما أمَرْ
معَ الله طوعًا مع الله سوْقًا
يُثير بصيرتنا والبَصَرْ
مع الله والفيْضُ مِن قُدْسِهِ
فرارًا إليهِ ونِعمَ المفرْ
ونحيا ونحيا ونحيا الدهر
ويدفعُ أعماقَ إِيمانِنا
ونحيًا بِهِ ثمَّ نحيا لهُ
[ الأميري ]
((اليقينُ: الإِيمانُ كلُّه ))
[ الشعْبي ] .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

٦٥
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
عُلُوُّ الهمَّة في اليقين
(( اعلم يا أخي أن اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضَل العارفون
وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمَّر العاملون، وعمَلُ القوم إنما كان عليه وإشاراتُهم
كلُّها إليه ، وإذا تزوَّج الصبر باليقين: وُلِد بينهما حصول الإِمامة في الدين. قال
الله تعالى - وبقوله يهتدي المهتدون -: ﴿ وجعلنا منهمْ أئمةً يهدون بأمرٍنا
لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يُوقِنون ﴾ [السجدة: ٢٤].
وخصَّ سبحانه أهلَ اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين ، فقال - وهو أصدق
القائلين -: ﴿وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين ﴾ [ الذاريات: ٢٠] .
وخصَّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين ، فقال: ﴿ والذين
يُؤْمنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليكَ وما أنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وبالآخرةِ همْ يُوقنونَ = أولئك على
هدى من ربِّهم وأولئكَ هُمُ المُفلحون﴾ [ البقرة: ٤ - ٥ ].
وأُخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهلِ اليقين ، فقال تعالى: ﴿ وإذا
قيلَ إنَّ وعد الله حق والساعةُ لا ريبَ فيها قلتمْ ما ندري ما الساعةُ إِنْ نظنُّ
إِلَّا ظنًّا وما نحنُ بمستيقنين﴾ [الجاثية: ٣٢].
فاليقين روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح ، وهو حقيقة
الصِّدِّيقية، وهو قُطْب هذا الشأن الذي عليه مدارُه ))(١).
التوكّلُ ثُمَرَةُ اليقينِ :
و(« التوكُّل ثمرتُه ونتيجتُه، ولهذا حسُن اقترانُ الهدى به ؛ قال تعالى :
فتوكَّلْ على الله إنَّكَ على الحقِّ المبين﴾، [ القصص: ٧٩]. فالحقُّ هو اليقين ،
(١) مدارج السالكين ٣٩٧/٢
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٦
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس
وقالت رسُل الله: ﴿وما لنا ألَّا نتوكَّلَ على الله وقد هدانا سُبُلَنا .. ) الآية
[ إبراهيم : ١٢]. ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ
ريْب وشكِّ وسُخْط ، وهمٍّ وغمٍّ ، فامتلأ محبَّةً لله وخوفًا منه ، ورضًا به وشكرًا له ،
وتوكّلا عليه وإنابةً إليه ؛ فهو مادَّة جميع المقامات والحامل لها .
قال رسول الله عَ له: ((صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرُها
بالبخل والأمل ))(١).
وقال عَّله: ((نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخِرُها بالبخل
والأمل))(٢).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قلَّما كان رسول الله عَّلم يقوم
من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدَّعوات لأصحابه: ((اللهمَّ اقسمْ لنا مِن خشيتك
ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتِك ما تبلِّغنا به جنتكَ ، ومن اليقين ما
تُهُوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحبيْتَنا ، واجعلْه
الوارث منَّا ، واجعل ثأرنا على مَن ظَلمنا ، وانصرْنا على من عادانا ، ولا تجعلْ
مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ، ولا مبلغَ عِلْمِنا ، ولا تسلّطْ علينا من
لا يرحمنا))(٣).
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ((عليكم بالصدقِ فإنه معَ البر ،
وهما في الجنة ، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور ، وهما في النار، وسَلُوا الله المعافاة؛
فإنه لم يُؤْتَ أحدٌ شيئًا بعدَ اليقين خيرٌ من المعافاة ، ولا تَقَاطَعوا، ولا تدابروا،
(١) حسن: أخرجه أحمد في ((الزهد)) والطبراني في ((الأوسط))، والبيهقي في ((شُعب
الإيمان)) عن ابن عمرو، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الجامع)) رقم ٣٨٤٥.
(٢) حسن: رواه ابن أبي الدنيا في ((العقل وفضله واليقين))، عن ابن عمرو ، وحسَّنه
الألباني في (( صحيح الجامع )) رقم ٦٧٤٦ .
(٣) إسناده حسن: أخرجه الترمذي في الدعوات، والحاكم بلفظ قريب منه، وصحَّحه
ووافقه الذهبي وأورده البغوي في ((شرح السنة)) وابن أبي الدنيا في اليقين، وحسّنه
الألباني في «صحيح الجامع)) رقم ١٢٧٩، والشيخ شعيب الأرناؤوط .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ولا تحاسدوا، وكونوا عبادَ الله إِخوانا)) (١).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (( ياحبَّذا نوم الأكياس وإفطارهم ،
كيف يعيبون سهر الحمقى وصيامَهم ؟! ولَمثقال ذرّةٍ من برِّ ، من صاحب تقوى
ويقين ، أفضل وأرجح وأعظم ، من أمثال الجبال عبادةً من المغْترين))(٢).
قال أبو السريّ الباهلي: ((كان يُقال: الاهتمام بالعمل يُورث الفكرة ،
والفكرة تُورث العِبْرة ، والعِبزة تُورث الحَزْم ، والحزم يُورث العزْم ، والعزْم
يُورث اليقين ، واليقين يُورث الغِنى ، والغِنى يُورث الحبَّ، والحبُّ يُورث
اللِّقاء )).
وصحَّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((إنَّ الروح والفرج
في اليقين والرضا، وإنَّ الغمَّ والحزن مِن الشَّكِّ والسُّخْط)).
وكان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول: ((اللهمَّ هَبْ لنا
يقينًا بك حتى تهونَ علينا مصيباتُ الدنيا ، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كُتِب
علينا ، ولا يأتينا من هذا الرزق إلّا ما قسَمْتَ لنا به)).
وقال بلال بن سعد: ((عبادَ الرحمن، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار
لأَيَّام ◌ٍوال ، في دار زوال لدار مقام، ودار حزن ونصَبٍ لدار نعيم وخُلِدٍ ، ومَن
لم يعمل على اليقين فلا يعْتَر)). وفي رواية: ((فلا يتعنَّ)).
وقال رحمه الله: ((كأنَّا قومٌ لا يعقلون، وكأنَّا قومٌ لا يُوقنون)).
وقال رحمه الله: ((عباد الرحمن، أمّا ما وكَّلكم الله به فتضيِّعونه ، وأمَّا
ما تكفَّل لكم به فتطلبونه ، ما هكذا بعث الله عبادَه الموقنين . أُذَوُو عقولٍ في
(١) إسناده حسن : أخرجه ابن ماجه، وأحمد في مسنده ، وابن حبان ، والبخاري في
الأدب المفرد .
(٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ١٧١، وأبو نعيم في الحلية ٢١١/١ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٦٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
طلب الدنيا ، وبُلْهُ عمَّا خُلقتم له ؟! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدُّون من طاعة الله
عزَّ وجلّ ، فكذلك أشفِقُوا من عذابِ الله بما تنتهكون من معاصي الله عزَّ وجلَّ))(١).
وقال الحسن البصري: ((ما رأيتُ يقينًا لا شكَّ فيه ، أشبهَ من شكّ لا يقين
فيه ، من أمْرنا هذا )).
نعم ، كلُّنا قد أيقن بالموت ولا نرى له مستعدًّا ، وكلُّنا قد أيقن بالجنة ولا
نرى لها عاملًا، كلُّنا قد أيقن بالنار ولا نرى لها خائفًا. أُمَّتُنا آخر الأمم ، ورسولنا
عَ لِ آخر الرسل، وقد أُسرِعِ بخيارنا، فما ننتظر إلَّ المعاينة ؟!
قال الجُنيد : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغيّر
في القلب .
قال مالك بن دينار : أشهد كم أن يقيني شبكور(٢).
وقال : قد مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش من هو أفضل
منهم يقينًا .
وقال ابن عطاء : على قدرٍ قربهم من التقوى ، أدركوا من اليقين .
قال ابن القيم: وأصل ((التقوى)) مباينة النهي ، وهو مباينة النفس، فعلى
قدْر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين .
وقالوا : اليقين لا يساكن قلبًا فيه سكون إلى غير الله .
وقال السّريّ : اليقينُ سكونك عند جولان الموارد في صدرك ، لتيقُّنك أن
حر كتك فيها لا تنفعك ، ولا تردُّ عنك مَقضيًّا .
وقال أبو بكر الورَّاق : اليقينُ مِلاك القلب ، وبه كمال الإِيمان ، وباليقين
عُرف الله ، وبالعقل عُقل عن الله .
وقال ابن خفيف : هو تحقّق الأسرار بأحكام المغيَّيات .
وقال أبو بكر بن طاهر : العلم تعارضه الشكوك ، واليقين لا شكَّ فيه .
وقال ذو النون : اليقين يدعو إلى قِصَر الأمل ، وقِصَرُ الأمل يدعو إلى الزهد ،
(١) صفة الصفوة ٢١٨/٤ - ٢١٩، والحلية ٣٣١/٥
(٢) الشبكرة : هي العشي ، والشبكور هو الذي لا يبصر بالليل .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٩
والزهد يُورث الحكمة ، وهي تُورث النظر في العواقب .
اليقينُ : هلْ هوَ كَسْبٌّ ، أو مَوْهِبي ؟
قال ابن القيِّم: ((واخْتُلِفَ فيه : هل هو كسبِي أو موهبِي ؟
فقيل : هو العلم المستودَع في القلوب . يُشير إلى أنه غير كسبّ .
وقال سهل: ((اليقين من زيادة الإِيمان)). ولا ريب أن الإِيمان كسبي.
والتحقيق : أنه كسبِي باعتبار أسبابه ، موهبِي باعتبارِ نفسه وذاته )).
اليقينُ أَوَّلُهُ المكاشَفَة ، ثمَّ المُعَاينة والمشَاهَدَة :
قال ابن القيم: (( قيل: اليقين هو المكاشفة . وهو على ثلاثة أوجه :
مكاشفة في الأخبار .. ومكاشفة بإظهار القدرة . ومكاشفة القلوب بحقائق الإِيمان .
ومراد القوم بالمكاشفة : ظهور الشيء للقلب ، بحيث يصير نسبته إليه
كنسبة المرئِّ إلى العين ، فلا يبقى معه شكٌّ ولا ريب أصلًا . وهذا نهاية الإِيمان.
وهو مقام الإِحسان .
وقد يريدون بها أمرًا آخرَ ، وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم
واليقظة ، عند أوائل تجُّد الروح عن البدن .
ومَن أشار منهم إلى غير هذين ، فقد غلط ولُبِّس عليه .
قال سهل: ابتداؤه: المكاشفة، كما قال بعض السلف: ((لو كُشِف
الغطاء ما ازددتُ يقينًا)). ثم المعاينة والمشاهدة)) (١).
اليقينُ على ثلاثةِ أَوْجُهٍ : يقين خَبَرٍ ، ويقين دلالةٍ ، ويقين مُشاهَدَة :
قال ابن القيم: (( قال أبو بكر الوراق : اليقينُ على ثلاثة أوجه : يقين
خبرٍ ، ويقين دلالةٍ ، ويقين مشاهدةٍ .
(١) مدارج السالكين ٢ / ٣٩٨، ٣٩٩.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٠
=
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
يريد بيقين الخبر : سكون القلب إلى خبّر المخبر وتوثُّقه به .
وبيقين الدلالة: ما هو فوقه، وهو أن يُقيم له - مع وثوقه بصدْقه- الأدلَّة
الدالّة على ما أُخبِر به .
وهذا كعامَّة أخبار الإِيمان والتوحيد والقرآن ؛ فإنه سبحانه - مع كونه
أصدقَ الصادقين - يُقيم لعباده الأدلّة والأمثال والبراهين على صدق أخباره ،
فيحصل لهم اليقين من الوجهين ؛ من جهة الخبر ، ومن جهة الدليل ، فيرتفعون
من ذلك إلى الدرجة الثالثة، وهي: (( يقين المكاشفة )) ؛ بحيث يصير المخبَر
به لقلوبهم كالمرئيّ لعيونهم . فنسبة الإِيمان بالغيب حينئذٍ إلى القلب : كنسبة
المرئي إلى العين ، وهذا أعلى أنواع المكاشَفَة ، وهي التي أشار إليها عامر بن
عبد قيس في قوله: (( لو كُشف الغطاءُ ما ازددتُ يقينًا)). وليس هذا من كلام
رسول الله عَ ◌ّهِ، ولا من قول علِّي، كما يظنه من لا علم له بالمنقولات .
وقال بعضهم : رأيتُ الجنة والنار حقيقة . قيل له : وكيف ؟ قال :
رأيتُهما بعيْنِي رسول الله عَ لِّ، ورؤيتي لهما بعينيه: آثرُ عندي من رؤيتي لهما
بعينَي؛ فإن بصري قد يطغى ويَزيغ، بخلاف بصره عَ لّهِ .
و((اليقين)) يحمله على الأهوال وركوب الأخطار ، وهو يأمر بالتقدُّم
دائمًا ، فإن لم يقارنْه العلم ، حَمَلَ على المعاطب .
والعلمُ يأمُرُ بالتأخّر والإِحجام، فإن لم يصحبه ((اليقين))، قعَد
بصاحبه عن المكاسب والمغانم . والله أعلم ))(١) .
اليقينُ والحُضُور :
قال ابن القيم في ((المدارج)) (٣٩٩/٢ - ٤٠٠): ((وقد اختلف في
(١) مدارج السالكين ٤٠٠/٢ - ٤٠١
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧١
صلاح الأمة في عُلَوّ الهمة - المجلد الخامس
تفضيل اليقين على الحضور والحضور على اليقين .
فقيل : الحضور أفضل ؛ لأنه وَطَنات ، واليقين خطرات .
وبعضهم رجَّح اليقين ، وقال: هو غاية الإِيمان .
والأول رأى أن اليقين ابتداء الحضور ، فكأنه جعل اليقين ابتداءً ،
والحضور دوامًا .
وهذا الخلاف لا يتبيّن ؛ فإن اليقين لا ينفكُ عن الحضور ، ولا الحضور
عن اليقين ، بل في اليقين من زيادة الإِيمان ، ومعرفة تفاصيله وشعبه ، وتنزيلها
منازلها ؛ ما ليس في الحضور، فهو أكمل منه في هذا الوجه .
وفي الحضور من الجمعيَّة ، وعدم التّفْرِقة ، والدخول في الفناء ؛ ما قد
ينفكُ عنه اليقين ، فاليقين أخصُّ بالمعرفة ، والحضور أخصُّ بالإِرادة . والله
أعلم )).
قال النهر جوري : إذا استكمل العبدُ حقائقَ اليقين ، صار البلاء عنده
نعمةً ، والرخاءُ عنده مصيبة .
أخي ، العلم ما استعملك ، واليقين ما حملك . اليقينُ مركبٌ يركبُهُ
السائُرُ إلى الله ؛ فإنه لولا اليقينُ ما سار ركْبٌ إلى الله، ولا ثبتَ لأحدٍ قدمٌ في
السلوك إلّا به .
أَغْلامُ اليقين :
قال ذو النون: (( ثلاثة من أعلام اليقين :
قلة مخالطةِ الناس في العشرة .
وترك المذح لهم في العطيّة .
والتنُّه عن ذمِّهم عند المنْع .
وثلاثة من أعلامه أيضًا :
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٧٢
النظر إلى الله في كلِّ شيء .
والرجوعُ إليه في كلِّ أمْر .
والاستعانة به في كلِّ حال))(١).
درجَاتُ اليقين :
قال شيخ الإسلام الهروي ، الأنصاري: ((وهو على ثلاث درجات .
الدرجةُ الأولى : علْمُ اليقين :
وهو قُبُول ما ظهر من الحقِّ ، وقبول ما غاب للحقِّ ، والوقوف على ما
قام بالحق )).
قال ابن القيِّم في ((المدارج))، (٤٠١/٢ - ٤٠٣): ((ذكَر الشيخُ
في هذه الدرجة ثلاثةَ أشياء ، هي متعلّق اليقين وأركانه :
الأول : قبول ما ظهر من الحقِّ تعالى :
والذي ظهر منه سبحانه : أوامره ونواهيه وشرعه ، ودينه الذي ظهر لنا
على ألْسنة رُسُله ، فنتلقَّاه بالقبول والانقياد ، والإِذعان والتسليم للربوبية ،
والدخول تحت رقِّ العبودية .
الثاني : قبول ما غاب للحقّ :
وهو الإِيمان بالغيب الذي أخبر به الحقُّ سبحانه على لسان رسله ؛ من أمور
المعاد وتفصيله والجنة والنار . وما قبل ذلك ؛ من الصراط والميزان والحساب .
وما قبل ذلك ؛ من تشقّق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب ، ونسْف الجبال ،
وطِّي العالم ، وما قبل ذلك ؛ من أمور البرزخ ، ونعيمه وعذابه . فقبول هذا
(١) مدارج السالكين ٣٩٨/٢
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٣
صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
كله - إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا - هو اليقين ، بحيث لا يخالج القلبَ فيه شبهة
ولا شك ، ولا تناسٍ ولا غفلةٌ عنه ؛ فإنه إنْ لم يُهلِكْ يقينه أفسده وأضعفه .
الثالث : الوقوف على ما قام بالحقِّ سبحانه :
من أسمائه وصفاته وأفعاله : وهو علم التوحيد ، الذي أساسه : إثبات
الأسماء والصفات ، وضدُّه : التعطيل والنفي والتجَهُّم . فهذا التوحيد يقابله
التعطيل .
وأما التوحيد القصدي الإِرادي ، الذي هو إخلاص العمل لله ، وعبادته
وحده : فيقابله الشّرك . والتعطيلُ شرّ من الشرك ؛ فإن المعطِّل جاحِد للذات
أو لكمالها . وهو جحدٌ لحقيقة الإلهية ؛ فإن ذاًا لا تسمع ولا تُبصر ، ولا تتكلم
ولا ترضى ، ولا تغضب ولا تفعل شيئًا ، وليست داخل العالم ولا خارجه ، ولا
متصلة بالعالم ولا منفصلة ، ولا مجانبة له ولا مباينة له ، ولا مجاورة ولا مجاوزةً ،
ولا فوق العرش ولا تحت العرش ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا عن يمينه ولا عن
يساره - سواءٌ هي والعدم .
والمشرك مُقِّ بالله وصفاته ، لكنْ عَبدَ معه غيرَه ، فهو خير من المعطِّل
للذات والصفات .
فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحقِّ ؛ من أسمائه وصفاته ، ونعوت كماله ،
وتوحيده . وهذه الثلاثة أشرف علوم الخلائق : علم الأمر والنهي ، وعلم الأسماء
والصفات والتوحيد ، وعلم المعاد واليوم الآخر . والله أعلم )).
قال شيخ الإِسلام الهروي :
((الدرجة الثانية : عَيْنُ اليقين :
وهو المُغني بالاستدلال عن الاستدلال ، وعن الخبر بالعِيان ، وخَرَق
الشُّهودُ حجابَ العلْم )).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٤
صلاحِ الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم: ((الفرق بين علم اليقين وعيْن اليقين كالفرق بين الخبر
الصادق والعيان . وحقّ اليقين فوق هذا .
وقد مثَّلتُ المراتب الثلاثةَ بمَن أخبرك: أنَّ عنده عسلًا، وأنت لا تشكُّ في
صِدْقه ، ثم أراك إِيَّه ، فازددتَ يقينًا، ثم ذُقْتَ منه . فالأول : علم اليقين ،
والثاني : عيْن اليقين ، والثالث : حقُّ اليقين .
فعلْمُنا الآنَ بالجنة والنار : علم يقين . فإذا أُزلفتِ الجنة في الموقف
للمتقين وشاهدها الخلائق ، وبُرِّزت الجحيم للغاوين وعاينها الخلائق ، فذلك
عين اليقين . فإذا أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ ؛ فذلك حينئذ حقُّ
اليقين .
قوله: ((هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال)): يريد بالاستدلال :
الإِدراك والشهود ؛ يعني : صاحبه قد استغنى به عن طلب الدليل . فإنه إنما
يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول ، فإذا كان المدلول مشاهَدًا له ، وقد
أدركه بكشفه ، فأي حاجة به إلى الاستدلال ؟!
وهذا معنى: ((الاستغناء عن الخَبَر بالعِيان)).
وأما قوله: ((وخَرَق الشُّهودُ حجابَ العلْم)): فيريد به: أنَّ المعارف
التي تحصل لصاحب هذه الدرجة ، هي من الشهود الخارق لحجاب العلم ؛
فإن العلم حجابٌ عن الشهود . ففي هذه الدرجة يرتفع الحجاب ويُفضي إلى
المعلوم ، بحيث يُكافِح بصيرتَه وقلبَه مكافحةً )) .
قال شيخ الإِسلام الهروي :
(( الدرجة الثالثة : حَقُّ اليقين :
وهو إسفار صُبْح الكشف ، ثم الخلاص من كُلّفة اليقين ، ثم الفناء في
حقِّ اليقين )).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٥
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الخامس
قال ابن القيم في المدارج، (٤٠٤/٢ - ٤٠٦) ((اعلمْ أنّ هذه الدرجة
لا تُنال في هذا العالم إلّا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فإن نبينا عَ له
رأى بعينه الجنة والنار ، وموسى عليه السلام سمِعَ كلامَ الله - منه - إليه بلا واسطة ،
وكلَّمه تكليمًا، وتجلّى للجبل وموسى ينظر، فجعله دَكًّا هشيمًا.
نعم ، يحصل لنا حقّ اليقين من مرتبة ، وهي ذوْق ما أخبر به الرسول
عَدُ من حقائق الإيمان ، المتعلّقة بالقلوب وأعمالها ؛ فإن القلب إذا باشرها
وذاقها صارت في حقّه حَّ يقينٍ .
وأما في أمور الآخرة والمعاد، ورؤية الله جهرةً عِيانًا، وسماع كلامه حقيقة
بلا واسطة ، فحظّ المؤمن منه في هذه الدار : الإِيمان وعلم اليقين . وحُّ اليقين
يتأخّر إلى وقت اللقاء .
ولكنْ لمَّا كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء ، ويتحقّق شهود الحقيقة ،
ويصل إلى عين الجمع ، قال: ((حقُّ اليقين: هو إسفار صبح الكشْف)).
يعني: تحقُّقه وثبوته، وغَلَبة نوره على ظلمة ليل الحجاب ، فينتقل من
طور العلم إلى الاستغراق في الشهود ، بالفناء عن الرسم بالكلية .
وقوله: (( ثم الخلاص من كُلُّفة اليقين )) : يعني أنَّ اليقين له حقوق یجبُ
على صاحبه أن يُؤدِّيها ويقوم بها ، ويتحمَّل كُلَفها ومشاقُّها . فإذا فني في
التوحيد ، حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدًّا ، يصير فيها محمولا بعد أن
كان حاملًا ، وطائرًا بعد أن كان سائرًا، فتزول عنه كُلُّفة حمل تلك الحقوق ،
بل يبقى له كالنفَس وكالماء للسمك . وهذا أمرٌ التحاكُم فيه إلى الذوق
والإِحساس(١). فلا تسرعْ إلى إنكاره.
(١) قال الشيخ حامد الفقي: ((بشرط أن يكون خاضعًا كل الخضوع لهدي رسول الله عَ ليه،
وجاريًا على هدي رسالته متحريًا الاقتداء به وبأصحابه على عِلْم وبصيرة ، فليس كلّ ذوق
وإحساس . فما وقع مَن وقع في الهاوية إلَّا بتحكيمِ الذوْق والإِحساس)).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
وتأمل حال ذلك الصحابي(١) الذي أخذ تمْراتِه ، وقعد يأكلها على
حاجة وجوع وفاقة إليها ، فلمَّا عايَن سُوقَ الشهادة قامتْ ، ألقى قُوتَه من يده ،
وقال: ((إنها لَحياة طويلة، إن بقيتُ حتى آكل هذه التمرات)). وألقاها من يده،
وقاتل حتى قُتِل ، وكذلك أحوال الصحابة رضي الله عنهم ، كانت مطابقة لما
أشار إليه .
لكنْ بقيتْ نكتة عظيمة ، وهي موضع السجدة ، وهي أنّ فناءَهم لم يكن
في توحيد الربوبية ، وشهودٍ الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء ، بل في توحيد
الإلهية ، ففنوا بحبِّه تعالى عن حبِّ ما سواه ، وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم ،
فلم يكونوا عاملین علی فناء ، ولا إلى استغراق في الشهود ؛ بحیث یفْنُون به عن
مراد محبوبهم منهم ، بل قد فنوا بمراده عن مرادهم ؛ فهم أهل بقاء في فناء ، وفْق
في جمْع ، وكثرة في وحدة ، وحقيقة كونية في حقيقة دينية .
ولولاهُمُ ما اهتدينا السبيلا
هُم القومُ لا قوم إلَّا هُمُ
فنسبة أحوال مَن بعدهم - الصحيحة الكاملة - إلى أحوالهم ، كنسبة
ما يَرْشَح من الظرف والقِرْبة إلى ما في داخلها .
وأما الطريق المنحرفة الفاسدة : فسبيل غير سبيلهم ، والفضل بيد الله
يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم)).
الغِنى هو اليقين :
اجتمع حُذيفة المرعشي وسليمان الخوَّاص ، ويوسف بن أسباط ،
فتذا کروا الفقر والغنى، وسلیمان ساکت، فقال بعضهم: الغنّ من كان له بيت
يُكِنُّه ، وثوب يستره ، وسداد من عيش يكفّه عن فضول الدنيا . وقال
بعضهم : الغنّ مَن لم يحتَجْ إلى الناس . فقيل لسليمان : ما تقول أنت يا أبا أيوب ؟
فبكى ، ثم قال : رأيتُ جوامع الغِنى في التوكُّل ، ورأيتُ جوامع الشرِّ من
(١) الصحابي هو عُمير بن الحمام ، في بدر.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
القنوط ، والغنّ حقّ الغنى : من أسكن الله قلبَه مِن غناه يقينًا ، ومن معرفته
توكَّلًا، ومن عطاياه وقسْمه رضًا ، فذاك الغنّ حقّ الغنى ، وإن أمسى طاويًا
وأصبح مُعوِزًا . فبكى القوم جميعًا من كلامه .
أَمثلةٌ عَطِرةٌ على عُلُوِّ الِهِمَّة في اليقينِ والثقةِ بالله :
يزخر التاريخ بأمثلة عَطِرة على عُلُو الهِمَّة في اليقين والثقة بالله، نُوردها
على عُجالة :
نوحٌ عليهِ السَّلام :
قال تعالى: ﴿واتُلُ عليهمْ نبأ نوحٍ إِذْ قَالَ لقومِهِ يا قوم إِنْ كانَ كبُرَ
عليكم مقامي وتذكيري بآياتِ الله فعلى الله توكَّتُ فأجمعُوا أَمْرَكم وشركاءَ كم
ثُمَّ لا يكنْ أَمْرُكُم علیکمْ غُمَّةً ثمَّ اقضوا إلَي ولا تُنظرون﴾ [ يونس: ٧١ ].
بعد الصبر الجميل والعناء الكريم ، والإِنذار الطويل والتذكير الطويل ، وبعد
التكذيب الطويل ، كانت حلْقة التحدِّي الأخير ، وهو تحدٍّ صريحٌ مثير، ليسَ
غرورًا ، وليس كذلك تهُّرًا ، وليس انتحارًا، إنما هو تحدِّي القوة الحقيقية الكبرى
للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإِيمان .
لقد كان مع نوح : الإِيمانُ واليقينُ الذي يتضاءل أمامه الكثرة ، ويعجز
أمامه التدبير . لقد كان معه الله الذي لا يدع أولياءَه لأولياء الشيطان .
وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله .. وإنه لَينبغي لهم
أن تمتلئ قلوبُهم بالثقة حتى تفيض ، وإن لهم أن يتوكِّلوا على الله وحده في وجه
الطاغوت أيًا كان . ثم تكون الغلبة للمؤمنين . هذه سنة الله في الأرض ، وهذا
وعده لأوليائه فيها ، فإذا طال الطريق على العُصْبة المؤمنة مرّة ، فيجب أن تعلم
أن هذا هو الطريق ، وألا تستعجل وعد الله حتى يجيء ، وهي ماضية في الطريق ..
والله لا يخدع أولياءه - سبحانه - ولا يعجز عن نصرهم بقوته ، ولا يسلِّمهم
كذلك لأعدائه ، ولكنه يعلِّمهم ويدربهم ويزوِّدهم بزادٍ الطريق .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٧٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
هودّ عليهِ السلام :
يقصُّ الله مَقالة قومه له وردَّه عليهم: ﴿ قالوا يا هودُ ما جئتَنَا بِبَيِّةٍ وما
نحنُ بتاركي آلهتنا عن قولِكَ وما نحنُ لكَ بمؤمنين إن نقولُ إلّا اعتراك بعضُ
آلهتنا بسُوءٍ قال إني أُشهدُ الله واشهدوا أني بريءٌ ممَّا تشرٍكون من دُونِهِ
فكيدوني جميعًا ثمَّ لا تُنظرون إني توكَّتُ على الله ربِّي وربّكمْ ما مِن دابَّةٍ إلَّا
هو آخذٌ بناصيتِها إنَّ ربّي على صراطٍ مستقيم﴾ [ هود: ٥٣ - ٥٦ ]. هذه ثقة
الإِيمان ويقينُه واطمئنانه ، وهذه عِزَّة الإِيمان واستعلاؤه .
إنّ الإِنسان لَیدهشُ لرجل فردٍ یواجه قومًا غلاظًا شدادًا حمقی ، یبلغ بهم
الجهل أن يعتقدوا أنَّ هذه المعبودات الزائفة تمَسُّ رجلًا فيهذي ، ويروا في الدعوة
إلى الله الواحد هَذَيانًا من أثرِ المسِّ !! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين
بآلهتهم المفتراة هذه الثقة ، فيسفُه عقيدَتهم ويقرعهم عليها ويؤنِّهم ؛ ثم يُهيج
ضراوتهم بالتحدي ، ولا يطلب مهْلة ليستعدَّ استعدادهم، ولا يدعهم يتريَّثون
فيفئأ غضبهم !! ولكن الدهشة تزول حين يتدبَّر العامِلَ والسَبَبَ .. إنه اليقين والثقة ..
اليقين الذي يَغمُرُ القلب ، والثقة بوعده ، واليقين الذي يخالط القلب، فإذا وعْدُ
الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشكُّ فيها لحظة، وحاضر واقع تتملّاه
العين والقلب ... ويبلغ الغاية من اليقين بقوله: ﴿إنّ ربي على صراطٍ مستقيم﴾.
خليلُ الرحمن إبراهيم عَّهِ: أُنموذجٌ عَطِرٌ وعالٍ لليقين بالله :
وأنّ موقف من مواقف الخليل لم يكن عُلُوَّ همة في اليقين ؟! بل والله إنه
اليقين الذي يمشي على الرِّجْل ، وإنْ شئتَ فقل : كان خلُقُه اليقين في محاجَّته
لقومه: ﴿وحاجَّهُ قومُه قالَ أتحاجُونّي في الله وقد هدانٍ ولا أخافُ ما تُشر كونَ
به إلا أن يشاءَ ربي شيئًا وسِعَ رمِّ كلَّ شيء علمًا أفلا تتذكَّرون و کیف أخافُ
ما أشركتمْ ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لمْ ينزّل بِهِ عليكمْ سلطانًا فأتّ
الفريقَيْن أحقُّ بالأمْنِ إنْ كنتمْ تعلمون الذين آمنوا ولمْ يَلِسوا إيمانَهمْ بظلمٍ أولئكَ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوٌّ الهمة - المجلد الخامس
٧٩
لهُمُ الأمنُ وهمْ مهتدون﴾ [ الأنعام: ٨٠ - ٨٢] .
وهكذا واجه إبراهيمُ - الذي مِلْؤُه اليقين، الذي يُحسُّ بعناية الله له ونعمه
عليه في قلبه وعقله ، وفي الوجود كلِّه مِن حوله - قُوى الشَّرَّ. كيف يخاف
مَن عنده هذا اليقين ؟! كيف يخاف مَن وجد الله ؟ وماذا يخاف ؟! ومَن ذا يخاف ؟!
وقوله لقومه: ﴿أفرأيتمْ ما كنتمْ تعبدونَ أنتمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقدمونَ فإِنهم
عدوٌّ لي إلا ربّ العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يُطعمني ويسقين
وإذا مرضتُ فهو يشفين والذي يُميتني ثم يُحيين والذي أطمعُ أنْ يغفر
لي خطيئتي يومَ الدين﴾ [ الشعراء: ٧٥ - ٨٢ ] .
يجاهر بعدائه لآلهتهم ، ثم يُثني على ربِّه ، ويأخذ في صفته ، وصلته به
في كلِّ حالٍ وفي كلِّ حين ، فنجد اليقين كلّ اليقين ، والقربى الوثيقة ، والصلة
النديَّة ، والشعور بقدرة الله وآلائه في كلِّ حركة ونأمة ، وفي كلِّ حاجة وغاية .
ونستشعر من صفة إبراهيم لربه ، أنه يعيش بكيانه كلِّه مع ربه ، وأنه يتطلع
إليه في ثقة، ويتوجه إليه في حبٍّ .. يقين يملأ على إبراهيمَ قلبَه ومشاعره وجوارحه ..
واستسلام مطلَق في طمأنينةٍ وراحةٍ ويقين .
وقوله لقومه : ﴿وقالَ إنَّما اتخذثُمْ من دُون الله أوثانًا مودة بينكم في
الحياةِ الدنيا ثمَّ يومَ القيامةِ يكفُرُ بعضُكمْ ببعضٍ ويلعنُ بعضُكُمْ بعضًا وماواكم
النارُ وما لكمْ مِن ناصرين﴾، [العنكبوت: ٢٥].
ويبدو هذا اليقين في هذه الآيات: ﴿وتالله لأُكيدَنَّ أصنامَكُمْ بعدَ أنْ
تولُّوا مُذبرينَ * فجعَلَهُمْ جُذاذًا إلَّا كبيرًا لهم لَعَلَّهِمْ إِليهِ يَرجعون﴾، [ الأنبياء:
٥٧ - ٥٨ ] .
ثم استهزاؤه بأوثانهم يدلّ على يقينه بربِّه: ﴿قالوا ءَأنتَ فعلتَ هذا بآلهتنا
يا إبراهيم قالَ بْ فعَلَهُ كبيرُهم هذا فاسْألوهم إنْ كانوا ينطقون﴾، [الأنبياء:
٦٢ - ٦٣ ] .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٨٠
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ويتجلّ الموقف الأكبر ليقينه وتوكُّله وثقته على ربِّه ، حينما يُلقونه في
النيران ؛ يبدو له جبريل ويقول له : ألك حاجة ؟ فيلقاه : أما إليك فلا . ثم
يردِّد نشيده العُلوي: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) .. كل موقف من مواقف
الخليل ملؤه اليقين والثقة والتوكَّل ... إلقاء طفله الرضيع وزوجه في البريّة ..
همُّه بذبح ولده .. فلله دُّه ! وصلوات ربي وسلامه عليه .
صِّلىالله
كليمُ الله موسى عد له :
قال الله تعالى: ﴿ فَلمَّا تراءا الجمعان قالَ أصحابُ موسى إِنَّا لَمُدرَكُون *
قال كلَّا إِنَّ معَيَ ربِي سَيَهْدين﴾، [الشعراء: ٦١ - ٦٢ ].
دلائل الحال كلها : أنْ لا مفرّ والبحرُ أمامَهم والعدوُّ خلفَهُم ، وبلغ
الكْب مداه ، وإنْ هي إلا دقائقُ تمُّ ثمَّ يهجم الموت ولا مناصَ ولا مُعينَ ، ولكنَّ
موسى الذي تلقَّى الوحي من ربِّه ، لا يشكُّ لحظة، ومِلْءُ قلبه الثقة بربه واليقين
بعونه ، والتأكَّد من النجاة ، وإن كان لا يدري كيف تكون ، فهي لا بدَّ كائنة ،
والله هو الذي يوجِّهه ويرعاه . ﴿ كلًّا﴾: في شِدَّة وتوكيد ، كلّ لن نكون
مُذْرَكين . كلًّا لن نكون هالكين . كلّا لن نكون مفتونين . كلّا لن نكون
ضائعين : ﴿ كلّا إن معي ربي سيهدين ﴾ بهذا الجزم والتأكيد واليقين.
وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرْب ، وينفتح
طريق النجاة من حيث لا يحتسبون .
رسولُ الله عَ ◌ّهِ القمَّة في عُلُوِّ الهمَّة:
ومَن كرسولِ الله عَ له، حينما يَشتَدُّ الكرب يبدو يقينُه مثالًا يُحتذى ...
ولا كرْب أشدُّ من ساعة الهجرة ؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا تنصروه فقد نصره الله
إذْ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنَيْنِ إذ هما في الغار إذْ يقولُ لصاحبه لا تحزن
إنَّ الله معنا فأنزل الله سكينتهُ عليه وأَيَّده بجنود لم تروها وجعَلَ كلمة الذين
كفروا السُّفْلَى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم ﴾ [ التوبة : ٤٠ ].
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/