النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
وتخطئ : فالأخذ بها عندهم عين البطالة ، منافٍ للصدق )).
الدرجة الثالثة: (( الصدق في معرفة الصدق ؛ فإن الصدق لا يستقيم -
في علم أهل الخصوص - إلّا على حرف واحد ، وهو أن يتفق رضا الحق بعمل
العبد أو حاله أو وقته ، وإيقان العبد وقصده: بكون العبد راضيًا مرضيًا، فأعماله
إذن مُرضية، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإنْ كان العبد كُسي ثوبًا
مُعَارًا ، فأحسن أعماله : ذنب ، وأصدق أحواله : زُور ، وأصفى قصوده :
قُعُود )).
قال ابن القيم: ((يعني أن الصدق المتحقّق إنما يحصل لمَن صدق في معرفة الصدق،
فكأنه قال : لا يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق .
ثم عَرَّف حقيقة الصدق ، فقال: (( لا يستقيم الصدْق - في علم أهل
الخصوص - إلّا على حرف واحد ، وهو أن يتفق رضا الحق بعمل العبد ، أو
حاله ، أو وقته ، وإيقانه ، وقصده )). وهذا مُوجب الصدق وفائدته وثمرته .
فالشيخ ذكَر الغاية الدالّة على الحقيقة التي يُعرف انتفاء الحقيقة بانتفائها ،
وثبوتها بثبوتها ؛ فإن العبد إذا صدق الله ، رضي الله بعمله وحاله ويقينه وقصده ،
لا أن رضا الله نفس الصدق ، وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه سبحانه ، ولكن
مِن أين يعلم العبد رضاه ؟!
فمن هاهنا كان الصادق مضطًّا - أشدَّ ضرورة - إلى متابعة الأمر ،
والتسليم للرسول عَ له ، في ظاهره وباطنه، والاقتداء به والتعبد بطاعته في كل
حركة وسكون ، مع إخلاص القصد لله عز وجل ؛ فإن الله تعالى لا يرضيه من
عبده إلا ذلك ، وما عدا هذا ففوتُ النفس، ومجرَّد حظّها واتباع أهوائها ، وإن
كان فيه من المجاهدات والرياضات والخلَوات ما كان . فإن الله سبحانه وتعالى
أبى أن يقبل من عبده عملًا أو يرضى به، حتى يكون على متابعة رسوله عَ ◌ّةٍ،
خالصًا لوجهه سبحانه .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر السالكين ، بل يستوحش في طريقه ،
وذلك لقلَّة سالكها؛ فإن أكثرهم سائرون على طُرُق أذواقهم ، وتجريد أنفاسهم
لنفوسهم ، ومتابعة رسوم شيوخهم . والصادق في وادٍ ، وهؤلاء في واد .
وقوله: ((فيكون العبد راضيًا مرضيًّا)): لأنه قد رضي بالله ربًّا، وبالإِسلام
دينًا، وبمحمد عَّ له رسولًا. فرضي الله به عبدًا. وأعمالُه إذن مَرضية لله ، وأحواله
صادقة مع الله ، وقصوده مستقيمة على متابعة أوامر الله عز وجل .
وقوله : ((وإن كان العبد كُسِيَ ثوبًا معارًا، فأحسن أعماله : ذنب ،
وأصدق أحواله : زور ، وأصفى قصوده : قعود)) : هذا يُراد به أمران :
أحدهما : أن يُكسى حِلْية الصادقين ، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم
وأرواحهم ، فتَوْب الصدق عارية له ، لا مِلْكٌ له، فهو كالمتشبع بما لم يُعْطَ.
فإنه كلابس ثوبي زُور ، فهذا أحسن أعماله : ذنب يُعاقبُ عليه ، كما يعاقب :
المقتول في الجهاد ، والقارئ القرآن المتنسِّك ، والمتصدِّق ، ويكونون أوَّل مَن
تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة ، لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين . وهذا
معنَى صحيح ...... )) (١).
معاني الصدق وعلوُّ الهمَّة فيها :
الصدق الأول : الصدق في القول :
قال الجنيد: ((حقيقة الصدق : أن تصدُق في موطن لا يُنجيك منه إلا
الكذب )).
وقالوا : عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرُّك ؛ فإنه ينفعك ، ودَع
الكذب حيث ترى أنه ينفعك ؛ فإنه يضرّك .
(١) مدارج السالكين ٢٧٩/٢ - ٢٨٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
٤٣
قال ابن مسعود : لا يصلح الكذب في هزل ولا جدّ، ولا أن يَعِدَ أحدُكم
حبيبه شيئًا ثم لا يُنجزه به .
قال إسماعيل بن عُبيد الله المخزومي : أمرني عبد الملك بن مروان أن
أُعلِّم بنيه الصدقَ كما أعلِّمهم القرآن ، وأن أجنِّبهم الكذب وإن كان فيه القتل .
عمر بن عبد العزيز :
كلَّم عمر بن عبد العزيز الوليد في شيءٍ ، فقال له : كذبتَ . فقال عمر :
ما كذبتُ مذْ علمتُ أن الكذبَ يَشين صاحبَه .
وقال مطرَّف بن طريف : ما أحبُّ أني كذبتُ وأنَّ لي الدنيا وما فيها .
إياس بن معاوية :
قال إياس رحمه الله : ما يسرُّني أَني كذبتُ كَذبة فغفرها الله عز وجل
لي وأُعطى عليها عشرة آلاف درهم ، ويعلم بها أبي معاوية بن قّة . يعني إِجلالًا
لأبيه لا يطلع عليه .
قال الفضيل بن عياض : ما من مضغة أحبُّ إلى الله من لسان صدوق ،
وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب .
وقال أبو سليمان : اجعل الصدق مَطِيَّتَك ، والحقّ سيفَك ، والله تعالى
غايةَ طلْبتك .
وقال أيضا : مَن كان الصدق وسيلته ، كان الرضا من الله جائزته .
وقال ذو النون المصري : الصدق سيف الله في أرضه ، ما وُضِع على شيء
إلا قطعَه .
ولهذا الصدق كمالات :
منها : الاحتراز عن المعاريض .
ومنها : أن يُراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربَّه ، كقوله :
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٤
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الخامس
وجَّهتُ وجهي للذي فطر السمواتِ والأرض ﴾ ؛ فإن كان قلبه منصرفا
عن الله مشغولا بأماني الدنيا وشهواتها ، فهو كذب. وكقوله: ﴿إِيَّاك نعبدُ﴾.
فإذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله، لم يكن كلامُه صِدقًا ،
فكان عبْدًا لنفسه، أو عبدًا للدنيا أو عبدًا لشهواته ؛ وفي الحديث: ((تعِسَ عبدُ
الدرهم ، تعِسَ عبدُ الدينار .. )). فسمَّى كُلَّ مَن تقيَّد بشيء فهو عبدٌ له . فالعبد
الحقُّ من أُعتق أوّلًا من غير الله فصار حرًّا ، فتحلّ في قلبه العبودية لله . فالعبد الحق
الذي وجوده لمولاه لا لنفسه ؛ وهذه درجة الصِّدِّيقين، ((عبد ذاهب عن نفسه))،
كما قال الجنيد : الحرية عن غير الله .
الإِمامُ القدوةُ ، الولُي الرِبَّاني، أبو مريم الغَطَفاني : ربعُّ بنُ حِراش ؛ بلَغ
الغايَةَ في الصِّدْق فيُنجِّي الله ولَدَيْه بصدقه :
كان ربعي من ((أشجع))، زعم قومه أنه لم يكذبْ قطُ (١) .
((قال الأصمعي : أتى رجلٌ الحجَّاجَ ، فقال: إن ربعَّ بن حِراش زعموا
لا يكذب ، وقد قدِم ولداه عاصِيَيْن . قال : فبعث إليه الحجاج ، فقال: ما فعل
ابناك ؟ قال : هما في البيت ، والله المستعان. فقال له الحجّاج بن يوسف: هُما
لك. وأعجبه صِدْقه))(٢) .
فلله درُّه من صادقٍ وفّى بصدْقِهِ إلى الممات !!
عن الحارث الغنوي ، قال: (( آلى ربعي بن حراش أن لا تفترَ أسنانُه
ضاحكًا ، حتى يعلم أين مصيره . قال الحارث : فأخبرَ الذي غسَّله أنه لم يزل
متبسِّمًا على سريره ونحن نغسِّله ، حتى فرغنا منه. رحمة الله عليه))(٣) .
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر ١٠١/٦ ب .
(٢) السير ٣٦٠/٤.
(٣) السير ٣٦١/٤ .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٥
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
الربيعُ بن حِراش : العبد الصالحُ الذي تكلّم بعد الموت :
((عن عبد الملك بن عُمير عن ربعي قال: كنَّا أربعة إخوة ، فكان الربيع
أكثرنا صلاةً وصيامًا في الهواجر ، وإنه تُوفّي ، فبينا نحن حَوْله قد بعثنا من يبتاع
له كَفَنَّا ؛ إذْ كشف الثوب عن وجهِهِ ، فقال : السلام عليكم . فقال القوم :
عليكم السلام يا أخا عيسى ، أَبعْدَ الموت ؟ قال: نعم ، إني لقيتُ ربي بعدكم ،
فلقيتُ ربَّ غيرَ غضبانَ ، واستقبلني بروحٍ وريحان وإستبرقٍ ، ألا وإن أبا القاسم
ينتظر الصلاة علّ فعجِّلوني. ثم كان بمنزلة حصاة رُمي بها في طسْتٍ))(١).
وفي رواية: (( .... وَعَدتُ رسولَ الله عَّ ◌ُلِّ أن لا يذهبَ حتى أُدركَه .
قال : فما شبَّهتُ خروجَ نفسِهِ إلَّا كحصاة ألقيتْ في ماءٍ فَرَسَبتْ)).
الجيلاني : يتوبُ على يديْه وهو طفلٌ قُطَّعُ الطريقِ بِصدْقِه :
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: بنيتُ أمري على الصدق ؛ وذلك
أني خرجتُ من مكة إلى بغداد أطلب العلم ، فأعطتني أمي أربعين دينارًا ،
وعاهدتْني على الصدق . ولمّا وصلنا أرض (همدان ) خرج علينا عربٌ ، فأخذوا
القافلة ، فمَّ واحد منهم ، وقال : ما معك ؟
قلتُ : أربعون دينارًا ، فظنَّ أني أهزأ به ، فتركني . فرآني رجلٌ آخر ،
فقال : ما معك ؟ فأخبرتُه ، فأخذني إلى أميرهم ، فسألني فأخبرتُه ، فقال :
ما حَمَلَك على الصدق ؟
قلتُ : عاهدتني أمي على الصدق ؛ فأخاف أن أخون عهدها . فصاح
باكيًا ، وقال : أنت تخاف أن تخون عهدَ أمِّك ، وأنا لا أخاف أن أخون عهد
الله !! ثم أمَر بَرَدِّ ما أخذوه من القافلة ، وقال : أنا تائبٌ لله على يديْك . فقال
مَن معه : أنت كبيرُنا في قطع الطريق ، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة . فتابوا جميعًا
(١) الحلية ٣٦٧/٤، ٣٦٨ والسير ٣٦١/٤، ورجالُ إسنادِه ثقات، ورواه عن عبد الملك
غيرُ واحد .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
ببركة الصدق وسببه .
الصدقُ الثاني : الصِّدْقِ فِي النَّةِ والإِرَادَة :
وذلك يرجع إلى الإِخلاص ، وهو أن يكون لا باعثَ له في الحَرَكَات
والسَّكَنات إلّا الله تعالى ، فإنْ مازجه شوْبٌ من حظوظ النفس بطل صدق النية ،
وصاحِبُه يجوز أن يُسمَّى كاذبًا . ففي حديثِ ( أولُ من تُسَعَّر بهم النار ) :
((كذبتَ، بل أردتَ أن يُقال: فلان عالم )). فإنه لم يكذبْه ولم يقلْ له : لمْ
تعمل . ولكن كذَّبه في إرادته ونيّته ، قال تعالى عن المنافقين: ﴿ والله يشهدُ
إِنهم لكاذبون ﴾ .
فمن شهد في إخلاصه الإِخلاصَ ، احتاج إخلاصُه إلى إخلاص .
الصدقُ الثالث : الصدقُ في العَزْمِ :
فإنَّ الإِنسان قد يقدِّم العزمَ على العمل ، فيقول مثلًا في نفسه : إنْ رزقني
الله مالا تصدَّقتُ بجميعه . وهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه ، وهي عزيمة
جازمة صادقة ، وقد يكون في عزمه نوعُ مَيْلٍ وتردُّدٍ وضعْفٍ يُضادُّ الصدق في
العزيمة .
والصادق في عزمه : هو الذي تصادِف عزيمته في الخيرات كلها قوةً تامَّةً
ليس فيها ميْل ولا ضعف ولا تردُّد ، بل تسخو نفسه أبدًا بالعزْم المصمِّم الجازم
على الخيرات، وهو كما قال عمر رضي الله عنه: ((لَأَنْ أقدَّم فتُضْرَب عُنقي ،
أحبُّ إِلَّي من أنْ أَتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه )) .
ومراتب الصِّدِّيقين في العزائم تختلف ؛ فقد يصادف العزم ولا ينتهي به إلى
أن يرضى بالقتل فيه ، ولكن إذا خُلِّي ورأيه لم يقدّم ، ولو ذكر له حديث القتل
لم ينقض عزمه ، بل في الصادقين والمؤمنين مَنْ لو خُيِّر بين أن يُقتَل هو أو أبو
بكر ، كانت حياته أحبَّ إليه من حياة أبي بكر الصديق .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي
مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٤٧
الصِّدْق الرابعُ : الصدقُ في الوفاءِ بالعَزْم :
فإن النفسَ قد تسخو بالعزمِ في الحالِ ؛ إذ لا مشقَّة في الوعد والعزم ،
فإذا حُقَّت الحقائق ، وهاجت الشهوات ، انحلَّتِ العزيمة ولم يتحقَّق الوفاء
بالعزم .
قال تعالى : ﴿مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليهِ فمنهمْ مَن
قضى نحْبَهُ ومنهمْ من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾ [ الأحزاب: ٢٣].
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : ((عمِّي أنس بن النضر - سُمِّيتُ به -
لم يشهد بدرًا مع رسول الله عَ ليه ، فكبر عليه، فقال : أول مشهد قد شهده
رسول الله عَ لّه غبتُ عنه !! أما والله، لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله عَليه،
لَيرينَّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله عَ ◌ّه يوم
أحدٍ ، من العام المقبل ، فاستقبله ، فقال : يا أبا عمرو ، إلى أين ؟ قال : واهًا
لريح الجنة !! أجدها دون أُحد . فقاتل حتى قُتِل، فُوُجد في جسده بضعٌ
وثمانون ؛ من بين ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ . قالت عمَّتي الرُبِّع بنتُ النضْر : فما
عرفتُ أخي إلّا بَبَنَانِه . ونزلتْ هذه الآية: ﴿رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله
عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظرُ وما بدلوا تبديلًا﴾(١) .
لله درُّه من صادق ربانِّي !! يجد حلاوة العمل قبل الشروع فيه ، يجد ريح
الجنة قبل أن يقاتل ! وما هذا إِلّا لصدقه في الوفاء بالعزم !!
وعن نعيم بن هبار، قال: قال رسول الله عَ له: ((الشهداء الذين يُقاتلون
في سبيل الله في الصف الأول ، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يُقتلُوا ، فأولئك
يُلقَوْن في الغُرَفِ العُلا من الجنة ، يضحك إليهم ربُّك، إن الله تعالى إذا ضحِك
(١) صحيح: أخرجه الترمذي في ((جامعه)) في كتاب التفسير، وقال : حسن صحيح .
والنسائي في ((الكبرى))، وصححه الألباني في ((صحيح)) الترمذي رقم ٢٥٥٧ ،
وهو عند البخاري مختصرًا : أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ، وهو عند مسلم أيضًا.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
إلى عبده المؤمن فلا حسابَ عليه ))(١) .
الصدقُ الخامس : الصدق في الأعمال :
مخالفة الظاهر للباطن عن قصْد هي الرياء ، وإن كانت عن غير قصْدٍ ،
يفوت بها الصدقُ ؛ فقد يمشي الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه
موصوفًا بذلك الوقار ، فهذا غير صادق في عمله ، وإن لم يكن مرائيًا .
قال يزيد بن الحارث: إذا استوتْ سريرةُ العبد وعلانيتُه فذلك النَّصْفُ ،
وإذا كانت سريرتُه أفضلَ من علانيته فذلك الفضل ، وإن كانت علانيتُه أفضل
من سريرته فذلك الجور .
وقال عبد الواحد بن زيد : كان الحسن إذا أُمَرَ بشيء كان من أعمل الناس
به ، وإذا نهى عن شيء كان من أَثْرَكِ الناس له ، ولم أرَ أحدًا قطُّ أَشبَهَ سريرةً
بعلانيةٍ منه .
وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول : إلهي ، عاملتُ الناس فيما بيني وبينهم
بالأمانة ، وعاملتُك فيما بيني وبينك بالخيانة . ويبكي .
وقال أبو يعقوب النهر جوري : الصدق موافقة الحقِّ في السر والعلانية .
فمساواة السريرة للعلانية أحدُ أنواع الصدق .
الصدقُ السادس : الصدقُ في مقامَاتِ الدِّين:
ومنها :
أ - الصدق في المحاسبة والمجاهدة والتوبة :
قال جعفر الصادق : الصدق هو المجاهدة وأن لا تختار على الله غيرَه كما لم
(١) صحيح : رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد، وأبو يعلى وصحَّحه الألباني في
(صحيح الجامع)) رقم ٣٧٤٠.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٤٩
يختر عليك غيرك ؛ قال تعالى : ﴿ هو اجتباكُمْ ﴾
وقد مَرَّ بك في المحاسبة والمجاهدة قولُ ابن الصمَّة ، وموته من جرّاء
المحاسبة .
أما التوبة :
فالصدق وعلو الهمة فيها : أن تكون توبةً نصُوحًا، لا يعودُ إلى الذنب مرةً
ثانية حتى يعودَ اللبنُ في الضرْع ، ويخاف أنه لم يؤدِّها على الوجه المطلوب ، وأنه
ما وفَّاها حقّها ولم يبذلْ جهده في صحتها ، وأنها توبة علة وهو لا يشعر ، كتوبة
أرباب الحوائج والإِفلاس ، والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس ، أو أنه
تاب محافظة على حاله فتاب للحال ، لا خوفًا من ذي الجلال ، أو أنه تاب طلبًا
للراحة من الكِّ في تحصيل الذنب، أو اتقاءَ ما يخافه على عِرْضِهِ ومالِهِ ومنصبه ،
أو لضعفٍ داعي المعصية في قلبه، وخمود نار شهوته. وإنما يتوب تعظيمًا لله
ولحرماته وإجلالًا له ، وخشيةً من سقوط المنزلة عنده ، ومن البعد والطرد عنه ،
والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة . ولا يتوب لعزّ التوبة وإنما للتقوى،
وإنْ علم أن العَزَّ يحصل له بالتوبة والطاعة .
توبة رجل من بني إسرائيل قَتَل مائةَ نفس :
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال
رسول الله عَ ◌ّهِ: ((كان في بني إسرائيل رجلٌ قَتَل تسعةً وتسعينَ إنسانًا ، ثم
خرج يسأل ، فأتى راهبًا فسأله ، فقال له : ألي توبة ؟ قال : لا. فقتله، فجعل
يسأل ، فقال له رجل : اْتِ قريةَ كذا وكذا . فأدركه الموت فنأى بصدره
نحوها ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله إلى هذه :
أن تقرّبي، وأوحى الله إلى هذه: أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما. فوجداه
إلى هذه أقرب بشبرٍ ، فَغُفَرَ له )).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
ماعز والغامدية :
عن بريدة رضي الله عنه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي عَ ◌ّهِ ، فقال:
يا رسول الله ، طهِّرني. فقال: ((ويحك !!! ارجعْ فاستغفر الله وتبْ إليه)).
قال: فرجع غيّرَ بعيد، ثم جاء فقال : يا رسول الله ، طهِّرني . فقال رسول الله
عَو ◌ّله: ((ويحك !!! ارجعْ فاستغفر الله وتبْ إليه)). قال: فرجع غيرَ بعيد، ثم
جاء فقال: يا رسول الله، طهِّرني. فقال النبي مَ لله مثلَ ذلك، حتى إذا كانت
الرابعة قال له رسول الله عَ ليه: ((فيمَ أُطهّرك؟)). فقال: من الزنى . فسأل
رسول الله عَ له: ((أبهِ جنون؟)). فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: ((أَشَرب
خمرًا؟ )). فقام رجل فاستنكهه(١) ، فلم يجد منه ريحَ خمر . قال : فقال رسول
الله عَ لِ: ((أزنيتَ؟ )) فقال: نعم. فأمر به فُرجم ، فكان الناس فيه فرقتيْن :
قائل يقول : لقد هلَك . لقد أحاطت به خطيئته . وقائل يقول : ما توبة أفضل
من توبة ماعز؛ إنه جاء إلى النبي عَِّ فوضع يده في يده ، ثم قال : اقتلني
بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله عَ لٍ وهم
جلوس، فسلّم ثم جلس ، فقال: ((استغفروا لماعز بن مالك)). قال : فقالوا :
غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله عَ له: ((لقد تاب توبة لو
قُسِمَتْ بين أمَّة لوسِعَتْهم )).
وفي حديث مسلم عن الغامدية وشأنها: ((فجاءت الغامدية فقالت :
يا رسول الله، إني قد زنيت فطِّرني. وأنه ردَّها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول
الله، لِمَ تردُّني ؟ لعلَّك أن تردَّني كما رددتَ ماعزًا، فوالله إني لَحُبْلى . قال:
(( إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)). فلمَّا ولدتْ أتته بالصبي في خرقة ، قالت :
هذا قد ولدتُه. قال: ((فاذهبي فأرضعيه حتى تَفطميه)). فلما فطمتْه أتته
بالصبي في يده كِسْرة خبز، فقالت: هذا يا نبَّ الله قد فطمتُه، وقد أكل الطعام.
(١) أي شمَّه.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة ،في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٥١
فدفعَ الصبّ إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحُفر لها إلى صدرها ، وأمر
الناس فرجموها ، فيُقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها ، فتنضَّح الدم على
وجهِ خالد فسبَّها، فسمع نبُّ الله عَ لِ سَبَّه إِيَّاها؛ فقال: ((مهلًا يا خالد،
فوالذي نفسي بيده ، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكسٍ (١) لَغُفر له)). ثم
أمر بها فصلى عليها ودُفنتْ )).
وفي الحديث : الحرص التأمُّ من ماعز والغامدية على تعجيل الطهارة ؛
إذ في إقامة الحدِّ حصولُ البراءة بطريق متيقَّن دون ما يتطرّقُ إليه احتمال .
توْبةُ كعب بن مالك مثلٌ للتوبة النصوح :
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أنَّ عبد الله بن كعب
كان قائد كعب من بنيه حين عَمِيَ . قال : سمعتُ كعب بن مالك يحدِّث حديثه
حين تخلَّف عن رسول الله عَّه في غزوة تبوك، قال كعب بن مالك: لم أتخلفْ
عن رسول الله عَ لّه في غزوةٍ غزاها قطُّ إلَّا في غزوة تبوك ، غير أني قد تخلَّفتُ
في غزوة بدرٍ ولم يعاتِبْ أحدًا تخلّف عنه، إنما خرج رسول الله عَّ له والمسلمون
يريدون عِيَرَ قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعاد ، ولقد
شهدتُ مع رسول الله عَُّلِ ليلةَ العقبة حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحبُّ أنَّ
لي بها مشهدَ بدرٍ ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها ، وكان من خبري حين
تخلَّفتُ عن رسول الله عَ ◌ِّ في غزوة تبوك: أني لم أكن قطَّ أقوى ولا أَيْسَر مني
حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة ، والله ما جمعتُ قبلها راحلتيْن قطُّ حتى جمعتهما
في تلك الغزوة ، فغزاها رسول الله عَّ له في حرِّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا
ومفازًا، واستقبل عدوًّا كثيرًا ، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهَّبوا أهبة غزْوهم ،
فأخبرهم بوجههم الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله عَ لم كثير ، ولا
يجمعهم كتاب حافظ ( يريد بذلك الديوان ) . قال كعب : فقلّ رجلٌ يريد
(١) المكْس : الجِباية .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الخامس
أن يتغَيَّب يظنُّ أن ذلك سيخفى له ما لم ينزلْ فيه وحي من الله عز وجل . وغزا
رسول الله عَ لّم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر ، فتجهّز
رسول الله عَِّ والمسلمون معه، وطفقتُ أغدو لكي أتجهّز معه، فأرجع ولم
أقضِ شيئًا ، وأقول في نفسي : أنا قادر على ذلك إذا أردتُ . فلم يزلّ ذلك
يتمادى بي حتى استمرّ بالناس الجدّ، فأصبح رسول الله عَّ لهم غاديًا والمسلمون
معه ، ولم أقضِ من جهازي شيئًا ، ثم غدوتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا ، فلم
يزلْ ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممتُ أن أرتحل ،
فأدركهم ، فيا ليتني فعلتُ ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي ، فطفِقتُ إذا خرجتُ فِي
الناس بعدَ خروج رسول الله عَّهِ ، يُخزنني أني لا أرى لي أسوةً إلا رجلًا
مغموصًا عليه في النفاق ، أو رجلًا ممَّن عذَرَ الله من الضعفاء، ولم يذكْرْني
رسول الله عَ بُّ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ((ما فعل
كعب بن مالك؟ )). قال رجل من بني سَلَمة: يا رسول الله، حبَسَه بْداهُ
والنظُرُ في عطفيه . فقال له معاذ بن جبل : بئسَ ما قلتَ! والله يا رسول الله ،
ما علمنا عليه إلَّا خيرًا. فسكتَ رسول الله عَ ليه ، فبينما هو على ذلك رأى
رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله عَ ظلهم: ((كنْ أبا خيثمة)).
فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ، وهو الذي تصدَّق بصاعِ التمر حين لمزَه
المنافقون. قال كعب بن مالك: فلمَّا بلغني أن رسول الله عَ لّه قد توجَّه قافلًا
من تبوك، حضرني بثي ، فطفقتُ أتذكَّر الكذبَ ، وأقول : بمَ أخرج من سُخْطه
غدًا ؟ وأستعينُ على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي ، فلما قيل لي : إن رسول الله
عَ لَّه قد أظلَّ قادمًا، زاحَ عني الباطل حتى عرفتُ أني لن أنجوَ منه بشيء أبدًا،
فأجمعتُ صدِقَه، وصبح رسول الله عَ لّم قادمًا، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ
بالمسجد ، فركع فيه ركعتين . ثم جلس للناس ، فلمَّا فَعل ذلك جاءَه المخلّفون
وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً ، فقبل منهم
رسول الله عَ ◌ّ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم؛ ووكل سرائرهم إلى الله، حتى
جئتُ، فلمَّا سلّمتُ تبسَّمَ تبسُّم المغضَب، ثم قال: ((تعال)). فجئتُ أمشي حتى
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٣
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
جلست بين يديه، فقال لي: (( ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهَرَك؟ )).
قال: قلتُ: يا رسول الله، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لَرأيتُ
أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أُعطِيتُ جدلًا ، ولكني والله لقد علمتُ
لَئِن حدثتُك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، لَيوشكنَّ الله أن يُسخِطَك
علَّي ، ولئنْ حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجدُ عَلَّ فيه ، إني لأرجو فيه عقبى الدار ،
والله ما كان لي عذرٌ ، والله ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك .
قال رسول الله عَ له: ((أمَّا هذا فقد صدق، فقمْ حتى يقضي الله فيك)).
فقمتُ وثار رجالٌ من بني سَلَمة فاتَّبعوني ، فقالوا لي : والله ما عَلِمناك أذنبتَ
ذنبًا قبل هذا، لقد عجزتَ في ألا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله عَّ له بما اعتذر
به إليه المخلَّفون؛ فقد كان كافيَكَ ذنبَكَ استغفارُ رسول الله عَ ◌ِّ لك. قال:
فوالله، ما زالوا يُؤْثِّبونني حتى أردتُ أن أرجع إلى رسول الله عَ لِ فأُكذب نفسي .
قال : ثم قلتُ لهم : هل لقي هذا معي من أحدٍ ؟ قالوا : نعم ، لقيه معك رجلان
قالا مثلَ ما قلتَ ، فقيل لهما مثلُ ما قيل لك . قال : قلتُ : مَنْ هما ؟ قالوا:
مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلَيْن
صالحَيْن قد شهِدا بدرًا ، فيهما أسوة . قال : فمضيتُ حين ذكروهما لي .
قال: ونهى رسول الله عَّ له المسلمين عن كلامِنا أيها الثلاثة من بين مَن تخلف
عنه . قال : فاجتنَبَنَا الناسُ. وقال : تغيَّروا لنا حتى تنكرتْ لي في نفسي
الأرض ، فما هي بالأرض التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً ، فأمّا
صاحبايَ فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم
وأجلدهم ، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ، ولا يكلِّمني
أحد، وآتي رسولَ الله عَ ليه فأُسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي:
هل حَرَّك شفتَيْه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أصلِّي قريبًا منه وأسارقُه النظر ، فإذا أقبلتُ
على صلاتي نظرَ إلَّي، وإذا التفتُ نحوَه أَعَرَضَ عني ، حتى إذا طال ذلك علّ
من جفوة المسلمين ، مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدارَ حائطٍ أبي قتادة وهو ابن عمي
وأحبُّ الناس إلَّي فسلَّمتُ عليه ، والله ما ردَّ علَّي السلام ، فقلتُ له : يا أبا
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٤
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
قتادة، أَنشُدكَ بالله، هل تعلمني أني أحبُّ الله ورسوله ؟ قال: فسكت ، فعدتُ
فناشدتُه فسكت ، فعدتُ فناشدتهُ ، فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضتْ
عيناي ، وتولَّيتُ حتى تسوَّرتُ الجدار ، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة ،
إذا نَبَطِي - من نبطِ أهل الشام ممَّن قدِم بالطعام يبيعه بالمدينة - يقول : مَن
يدلُّ على كعب بن مالك ؟ قال : فطفِقَ الناسُ يُشيرون له إلي حتى جاءني فدفع
إِلَّي كتابًا من مَلِك غَسَّان ، وكنت كاتبًا فقرأتهُ ، فإذا فيه : أمَّا بعد ؛ فإنه قد
بلغنا أنَّ صاحبَك قد جفَاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالْحَقْ
بنا نُواسِك . قال: فقلتُ حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء !! فتياممتُ بها
التَّنُّورَ فسجرتُها بها ، حتى إذا مضتْ أربعون من الخمسين واستلبث الوحي ،
إذا رسولُ رسول الله عَ لّه يأتيني، فقال: إن رسول الله عَّ ◌َله يأمرك أن تعتزلَ
امرأتك. قال: فقلتُ: أطلِّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا ، بل اعتزلْها فلا تَقْربتَّها .
قال : فأرسل إلى صاحبَّ بمثل ذلك . قال : فقلتُ لامرأتي : الحقي بأهلِك ،
فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال : فجاءتِ امرأةُ هلال بن أُميّة
رسولَ الله عَّهِ فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس
له خادم ، فهل تكْرَه أن أخدمَه؟ قال: ((لا، ولكن لا يَقربنَّك)). فقالت :
إنه والله ما به حركة إلى شيء ، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان
إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسول الله عَ له في
امرأتك ؛ فقد أذِن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلتُ : لا أستأذن
فيها رسول الله عَّهِ، وما يُدريني ماذا يقول رسول الله عَ له إذا استأذنتُه فيها
وأنا رجلٌ شابّ ؟ قال : فلبثتُ بذلك عشرَ ليالٍ ، فكمل لنا خمسون ليلةً من
حين نهي عن كلامنا . قال: ثم صلَّيتُ صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلةً على
ظهر بيتٍ من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا :
قد ضاقت علَّ نفسي وضاقت علّ الأرض بما رحُبتْ ، سمعتُ صوتَ صارخٍ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
٥٥
أوفى على ((سلْع)) (١)، يقول بأعلى صوته : ياكعب بن مالك، أبشر . قال :
فخررتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء فرج. قال: فآذنَ رسولُ الله عَ لّهِ الناسَ
بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشِّروننا ، فذهب قِبَلَ
صاحبَّ مبشِّرون ، ورَكَضَ رجلٌ إلَّي فرسًا، وسعى ساعٍ من ((أسلم)) قِبلي ،
وأوفى الجبلَ فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه
يبشّرني ، فنزعتُ له ثوبَي. فكسوتهما إِيَّه ببشارته، والله ما أملك غيرهما
يومئذ ، واستعرت ثوبَيْن فلبستُهما، فانطلقتُ أتأمَّم رسولَ الله عَّهِ، يتلقّاني
الناسُ فْجًا فوجًا ، يُهنِّئوني بالتوبة ويقولون : لِتهنئك توبة الله عليك . حتى
دخلتُ المسجد، فإذا رسول الله عَّ له جالسٌ في المسجد وحوله الناس ، فقام
طلحة بن عُبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني ، والله ما قام رجل من المهاجرين
غيره . قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال كعب : فلمَّا سلَّمتُ على
رسول الله عَّ له وهو يبرقُ وجهُه من السرور ويقول: ((ابشرْ بخير يومٍ مَّ عليك
منذ ولدتك أُمُّك)) . قال : فقلتُ : أمن عندك يا رسول الله ، أم من عند الله؟
فقال: ((لا، بل من عند الله)). وكان رسول الله عَ طله إذا سَُّّ استنار وجهُهُ،
كأنَّ وجهَه قطعة قمر . قال : وكنا نعرف ذلك . قال : فلمَّا جلستُ بين يديْه
قلتُ : يا رسول الله ، إنَّ من توبتي أن أنخلعَ من مالي ، صدقةً إلى الله وإلى رسوله
عٍَّ. فقال رسول الله عَ له: ((أمسك بعض مالك فهو خير لك)). قال:
فقلتُ : فإني أُمسِكُ سهِمي الذي بخيبرٍ . قال : فقلتُ : يا رسول الله، إن الله
إنما أنجاني بالصدق ، وإنَّ من توبتي ألَّا أُحدث إلّا صِدقًا ما بقيتُ . قال : فوالله
ما علمتُ أنَّ أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث ، منذ ذكرتُ ذلك
لرسول الله عَ لّه إلى يومي هذا، أحسنَ مما أبلاني الله به. والله ما تعمدتُ كذبةً
منذ قلتُ ذلك لرسول الله عَّه إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما
بقي. قال: فأنزل الله عزَّ وجل : ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار
(١) سلْج : جبل في المدينة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
الذين اتبعوهُ في ساعةِ العُسْرةِ منْ بعد ما كادَ يَزِيغُ قلوبُ فريقٍ منهمْ ثُمَّ تابَ
عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثةِ الذين ◌ُلّفُوا حتَّى إذا ضاقتْ عليهم
الأرضُ بما رحُبَتْ وضاقت عليهم أنفسهم .. ﴾ حتى بلغ ﴿يأيها الذين آمنوا
اتقوا الله وكونوا معَ الصادقين ﴾ [ التوبة: ١١٧ - ١١٩].
قال كعب : والله ما أنعم الله علّ من نعمة قطُّ ، بعد إذ هداني الله للإِسلام ،
أعظمَ في نفسي من صدقي رسول الله عَّهِ أَلَّا أكونَ كذبتُه فأهلِك كما هلَك الذين
كذبوا . إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شَّ ما قال لأحد؛ فقال الله:
سيحلفونَ بالله لكمْ إذا انقلبْتمْ إليهم لِتعرضوا عنهم فأَعرِضُوا عنهم إنهم رِجْسٌ
ومأواهم جهنّم جزاءً بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لِترضَوْا عنهمْ فإنْ ترضوا
عنهمْ فإِنَّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ﴾ [ التوبة: ٩٥ - ٩٦ ].
قال كعب : كنا ◌ُلِّفنا أيّها الثلاثة عن أمْرٍ أولئك الذين قَبِل منهم رسول
الله عَ ◌ّلِ حين حلَفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله عَ لّهِ أَمْرَنا
حتى قضى الله فيه ، فبذلك قال الله عزَّ وجل : ﴿ وعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفوا ﴾
[ التوبة: ١١٨] وليس الذي ذكر الله ممَّا تُلِّقْنا تخلّفَنا عن الغزو ، وإنما هو تخليفه
إِيَّانا، وإرجاؤه أَمْرنا عمَّن حلَف له واعتذر إليه فقَبل منه)) رواه مسلم(١).
توبةُ أبي محمد حبيب العجمي :
عن أبي نُعيم الحافظ ، قال : كان سببَ إقبال حبيب أبي محمد على الآجلة
وانتقاله عن العاجلة ، حضوره مجلس الحسن ، فوقعتْ موعظتُه في قلبه ، فخرج
عما كان يتصرَّف فيه ، ثقة بالله ومُكتفيًا بضمانه ، فاشترى نفسه من الله ،
فتصدَّق بأربعين ألف درهم في أربع دَفْعاتٍ ، تصدَّق بعشرة آلاف درهم في أول
النهار ، فقال : يا ربّ، قد اشتريتُ نفسي منك بهذا . ثم أُتْبَعَهَا بعشرة آلافٍ
(١) صحيح مسلم ، جـ ٤، كتاب التوبة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٧
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
أخرى ، وقال : هذه شكرًا لما وفَّقْتني له . ثم أخرج عشرة آلافٍ أخرى ؛
وقال : يا ربّ ؛ إن لم تقبل مني الأولى والثانية ، فاقبلْ مني هذه . ثم تصدَّق
بعشرة آلافٍ أخرى، فقال: يا ربّ، إنْ قبلت مني الثالثة، فهذه شكرًا لها (١).
توْبةُ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاض :
كان الفضيل يقطع الطريق وحدَه ، فخرج ذاتَ ليلة ليقطعَ الطريق ،
فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلاً ، فقال بعضهم لبعض : اعدلوا بنا إلى هذه
القرية ، فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق، يُقال له : الفضيل. فسمع الفضيل فأرعَدَ ،
فقال: يا قوم، أنا الفضيل، جُوزوا، والله لأجتهدنَّ أن لا أعصي الله أبدًا. فرجع
عمَّا كان عليه .
ورُوي من طريق أخرى : أنه أضافهم تلك الليلة ، وقال : أنتم آمِنون من
الفضيل . وخرج يرتاد لهم علَّفًا ثم رجع ، فسمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلمْ يأنِ للذينَ
آمنُوا أنْ تخشعَ قلوبُهم لذكّرِ الله ﴾ [ الحديد: ١٦]. قال: بلى والله ، قد آن .
فكان هذا مبتدأ توبته (٢) .
توْبةُ بِشْر بنِ الحَارِثِ الحَافي :
کان بشر في زمن لهوه في داره ، و عنده رفقاؤه یشربون ویطیبون ، فاجتاز
بهم رجل من الصالحين فدقُّ الباب فخرجتْ إليه جاريةٌ ، فقال : صاحب هذا
الدار حُرّ أمْ عبدٌ ، فقالت : بل حُرّ . فقال : صدقتِ ؛ لو كان عبدًا لاستعملَ
أدب العبودية وترَك اللهو والطرب . فاستمع بشرٌّ محاورتهما ، فسارع إلى الباب
حافيًّا حاسرًا، وقد ولَّى الرجل ، فقال للجارية : ويحكِ ! من كلَّمك على
الباب ؟ فأخبرته بما جرى ، فقال: أيّ ناحية أخذ الرجل ؟ فقالت : كذا . فتبعه
(١) التوابين ٢٠١ .
(٢) التوابين ص ٢٠٧ - ٢٠٨
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٨
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
بشر حتى لَحِقَه ، فقال له : يا سيدي ، أنت الذي وقفتَ بالباب وخاطبْتَ
الجارية ؟ قال: نعم . قال : أعِدْ علَّ الكلام . فأعاده عليه ، فمَرَّغ بشرٌ خذَّيْه
على الأرض ، فقال : بل عبدٌ . ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرِف
بالحَفَاءِ ، فقيل له : لِمَ لا تلبسُ نعلًا؟ قال: لأني ما صالحني مولايَ إلَّا وأنا
حافٍ ، فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات(١).
ب - الصِّدْقُ في التوكُّل :
وقد مرَّ .
أن ترِدَ عليك موارد الفاقات ، فلا تسمو إلّا إلى مَن إليه الكفايات ،
والاستسلام لتدبير الربِّ لك فيما يفعله بك، لا فيما أمَرك بفعله ، وأن تُنزل
أمورَك كلها بالله طلبًا واختيارًا، لا كرها واضطرارًا .
قال رسول الله عَ له: ((إن رجلًا مِن بني إسرائيلَ سأل بعض بني إسرائيل
أن يُسلفه ألف دينار ، فقال ائْتني بالشهداء أُشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا.
قال: فأتني بالكفيل. قال كفى بالله كفيلًا. قال: صدقتَ: فدفَعَها إليه إلى
أجل مسمّی ، فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثم التمسَ مر کبًا یر کبها يُقدِم عليها
للأجل الذي أجَّله ، فلم يجد مركبًا ، فأخذ خشبة ، فنقرها ، فأدخل فيها ألف
دينار ، وصحيفةً منه إلى صاحبِه ، ثم زجَّ(٢) موضعَها ، ثم أتى بها إلى البحر ،
فقال : اللهم إِنك تعلم أني تسلَّفتُ فلانًا ألف دينار ، فسألني كفيلا فقلتُ :
كفى بالله كفيلاً ، وسألني شهيدًا فقلتُ: كفى بالله شهيدًا . فرضي بك ، وإني
جَهِدتُ أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أجد ، وإني أستودعُكَهَا . فرمى
بها إلى البحر ، حتى وَلَجتْ(٣) فيه ، ثم انصرف ، فخرج الرجل الذي كان
(١) التوابين صـ ٢١٠ - ٢١١.
زجّ : أي سوّى موضع النقر وأصلحه .
(٢)
(٢) وَلِجَ : دخل .
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٥٩
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الخامس
أسلفه ، ينظر لعلَّه يجد مركبًا قد جاء بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ،
فأخذها لأهله حَطَبًا ، فلمَّا نشرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدِم الذي كان
أسلفه ، فأتى بالألف دينار ، وقال : والله ما زلتُ جاهدًا في طلب مركبٍ لآتيك
بمالك ، فما وجدتُ مركبًا قبل الذي أتيتُ فيه . قال : كنتَ بعثتَ إلَّ شيئًا ؟
قال أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتُ فيه . قال: فإن الله قد أدَّى عنك
الذي بعثتَ في الخشبة . فانصرفَ بالألفِ دينار راشدًا(١) .
جـ - الصدقُ في الخوف :
وقد مّ علو هِمَّة زرارة بن أوفى وعلّ زين العابدين وعلي بن الفُضيَل ؛ إذا
مرّوا بآيةٍ فيها ذكْر النار فكأنَّ زفيرها في آصال آذانهم .. قد براهم الخوف بَرْيَ
القِداح ، ويقال : قد خُولِطوا . وما خُولطوا ؛ ولكنه الخوف !!
د - الصدقُ في الرضا :
وقد مرَّ .
هـ - الصدق في الاستقامة :
وقد مّ .
يقول الشاعر :
بِعُدْتُمْ بمقدار الْتَفاتكمُ عَنَّا
أُرِدْناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مُزِجتُمُ
فَأَسكنتُمُ الأغيارَ ما أَنتُمُ مِنَّا
وقلْنا لكمْ لا تُسْكِنوا القلْبَ غیرَنا
لو غفل عنه مولاه لحظة ، فأيّ شيء يعوِّض خسارته فيما فاته ؟!
قال الشاعر :
ر سوى الإعراض عنا
كلُّ شيءٍ لكَ مغُفُو
ت بقي ما فات مِنَّا
قدْ غَفْنا لك ما فا
(١) رواه أحمد (٣٤٨/٢)، البخاري (١٥٩/٢)، (١٢٤/٣).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الخامس
٦٠
وصدق في الدعاء .
وصدق في تعظيم حُرُمات الله .
وصدق في الحياء والحبِّ والشوق إلى الله .
أمَّا في عصرنا :
يُباح كلُّ شيءٍ ... لمن ؟
لكاتبٍ أقلامُهُ مشدودةٌ
ولثائر يرنو إلى الحرية الْـ
ويعومُ فِي عَرَقِ النضال ويحتسي
للموثقين على الرِّباطِ رباطنا
ممّنْ يَرصُّون الصكوكَ بزحْفِهِمْ
ويُسافحونَ قضیةً من صُلهمْ
ويُخلِّفون هزيمةً لمْ يعترفْ
المُعْلنين من القصور قصورهمْ
بحبالِ صوتٍ جلالةِ الأُمراءِ
حمراءِ عَبْرَ الليلةِ الحمراء
أنخابَهُ في صحَّةِ الأشلاءِ
والصانعينَ النصرَ في صنعاءٍ
ويُناضلونَ برايةٍ بيضاءٍ
ويُصافحونَ عداوةَ الأعداءِ
أحدٌ بها مِنْ كثرةِ الآباءِ
واللاقطينَ لقيطةَ اللُّقطاءِ
وفي عصْرِنا :
في كلِّ يوم يرتعُ الكَذِبُ الرَّخيص
على ضفاف الأُمَّةِ الثكْلَى
فترقصُ موجةُ المذياع
تزهو الشاشة الصفراء
تنبت في أيادي الناس
مزبلة نسمِیها صَحِیفه
في كل يوم يخرجُ المذياعُ والصحفُ اللَّقيطهْ
تُعلن البشرى لشعبٍ ماتَ من زمنٍ
ويبدو في سَواد الليل كالعِفْرِيتِ أشباحًا مخيفهْ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/