النص المفهرس

صفحات 481-500

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨١
علو الهمة في النصيحة
وء. (١)
المشركين من جزيرة العرب، واجيزُوا الوَفْدَ بنحو ما كُنْتُ أجيزُهُمْ
،
قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فأَنْسِيتُهَا (٢))(٣).
١٤- ويوصي بآداب في الجهاد وعند الغزو:
عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنه قال: «كان رسول الله وَل إذا
أَمَّرَ أمیرًا علی جیش أو سَريَّةٍ، أو صاهُ في خَاصَّته بتقوى الله، ومن معه من
المسلمين خيْرًا (٤)، ثُمَّ قال: اغْزُوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا منْ كفر
بالله، اغْزُوا ولا تغُلّوا ولا تغدرُوا، ولا تمثُلُوا، ولا تقْتُلُوا وليدًا .. ))
الحديث(٥).
١٥- ويوصي بصيام ثلاثة أيام كل شهر، وركعتي الضحى، والوتر قبل
النَّوْمِ:
■ وعن أبي هريرة خلفه: أوصاني خليلي ◌َلله بثلاث: «بصيام ثلاثة أيام
من كُلِّ شهر، وركعتي الضُّحَى، وأن أوتر قبل أن أَزْقُدَ))(٦).
١٦ - ويوصي بعدم الغضب:
• عن أبي هريرة لسله: أَنَّ رَجُلًا قال للنَّبِّ وَّهِ أَوْصِني، قال: ((لا
(١) معنى هذه العبارة: الأمر بضيافة الوفود، وإكرامهم تطييبًا لنفوسهم، وإعانة على
سفرهم.
(٢) الساكت هنا هو ابن عباس، والناسي هو سعيد بن جبير الذي روی حديثه، قال
المهلب: والثالثة هي تجهيز جيش أسامة.
(٣) رواه البخاري (٣٠٥٣/٦)، ومسلم (١٦٢٧)، واللفظ له.
(٤) أوصاه بمن معه.
(٥) رواه مسلم (١٧٣١/٣).
(٦) رواه البخاري ((الفتح)) (٦١١٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قال: لا تغضَبْ))(١).
١٧ - ويوصِي بأقباط مصر خيرًا:
• عن أبي ذَرِّ الغفارِيِّ لَه قال: قال رسول الله وَتَ: ((إِنَّكُمْ
ستَفْتَحُونَ أرْضًا يُذْكَرُ فيها القِيرَاطُ (٢) فاسْتَوْصُوا بِأَهْلِها خَيْرًا؛ فَإِنَّ لهُمْ
ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا)(٣).
١٨- ويوصي معاذ بن جبل والأمة بذكر بعد الصلاة:
• عن معاذ بن جبل خلفعنه قال: قال رسول الله وَ له: ((يا معاذ! والله إني
لأحبك، أَوصيك يا معاذُ لا تَدَعَنَّ في دُبُر كُلِّ صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنّي
على ذكرِكَ، وشُكْرِك، وحسن عبادِتِكَ)) (٤).
١٩ - ووصيته الجامعة المانعة لابن عباس:
• وعن ابن عباس انها قال: كنتُ خلف رسول الله وَله يومًا، فقال:
((يا غلام، إني اعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك،
إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استَعنتَ فاستِعِنْ بالله، واعلم أن الأمة لو
اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو
(١) رواه البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١) واللفظ له.
(٢) القيراط جزء من أجزاء الدينار، والدرهم، وهو الآن كذلك ويستعمل أيضًا اسمًا
لجزء من أربعة وعشرين جزءًا من الفدان وكان أهل مصر -ولا يزالون- يكثرون من
استعماله والتحدث به، وقد ورد التصریح باسم مصر في الحديث الذي أورده مسلم
عقیب هذا.
(٣) مسلم (٢٥٤٣).
(٤) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم في ((المستدرك))،
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود)» (١٣٦٢)، و((صحيح الجامع)) (٧٩٦٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
علو الهمة في النصيحة
٤٨٣
اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضرُّوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه الله عليك،
رُفِعت الأقلام، وجفّت الصحف))(١).
■ عن مُصْعَبٍ بن سعدٍ عن أبيه ◌ِضها، أنَّهُ نزلتْ فيه آياتٌ من القُرْآنِ،
قال: حلفتْ أُمُّ سَعْدٍ ألَّا تُكَلِّمه أبدًا حتَّى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا
تشربَ، قالت: زعمْتَ أَنَّ الله وصَّاكَ بوالديْكَ، وأنا أمُّكَ وأنا آمركَ بهذا،
قال سَعْدٌ: مكثَتْ ثلاثًا حتَّى غُشِيَ عليها من الجهدِ، فقام ابنٌ لها يقال له
عمارةُ فسقاها، فجعلتْ تَدْعُو على سعدٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ وَّ في القرآن هذه
الآية: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾ وفيها: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: ١٥]))(٢) الحديث.
من أقوال العلماء في الوصية والتواصي:
■ قال عمر بن الخطّاب وه عندما قيل له: أوصنا يا أمير المؤمنين،
قال: أوصِيكُمْ بذِمَةِ الله، فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نبِكُمْ، ورِزْقُ عیالِكُمْ))(٣).
■ عن جابر ﴿ لَّا حضر أُحُدٌ (٤). دَعَاني أبي من اللَّيْلِ فقال: ما أراني
إِلَّا مِقْتُولًا في أَوَّلِ من يُقْتَلُ من أصحابِ النَّبِّوَّةِ، وإنَِّ لا أترُكُ بَعْدِي
أَعَزَّ مِنْكَ، غيرَ نَفْسِ رسولِ الله ◌ِّهِ، وإنَّ عليَّ دَيْنَا فاقْضِهِ (٥)، واستَوْصِ
(١) صحيح: رواه أحمد، والترمذي، والحاكم في ((المستدرك))، ورواه أبو يعلى والطبراني في
((الكبير)) وابن السني، والآجري والضياء، وابن أبي عاصم عن أبي سعيد وعن
عبدالله بن جعفر، وصححه الألباني في «صحيح الجامع)) (٧٩٥٧).
(٢) رواه مسلم (١٧٤٨).
(٣) البخاري (٣١٦٢).
(٤) أي: لَّا كان يوم أُحُدُ.
(٥) أي: اقضٍ عني هذا الدِّيْن.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
بأخواتِكَ خَيْرًا))(١).
■ قال جُنْدُبُ لأصْحَابِهِ وهو يُوصيهِمْ: «إنَّ أَوَّلَ ما يَنْتُنُ من الإنْسانِ
بَطنُهُ، فمن استطاع ألَّ يأْكُلَ إلَّا طيًّا فليفعل، ومنِ استطاع ألا يُحال بينه
وبين الجنةِ بملْءِ كَفِّ منْ دم هراقَةُ فليفعل)»(٢).
إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى
١
■ عن الشافعي أنه قال في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ لا
خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
[العصر). لوْ تدبَّرَ الناسُ هذه السورة لوسعَتْهُمْ))(٣).
، سأل بعضهم شيخ الإسلام ابن تیمیة أنْ يُوصِیہُ بما فیه صلاحُ دینه
ودُنْيَاهُ، فأجابَ نَّتْهُ: ((أمَّا الوصيةُ فما أعلم وصيَّةً أَنْفَعَ من وصيّةِ الله
ورسوله لمنْ عقلها واتَّبعَها، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهُ﴾ [النساء: ١٣١]، ووصَّى النبيُّ ◌َِّ مُعاذًا لَّا
بعثه إلى اليمن فقال: ((أَتَّقِ الله حيثما كنت وأتبع السَّيئة الحسنة تمْحُهَا،
وخالق الناس بخلقِ حسنٍ)).
فهذه وصيّةٌ جامعةٌ لمن عقلها، مع أنَّها تفْسيرٌ للوصيَّةِ القرآنِيَّةِ، أمّا بيانُ
جمعها فلأنَّ العبدُ عليه حقَّانِ: حقّ الله وَّ، وحَقَّ لعباده، ثُمَّ الحَقَّ الذي
عليه لا بدَّ أنْ يُخُلَّ ببعضه أحيانًا، إمَّا بتركِ المأمُورِ به أو فعل المنهيِّ عنه،
وفي وقوله وَاللّ: ((اتَّقِ الله حَيْثُما كنت)) تحقيقٌ لحاجته إلى التَّقْوَى في السِّرِّ
(١) البخاري (١٣٥١).
(٢) البخاري (٧١٥٢)، قال ابن حجر: وقع هذا الحديث من هذا الوجه موقوفًا، وهكذا
أخرجه الطبراني عن الحسن عن جندب موقوفًا، قال: وسياقه يحتمل الرفع والوقف.
(٣) ((تفسير ابن كثير)) (٥٨٥/٤).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
٤٨٥
علو الهمة في النصيحة
والعلانيَّة -وفي كُلِّ زمانٍ ومكانٍ -، ثُمَّ قال: ((وَأَتْبِعِ السَّيئةَ الحسنة تَمْحُهَا))؛
لأنَّه لَّا كان الذنب للعبد كأنَّه أمرٌ حَتْمٌ كان الكيِّسُ هو الذي لا یزال يأتي
من الحسنات ما يمْحُو به السَّيْئات، وفي هذا إرشادٌ للخاصَّةِ والعامَّةِ بما
يُخلِّصُ النُّفوس من ورطاتِ الذنوب وهو إتباعُ السيِّئَات الحسنات، ولَّا
قضى الرسول وَ له بهاتيْنِ الكلمتين حَقَّ الله من عمل الصالح وإصلاح
الفاسد، قال: ((وخالقِ الناس بخلقٍ حسنٍ))، وهو حَقَّ الناس، وأمَّا بيانٌ
أنَّ هذا كُلَّهُ في وصيّةِ الله فهو أَنَّ اسم ((تقْوَى الله يجمع فعل كلِّ ما أمر به
اللهُ بِه إيجابًا واستحْبَابًا، وما نهى عنه تحريًا وتنْزِيها، وهذا يجمَعُ حقوقَ الله
وحقوقَ العباد))(١).
من درر وصايا السلف ولآلئهم:
وصيَّةٌ علي بن أبي طالب ؤه إلى كُمَيل بن زياد بن نُهيْكَ النَّخَعي الكوفي:
! قال كُمَيْلُ بن زِيادٍ (٢): «أخذَ عليٌّ بن أبي طالبٍ بيدي، فأخرجني
إلى ناحيةِ الجَبَّانِ (٣)، فلمَّا أَصْحَرَنا (٤)؛ جلسَ، ثُمَّ تنفّسَ، ثم قال:
((يا كُمَيْلُ بن زيادٍ! القلوبُ أوْعِيَةٌ، فخيرها أوْعاها؛ احفظْ ما أقولُ
لكَ:
النَّاسُ ثلاثةٌ: فعالِمٌّ ربَّانِيٌّ، ومُتَعلِّمٌ على سبيلِ نَجاةٍ، وهَمَجْ رَعَاعٌ (٥)
(١) انظر: ((مجموع الفتاوى)) (٦٥٣/١٠، ٦٥٤).
(٢) كان شريفًا مُطَاعًا في قومه، من ثقات التابعين قتله الحجّاج صبرًا سنة ٨٢هـ.
(٣) كل صحراء.
(٤) خرجوا إلى الصحراء.
(٥) أراذل الناس.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أَتباعُ كُلِّ نَاعِقٍ (١) يميلونَ مع كُلِّ ربحٍ، لم يسْتَضِيئوا بنور العلم، ولمْ
يلْجَؤوا إلى رُكْنٍّ وَثيقٍ.
العلمُ خيرٌ من المالِ، العلْمُ يُخْرُسُكَ وأنت تحرسُ المالَ، العلمُ يَزْكو
على العملِ والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفقةُ، ومُحبَّةُ العالم ديْنٌ يُدانُ بها.
العلمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطاعة في حياته، وجميلَ الأحْدُوثَةِ بعد موته،
وصنيعةُ المال تَزولُ بَزَوالِهِ.
ماتَ خُزَّانُ الأموال وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ؛
أعيانُهم مَفقودةٌ وأمثالهم في القلوب موجودةٌ.
ها؛ إن هاهنا -وأشارَ بيده إلى صَدْره - علمًا لو أَصَبْتُ له حملةً!
بلى أصبتُه لَقِينًا (٢) غير مأمونٍ؛ يستعْمِلُ آلةَ الدين للدُّنيا، يستظْهِرُ
بحُجَج الله على كتابه، وبنعمهِ على عباده، أو مُنقادًا لأهلِ الحقِّ لا بصيرةً له
في إحيائه، يَقْتَدِحُ الشَّكُّ في قلبه بأولِ عارضٍ من شبْهةٍ، لا ذا ولا ذاكَ، لا
يَدْري أين الحقّ؟ إنْ قال؛ أخطأ، وإنْ أخطأ؛ لم يَدْرِ، مشغوفٌ بما لا يُدْرَى
حقيقتُهُ، فهوفِتْنَةٌ لمن افتُتِنَ به، وإنَّ من الخيرِ كلِّهِ من عرَّفَهُ الله دِينَهُ، وکفی
بالمرءِ جَهْلًا أن لا يعرفَ دينَهُ، أو منْهُومٌ باللذَّاتِ، سلَسُ القيادِ للشَّهواتِ،
أو مُغْرَى بجمع الأموالِ والادِّخارِ، وليسا من دُعاةِ الدِّين، أقربُ شبهًا
بالأنْعام السَّائمةِ، كذلك يموتُ العلم بموتٍ حامليةٍ.
اللهم بلى؛ لا تَخْلو الأرضُ من قائمٍ لله بحُجَّةٍ؛ لئلا تَبْطُلَ حُجَجُ الله
وبيِّناته، أولئك هم الأقلّونَ عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، بهم يدفع الله
(١) الناعق: الصائح وهو هنا الراعي.
(٢) سريع الفهم.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٧
علو الهمة في النصيحة
عن حججه حتى يُؤدُّها إلى نُظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجمَ
بهمُ العلمُ على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المتْرَفونَ، وأَنسوا بما
استوحش منه الجاهلون، صحِبُوا الدُّنيا بأبْدانٍ أرواحُهَا مُعَلَّقَةٌ بالمنظر
الأعلى، أولئك خُلَفاءُ الله في بلاده، ودعاتُهُ إلی دینه.
هاه هاه! شوقًا إلى رُؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شِئْتَ؛ فَقُمْ (١).
وصية عتبة بن غزوان الصحابي البدري الشعنه:
■ قال خالدُ بن عمر العدويُّ: «خطبنا عُتْبَةُ بن غزْوانَ، فحمدَ الله،
وأثنَی علیه، ثُمَّ قال:
أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ الدُّنيا قد آذنتْ (٢) بصُرْم (٣)، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ (٤)، ولم يبق
منها إلَّا صُبابَةٌ (٥) كصبابة الإناء، يتصابُها(٦) صاحِبُها، وإنَّكم منتقلون إلى
دارٍ لا زوال لها؛ فانْتَقِلوا بخير ما بحضرتكم؛ فإنَّهُ قد ذُكِرَ لنا أَنَّ الحجر
يُلْقَى من شفة جهنَّمَ، فَيَهْوي فيها سبعين عامًا لا يُدرك لها قَعْرًا.
(١) أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٧٩/١ - ٨٠)، ومن طريقه الخطيب في ((الفقيه
والمتفقة)) (٤٩/١ - ٥٠) والشجري في ((الأمالي الخميسية)) (ص٦٦). وأهل العلم
بالحديث يثني عليه ويثبته، منهم الخطيب البغدادي في ((الفقه والمتفقه)) (١/ ٥٠)،
وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٢/ ١١٢)، وابن قيم الجوزية في ((إعلام
الموقعين)) (١٩٥/٢)، وابن أبي العز الحنفي في ((الاتباع)) (ص ٨٥ - ٨٦)، وابن كثير
في «البداية والنهاية» (٤٧/٩)، واحتج به الشاطبي في ((الاعتصام)) (٣٥٨/٢).
(٢) أعلمت.
(٣) الانقطاع والذهاب.
(٤) مسرعة.
(٥) البقية اليسير من الشراب.
(٦) يشربها.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ووالله لَتُمْلأنَّ. أفعجبتم؟!
ولقد ذُكِرَ لنا أَنَّ ما بين مصراعَيْنِ من مصارِيعِ الجَنَّةِ مَسيرةُ أربعين
سنةً، وليأتِيَنَّ عليها يَوْمٌ وهو كظِيظٌ (١) من الزّحام.
ولقد رأيتني سابعَ سبعةٍ مع رسول الله وَّهِ، وما لنا طعامٌ إلَّ ورقُ
الشجر، حتى قَرُّحَتْ أشداقُنَا (٢)؛ فالتقطْتُ بردةً، فشققتُها بيني وبين
سعدِ ابن مالكٍ (٣)، فاتَّزَرْتُ بنصْفِها، واتَّزَرَ سعدٌ بنصفِها، فما أصبح اليوم
مِنَّا أحَدٌ إلَّا أصبحَ أميرًا على مصْرِ من الأمْصارِ.
وإنّي أعوذُ بالله أنْ أكون في نفسي عظيمًا وعندَ الله صغيرًا.
وإنَّها لم تكنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلَّا تناسَخَتْ حتى يكون آخرُ عاقبتها مُلْكًا؛
فستبرون وتُجرِّبونَ الأمراءَ بعدنا (٤).
وصية سفيان الثوري إلى عبّاد بن عبّاد الخوص الأرسوفي:
كتبَ سفيانُ الثوريُّ نَخْذَهُ إلى عبَّاد بن عَبَّادٍ الخوَّاصِ رَاهُ فقال:
((أمَّا بعد: فإنَّكَ في زمانٍ كان أصحابُ النَّبِيِّ وَ ◌ِّ يتعوَّذُونَ أنْ يُدرِكوهُ،
ولهم من العلم ما ليس لنا، ولهم من القدم ما ليس لنا، فكيف بنا حين
أَدْرَكْناهُ على قلَّةِ علم، وقلَّةِ صَيْرٍ، وقلَّةِ أَعْوانٍ على الخيرِ، وفسادٍ من
النَّاسِ، وكدرٍ من الدُّنيا؟!
فعليك بالأمرِ الأوَّلِ، والتَّمَسُّكِ به، وعليك بالخُمولِ، فإنّ هذا زَمَنُ
(١) ممتليء.
(٢) صار فيها قروح من خشونة الورق ومرارته.
(٣) هو سعد بن أبي وقاص هذه.
(٤) رواه مسلم (٨/ ١٠٢) نووي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٨٩
علو الهمة في النصيحة
الُمولِ، وعليك بالعُزْلَة، وقلَّةٍ مُخُالطَةِ الناس، فإنه كان الناسُ إذا التقوا؛
يَنْتَفْعُ بعضهم ببعضٍ، فَأَمَّا اليوم؛ فقد ذهب ذاكَ، والنَّجاةُ في تركهم فيما
نری.
وإِيَّاكَ والأمراءَ أَنْ تَدْنُو منهم وتُخالطَهُم في شيءٍ من الأشياءِ، وإِيَّاكَ
أَنْ تُخْدَعَ، فيقال لك: تَشْفَعُ، وتَدْرَأُ عن مظلومٍ، أو تُردُّ مظلمةً، فإِنَّ ذلك
خَديعةُ إِبْليسَ، وإِنَّمَا اَّخَذَهَا فُجَّارُ القُرَّاءِ سُلَّمًا.
وكان يقال: اتَّقُوا فتنة العابدِ الجاهل، والعالم الفاجر؛ فإنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ
لكُلِّ مَفْتُونٍ.
وما لَقيتَ من المسْأَلَةِ والفُتْيا؛ فَاغْتَنِمْ ذلك، ولا تُنافِسْهُم فيه.
وإِيَّاك أنْ تكون كمنْ يُحِبُّ أنْ يُعْمَلَ بقوله، أو يُنْشَرَ قوله، أو يُسْمَعَ
قولهُ، فإذا تُرِكَ ذاكَ منهُ؛ عُرِفَ فيه.
وإِيَّكَ وحُبَّ الرِّئاسةِ؛ فإنَّ الرَّجُل تكون الرِّئاسةُ أحبَّ إليه من
الذَّهبِ والفِضَّةِ، وهو بابٌ غامضٌ، لا يُبْصِرُهُ إِلَّ العلماء السَّماسرة، فتفقَّدْ
نفسك، واعمَلْ بِيَّةٍ، واعلمْ أنَّهُ قَدْ دَنا من الناس أَمْرٌ يَشْتَهِي الرَّجُلُ أنْ
يمُوتَ.
٠
والسَّلامُ(١).
نعم .. صدق سفيان ونصح، ورحم الله ابن عبد البر القائل:
ويَجْعَلُ الْحُبَّ حَرْبًا للمُحِبِّنا
حُبُّ الرِّياسَةِ دَاءٌ يَخْلُقُ الذُّنْيا
فلا مُروءَةَ يُبْقِي لا ولا دِیْنا
يَفْرِي الحَلاقِمَ والأَرْحَامَ يَقْطَعُها
(١) ذكرها أبو نعيم في «الحلية)) (٧٣٦/٦ - ٣٧٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
تَراهُ إلَّا عَدُوًّا للمُحِقَّيْنا
مَن سَادَ بالجَهْلِ أَوْ قَبْلَ الرُّسُوخِ
ضَاهَى بذلكَ أَعْدَاءَ النَّبِيِّينا (١)
يَبْغِي ويَحْسَدُ قَوْمًا وهُو دُونَهُمُ
وصيّة عبّاد بن عبّاد الخواص (٢) إلى أهل السنة والجماعة:
عن عبَّادِ بنِ عَبَّادِ الخَوَّاصِ الشَّامِيِّ أبو عُتبةَ قال:
أمَّا بعدُ: اعْقِلوا، والعقلُ نعمةٌ وإنَّهُ يوشِكُ أَنْ يكونَ حَسْرةً، فربَّ ذي
عَقْلِ قد شغل قلبَهُ بالتَّعَمُّقِ فيما هو عليه ضرَرٌ عن الانتفاع بما يحتاجُ إليه،
حتى صارَ عن ذلك ساهیًا.
ومن فضْلٍ عقل المرء تَرْكُ النَّظَرِ فيما لا نظر فيه حتى يكون فَضْلُ عقله
وبالًّا عليه في ترك مناقشة من هو دونهُ في الأعمال الصَّالِحَةِ، أو رجلٌ شَغْلَ
قلبهُ ببدعةٍ قلَّدَ فيها دينَه رجالًا دونَ أصحاب رسول الله وَّهِ، أو اكْتَفى
برأيهِ فيما لا يرى الهُدَى إلَّ فيها، ولا يرى الضَّلالَةَ إلَّا تَرْكَها؛ بزعْمِ أنَّهُ
أخَذَها من القرآنِ، وهو يَدْعو إلى فراق القُرْآنِ.
أَفَمَا كان للقُرآنِ حملةٌ قبلَهُ وقبل أصحابه يعملون بمحكمه، ويؤمنونَ
بمتشابهِهِ؟! وكانوا مِنهُ على مَنارٍ أَوْضَحَ الطَّريقِ.
وكان القرآنُ إمامَ رسولِ اللهِ وَّهِ، وكانَ رسولُ اللهِ وَلَه إمامًا
لأصحابهِ، وكان أصْحابُهُ أَئِمَّةً لمن بعدَهُم؛ رجالٌ معروفونٌ منسوبونَ في
البُلدان، متِّفِقونَ في الرَّدِّ على أصحاب الأهواءِ، مع ما كان بينهم من
الاختلافِ، وتسَكُّع أصحاب الأهواءِ برأيهمْ في سُبُلٍ مختلِفَةٍ جائرَةٍ عن
(١) ((جامع بيان العلم)) (١ / ١٤٣ - ١٤٤).
(٢) من فضلاء أهل الشام وعُبَّادهم، وثقة يحيى بن معين والفسوي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٩١
علو الهمة في النصيحة
القصدِ، مُفارِقَةٍ للصِّراطِ المستقيم، فتوّهَتْ بهم أدلاؤهم في مَهامِهَ مُضِلَّة،
فَأَمْعَنُوا فيها مُتَعسِّفينَ في هيآتهم، كُلّمَا أَحْدَثَ لهم الشيطان بدعةً في
ضلالتهم؛ انتقلوا منها إلى غيرها؛ لأنَّهُم لم يطلُبُوا أَثَرَ السَّالِفِينَ، ولم يقْتَدوا
بالُهاجرين.
وقد ذُكِرَ عن عُمر أَنَّهُ قال لزيادٍ: «هلْ تدْري ما يَهْدِمُ الإسلامَ؟ زَلَّةُ
عالم، وجِدالُ منافِقٌ بالقرآنِ، وأئمَّةٌ مُضِلُّون)).
أَتَّقُوا الله وما حدثَ في قُرَّائِكُم وأهل مساجدكُمْ من الغيبةِ والنَّميمةِ
والَشْي بين النَّاسِ بوجْهَيْنِ ولسانَيْنِ.
وقد ذُكِرَ أنَّ من كان ذا وجهين في الدُّنيا، كان ذا وجهينٍ في النَّارِ.
يَلقاكَ صاحب الغيبة، فيغْتَابُ عندك من يرى أنَّكَ تُحِبُّ غِيْبتَهُ،
ويُخالِفُكَ إلى صاحبك، فيأتيْهِ عنك بمثله، فإذا هو قد صاب عند كُلِّ
واحدٍ منکما حاجتهُ، وخفِيَ علی کُلُّ منکما ما یأتي عند صاحبه.
خُضورُه عند من حضر حُضورُ الإخوانِ، وغيبتُه عن من غَابَ عنه
غيبةُ الأعداءِ.
من حضَرَ منهم؛ كانتْ له الأثرةُ، ومن غاب منهم؛ لمْتَكُنْ له حُرمةٌ.
يَغْبنُ من حضرةُ بالتزكيةِ، ويغتابُ من غَابَ عنه بالغِيْبَةِ.
فيا لعبادِ الله! أما في القوم من رشيدٍ ولا مُصْلحٍ، به يُقْمَعُ هذا عنْ
مَکِیدَته، ویرُدُّهُ عن عرضٍ أخيه المسلم؟!
بل عرف هواهُمْ فيما مشى به إليهم، فاستمكَّنَ منهم، وأَمْكنوهُ من
حاجته، فأكل بدینه مع أديانهم.
فالله الله؛ ذُبُوا عن حُرَمٍ أعيانكُم، وكُقُّوا ألسنتكُمْ عنهم؛ إلَّا من خيٍ،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
وناصحوا الله في أُمَّتِكُم إذ كنتم حملةَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ الكتابَ لا يَنْطِقُ
حتى يُنْطَقَ به، وإنَّ السُّنَّةَ لا تَعْمَلُ حتَّى يعمل بها.
فمتى يتعلَّمُ الجاهِلُ إذا سكت العالمُ، فلم يُنْكِرْ ما ظهر، ولم يأمُرْ بما
تُرِكَ؟!
وقد أخذَ الله مِيثاقَ الذين أتوا الكتاب لَيُبيِّنْنَّهُ لِلنَّاسِ، ولا يَكْتُمونَهُ.
كأنَّهُ لا يعلمُه إخوانكُم، إنْ أرضوْكُمْ؛ لو تُنَاصِحوهم، وإِنْ
أسخطوكم؛ أغنيتموهم، فلا أنتم ورغْتُم في السُّخْطِ، ولا أنتم
ناصحْتُموهُم في الرِّضا.
اتَّقوا الله فإنَّكم في زمانٍ رَقَّ فيه الوَرَعُ، وقلَّ فيه الخشوعُ، وحمل العلمَ
مُفْسِدوهُ، فَأَحبُّوا أَنْ يُعْرَفوا بحمله، وكرهوا أَنْ يعرفوا بإضاعته، فنطقوا
فيه بالهوى؛ لما أَدْخَلوا فيه من الخطإِ وحرَّفوا الكلمَ عَّ تركوا من الحقِّ إلى
ما علموا به من الباطل، فذُنُوبهم ذنوبٌ لا يُسْتَغْفَرُ منها، وتقصيرُهُم لا
يُعْتَرفُ به.
كيف يهتدي المستَدِلُّ المسترشدُ إذا كان الدَّليلُ حائرًا؟!
أَحَيُّوا الدُّنيا، وکرهوا منزلة أهلها، فاشر کُوهم في العیش، وزایلوهم
بالقولِ، ودافَعُوا بالقول عن أنْفُسِهِمْ أَنْ يُنْسَبُوا إلى عملهم، فلم يَتَبَرَّؤوا ممَّا
انْتَفَوْا منه، ولم يَدْخُلوا فيما نَسَبُوا إليه أنفسهم؛ لأنَّ العامل بالحقِّ متكلِّمٌ
وإنْ سكتَ، وقد ذُكر أنَّ الله تعالى يقولُ: ((إنِّي لستُ كُلَّ كلام الحكيم
أتقبَّلُ، ولكنِّي أَنْظُرُ إلى هَمِّه وهَواهُ؛ فإنْ كان هُّهُ وهَواهُ لي؛ جعلْتُ صمته
حمدًا ووقارًا، وإنْ لم يتكلَّمْ)).
: قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٩٣
علو الهمة في النصيحة
اُلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
[الجمعة].
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
[البقرة: ٦٣].
* وقال تعالى: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ
قال: العملُ بما فيه.
ولا تكْتَفُوا من السُّنَّة بانْتحالها بالقولِ دونَ العملِ بها؛ فإِنَّ انْتِحَالَ
السُّنَّةِ دونَ العمل بها كذبٌ بالقولِ مع إضاعَةِ العلمِ.
ولا تَعِيْبُوا بالبدع تزيًُّا بعيبها؛ فإِنَّ فساد أهلِ البدع ليس بزائدٍ في
صلاحِكُمْ، ولا تعيْبُوها بغْيًا على أهلها؛ فإِنَّ البَغْيَ من فسادٍ أنفسكم.
وليس يَنْبَغِي للمُطّبِّبِ أن يداوي المرضى بما يُبْرِئهم ويمرضه، فإنَّهُ إذا
مرض؛ اشتغل بمرضه عن مُداواتهم، ولكن ينبغي أنْ يلتمس لنفسه
الصِّحَّةَ؛ لِيَقْوَى على علاج المرضى.
فليَكُنْ أمركم فيما تُنْكِرونَ على إخْوانِكُمْ نظرًا منكم لأنفسكم،
ونصيحةً منكم لربِّكُمْ، وشفقةً منكم على أخواتُكمْ، وأَنْ تكونوا -مع
ذلك- بعُيوبٍ أنفسكم أَعْنَي بعيوبٍ غيركُم، وأَنْ يستفطمَ بعضكم بعضًا
النَّصيحةَ، وأَنْ يُحْظَى عندكم من بذَلهَا لكم وقبِلَها مِنْكُم، وقدْ قال عمرُ بن
الخطّابِ خَيْعنه: ((رَحِمَ الله من أَهْدَى إِلَيّ عُيُوبٍ)).
تُحِبُّونَ أن تقولوا فيُحْتَمل لكم، وإنْ قيل لكم مِثْلُ الذي قلتم؛
غضبْتُ، تجدون على النَّاسِ فيما يُنكِرِونَ من أمورهم، وتأتون مثل ذلك،
أفلا تُحِبُّون أنْ يُؤخذَ عليكم؟!
التَّهموا رأيُكُمْ ورأي أهل زمانكم، وتثبُّوا قبل أنْ تكلَّموا، وتعلّموا
قبل أَنْ تُعَلِّموا، فإنَّهُ يأتي زمانٌ يشتبهُ فيه الحقُّ والباطِلُ، ويكونُ المعروفُ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فيه مُنْكرًا، والمنكر فيه معروفًا، فمنكم مقتربٌ إلى الله بما يُباعدُهُ، ومتحَبِّبٌ
إليه بما يُبْغِضُهُ عليه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَهَاءُ حَسَمَّاً؛
الآية [فاطر: ٨].
فعلیكُمْ بالوقوفِ عند الشَّبُهات، حتى یبرُزَ لكم واضِحُ الحقِّ بالبيِّمَةِ،
فإنَّ الدَّاخِلَ فيما لا يعلم بغير علم آثمٌ، ومن نظر لله؛ نظر الله له.
وعليكُمْ بالقرآنِ، فأَمُوا به، وأمُّوا به، وعليكم بطلب أثَرِ الماضِينَ فيه.
ولو أَنَّ الأحْبارَ والرُّهبانَ لم يَتَّقُوا زَوالَ مراتبهمْ وفسادَ منزلتهمْ بإقامةِ
الكتاب وتبْيانِه؛ ما حَرَّفوهُ ولا كَتَمُوه، ولكنَّهُمْ لَّا خالفوا الكِتابَ
بأَعْمَالِمُ، الْتَمسوا أَنْ يُخْدَعوا قوْمَهُم عَّا صَنَعُوا؛ مخافةَ أَنْ تَفْسُدَ منازِلُم،
وَأَنْ يتبيَّنَ لِلنَّاسِ فَسادُهُم، فحَرَّفوا الكتاب بالتَّفْسيِ، وما لَمْ يستطيعوا
تَحْريفهُ؛ كتمُوهُ، فسكتوا عنْ صَنيع أنفسهم؛ إبقاءً لمنازلهم، وسكتُوا عَّا
صنع قومُهم؛ مُصانَعَةً لهُم.
ولقدْ أخذ الله ميثاقَ الذين أُوتوا الكتاب ليُبَّنَّهُ لِلنَّاسِ، ولا يكتُمونَهُ،
بل مالوا عليه، ورفقوا لهم فيه (١).
وصية الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز:
■ كتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بن عبد العزيز: ((اعلمْ أَنَّ التَّفْكَّرَ يدع إلى الخير
والعمل به، والنَّدَمَ على الشرِّ يدعو إلى تركِهِ، وليس ما يفنى-وإنْ كان
كثيرًا- يعْدِلُ ما يبقى - وإنْ كان طلبُهُ عزيزًا، واحتمالُ المؤونَةِ المنقطعَةِ التي
تُعْقِبُ الراحةَ الطويلةَ خيرٌ من تعجيل راحةٍ منقطعةٍ تُعْقِبُ مؤونةً باقيةً.
(١) أخرجه الدارمي (١٦٠/١ - ١٦٣)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٢/٨).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٩٥
علو الهمة في النصيحة
فاحْذَرْ هذه الدارَ الصارعَةَ الخادعة الخاتِلَةَ التي قد تزيَّنتْ بخدعها،
وغرَّتْ بغُرورها، وقتلتْ أهلها بأملها، وتشوَّفَتْ لِخُطَّابها، فأصبحتْ
كالعروس المجْلُوَّةِ: العيونُ إليها ناظِرَةٌ، والنفوسُ لها عاشِقةٌ، والقلوبُ
إليها والهةٌ، ولألبابِها دامغةٌ، وهي لأزواجِها كلِّهِم قاتِلٌ، فلا الباقي
بالماضي معتَبِرٌ، ولا الآخرُ بما رأَى من الأوَّلِ مُزدَجرٌ، ولا اللبيبُ بكثرةٍ
التَّجاربِ مُنْتَفِعٌ، ولا العارفُ بالله والمصدِّقُ له حين أخبرَ عنها مدكر.
فأبتِ القلوبُ لها إلَّ حُبًا، وأَبتِ النُّفُوسُ بها إِلَّ ضنًّا، وما هذا منالها
إلَّا عِشْقًا، ومن عشقَ شيئًا؛ لم يَعْقِلْ غيرهُ، وماتَ في طلبه، أو يظفر به، فهما
عاشقان طالبان لها:
فعاشِقٌ قد ظَفِرَ بها واغتَرَّ، ونسيَ بها المبدأَ والمعاد، فشُغِلَ بها لبُّهُ،
وذُهِلَ فيها عَقلُهُ، حتى زَلَّتْ عنها قدمُهُ، وجاءَتْهُ أَسْرَعَ ما كنت له مَنِيَّتَهُ،
فعظُمَتْ ندامتُه، وكُسِرتْ حسْرَتُهُ، واشتَدَّتْ كرْبتُهُ؛ مع ما عالج من
سكرتِهِ، واجتمعتْ عليه سكراتُ الموتِ بألمه، وحسرةُ الموتِ بغُصَّتِهِ، غير
موصوفٍ ما نزلَ به.
وآخَرُ ماتَ قبل أَنْ يظفرَ منها بحاجتِهِ، فذهب بكُرْبِه وغَمِّه، لم يُدْرِكْ
منها ما طلب، ولم يُرِخْ نفسه من التَّعَبِ والنَّصَبِ، خرجا جميعًا بغير زادٍ،
وقَدِما علی غیر مِهادٍ.
فاحْذَرْها الحذر كُلَّهُ؛ فإنَّها مثلُ الحَيَّةِ: لَيِّنٌّ مسُّها، وسُمُّها يَقْتُلُ.
فأعرض عما يُعْجِبُكَ فيها؛ لقَّلة ما صحَبُكَ منها، وضعْ عنك همومَها؛
لما عايَنْتَ من فجائعها، وأَيْقنْتَ به من فراقها، وشدِّدْ ما اشتَدَّ منها لرخاءِ
ما يصيبُكَ، وكُنْ أَسَرَّ ما تكون فيها أحذر ما تكونُ لها؛ فإِنَّ صاحِبَها كُلَّما
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٤٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
اطمأَنَّ إلى سُرورٍ لَهُ أشخصتْهُ عنها بمکروٍ، و گُلّما ظِفِرَ بشيءٍ منها، وثنی
رجلًا عليه؛ انْقَلَبتْ به.
فالسَّارُّ فيها غَارٌّ، والنافعُ فيها غَدًا ضارٍّ، وصِلَ الرَّخاءُ فيها بالبلاء،
وجُعِلَ البقاءُ فيها إلى فناءٍ، سرورُها مشوبٌ بالحُزْنِ، وآخرُ الحياةِ فيها
الضعفُ والوهنُ، فانظرْ إليها نظرَ الزاهِدِ المفارِقِ، ولا تنظُرْ نظر العاشِقِ
الوامِقِ.
واعلمْ أَنَّهَا تزيلُ الثاويَ الساكِنَ، وتَفْجَعُ المغرورَ الأَمِنَ، لا يرجعُ ما
تولَّى منها فَأَدْبَر، ولا يُدْري ما هو آتٍ فيها فيُنْتَظَرُّ.
فاحذرْها؛ فإنَّ أَمانِيها كاذبةٌ، وإِنَّ آمالها باطلةٌ، عيشُها نَكِدٌ، وصفوها
كَدَرٌ، وأنت منها على خطرٍ: إمَّا نعمةٌ زائِلَةٌ، وإمَّا بليَّةٌ نازلةٌ، وإمَّا مُصيبةٌ
موجعةٌ، وإمّا منَّةٌ قاضیةٌ.
فلقد كدَّرَتْ عليه المعيشةُ إنْ عقلْ، وهو من النعماءِ على خطرٍ، ومن
البَلْوى على حَذَرٍ، ومن المنايا على يقينٍ، فلو كان الخالِقُ تَعالى لم يُخْبِرْ عنها
بخيرٍ، ولم يضرِبْ لها مثلًا، ولم يأُمُّر فيها بزهدٍ؛ لكانتِ الدَّارُ قد أيقظَتِ
النائِمَ، ونَبَّهَتِ الغَافِلَ.
فكيفَ وقد جاءَ من الله تعالى عنها زاجِرٌ، وفيها واعِظُ؟! فما لها عند
الله وَّ قَدْرٌ، ولا لها عندِ الله تعالى وزنٌ من الصِّغرِ، ولا تزِنُ عند الله تعالى
مقدارَ حَصاةٍ من الحَصا، ومقدارَ ثراةٍ في جميعِ الثَّرَى، ولا خلق خَلْقًا -
فيما بُلِّغْتُ - أبْغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها؛ مقْتًا لها.
ولقد عُرَضتُ على نبيِّنَا وَّهِ بمفاتيحها وخزائنها، ولم يَنْقُصْهُ ذلك
عندَهُ جناح بعوضةٍ، فأَبِى أَنْ يقبلها، وما منعهُ من القبولِ لها - ولا يَنْقُصَّه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٩٧
علو الهمة في النصيحة
عند الله تعالى شيءٌ - إلّا أنَّهُ علم أنَّ الله تعالى أبغضَ شيئًا فأبغضهُ، وصغَّرَ
شيئًا فصغَّرَهُ، ووضع شيئًا فوضعهُ، ولو قبلها؛ كان الدَّليل على حُبِّهِ إِيَّاها
قبولها، ولكنَّهُ كره أنْ يحبَّ ما أبْغضَ خالقه، وأنْ يرفع ما وضعَ مليكُهُ.
ولو لم يدُلُّه على صغر هذه الدَّارِ إلَّا أنَّ الله تعالى حَقَّرَها أنْ يجعل
خيرها ثوابًا للمُطيعين، وأَنْ يجعل عُقوبتها عذابًا للعاصينَ، فأخْرِجَ ثوابَ
الطاعةِ منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها.
وقد يدلُّكَ على شَرِّ هذه الدَّارِ أنَّ الله تعالى زَواها عن أنبيائه وأحبائِهِ
اختبارًا، وبسطها لغيرهم اعتبارًا واغترارًا.
ويَظُنُّ المغرورُ بها والمفتونُ عليها أنَّهُ إِنَّا أكرمَهُ بها، ونسي ما صنع
بمحمدٍ المصطفى وَّةٍ، وموسى المختارِ لِثَلا بالكلام له وبمناجاتِه:
فَأَمَّا محمدٌ ◌َِِّ، فِشَدَّ الحجر على بطنِهِ من الجوعِ.
وأمَّا موسى ◌َّلِ؛ فَرُنِيَ خضرةُ البقل من صفاقِ بطنه من هُزالِهِ، ما
سألَ الله تعالى يومَ أوى إلى الظُّلِّ إلَّا طعامًا يأْكُلُه من جوعِه.
ولقد جاءتٍ الرواياتُ عنه أنَّ الله تعالی أَوْحی إلیه أن یا موسی! إذا
رأيت الفقر مقبلًا؛ فقُلْ: مرحبًا بشعار الصالحين، وإذا رأيتَ الغنى قد
أقبل؛ فقلْ: ذنْبٌ عُجِّلتْ عقوبتُه.
وإنْ شئت ثلَّثْه بصاحب الرُّوحِ والكلمةِ، ففي أمره عجيبةٌ، كان
يقول: أُدْمي الجوعُ، وشعاري الخوفُ، ولباسي الصُّوفُ، ودابَتي رجلي،
وسراجي بالليل القمرُ، وصلايتي في الشِّتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما
أنبتت الأرضُ للسباع والأنعام، أبيتُ وليس لي شيءٌ، وليس أحدٌ أَغنى
مني.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ولو شئتَ؛ رَبَّعْتُ بسليمانَ بن داود ◌َِّلِّ فليس دُونَهُم في العجبِ،
يأكُلُ خبزَ الشَّعيرِ في خاصَّتِهِ، ويطعمُ أهله الخشكارَ والناسَ الدرمكَ، فإذا
جَنَّةُ الليلُ؛ لبسَ المسوحَ، وغَلَّ اليد إلى العُنُقِ، وباتَ باكيًا حتى يصبح،
يأكُلُ الحَشِنَ من الطَّعامِ، ويَلْبَشُ الشعر من الثيابِ.
كلَّ هذا؛ يبغضون ما أبغضَ الله وَّ ويُصغَّرون ما صَغَّرَ الله تعالى،
ويزهَدُونَ فيما فيه زَهَّدَ.
ثم اقتصَّ الصالحون بعد منْهاجَهُمْ، وأخذوا بآثارهم، وأَلزموا الكَدَّ
والعبرَ، وألطفوا التَّفكّرَ، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرورِ
الذي إلى الفناءِ يصيرُ، ونظروا إلى آخرِ الدُّنيا، ولَم ينظُرُوا إلى أَوَّلِها، ونظروا
إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلةٍ حلاوتها.
ثم أَلزموا أنفسهم الصبر؛ أنزلوها من أنفسهم بمنزلةِ الميتَةِ التي لا يُحِلُّ
الشِّبَعُ منها إلَّا في حالِ الضَّرورةِ إليها، فأكلوا منها بقدْرِ ما يُرُدُّ النفس،
ويَقِي الرُّوحَ، ومكنِ اليوم، وجعلوها بمنزلةِ الجيفةِ التي قد اشتَدَّ نَتنُ
ريحها، فكُلّ من مرَّ بها؛ أمسكَ على أنفهِ منها، فهم يصيبونَ منها لحالٍ
الضُّرِّ، ولا ينتهون منها إلى الشِّبَعِ من النّتنِ، فَقُرِّنَتْ عنهم، وكانت هذه
منزلتُها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شِبَعًا، والمتلذَّذِ بها أشَرًا،
ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافونَ من الأكل؟! أَما يَجِدونَ
ريحَ النَّنِ؟!
وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلةِ أنتَنُ من الجيفة المرصوفَةِ، غير
أنَّ أقوامًا استعْجَلوا الصبرَ؛ فلا يجدون ريحَ الَّتنِ، والذي نشأً في ربحِ
الإهابِ النَّتِنِ لا يَجِدُ نتنَهُ، ولا يجِدُ من ريحه ما يؤذي المارَّةَ، والجالِسَ
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٤٩٩
علو الهمة في النصيحة
عنده.
وقد يكْفي العاقلَ منها أَنَّهُ من ماتَ عنها وتَرَكَ مالًا كثيرًا؛ سَرَّهُ أَنَّهُ
كان فيها فقيرًا، أو شريفًا؛ أَنَّهُ كان فيها وضيعًا، أو كان فيها معافيّ؛ سَرَّهُ أَنَّهُ
كان فيها مُبْتليَّ، أو كان مُسَلْطنًا؛ سرَّهُ أَنَّهُ كان فيها سوقةً.
وإنْ فارقْتَها؛ سَرَّكَ أَنَّكَ كنت أوْضَعَ أهلها ضعةً، وأشدَّهُم فيها فاقةً،
وأليس ذلك الدليل على خِزْيها لمنْ يعْقِلُ أَمْرها؟!
والله لو كانت الدُّنيا من أرادَ منها شيئًا؛ وجدَهُ إى جنبه؛ من غير طلبٍ
ولا نصب؛ غير أنَّه إذا أخذ منها شيئًا؛ لزمَتْهُ حقوقُ الله فيه، وسأَلهُ عنه،
ووقَفَهُ على حسابهِ؛ لكانْ ينْبَغي للعاقلِ أَنْ لا يَأْخُذَ منها إلَّا قَدْرَ قُوتِهِ وما
يكفي؛ حذرَ السُّؤالِ، وكراهيةً لشدَّةِ الحسابِ.
وإِنََّا الدُّنيا إذا فكّرتَ فيها ثلاثةُ أيامٍ: يومٌ مضى لا ترْجوهُ، ويومٌ أنْتَ
فيه ينبغي لك أن تغْتِمَهُ، ويومٌ يأتي لاَّ تَذْري أنتَ من أهلِهِ أم لا؟ ولا
تَدْرِي لعلَّكَ تموتُ قبلَهُ.
فَأَمَّا أَمْسِ؛ فحكيمٌ مؤدِّبٌ، وأمَّا اليوم؛ فصديقٌ مُودٌِّ، غير أَنَّ أمس
وإنْ كان قدْ فجعك بنفسه؛ فقد أَبْقى في يديكَ حِكْمَتَهُ، وإنْ كنتَ قد
أَضَعْتَهُ؛ فقد جاءك خلفٌ منه، وقد كان عنك طويل الغيبةِ، وهو الآن
عنكَ سَرِيعُ الرِّحْلةِ.
وغدًا أيضًا في يديكَ منهُ أمَلُهُ، فخُذِ الثِّقَةَ بالعملِ، واتْرُكِ الغرورَ
بالأمَلِ قبل حُلولِ الأجل، وإِيَّاكَ أن تُدْخِلَ على اليومِ هَمَّ غدٍ أو هَمَّ ما
بعْدَهُ؛ زدتَ في حُزْنِكَ وتعَبِكَ، وأَردْتَ أن تَجْمَعَ في يومِكَ ما يكفيكَ
أيامكَ، هيهاتَ، كَثُرَ الشُّغُلِ، وزادَ الحُزْنُ، وعَظُمَ التَّعَبُ، وأضاع العبد
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
العمل بالأمل.
ولو أَنَّ الأمل في غدك خرج من قلبك؛ أحسنْتَ اليومَ في عملكَ،
واقتصرتَ لهَمِّ يومك، غير أنّ الأمل في الغدِ دعاكَ إلى التَّفريطِ، ودعاكَ إلى
المزيدِ في الطَّلَب.
ولَئِنْ شئتَ واقتصرتَ؛ لأصِفَنَّ لك الدُّنْيا ساعةً بين ساعتين، ساعةٍ
ماضیةٍ، وساعة آتيةٍ، وساعةٍ أنت فيها.
فَأَمَّا الماضيةُ والباقيةُ؛ فليس تَجِدُ لراحَتِها لذَّةً، ولا لبلائهما ألمًا، وإنَّما
الدنيا ساعةٌ أنت فيها، فخدعَتْكَ تلك الساعةُ عِن الجَنَّةِ، وصيرَّتْكَ إلى
النَّار.
وإنَّما اليومُ - إنْ عَقَلْتَ - ضيفٌ نزل بك وهو مرغَحِلٌ عنكَ، فإِنْ
أحسنْتَ نُزِلهُ وقِراهُ؛ شهِدَ لك، وأَثْنَى عليك بذلك، وصدَق فيكَ، وإنْ
أسأتَ ضيافته، ولم تحسِنْ قراهُ؛ جال في عينيك.
وهما يومانِ بمنزلةِ الأخوينِ، نَزَلَ بك أحدُهما، فأَسأَتَ إليهِ، ولم تحسِنْ
قِراهُ فيما بينك وبينه، فجاءَك الآخرُ بعدَه، فقال: إنِّي قد جئتُكَ بعد أخي،
فإِنَّ إحسانَكَ إليَّ يمحو إساءَتَكَ إليه، ويغْفِرُ لك ما صنعْتَ، فدونَكَ إذ
نَزَلْتُ بك وجثْتُكَ أخي المرتَحل عنك، فلقدْ ظِفِرْتَ بخلَفٍ منه إنْ عقلْتَ،
فدَارِكْ ما قَدْ أضَعْتَ، وإن أَلحَقْتَ الآخرِ بالأول؛ فما أخلقكَ أَنْ تَهْلَكَ
بشهادتهما عليك.
إنَّ الذي بقيَ من العُمرُ لا ثمنَ له ولا عدلَ، فلو جُمعتِ الدُّنيا كلُّها ما
عدَلت يومًا بقيَ من عُمُر صاحبه، فلا تبعِ اليومَ وتعْدِلُهُ من الدُّنيا بغيرِ
ثمِنه، ولا يكونَنَّ المقبورُ أعظمَ تعظيمًا لما في يديكَ منكَ وهو لكَ، لعمري.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/