النص المفهرس
صفحات 201-220
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠١ علو الهمة في بذل المعروف وعليه فلا دلالةَ في قصة أم أسماء على عدم النسخ، ولا على إثباته. وإذا رجعْنا إلى عموم اللفظ، نجدُ الآيةَ صريحةً شاملةً لكل من لم يُناصِبِ المسلمين العَداء، ولم يظهر سُوءً إليهم، وهي في الكفار أقربُ منها في المسلمين؛ لأن الإحسانَ إلى ضَعَفة المسلمين معلومٌ بالضرورة الشرعية، وعليه فإن دعوى النسخ تحتاج إلى دليلٍ قويٍّ يقاومُ صراحةً هذا النص الشامل، وتوفّرٍ شروط النسخ المعلومة في أصول التفسير. ويؤيد عدمَ النسخ ما نقله القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها مُحكمة، وكذلك كلامُ الشيخ -رحمة الله تعالى عليه- عند قوله تعالى: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، بأن ذلك رخصةٌ في حالة الخوف والضعف - مع اشتراط سلامة الداخل في القلب-، فإن مفهومَه أنها محكمةٌ وباقٍ العملُ بها عند اللزوم، ومفهومُه أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوةٍ وعدمٍ خوفٍ، وفي مأمنٍ منهم، وليس منهم قتال، وهم في غايةٍ من المسالمة، فلا مانع من برِّهم بالعدل والإقساط معهم، وهذا مما يَرفعُ من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوةٌ إلى الإسلام بحُسن المعاملة وتأليف القلوب بالإحسان إلى مَن أحسن إليهم، وعدم معاداةٍ من لم يُعادهم. ومما يدلُّ لذلك من القرائن التي نوَّهنا عنها سابقًا: ما جاء في التذييل [الممتحنة] فهذا ترشيحٌ ٨ لهذه الآية بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ لما قدَّمنا، كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى: ﴿وَمَن يَنَوَُّمْ فَأَوْلَئِكَ هُمُ [الممتحنة]، ففيه مقابلةٌ بين العدل والظلم، فالعدل في الظَّالِمُونَ الإحسان، والقسطُ لمن يسالمك، والظلمُ ممن يوالي من يعادي قومه. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٢ صلاح الأمة في علو الهمة ومما يَنفي النسخَ: عدمُ التعارض بين هذا المعنى وبين آيةِ السيف؛ لأن شرطَ النسخ التعارضُ، وعدمُ إمكان الجمع، ومعرفةُ التاريخ، والجمعُ هنا ممكن، والتعارضُ منفي؛ وذلك لأن الأمرَ بالقتال لا يمنعُ الإحسانَ قبله، كما أن المسلمين ما كانوا ليفاجؤوا قومًا بقتالٍ حتى يدعوهم إلى الإسلام، وهذا من الإحسان قطعًا؛ ولأنهم قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل الذمة بكل إحسانٍ وعدالة. ■ وقصة الظَّعينة في ((صحيح البخاري)) صاحبةِ المزادتين لم يقاتلوها أو يأسروها أو يستبيحوا ماءها، بل استاقوها بمائها لرسول الله وَالاقت، فأخذ من مزادَتيها قليلًا، ودعا فيه وردَّه، ثم استقَوا وقال لها: ((اعلمي أن اللهَ هو الذي سقاناً، ولم نَنقُصْ من مزادتيكِ شيئًا»، وأكرموها وأحسنوا إليها، وجمعوا لها طعامًا، وأرسلوها في سبيلها، فكانت تذكر ذلك، وتدعو قومها للإسلام. وقصةُ ثُمامة لما جيء به أسيرًا، ورُبط في سارية المسجد، وبعد أن أصبح عاجزًا عن القتال، لم يمنعهم من الإحسان إليه، فکان يُراح عليه كل يوم بحليبٍ سَبْع نِیاقٍ، حتى فكَّ أسرَه فأسلم طواعية. وهكذا نص قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ٥ إِنََّ فْطِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ﴾ الآية [الإنسان]. ومعلومٌ أنه لم يكن ثمَّ أسيرٌ بيد المسلمين إلَّا من الكفار. وفي سنة تسع - وهي سنة الوفود-، كان يقدم إلى المدينة المسلمون وغير المسلمين، فيتلقّون الجميع بالبر والإحسان -- كوفد نجران وغيرهم -. وها هوذا وفدُ تميم جاء يفاوضُ في أُسارى له، فيأذن لهم وَِّ، تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد علو الهمة في بذل المعروف ٢٠٣ ويستمعُ مفاخرتهم، ويأمرُ من يردُّ عليهم من المسلمين، وفي النهاية يُسلمون، وُجیزهم الرسول صل﴾ بالجوائز. وهذا أقوى دليل على عدم النسخ؛ لأن وفدًا يأتي متحديًا مفاخرًا - لكنه لم يقاتل ولم يُظاهِرْ على إخراجهم من ديارهم، وجاء في أمرٍ جارٍ في عُرف العرب-، فجاراهم فيه وَّلـ بعد أن أعلن لهم أنه ما بالمفاخرة بُعث، ولكن ترفقًا بهم، وإحسانًا إليهم، وتأليفًا لقلوبهم، وقد كان فأسلموا، وهذا ما تُعطيه جميع الأقوال التي قدمناها. وقد بحث إمامُ المفسرين الطبري هذه المسألةَ من نواحي النقل، وأخيرًا ختم بحثه بقوله ما نصُّه: وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عَنَى بذلك قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِینِ [الممتحنة: ٨] من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبرُّوهم وتصلوهم وتُقسطوا إليهم إن الله وَّهِ عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْيُخْرِجُوكُم مِّن دیکُمْ ﴾ [الممتحنة: ٨] جمیعَ من کان ذلك صفته، فلم ◌ُخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنَّى لقول من قال: ((ذلك منسوخ))؛ لأن برَّ المؤمنين من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابةُ نسبٍ، أو ممن لا قرابةَ بينه ولا نسب: غيرُ محرم ولا منهيٍّ عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالةٌ له - أو لأهل الحرب- على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٍ لهم بكُراع أو سلاح. وقد بيَّنَّا صحة ما قلنا في ذلك الخبر الذي ذكرناه عن الزبير في قصة أسماء وأمها. ٥﴾، يقول: إن الله يحبُّ المنصفين وقوله: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ الذي يُنصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيَبرُّون مَن تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٤ صلاح الأمة في علو الهمة بَرَّهم، ويُحسنون إلى من أحسن إليهم. انتهى منه. ■ وفي تفسير آياتِ الأحكام للشافعي ◌َمَّهُ مبحثٌ هام نسوقُه أيضًا بنصِّه لأهميته: * قال الله وَّ: ﴿ لَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِینِ ﴾ الآية. قال: ((يقال -والله أعلم -: إن بعض المسلمين تأثر من صِلة المشركين، أحسب ذلك ما نزل فرض جهادهم وقطع الولاية بينهم وبينهم، ونزل ﴿﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]، فلما خافوا أن تكون المودة الصلة بالمال أنزل ﴿ لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَزُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ) إِنَّمَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُوا ٤ [الممتحنة]. ٩ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَنَوَلَهُمْ فَأَوْلَئِكَهُمُ الَّالِمُونَ ( وقال الشافعي رَمّتْهُ: وكانت الصِّلةُ بالمال والبر والإقساط ولين الكلام والمراسلة - بحكم الله- غيرَ ما نُهوا عنه من الولاية لمن نُهوا عن ولايته مع المظاهرة على المسلمين؛ وذلك لأنه أباح برَّ من لم يُظاهر عليهم من المشركين، والإقساطَ إليهم، ولم يُحُرِّمْ ذلك إلى مَن لم يظاهر علیھم، بل ذكر الذين ظاهروا عليهم، فنهاهم عن ولايتهم، إذ كان الولايةُ غيرَ البر والإقساط، وكان النبي ◌َّل﴿ فادى بعضَ أَسارى بدر، وقد كان أبو عزة الجُمحي ممن منَّ عليه، وقد كان معروفًا بعداوته والتأليب عليه بنفسه ولسانه، ومنَّ بعد ((بدر)) على ثُمامة بن ◌ُثال، وكان معروفًا بعداوته، وأمر بقتله، ثم منَّ عليه بعد أسره وأسلم ثمامة، وحَبس المِيرةَ عن أهل مكة، فسألوا رسولَ الله و # أن يأذن له أن يُميرهم، فأذن له فمارهم. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ علو الهمة في بذل المعروف ٢٠٥ ٨ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا * وقال الله وجلّ: [الإنسان]، والأسری یکونون ممن حاد الله ورسوله)) اهـ منه. وهذا الذي صوَّبه ابن جرير وصححه الشافعي نَّهُ الذي تقتضيه رُوحُ التشريع الإسلامي، أما وجهةُ النظر التي وعدنا بتقديمها فهي: أن المسلمين اليوم مشتركةٌ مصالحهم بعضُهم ببعض، ومرتبطةٌ بمجموع دول العالم من مشركين وأهل كتاب، ولا يمكنُ لأمةٍ اليوم أن تعيشَ منعزلةً عن المجموعة الدولية لتداخل المصالح وتشابكها، ولا سيّما في المجال الاقتصادي -عَصَب الحياة اليوم- من إنتاج أو تصنيع أو تسويق، فعلى هذا تكونُ الآية مساعِدة على جواز التعامل مع أولئك المسالمين ومبادلتِهم مصلحةً بمصلحة - على أساس ما قاله ابن جرير وبيَّنه الشافعي، وذكره الشيخ رحمة الله تعالى عليه - في حقيقة موقف المسلمين اليوم من الحضارة الغربية في عدة مناسبات من محاضراته ومن ((الأضواء)) نفسه، وبشرط ما قاله الشيخ - رحمة الله تعالى عليه- من سلامةِ الداخل - أي: عدم الميل بالقلب-، ولو قيل بشرط آخر - وهو مع عدم وجودٍ تلك المصلحة عند المسلمين أنفسهم-، أي: أن العالم الإسلامي يتعاونُ أولًا مع بعضه، فإذا أعوَزَه - أو بعضَ دُوله- حاجةٌ عند غير المسلمين - ممن لم يقاتلوهم ولم يظاهروا عدوًا على قتالهم-، فلا مانع من التعاون مع تلك الدولة في ذلك. ومما يؤيد كلَّ ما تقدم عمليًّا: معاملةُ النبي ◌ِّ وخلفائه من بعده لليهود في خیبر. فمما لا شك فيه أنهم داخلون أولًا في قوله تعالى: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٦ صلاح الأمة في علو الهمة تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: ١]. يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا ومنصوص على عدم موالتهم في قوله تعالى: تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةً بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَلَُّ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ، مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا ﴾ [المائدة]. ٥١ يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِمِينَ ومع ذلك لمَّا أخرجهم ◌َّله من المدينة وحاصرهم بعدها في خيبر، وفتحها الله عليه وأصبحوا في قبضة يده، فلم يكونوا بعد ذلك في موقفٍ المقاتِلين، ولا مظاهِرِين على إخراج المسلمين من ديارهم، عاملهم الرسول وَله بالقسط، فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها، وأبقاهم فيها على جزءٍ من الثمرة؛ كأجراءَ يعملون لحسابه وحساب المسلمين، فلم يتخذهم عبيدًا يُسخِّرُهم فيها،وبقيت معاملتُهم بالقسط، كما جاء في قصة ابن رواحة مخه لما ذهب يَخِرِصُ عليهم، وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة ليخفّف عنهم، فقال لهم كلمته المشهورة: ((والله لأنتم أبغضُ الخلق إليّ، وجئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولن يحملني بُغضي لكم، ولا حبِّي له أن أحيفَ عليكم، فإما أن تأخذوا بنصف ما قدَّرتُ، وإما أن تكفّوا أيديكم، ولكم نصف ما قدرت، فقالوا له: بهذا قامت السماوات والأرض))، أي: بالعدالة والقسط. وقد بقُوا على ذلك نهايةَ زمنه وَ لَّهِ وخلافةَ الصديق لله وصدرًا من خلافة عمر خله حتى أجلاهم عنها. ومثل ذلك المؤلفةُ قلوبهم أعطاهم ◌َّ بعد الفتح وأعطاهم الصديق حتی منعهم عمر انتها. وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة؛ لأهميتها ومسيس الحاجة إليها تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٧ علو الهمة في بذل المعروف اليوم. وفي الختام إن أشدَّ ما يَظهر وضوحًا في هذا المقام -ولم يدَّع أحدٌ فيه نسخًا -: قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: ١٥]. فهذه حسنُ معاملةٍ وبِّ وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك بالله ولم يقاتل المسلمين، فكان حق الأبوة مقدَّمًا -ولو مع الكفر والمجاهدة على الشرك -. وكذلك أيضًا في نهاية هذه السورة نفسها قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْوَلَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ثم قال تعالى: ﴿ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنْفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، أي: آتوا المشركين أزواجَ المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا على أزواجهم بعد هجرتهن. فبعد أن أسلمت الزوجةُ وهاجرت وانحلَّت العصمةُ بينها وبين زوجها الكافر، وبعدت عنه بالهجرة وفاتت عليه ولم يقدِرْ عليها، يأمرُ الله المسلمين أن يُؤتوا أزواجهنَّ وهم مشركون ما أنفقوا من صَداقٍ عند الزواج ونحوه مع بقاء الأزواج على الكفر وعجزهم عن استرجاع الزوجات، وعدم جواز موالاتهم قطعًا لكفرهم، وهذا من المعاملة بالقسط والعلم عند الله تعالى))(١). ١٥٣- العفو عن المسلمين، والعفو عَنْ مَن تعدّى على المسلمين: ٨۵ قال تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ # [الحجر]. (١) ((أضواء البيان)) الشنقيطي (١٤٦/٨ - ١٥٨). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٨ صلاح الأمة في علو الهمة وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ٤٣ وقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. ج [الشهوری]. * وقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُ واْخَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا ﴾ [النساء]. ١٤٩ قَدِیرًا • عن أبي هريرة خلالعنه قال: قال رسول الله وَله: (ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدا بعفوٍ إلَّ عِزَّا، وما تواضع أحدٌ لله إلَّا رفعهُ الله)(١). • عن جرير خفيعنه قال: قال رسول الله وَله: ((من لا يرحم لا يُرحم، ومن لا يغفرٍ لا يُغفر له، ومن لا يَتب لا يُتب عليه))(٢). • عن عبادة بن الصامت خل عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ما من رجلٍ يُجرحُ في جسدهِ جِراحةً، فيتصدَّقُ بها، إِلَّا كفَّر الله عنه مثلَ ما تصدَّقَ به))(٣) • عن رجل من أصحاب رسول الله وَ له عن النبي ◌ََّ: «مَن أُصيبَ بشيءٍ في جسده، فتركَهُ لله وَّ، كان كفَّارةً له))(٤). (١) رواه أحمد، ومسلم (١٥٨٨/٤) (٢٥٨٨)، والترمذي. (٢) صحيح: رواه الطبراني في (الكبير)) وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٤٨٣)، و((صحيح الجامع)) (٦٦٠٠). (٣) صحيح: رواه أحمد في ((المسند)) والضياء، وصححه الألباني في (الصحيحة)) (٢٢٧٣)، و((صحيح الجامع)) (٥٧١٢). (٤) صحيح: رواه أحمد، وصححه الألباني ي ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٦٤٠/٢) (٢٤٦١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٠٩ علو الهمة في بذل المعروف عن عبد الله بن عمرو إنشا أنَّ النبي ◌َّه قال: «ارحموا تُرحموا، واغفِرُ وا يُغفَرْ لكُم))(١). • عن عبد الله بن مسعود خلفعنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله تعالى عفُوٌ يُحِبُّ العفوَ))(٢). ■ أُتي عبد الملك بن مروان بأُسارى ابن الأشعث، فقال لرجاء بن حَيوة: ((ما ترى؟ قال: إن الله تعالى قد أعطاك ما تحبُّ من الظفر، فأعط الله ما يحبُّ من العفو، فعفا عنهم))(٣). عن أم الدرداء ﴿منها أن رجلًا أتاها فقال: ((إنَّ رجلًا نال منكِ عند عبد الملك، فقال: أن نُؤبن -ونذکر بعیب- بما لیس فینا، فطالما زُگِّینا بما ليس فينا))(٤). ■ عن ابن عباس إنضا أن رجلًا استأذن على عمر بن الخطاب علممنه فأذن له، فقال له: يا ابن الخطاب، والله، ما تُعطينا الجزل، ولا تحكمُ بيننا بالعدل. فغضب عمر خلفه حتى همَّ أن يُوقع به، فقال الحرُّ بن قيس: یا أمير المؤمنين، إن الله وَّ قال لنبيِّهِ وَلّهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ [الأعراف]؛ وإنَّ هذا من الجاهلين. ١٩٩ الْجَهِلِين (١) صحيح: رواه أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٤٨٢)، و((صحيح الجامع)) (٨٩٧). (٢) حسن: رواه الحاكم في ((المستدرك)) عن ابن مسعود، وابن عدي عن عبد الله بن جعفر، وأحمد، والبيهقي في ((سننه)) عن ابن مسعود، وحسَّنه الألباني في «الصحيحة» (١٦٣٨)، و(صحيح الجامع)) (١٧٧٩). (٣) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١٩٦/٣). (٤) ((صحيح الأدب المفرد)) (ص ١٦٣) رقم (٣٢٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٠ صلاح الأمة في علو الهمة فوالله، ما جاوزها عمر خلعه حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى(١). ■ عن عبد الله بن عمر بن العاص أن عطاء بن يسار سأله أن يُخْبِرَه عن صفه رسول الله وَّيه في التوراة، قال: ((أجَلْ، والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا للأمِّين، أنت عبدي ورسولي سَمَّيْتُك المتوكّل، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكِنْ يعفو ويغفِر))، وفي رواية للبخاري: ((ولكن يعفو ويصفح))(٢). * قال تعالى لنبيه وَله: ﴿فَإِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَتًَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ فَإِذَاَ عَهْتَ [آل عمران]. ١٥٩ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَآءِ وَالضَّرَّآءِ * وقال تعالى في وصف المتقين: ١٣٤ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران]. ■ وقالت عائشة ﴿شها في وصف النبي وَل: ((وما انتقم رسولُ الله وَلـ لنفسه، إلَّ أن تُنْتَهِكَ حُرْمَة الله وََّ))، وفي رواية: ((وما نِيل منه شيءٌ قط فينتقمَ من صاحِبِه، إلّا أنْ يُنْتُهكَ شيء من محارم الله، فينتقِمِ الله وََّ)(٣). (١) ((مختصر منهاج القاصدين)) لابن قدامة (ص١٨٧). (٢) رواه البخاري في (كتاب البيوع)) رقم (٢١٢٥)، و(كتاب التفسير)) رقم (٤٨٣٨)، وحِرْزًا أي حِصْنًا. (٣) البخاري في ((كتاب المناقب)) (٣٥٦٠)، ومسلم في ((كتاب الفضائل)) رقم تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٠ علو الهمة في بذل المعروف قال النووي: (معنی نیل منه: أُصِيب بأذى من قول أوْ فِعل)). ١٩٩ وقال تعالى: ﴿﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِلَّعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ [الأعراف]. فلا تُکافئھم بخفّتهم وسخفهم. ■ وصح عن عبد الله بن الزبير ﴿إنشه في قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ قال: ((أُمِرَ نبي الله وَّلقول أن يأخذ العفوَ من أخلاق الناس))(١). ، قال الشنقيطي: ((بيَّن في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامَل به الجهلة من شياطين الإنس والجن، فبيَّن أن شيطان الإنس يُعامَل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله وإساءته. وأن شيطانَ الجن لا مَنجي منه إلَّا بالاستعاذة بالله منه))(٢). ■ عن أنس بن مالك أنه قال: «كنتُ أمشي مع رسول الله ◌َّآل وعليه بُرْدٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌ، فجَبذَهُ بردائه جَبْذَةً شديدة، فنظرتُ إلى صفحة عُنُقُ النبيِ وَله، وقد أَثَّرَتْ فيها حاشيةُ الرِّدَاء من شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثم قال: يا محمدُ: مُرْ لي من مالِ الله الذي عندَك، فالتفت إليه فضَحِكَ، ثم أمرَ له بعطاء))(٣). ■ وعن جابر بن عبد الله ﴿إنش أنه غزا مع رسول الله وَلَ قِبَل نَجْدٍ، ((فلما قَفَل رسول الله وَهَ قفَل معهُ، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثيرٍ (٢٣٢٧)، (٢٣٢٨). (١) أخرجه البخاري في ((التفسير)) رقم (٤٦٤٣)، وفي ((الأدب المفرد)) (٢٤٤)، والترمذي في ((كتاب الأدب)) (٤٧٨٧). (٢) ((أضواء البيان)) (١/ ٤٣٥). (٣) البخاري (٦٠٨٨)، ومسلم (١٠٥٧). ٢١١ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٢ صلاح الأمة في علو الهمة العِضاه(١)، فنزل رسول الله وَ له، وتفرَّق الناسُ يستظِلُّون بالشجر، فنزل رسول الله ◌َ﴿ تحت شجرةٍ وعَلَّق بها سيفَهُ، ونمْنا نومةً، فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابيٌّ، فقال: إن هذا اخترط عليّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صَلْتًا (٢) فقال: من يمنعُك مِنِّي؟ فقلت: الله (ثلاثًا)، ولم يُعاقبه وجلس))، وفي رواية: ((فها هو ذا جالسٌ))، ثم لم يعاقِبْهُ رسول الله ◌َلالٍ))(٣). • ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله: «قال: الله)»: «فدفع جبريلُ في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي وَله وقال: ((مَن يمنعُك أنت مني؟)) قال: لا أحَد. قال: ((قمْ فاذهب لشأنك))، فلما وَلَّى قال: أنت خيرٌ مني)). ■ قال ابن حجر: ((فمنَّ عليه، لشدَّة رغبة النبي ◌َّـ في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤخَذ بما صنع، بل عفا عنه، وقد ذكر الواقدي في. نحو هذه القصة أنه أسلم وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خَلْقٌ كثير))(٤). ■ وعن سعيد بن مسروق قال: ((أصاب الربيعَ بنَ خثيم حجرٌ في رأسه فشجَّه، فجعل يمسح الدم عن رأسه وهو يقول: اللهم اغفر له، فإنه (١) كلُّ شجر يَعْظُمُ له شوك. (٢) أي: مُجَرَّدًا مِن غمده. (٣) البخاري في ((كتاب الجهاد والسير)) رقم (٢٩١٠)، وكتاب المغازي (٤١٣٥)، ومسلم في ((كتاب صلاة المسافرين)) رقم (٨٤٣). (٤) (فتح الباري)) (٥٤٤/٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٣ علو الهمة في بذل المعروف لم يتعمَّدْني))(١). ■ وقال مالك بن دينار: «أتينا مَنزِلَ الحكم بن أيوب الثقفي -ابن عم الحجاج بن يوسف- ليلًا وهو على البصرة أمير، وجاء الحسنُ وهو خائف -وذلك لأن أهل البصرة كانوا قد خلعوا بيْعة عبد الملك، وأنكروا تولية الحجاج عليهم، وبايعوا عبد الرحمن بن الأشعث- فدخلنا معه عليه، فما كُنَّا مع الحسن إلَّا بمنزلة الفَرَايج (٢)، فذكر الحسن للأمير قصة يوسف طالتَّاه، وما صنع به إخوته، فقالوا: باعوا أخاهم، وذكر ما لقيَ مِن كيد النساء، ومِن الحَبْس، ثم قال: أيها الأمير، ماذا صَنَع اللهُ به؟ أدَاله منهم ورفع ذِكْرَه، وأَعْلَى كَلِمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا صنع يوسف حين أكمل الله له أمْرَه وجمع له أهلَهُ وحضروا بين يديه؟ قال: ﴿ قَالَ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ٩٢ [يوسف]. يُعَرِّض الحسنُ للحَكَم بالعَفْوِ عن أصحابه -من القُرَّاء إذْ كان فيهم من مالأمع ابن الأشعث-، قال الحَكَمُ: فأنا أقول: لا تثريبَ عليكم اليوم، ولَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّ ثوبي هذا لواريتكم تَحْتَهُ (٣)) (٤). ■ وقال صالح بن الإمام أحمد: ((دخلتُ على أبي يومًا فقلتُ: بلغني أنّ رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حِلّ إذا لم أقم بنُصرتك، (١) ((الجامع لشعب الإيمان)) (١٤ /٢٤٨). (٢) صغار الدجاج. (٣) أي: لسترتکم به. (٤) ((إتحاف السادة المتقين)) (٤٦٦/٩)، و((نضرة النعيم)) (٢٩٠٩/٧). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٢١٤ صلاح الأمة في علو الهمة فقال فضل: لا جعلتُ أحدًا في حِلَّ، فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام ج قال لي: مَررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها فأذا هو ما حدَّثني به هشام بن القاسم، حدثني المبارك، حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جَثَتِ الأممُ بين يديْ ربِّ العالمين يوم القيامة ونُودُوا: لِيَقُم مَنْ أجرُه على الله، فما يقوم إلّا من عفا في الدنيا، قال أبي: فجعلتُ الميّت (١) في حِلِّ من ضربه إياتي، ثم جعل يقول: وما على رجل أن لا يُعذّب الله تعالى بسببه أحَدًا))(٢). ■ قال البيهقي: ((وأما مُكافأة المسيء بإساءته بما يجوز في الشرع؛ فعليها جِبِلَّة أكثر الخلق، والذي استحبَّ أولو الأحلام والنُّهَى من مكارم الأخلاق: التجاوز والعفو))(٣). • قال إبراهيم: ((كانوا يكرهون أن يُستذلوا، فإذا قدَروا عَفَوا)) (٤). عن عبد الله بن عمر فينض قال: جاء رجل إلى النبي وَله فقال: يا رسول الله، كَمْ نعفُو عن الخادم؟ فصمتَ، فلما كان في الثالثة قال: ((اعفوا عنه في كل يوم سَبْعين مرَّةً))(٥). ١٥٤ - التَّصَدَّقُ بالعِرْض على مَن سَبّه: · عن علبة بن زيد نله أنه قام من الليل يصلي، فتهجد ما شاء الله، ثم (١) أي: الخليفة المعتصم. (٢) ((الآداب الشرعية)) لابن ملح (١/ ١٢٠). (٣) ((الجامع لشعب الإيمان)) (١١٦/١٦). (٤) ((شرح السنة)) (٦/ ٥٣٤). (٥) صحيح: أخرجه أبو داود في ((كتاب الأدب))، باب ف يحق المملوك، رقم (٥١٦٤)، وصححه الألباني. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٥ علو الهمة في بذل المعروف بكى، وقال: اللهم، إنَّك أمرت بالجهاد، ورغَّبْتَ فيه، ثم لم تجعلْ عندي ما أتقوَّى به، ولم تجعلْ في يَدِ رسولك ◌َّهِ ما يحملني عليه، وإني أتصدَّقُ على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها؛ في مال، أو جسد، أو عِرْضٍ. وأصبح الرجل مع الناس، فقال رسول الله وقالفيه: («أين المتصدق هذه الليلة؟)»، فلم يقم أحد، ثم قال: ((أين المتصدِّقُ؟ فليقم))، فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله وَّة: ((أبشر، فوالذي نفسي بيده، لَقَدْ كُتِبَتْ في الزَّكَاةِ المتقبَّلَةِ»(١) . ■ عن قتادة فيقسم قال: «أيعجزُ أحدُكم أن يكون مثل أبي ضيغم -أو ضمضم - كان إذا أصبح قال: اللهم، إني قد تصدَّقْتُ بعرضي على (٢) عبادك))(٢). ■ وفي هذا الجود من سلامة الصدر، وراحة القلب، والتخلص من معاداة الخلق ما فيه (٣). ■ قال أبو الدرداء خطبته: «إن ناقدتَ النَّاسَ ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربتَ منهم أدركوك. قال: يا أبا الدرداء فما تأمرني؟ قال: هَبْ عِرْضَكَ ليوم فقرك))(٤). (١) صحيح: رواه ابن منده، وذكره ابن حجر في (الإصابة)) (٤٩٣/٢)، وابن القيم في (زاد المعاد)) (١/٣)، وصححه الألباني في تحقيق ((فقه السيرة)) للغزالي (ص٤٠٥). (٢) صحيح مقطوع: انظر ((صيح سنن أبي داود)) (٩٢٤/٣) (٤٠٨٧). (٣) ((مدارج السالكين)) لابن القيم الجوزية (٣٠٧/٢). (٤) ((حلية الأولياء)) (٢١٨/١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٦ صلاح الأمة في علو الهمة ١٥٥- كَظْمِ الفَيْظ: ﴿ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ قال تعالى: [آل عمران]. ١٣٤ اَلْمُحْسِنِينَ · عن معاذ بن أنس انه قال: قال رسول اللَّه وَاله: (من كظمَ غيظًا -وهو يستطيعُ أن ينُفِذَه-، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخيره في أيِّ الحور شاء)). وفي رواية: ((من كتم غيظًا، وهو قادرٌ على أن يُنْفَذَهُ، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء))(١). · عن ابن عمر حيندعها قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ما من جُرعَةٍ أعظَمُ أجرًا عندَ الله مِن جُرعةِ غيظٍ كظمها عبدٌ ابتغاء وجه الله))(٢). • عن أنس خلالعنه قال: إن النبي وَلّ مرَّ بقوم يرفعون حجرًا، فقال: ((ما يصنع هؤلاء؟)). فقالوا: يرفعون حجرًا يريدون الشِّدة، فقال النبي وَله: ((ألا أدُلَّكم على مَن هو أشدُّ منه؟ رجلٌ ظلمه رجلٌ، فكظم غيظه، فغلبَه، وغلبَ شيطانَه، وغلبَ شيطانَ صاحبه))(٣). (١) حسن: رواه أحمد، وأبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني في ((الصغير)) وأبو نعيم في ((الحلية))، وحسَّنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٥١٨)، و((صحيح الترغيب والترهيب)) وبنفس لفظ الرواية الأخير: ((من كظم)). (٢) صحيح: رواه الترمذي في ((سننه))، وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (١٩٧/٢) (١٦٤٥). (٣) صحيح: رواه ابن ماجه في ((سننه))، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (٤٠٧/٢) (٣٣٧٧). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٧ علو الهمة في بذل المعروف روي عن الحسين بن علي كان له عبدٌ يقوم بخدمته، ويقرِّبُ إليه طهره، فقرَّب إليه طهره ذات يوم كوزًا، فلما فرغ الحسين من طهوره رفع العبدُ الكوز من بين يديه، فأصاب فمُ الكوز رباعيةً الحسين، فكسرها، فنظر إليه الحسين، فقال: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْفَيْظَ ﴾ قال: قد كظمتُ غيظي، فقال: ﴿ وَالْغَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ قال: قد عفوتُ عنك، قال: ٤ قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى قال: ١٣٤) ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وما جائزة عتقي؟ قال: السيف والدرقة، فإني لا أعلمُ في البيتِ غيرهما(١). ٠٠ ١٥٦ - كَفُّ الْغَضَبِ: ** قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْهُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى]. • عن أبي هريرة خلاله أنَّ رجلًا قال للنبيِّ وَّ: أوصني. قال: ((لا تَغْضَبْ)) فردَّد مرارًا، قال: ((لا تَغْضَبْ))(٢). • عن أنس لتعنه قال: قال رسول الله وَّلهُ: ((مَنْ كفَّ غضبَهُ كفَّ الله عنهُ عذابَهُ، ومن خزن لسانهُ ستر الله عورتهُ، ومن اعتذر إلى الله عذرَهُ))(٣). • عن أبي الدرداء لسنه: قال رجل لرسول الله وَله: دلني على عملٍ يُدخلني الجنَّة؟ قال ◌َله: ((لا تغضَبْ، ولك الجنة)) (٤). (١) ((دليل الفالحين شرح رياض الصالحين)) لابن علان الصديقي (١/ ١٩٧). (٢) رواه أحمد، والبخاري (٦١١٦)، والترمذي عن أبي هريرة، ورواه أحمد، والحاكم في ((المستدرك)) عن جارية بن قُدامة. (٣) صحيح: أخرجه أبو يعلى في («مسنده، والدولابي في الكُنَى، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٣٦٠). (٤) صحيح: رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني في ((الكبير))، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٧٣٧٤)، و((صحيح الترغيب والترهيب)). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٨ صلاح الأمة في علو الهمة • عن أبي هريرة خلفعنه قال: قال رسول الله وَله: ((ليس الشَّديدُ بالصرعة، إنما الشديد الذي يملِكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ))(١). وفي رواية: ((ليس الشديدُ مَن غلبَ الناسَ، وإنما الشديدُ من غلبَ نفسه)»(٢). ■ وجاء غلامٌ لأبي ذر غله وقد کسر رجل شاةٍ له، فقال له: (من کسرَ رِجْل هذه؟ قال: أنا فعلته عمدًا لأغيظك، فضربني فتأثم، فقال أبو ذر: لأغيظَنَّ من حرَّضك على غيظي، فأعتقه)). ١٥٧ - معاملة الناس بحلم وسماحة أخلاق: • عن جابر بن عبد الله خظاهعنه قال: قال رسول الله وَله: ((الإيمانُ الصبرُ والسماحة))(٣). ■ تنازع الحسين بن علي والوليد بن عتبة بن أبي سفيان في أرض، والوليد يومئذٍ أميرٌ على المدينة، فبينا الحسينُ يُنازعه إذْ تناول عمامة الوليد عن رأسه، فجرَّبها فقال مروان بن الحكم وكان حاضرًا: إنا لله، ما رأيت كاليوم جُرْأةً رجل على أميره، قال الوليد: ليس ذاك بك، ولكنك حسدتني على حلمي عنه، فقال الحسين خلالسته: (الأرضُ لك، اشهدوا أنها له)) (٤). (١) رواه أحمد، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم. (٢) صحيح: رواه ابن حبان في ((صحيحه))، وصحّحه الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب» (٤٦/٣) (٢٧٥٠). (٣) صحيح: رواه أبو يعلى، والطبراني في ((مكارم اللآخاق))، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٥٥٤)، و((تحقيق المشكاة)) (٤٦)، و((صحيح الجامع)) (٢٧٩٥). (٤) ((تاريخ دمشق)) (٦٦/ ١٥٣). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١٩ علو الهمة في بذل المعروف ■ وأسند الصولي عن أبي عبيدة قال: ((كان المهدي -الخليفة العباسي محمد بن المنصور - يُصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يومًا، فقال أعرابي: لستُ على طُهْرِ، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فأمُرْ هؤلاء بانتظاري، فقال: انتظروه ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه))(١). · وقال الأحنف: ((لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحِلْم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه))(٢). • وعن أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله وَالله: ((إن الله تعالى يُحِب سَمْحَ البَيْعَ، سَمْحَ الشِّراء، سَمْحَ القضاء))(٣). ١٥٨- معاشرة الناس بالحسنى وشراؤهم بالمعروف، ولقاؤهم بوجه طليق: ■ عن جابر بن عبد الله يخفضها قال: «ما سُئِلَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ شيئًا قَطُّ فقال: لَا)) (٤). ■ قال الكِرماني: ((معناه ما طُلبَ منه شيءٌ من أمر الدنيا فمَنَعَهُ)) (٥). ■ عن أنس به قال: «ما سُئِلَ رسول الله وَله عن الإسلام شيئًا إلَّا (١) «تاريخ الخلفاء)) (ص ٣٢٠). (٢)((عيون الأخبار)) (١/ ٣٣١). (٣) صحيح: رواه الترمذي، والحاكم في (المستدرك))، وصححه الألباني في ((الصحیحة)) (٨٩٩). (٤) رواه البخاري في «صحيحه» (١٠٨/٧) (٦٠٣٤). (٥) «فتح الباري)) لابن حجر (١٠/ ٤٧٢). تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢٢٠ صلاح الأمة في علو الهمة أعطاهُ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنًّا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قومي أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة))(١). عن ابن شهاب، قال أعطى رسول الله وَله صفوانَ بنَ أُميةَ يومَ حنين مئةً من النَّعم، ثمَّ مئةً، ثمَّ مئةً، قال صفوان: والله، لقد أعطاني رسول الله وَ ﴿ ما أعطاني، وإنَّه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برح يُعطيني حتّى أنه لأحبُّ النَّاسِ إليَّ)(٢). ■ ويقول أنس لقسم: (( كان النبيُّ ◌َّهُ رحيمً، وكانَ لا يأتيه أحدٌ إلَّا وعده، وأنْجَزَ له إنْ كان عندَه، وأقيمت الصلاةُ، وجاءَه أعرابيٌّ فأخذ بثوبه فقال: إنما بقيَ من حاجتي يسيرةٌ، وأخاف أنساها، فقامَ معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبلَ فصلى))(٣). ■ وقال المهلّب: ((عجبتُ لمن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرارَ بمعروفه!)). ■ وقال: ((ليس للأحرار ثمن إلَّا الإكرام، فأكرم حرًا تملكه)) (٤). ■ وقال الشاعر الأديب: محمد بن الحُسين البُستي نَحمّلهُ: فطالما استَعْبَدَ الإنسانَ إحسانُ أحْسِنْ إلى الناس تسْتَعِذْ قلوبَهُم ■ قال شارحه الشيخ أبو غدة : ((تستعبد قلوبهم: تستميلُها وتملكها بالإحسان إليهم، فكثيرًا ما ملك الإحسانُ قلب الإنسان، وقديمًا قالوا: (١) رواه مسلم (٢٣١٢). (٢) رواه مسلم (٢٣١٣). (٣) حسن: أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٧٨)، وحسَّنه الألباني. (٤) ((الآداب الشرعية)) (٣٩٩/١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/