النص المفهرس
صفحات 421-440
ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ علو الهمة في الفراسة ٤٢١ فعلمت أنه شبهه بغلامه»(). ، ■ وقال الحارث بن مرة: «نظر إياس بن معاوية إلى رجل، فقال: هذا غريب، وهو من أهل واسط، وهو معلم، وهو يطلب عبدًا له آبق. فوجدوا الأمر كما قال. فسألوه؟ فقال: رأيته يمشي ويلتفت، فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط فعلمت أنه من أهلها، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال، فعلمتُ أنه معلم، ورأيته إذا مر بذي هيئة لم يلتفت إليه، وإذا مر بذي أسمال تأمله، فعلمت = (٢) أنه يطلب آبقًا))(١). ■ وقال هلال بن العلاء الرقي عن القاسم بن منصور عن عمر بن بكير: ((مَرَّ إياس بن معاوية، فسمع قراءة من عِلَّة، فقال: هذه قراءة امرأة حامل بغلام، فسئل، كيف عرفت ذلك؟ فقال: سمعت صوتًا ونفسها يخالطه، فعلمت أنها حامل وسمعت صوتًا وصحلًا (٢)، فعلمت أن الحمل غلام، ومرَّ بعد ذلك بكتَّاب فيه صبيان، فنظر إلى صبي منهم، فقال: هذا ابن تلك المرأة فكان كما قال)(٤) . ■ قال سفيان بن حسين: ((ذكرت رجلًا بسوء عند إياس بن معاوية فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا! قال: السند والهند (١) ((الطرق الحكمية)) (٨٦/٢)، وانظر: ((تاريخ دمشق)) (٣٢/١٠)، و((تهذيب الكمال)» (٤٢٦/٣)، و(«البداية والنهاية)) (١٢٦/١٣). (٢) ((الطرق الحكمية)) (٢/ ٨٧). (٣) صحل صوته: بحّ أو احتد ((القاموس المحيط)) (١٣٢١). (٤) ((الطرق الحكمية)) (٨٧/٢ - ٨٨)، و((تاريخ دمشق)) (٣٢/١٠)، و((أخبار القضاة)) (٢٦٢/١)، و(تهذيب الكمال)) (٣٢٨/٣)، و(«البداية والنهاية)) (١٢٥/١٣). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة والترك؟ قلت: لا. قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها)). وقال الأصمعي عن أبيه: ((رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني وإذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب يلون عمامته وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلَّا علاه)). وقد قال له بعضهم: ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك، فقال: بحق أتكلم أم بباطل؟ فقيل: بل بحق، فقال: كلما كثر الحق فهو خير)). ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظة فقال: ((إنمَا ألبس ثوبًا یخدمني ولا ألبس ثوبًا أخدمه». وقال الأصمعي: ((قال إياس بن معاوية: إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه)). ■ وقال بعضهم: ((سأل رجل إياسًا عن النبيذ فقال: هو حرام، فقال الرجل: فأخبرني عن الماء؟ فقال: حلال، قال: فالسكر، قال: حلال، فالتمر قال: حلال، قال: فما باله إذا اجتمع حرم؟ فقال إياس: أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك؟ قال: لا، قال: فهذه الحفنة من التبن؟ قال: لا توجعني، قال: فهذه الغرفة من المَاء؟ قال: لا توجعني شيئًا، قال: أفرأيت إن خلطت هذه بهذا، وهذا بهذا حتى صار طينًا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أيوجعك؟ قال: أي والله وتقتلني، قال: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت)) (١). (١) ((فراسة المؤمن)) (٩٣/١- ٩٤) و((المختار من نوادر الأخبار)» للمقري (ص ٢٠٠، ٢٠١). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ علو الهمة في الفراسة ٤٢٣ وذكر الجاحظ أن إياس بن معاوية نظر إلى صدع في أرض، فقال: تحت هذا دابة، فنظروا فإذا حية، فقيل له: من أين علمت؟ قال: رأيت ما بين الآجُرَّتين نديًا من بين جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئًا يتنفس))(١). ■ وقال الجاحظ: ((وحج إياس فسمع نباح كلب، فقال: هذا كلب مشدود، ثم سمع نباحه، فقال: قد أُرسل، فانتهروا إلى المَاء فسألوهم فکان کما قال، فقيل له: من أين علمت؟ قال: كان نباحه وهو موثق يسمع من مكان واحد، ثم سمعته يقرب مرة ويبعد أخرى))(٢). · ومرّ إياس ليلة بمَاء فقال: ((اسمع صوت كلب غريب، فقيل له: كيف عرفته. قال: بخضوع صوته وشدة نباح الآخرين. فسألوا: فإذا كلب غريب والكلاب تنبحه))(٣). فراسة القاضي أبو حازم (٤): وكان القاضي أبو خازم له في ذلك العجب العجاب، وكانوا ينكرون عليه، ثم يظهر الحق فيما يفعله. ■ قال مُكرِّم بن أحمد: «كنت في مجلس القاضي أبي خازم فتقدم (١) ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/١)، و(«البداية والنهاية)) (٣٣٥/٩)، و((الحيوان)) للجاحظ. .. (٢) ((الأذكياء)) (ص٧٦). (٣) ((وفيات الأعيان)) (٢٢٤/١). (٤) هو عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني الحنفي القاضي أبو خازم- بالخاء المعجمة- انظر «سير أعلام النبلاء» (٥٣٩/١٣). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة رجل شيخ ومعه غلام حَدَثْ، فادعى الشيخ عليه ألف دينار دينًا، فقال: ما تقول؟ قال: نعم. فقال القاضي للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه، قال: لا، فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه فهو أرجى لحصول مالي. فتفرس أبو خازم فيهما ساعة. ثم قال: تلازما حتى أنظر في أمركمًا في مجلس آخر، فقلت له: لم أخرت حبسه؟ فقال: ويحك، إني أعرف في أكثر الأحوال في وجوه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئُ، وقد وقع لي أن سماحة هذا بالإقرار عين كذبه ولعله ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على بصيرة، أما رأيت قلة تغاضبهمَا في المناكرة، وقلة اختلافهما، وسكون طباعهمَا مع عظم المَال؟ وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع حتى يُقِرَّ مثل هذا طوعًا عجلًا، منشرح الصدر على هذا المَال، قال: فبينما نحن كذلك نتحدث إذ أتى الآذن يستأذن على القاضي لبعض التجار، فأذن له، فلمَّا دخل قال: أصلح الله القاضي، إني بليت بولد لي حدث يُتْلِف كل مال يظفر به من مالي في القيان (١) عند فلان. فإذا منعته احتال بحيل تضطرني إلى التزام الغرم عنه. وقد نصب اليوم صاحب القيان يطالب بألف دينار دينًا حالًّا، وبلغني أنه تقدم إلى القاضي ليقرَّ له فيحبسه، وأقع مع أمه فيما ينكد عيشنا إلى أن أقضي عنه، فلمَّا سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له أمره، فتبسم القاضي، فقال: عليّ بالغلام والشيخ. فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام. فأقرًّا، فأخذ الرجل ابنه وانصرفا))(٢). (١) القيان: جمع قَيْنَة هي الأمة مغنّية كانت أو غير مغنِّية. (٢) ((الطرق الحكمية)) (٧٠/٢ - ٧١)، وانظر: «تاريخ بغداد)) (٦٦/١١)، و((تاريخ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٤٢٥ علو الهمة في الفراسة وروي أن رجلًا جاء إلى أبي حازم فقال له: «إن الشيطان يأتيني فيقول: إنك قد طلقت زوجتك فيشككني. فقال له أويس قد طلقتها؟ قال: لا. قال: ألم تأتني أمس فطلقتها عندي؟ فقال: والله ما جئتك إلَّا اليوم ولا طلقتها بوجه من الوجوه. قال: فاحلف للشيطان إذا جاءك كمَا حلفت لي وأنت في عافية !! ))(١). فراسة ابن النسوي: ■ قال الشيخ: ((حدثني أبو محمد عبد الله بن علي المقري قال: كان حاجب باب ابن النسوي ذكيًّا، فسمع في بعض ليالي الشتاء صوت براده، فأمر بكبس الدار، فأخرجوا رجلا وامرأة، فقيل له: من أين علمت هذا؟ قال: في الشتاء لا يبرد المَاء، وإنما هذه علامة بين هذين)). ■ وبه حدثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه قال: ((حدثني أبي قال: جيء إلى ابن النسوي برجلين قد اتُهمًا بالسرقة فأقامهمًا بين يديه، ثم قال: شربة ماء فجاء بها، فأخذ يشري ثم ألقاها من يده عمدًا فوقعت فانكسرت، فانزعج أحد الرجلين لانكسارها وثبت الآخر، فقال للمنزعج: اذهب أنت، وقال للآخر: رد ما أخذت، فقيل له من أين علمت؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج وهذا المنزعج بريء لأنه لو تحركت في البيت فأرة لازعجته ومنعته أن يسرق))(٢). قال ابن الجوزي وذكر بعض مشايخنا: ((أن رجلًا من جيران ابن دمشق)) (٨٤/٣٤)، و ((السير)) (١٣ /٥٤٠). (١) ((فراسة المؤمن)) (ص١٠٤). (٢) ((الأذكياء)) (ص٧١)، و((فراسة المؤمن)) (١٠٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة النسوي كان يصلي بالناس دخل على ابن النسوي في شفاعة، وبين يديه صحن فيه قطائف، فقال له ابن النسوي: كُلّ. فامتنع، فقال: كأنني بك وأنت تقول من أين لابن النسوي شيء حلال، ولكن كُلْ، فمَا أكلت قط أحل من هذا. قال بحكم المداعبة: من أين لك شيء لا يكون فيه شبهة؟ فقال: إن أخبرتك تأكل؟ قال: نعم، فقال: كنت منذ ليال في مثل هذا الوقت، فإذا الباب يدق، فقالت الجارية: من؟ فقالت: امرأة تستأذن، فأذن لها، فدخلت فأكبت على قدمي تقبلها، فقلت: ما حاجتك؟ قالت: لي زوج ولي منه ابنتان لواحدة اثنتا عشرة سنة وللأخرى أربع عشرة سنة، وقد تزوج عليَّ وما يقربني والأولاد يطلبونه، فضيق صدري لأجلهم، وأريد أن يجعل ليلة لي وتلك ليلة، فقلت لها: صناعته؟ فقالت: خباز، قلت: وأين دكانه؟ قالت: بالكرخ، ويعرف بفلان بن فلان. فقلت: وأنت بنت من؟ فقالت: بنت فلان، قلت: فما اسم بناتك؟ قالت: فلانة وفلانة .. قلت: أنا أرده إليك إن شاء الله تعالى، فقالت: هذه شقة قد غزلتها أنا وابنتاي، وأنت في حل منها. قلت: خذي شقتك وانصرفي. فمضت فبعثت إليه اثنين وقلت: احضراه ولا تزعجاه. فأحضراه وقد طار عقله، فقلت: لا بأس عليك إنما استدعيتك لأعطيك كرا طعام وعمالته تقيمه خبزًا للرحالة، فسكن روعه وقال: ما أريد له عمالة. قلت: بلى. صديق مخسر عدو مبين. أنت مني وإليَّ. كيف هي زوجتك فلانة تلك بنت عمي، وكيف بناتها فلانة وفلانة؟ فقال: بكل خير، قلت: الله الله لا أحتاج أن أوصيك بها لا تضيق صدرها فقبل يدي، فقلت: امض إلی دکانك وإن كانت لك حاجة فالموضع بحکمك فانصرف. فلمّا كان في هذه الليلة جاءت المرأة فدخلت، وكان هذا الصحن معها وأقسمت https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://web1essam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٢٧ علو الهمة في الفراسة عليَّ بالله أن لا أرده، وقالت: قد جمعت شملي وشمل أولادي وهذا والله من ثمن غزلي، فبالله لا ترده، فهل هو حلال؟ فقال: والله ما في الدنيا أحل من هذا. قال: فَكُّلْ، فأكل))(١). فراسة أبي حنيفة: ■ عن أبي يوسف قال: ((دعى المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة: ((يا أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدَّك، كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف على اليمين، ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلَّا متصلًا باليمين، فقال أبو حنيفة يا أمير المؤمنين: إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب جندك بيعة. قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم؛ فضحك المنصور وقال: يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة، فلمَّا خرج أبو حنيفة قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي. قال: لا. ولكنك أردت أن تشيط بدمي، فخلصتك وخلصت نفسي !! ))(٢). ■ وعن عبد الواحد بن غياث قال: ((كان أبو العباس الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو أيسعه أن يضرب عنقه؟ قال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق. قال: انفذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه، (١) ((فراسة المؤمن)) (ص١٠٥ - ١٠٧)، و((الأذكياء)) (ص٧١). (٢) ((وفيّات الأعيان)) (٤١١/٥). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته)). ■ وعن علي بن عاصم قال: ((دخلت على أبي حنيفة وعنده حجّام يأخذ من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض لا تزد. قال: ولِمَ؟ قال: لأنه يكثر، فتتبع مواضع السواد لعله يكثر))(١). ■ وعن يحيى بن جعفر قال: ((سمعت أبا حنيفة يقول: احتجت إلى ماء بالبادية، فجاءني أعرابي ومعه قربة من ماء، فأبى أن يبيعنيها إلَّا بخمسة دارهم، فدفعت إليه خمسة دراهم وقبضت القربة، ثم قلت: يا أعرابي، ما رأيك في السويق؟ فقال: هات. فأعطيته سويقًا ملتوتًا بالزيت، فجعل يأكل حتى امتلأ، ثم عطش، فقال: شربة. قلت: بخمسة دارهم، فلم أنقصه من خمسة دراهم على قدح من ماء، فاستزددت الخمسة وبقي معه المَاء))(٢) ■ وعن عبد المحسن بن علي قال: ((ذكر أبو حنيفة وفطنته، فقال استودع رجل من الحجاج رجلًا بالكوفة وديعة، فحج ثم رجع، فطلب وديعته، فأنكر المستودع وجعل يحلف له، فانطلق الرجل إلى أبي حنيفة يشاوره، فقال: لا تعلم أحدًا بجحوده. قال: وكان المستودع يجالس أبا حنيفة، فخلا به وقال له: إن هؤلاء قد بعثوا يستشيروني في رجل يصلح للقضاء. فهل تنشط؟ فتمانع الرجل قليلًا، وأقبل أبو حنيفة يرغبه فانصرف على ذلك وهو طمع، ثم جاء صاحب الوديعة، فقال له أبو (١) ((حدائق الأزاهر)) الأندلسي (٩٩)، وانظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤١٢/٥)، و((فراسة المؤمن)) (ص١٠٨). (٢) ((ثمرات الأوراق)) لابن حجة (ص ١٢٠). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://web1essam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٢٩ علو الهمة في الفراسة حنيفة: اذهب إليه وقل له: أحسبك نسيتني أودعتك في وقت كذا والعلامة كذا. قال: فذهب الرجل فقال له: فدفع إليه الوديعة، فلمَّا رجع المستودع قال أبو حنيفة: إني نظرت في أمرك فأردت أن أرفع قدرك ولا أسميك حتى يحضر ما هو أجل من هذا))(١). ■ وعن ابن الوليد قال: ((كان في جوار أبي حنيفة فتى يعتني مجلس أبي حنيفة ويكثر الجلوس عنده، فقال يومًا لأبي حنيفة: إني أريد التزويج إلى فلان من أهل الكوفة، وقد خطبت إليهم، وقد طلبوا مني من المهر فوق وسعي وطاقتي، وقد تعلقت نفسي بالتزويج، فقال أبو حنيفة: فاستخر الله تعالى وأعطهم ما يطلبونه منك فأجابهم إلى ما طلبوه فلمَّا عقدوا النكاح بينهم وبينه جاء إلى أبي حنيفة، فقال له: إني قد سألتهم أن يأخذوا مني البعض وليس في وسعي الكل، وقد أبو أن يحملوها إلَّا بعد وفاء الدين كله فماذا ترى؟ قال: احتل واقترض حتى تدخل بأهلك، فإن الأمر يكون أسهل عليك من تشدد هؤلاء القوم، ففعل ذلك اقرضه أبو حنيفة فيمن أقرضه، فلمَّا دخل بأهله وحملت إليه قال أبو حنيفة: ما عليك أن تظهر أنك تريد الخروج عن هذا البلد إلى موضع بعيد، وإنك تريد أن تسافر بأهلك معك، فاكترى جملين وجاء بهمَا وأظهر أنه يريد الخروج إلى خراسان في طلب المعاش، وأنه يريد حمل أهله بعد، فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤوا إلى أبي حنيفة ليسألوه ويتسعينوه في ذلك، فقال لهم أبو حنيفة: له أن يخرجها حيث شاء. قالوا له: ما يمكننا أن ندعها تخرج. فقال لهم أبو حنيفة: فأرضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه، فأجابوه إلى (١) ((الأذكياء)) (ص٨٧)، و((فراسة المؤمن)) (ص١٠٩). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة ذلك. فقال أبو حنيفة للفتی: إن القوم قد سمحوا أن يردوا عليك ما أخذوه منك من المهر ويبرؤك منه، فقال له الفتى: وأنا أريد منهم شيئًا آخر فوق ذلك، فقال أبو حنيفة: أيما أحب إليك أن ترضى بهذا الذي بذلوه لك، وإلَّ أقرت المرأة لرجل يدين لا يمكنك أن تحملها ولا تسافر بها حتى تقضي ما عليها من الدين قال، فقال الرجل: الله الله لا يسمعوا بهذا، فلا آخذ منهم شيئًا، فأجاب إلى الجلوس وأخذ ما بذلوه من المهر)»(١). ■ وعن أحمد بن الدقاق قال: ((بلغني أن رجلاً من أصحاب أبي حنيفة أراد أن يتزوج، فقال أهل المرأة: نسأل عنه أبا حنيفة، فأوصاه أبو حنيفة، فقال: إذا دخلت عليَّ فضع يدك على ذكرك، ففعل ذلك، فلمّا سألوه عنه قال: قد رأيت في يده ما قيمته عشرة آلاف درهم». وبلغنا أن رجلًا جاء إلى أبي حنيفة فشكا له أنه دفن مالًا في موضع ولا يذكر الموضع، فقال أبو حنيفة: ((ليس هذا فقهًا فأحتال لك فيه، ولكن اذهب فصلِّ الليلة إلى الغداة، فإنك ستذكره إن شاء الله تعالى(٢)، ففعل الرجل ذلك، فلم يمض إلّا أقل من ربع الليل حتى ذكر الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره فقال: قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى تذكر، فهلا أتممت ليلتك شكرًا لله وَّ!)). ■ قال: وبلغنا أن رجلًا ابتلي بمحبة امرأة، فأتى أبا حنيفة، فأخبره أن ماله قليل، وأنهم إن علموا بذلك لم يزوجوه، فقال له أبو حنيفة: أتبيعني (١) ((الأذكياء)) (ص٨٧، ٨٨). (٢) ((وفيات الأعيان)) (٤١١/٥)، و((فراسة المؤمن)) (ص١١١). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد علو الهمة في الفراسة ٤٣١ أحليلك بأثني عشر ألف درهم؟ قال: لا. قال: فأخبر القوم أني أعرفك، فمضى فخطبها، فقالوا: من يعرفك، فقال أبو حنيفة، فسألوا أبا حنيفة عنه، فقال: ما أعرفه إلا أنه حضر عندي يومًا فساوم في سلعة له باثني عشر ألف درهم، فلم يبع، فقالوا: هذا يدل على أنه ذو مال، فزوجوه، فلمَّا تيقنت المرأة حاله قالت: لا يضيق صدرك وهذا مالي بحكمك، ثم مضت إلى أبي حنيفة في حليها وحللها فقالت: فتوى، فدخلت فأسفرت عن وجهها، فقال: تستري، فقالت: ما يمكن قد وقعت في أمر لا يخلصني منه إلَّا أنت. أنا بنت هذا البقال الذي على رأس الدرب، وقد بلغت عمرًا واحتجت إلى الزوج وهو لا يزوجني، ويقول لمن يخطبني: ابنتي عوراء قرعاء شلاء، ثم حسرت عن وجهها ورأسها ويديها. ويقول ابنتي زمنة وكشفت عن ساقيها وأريد أن تدبرني، فقال: ترضين أن تكوني لي زوجة؟ فقبلت قدميه، وقالت: من لي بغلامك، فقال: امضي في دعة الله، فخرجت، فحضر البقال ودفع إليه خمسين دينارًا وقال: زوجني ابنتك. فكتب كتابًا بمئة دينار، فقال البقال: يا سيدي، استر ما ستر الله أنا لي بنت أزوجك. قال: دع هذا عنك رضيت بابنتك القرعاء الشلاء الزمنة، فزوجه على المئة والخمسين ومضى، فحدث زوجته فقالت: والله لا كان إلَّا يكون هذا إلَّا على يد أبي حنيفة، فلمَّا كان عشية تلك الليلة أجلسها أبوها في صن وحملها بينه وبين غلامه، فلمَّا رآها أبو حنيفة قال: ما هذا؟ فقال البقال: أشهد على أمها إن كانت لي بنت غيرها، فقال أبو حنيفة: هي طالق ثلاثًا أعد عليَّ الكتاب، ثم جاءت تلك المرأة إليه، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ فقالت: وأنت ما حملك على أن غررتنا برجل فقیر)). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٢ صلاح الأمة في علو الهمة ■ وقال أبو حنيفة: ((خدعتني امرأة أشارت إلى كيس مطروح في الطريق، فتوهمت أنه لها، فحملته إليها، فقالت: احتفظ به حتى يجيء صاحبه !! )). ■ ومن المنقول عن بعض الفقهاء، جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال له: ((إذا نزعتُ ثيابي ودخلتُ النهر اغتسل، فإلى القبلة أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى ثيابك لئلا تسرق !! ))(١). فراسة الإمام الشافعي: قال الحميدي: قال الشافعي ع ◌َلَهُ: ((خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة؛ حتى كتبتها وجمعتها. ثم لمّا حان انصرافي، مررت على رجل في طريقي: وهو مُحْتَب بفناء داره، أزرق العينين. ناتئ الجبهة، سناط (٢). فقلت له: هل من منزل؟ فقال: نعم. قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون، في الفراسة - فأنزلني، فرأيت أحرم رجل: بعث إليَّ بعشاء وطيب، وعلف لدابتي، وفراش ولحاف. فجعلت أتقلب الليل أجمع: ما أصنع بهذه الكتب؟ -: إذ رأيت هذا النعت، في هذا الرجل، فرأيت أكرم رجل- فقلت: أرمي بهذه الكتب)). فلمَّا صبحت، قلت للغلام: أسرج؛ فأسرج، فركبت ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكة، ومررت بذي طوى (٣) فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي. (١) (المراح والمزاح)) للغزي (ص٥٣)، و((فراسة المؤمن)) (ص١١٢). (٢) سناط: هو الكوسج الذي لا لحية له أصلا. انظر ((مختار الصحاح)). (٣) ذو طوى: واد بقرب مكة على نحو فرسخ، ويعرف في وقتنا بالزاهر في طريق التنعيم. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٣ علو الهمة في الفراسة فقال لي الرجل: أمولَى لأبيك أنا؟ !. قلت: لا. قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟! فقلت: لا. فقال: أين ما تكلفت لك البارحة؟ قلت: وما هو؟ قال: أشتريت لك طعامًا بدرهمين؛ وإدامًا بكذا؛ وعطرًا بثلاثة دراهم؛ وعلفًا لدابتك بدرهمين، وكراء الفراش واللحاف درهمان. قال: قلت: يا غلام؛ أعطه، فهل بقي من شيء؟ قال: كراء المنزل؛ فإني وسعت عليك، وضيقت على نفسي. قال الشافعي: ((فغبطت نفسي بتلك الكتب فقلت له بعد ذلك: هل بقي من شيء؟ قال: امضٍ؛ أخزاك الله. فما رأيت قط شرًّا منك. فقال الشافعي في نفسه: لقد عظم اعتقادي في تلك الأجزاء التي جمعتها في علم الفراسة وتيقنت أن هذا العلم حق)(١) . ■ وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي فجاءه رجل برقعه کتب فيها: ونظرة(٢) مشتاق الفؤاد جناح سل المفتي المكي هل في تزوارٍ فأجابه الشافعي: معاذ إله العرش أن يُذْهب التُّقى تلاحُقُ أكبادٍ بهنّ جراح قال: الربيع فأنكرت على الشافعي أن يفتي لحدث بمثل هذا. فقلت: (١) ((فراسة المؤمن)) (ص١١٣ - ١١٤) وانظر ((الحلية)) (١٤٤)، و((مفتاح دار السعادة)» (ص٥٦٧)، و((توالي التأسيس)) (ص٥١)، و((الآداب الشرعية)) لابن مفلح (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣). (٢) وفي رواية: ضمّة. https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة يا أبا عبد الله تفتي بمثل هذا لمثل هذا الشاب؟ فقال: لي يا أبا محمد هذا رجل هاشمي قد عرس في هذا الشهر يعني شهر رمضان، وهو حدث السنّ. فسأل هل عليه جناح أن يقبل أو يضم من غير وطئ، فأفتيته بهذا. قال الربيع: فتبعت الشاب فسألته عن حاله فذكر لي أنه مثل ما قال الشافعي. قال: فما رأيت فراسة أحسن منها))(١). ■ ويروى أن رجلًا راح يفحص النائمين واحدًا إثر الآخر. فقال الشافعي لتلميذه البار الربيع المزني: قم واذهب لهذا الرجل وقل له: إنه يبحث عن عبد أسود مصاب بمرض في إحدى عينيه. قال الربيع: فقمت ونفذت الأمر فقال الرجل: نعم، هذا صحيح. وبعدها ذهب الرجل إلى الشافعي وسأله: أين عبدي؟ ابحث عنه في السجن، فإنه هناك. فرحل الرجل ووجد عبده بالفعل في السجن، فخاطب الربيع الشافعي قائلًا: اشرح لي هذا الذي حدث لأنك سببت لنا حيرة. أجاب قائلا: رأيت رجلاً يدخل من باب الجامع ويلف حول النائمين، قلت: إنه يبحث عن هارب. وحين اقترب من السود وتجاهل البيض، قلت: أحد عبيده السود قد فر هاربًا، وحين رأيته يتفحص العين الیسری، استنبطت أن العبد لا بد أن يكون مصابًا بمرض في عينه، قلنا له: وكيف عرفت أنه في السجن. أجاب مطبقًا ((الحديث)) على العبيد ((إذا جاعوا سرقوا وإذا شبعوا نكحوا)) واستنبطت أنه لا بد أن يكون قد اقترف (١) ((فراسة المؤمن)) (ص ١١٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٥ علو الهمة في الفراسة أحد هذين الجرمين، وأنتم ترون الآن أنه كذلك))(١). ويروى أن الشافعي ومحمد بن الحسن كانا جالسين بفناء الكعبة فدخل رجل من باب المسجد فقال أحدهما أراه نجارًا، وقال الآخر: بل حدادًا فتبادر من حضر إلى الرجل فسألوه فقال لهم: كنت نجارًا وأنا الآن (٢) حدادًا)) (٢). وعن حرملة بن يحيى: ((سمعت الشافعي وقد سأله رجل فقال: حلفت بالطلاق إن أكلت هذه الثمرة أو رميت بها. قال: تأكل نصفها وترمي نصفها !! ))(٣). فراسة يحيى بن أكثم: ـ ذكر أبو يعلى عيسى بن محمد الطوماري أنه سمع أبا حازم القاضي سمعت أبي يقول: ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة وسنه عشرون أو نحوها، فقال له أحدهم: كم سنو القاضي؟ قال: فعلم أنه قد استصغر. فقال له: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وَجَّه به النبيِ وَّه قاضيًا على أهل مكة يوم الفتح. وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي وَّله قاضيًا إلى أهل اليمن، وأنا أكبر من كعب بن سور الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضيًا على أهل البصرة))(٤). (١) انظر: ((مناقب الشافعي)) للبيهقي، و((توالي التأسيس)) لابن حجر، و«فراسة المؤمن)» (ص١١٦). (٢) ((فراسة المؤمن)) (ص١١٦). (٣) الهامش السابق. (٤) ((وفيات الأعيان)) (٦/ ١٥١). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة فراسة الليث بن سعد: · عن أبي علي الحسن بن مليح الطرائفي بمصر، حدثنا لولو الخادم -خادم الرشيد - قال: ((جرى بين هارون الرشيد وبين ابنة عمه زبيدة مناظرة وملاحاه في شيء من الأشياء، فقال هارون لها في عرض كلامه: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم واغتمًا جميعًا بهذا اليمين، ونزلت بهما مصيبة لموضع ابنة عمه منه، فجمع الفقهاء وسألهم عن هذا اليمين فلم يجد منها مخرجًا، ثم كتب إلى سائر البلدان من عماله إن يحمل إليه الفقهاء من بلدانهم، فلمَّا اجتمعوا جلس لهم وأدخلوا عليه، وكنت واقفًا بين يديه لأمر إن حدث يأمرني بما شاء فيه، فسألهم عن يمينه، وكنت المعبر عنه، وهل له منها مخلص، فأجابه الفقهاء بأجوبة مختلفة، وكان إذ ذاك فيهم الليث بن سعد في من أشخص من مصر، وهو جالس في آخر المجلس لم يتكلم بشيء، وهارون يراعي الفقهاء واحدًا واحدًا .. فقال له: بقى ذلك الشيخ في آخر المجلس لم يتكلم بشيء، فقلت له: إن أمير المؤمنين يقول: مالك لا تتكلم كما تكلم أصحابك؟. فقال: قد سمع أمير المؤمنين قول الفقهاء وفيه مقنع، فقال: إن أمير المؤمنين يقول: لو أردنا ذلك سمعنا من فقهائنا ولم نشخصكم من بلدانكم، ولمَا أحضرت هذا المجلس، فقال: يخلي أمير المؤمنين مجلسه إن أراد أن يسمع كلامي في ذلك. فانصرف من كان بمجلس أمير المؤمنين من الفقهاء والناس، ثم قال: تكلم، فقال: يدنيني أمير المؤمنين، فقال: ليس بالحضرة إلَّا هذا الغلام وليس عليك منه عين، فقال: يا أمير المؤمنين، أتكلم على الأمان ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ علو الهمة في الفراسة ٤٣٧ وعلى طرح التعمل والهيبة والطاعة لي من أمير المؤمنين في جميع ما آمر به؟ .. قال: لك ذلك، قال: يدعو أمير المؤمنين بمصحف جامع، فأمر به فأحضر، فقال: يأخذه أمير المؤمنين فيتصفحه حتى وصل إلى سورة الرحمن، فقال: يقرأ أمير المؤمنين. فقرأ. فلمَّا بلغ ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، قال: قف يا أمير المؤمنين ها هنا .. فوقف، فقال: يقول أمير المؤمنين: والله .. فاشتد على الرشيد وعليّ ذلك .. فقال له هارون: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، على هذا وقع الشرط، فنكس أمير المؤمنين رأسه - وكانت زبيدة في بيت مسبل عليه ستر قريب من المجلس تسمع الخطاب- ثم رفع هارون رأسه فقال: والله، قال: الذي لا إله إلَّا هو الرحمن الرحيم إلى أن بلغ آخر اليمين، ثم قال: إنك يا أمير المؤمنين: تخاف مقام الله .. قال هارون: إني أخاف مقام الله. فقال: يا أمير المؤمنين، فهي جنتان وليست بجنة واحدة كما ذكر الله تعالى في كتابه، فسمعت التصفيق والفرح من خلف الستر، وقال هارون: أحسنت والله، بارك الله فيك، ثم أمر بالجوائز والخلع لليث بن سعد. ثم قال هارون: يا شيخ اختر ما شئت وسل ما شئت تجب فيه. فقال: يا أمير المؤمنين، وهذا الخادم الواقف على رأسك .. فقال: وهذا الخادم. فقال: يا أمير المؤمنين، والضياع التي لك بمصر ولابنة عمك أكون عليها وتسلم إليَّ لأنظر في أمورها. قال: بل نقطعك إقطاعًا .. فقال: يا أمير المؤمنين، ما أريد من هذا شيئًا بل تكون في يدي لأمير المؤمنين فلا يجري على حيف العمال وأعز بذلك. فقال: لك ذلك، وأمر أن يكتب له ويسجل بما قال، وخرج من بين ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ جَّنَانٍ ) ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة يدي أمير المؤمنين بجميع الجوائز والخلع والخادم. وأمرت زبيدة له بضعف ما أمر به الرشيد، فحمل إليه فاستأذن في الرجوع إلى مصر فحمل مکرمًا))(١). فراسة أبي بكر الباقلاني: ■ عن الحسين بن عثمان وغيره: «أن عضد الدولة بعث القاضي أبا بكر الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم، فلمَّا ورد مدينته عرف الملك خبره وبين له محله من العلم، فأفكر الملك في أمره، وعلم أنه لا يفكر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن يقبِّل الأرض بين يدي الملك، فنتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكن أحد أن يدخل منه، إلّا راكعًا ليدخل القاضي منه على تلك الحال عوضًا من تفكيره بين يديه، فلمَّا وصل القاضي إلى المكان فطن بالقصة، فأدار ظهره وحنى رأسه، ودخل من الباب وهو يمشي إلى خلفه، وقد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصب وجهه وأدار وجهه حينئذٍ إلى الملك فعلم الملك من فطنته وهابه))(٢). بږ فراسة ابن الجوزي منه : كان منَّهُ له ذهن وقّد وجواب حاضر يدلُّ على علو همة في الفراسة والفطنة: ((سمع ابن الجوزي من بعض أهل العلم أن الخليفة المستضيء بالله قد غضب على إنسان من حاشيته فأراد أن يعاقبه فهرب، فلزم أخاه، فصادر الخليفة الأخ، وأخذ ماله، فشكى المصادر إلى ابن (١) ((وفيات الأعيان)) (٥٤٩/٤)، و((تاريخ بغداد)) (٤/١٣). (٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٣/ ١٨٠ - ١٨١)، و((ترتيب المدارك)) (٦٠٠/٤). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٤٣٩ علو الهمة في الفراسة الجوزي، وذكر له القضيّة فقال له: إذا انقضى مجلس وعظي فقم قدّامي حتى تذكرني، وكان الخليفة يسمعُ وعظَه من خلف السِّتْر، فلمّا كان أوّل مجالسهم للوعظ بعد ذلك وانقضى المجلس قام ذلك الإنسان المصادر فلمَّا رآه الشيخ أبو الفرج أنشد مُعرِّضًا بكون البريء لا يُؤاخذ بذنب الجريء مُحَرِّضًا الخليفة على العدل والإحسان، وأن يُعاد المَال المأخوذ على ذلك الإنسان فقال: قفي ثم أخبرينا يا سعادُ بذنب الطرف لم سُلِبَ الفؤادُ وأي قضية حكمت إذا ما جنى زيد به عمرو يقادُ؟؟ يعاد حديثكم فيزيد حسنًا وقد يستحسن الشيء المعاد فقال الخليفة المستضيء بالله من وراء الستر: يعاد، يعني المال، فأعيد على ذلك الشخص ماله وانجبر حاله (١). ويدلَّ هذا أيضًا على علو فراسة الخليفة وفطنته. فراسة الشيخ ياسين الزركشي في الإمام النووي: ■ يقول الشيخ ياسين الزركشي: «رأيت الشيخ محيي الدين وهو ابن عشر سنين بنوى (١) ، والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو یھرب منهم، ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي حبه، وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن؟ !. قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن توصية به، وقلت له: هذا الصبي، يرجى أن يكون أعلم زمانه، وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي منجم (١) ((وفيات الأعيان)) (٢٢٢/٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي. (٢) بلدة من أعمال حوران، بينها وبين دمشق منزلان. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٤٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة أنت؟ فقلت: لا، وإنما انطقني الله بذلك، فذكر ذلكم لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن، وقد ناهز الاحتلام))(١). فراسة سلطان العلماء العزبن عبد السلام: ■ جاء شخص إلى سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام وقال له: ((رأيتك في النوم تُنْشِدُ: و کنتُ کذي ڕِجْلَئْنِ رجل صحیحة ورجل رَمی فيها الزمانُ فَشُلَّتِ فسكت ساعة ثم قال: أعيش من العمر ثلاثًا وثمانين سنة فإن هذا الشعر لكثير عزة، ولا نسبةً بيني وبينه غير السن أنا سني وهو شيعي، وأنا لست بقصير وهو قصير، ولست بشاعر وهو شاعر، وأنا سلمي وهو ليس بسلمي، لكنه عاش هذا القدر، قلت فكان الأمر كما قال منُ))(٢). علو فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية: ■ قال شيخ الإسلام قيم الجوزية عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية مَلَّهُ: «لقد شاهدتُ من فراسة شيخ الإسلام ابن تیمیة ◌َلَهُ أمورًا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظمُ وأعظمُ ووقائع فراسته تستدعي سِفْرًا ضخمًا .. أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمئة، وأن جيوش المسلمين تُكْسَر، وإن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام، وإن كَلَب الجيش وحدته في الأموال .. وهذا قبل أن يهِمّ التتار بالحركة. ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنين وسبعمئة لمَا تحرك التتار وقصدوا (١) ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٣٩٦/٨ - ٣٩٧). (٢) المصدر السابق (٢٤٥/٨ - ٢٤٦). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/