النص المفهرس
صفحات 221-240
ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢١ علو الهمة في الأمانة الذي يثقُونَ إليه، ويَتَّخِذُونه أمينًا حافظًا، والأمانةُ تقعُ على الطاعةِ والعبادةِ والوديعةِ والثقة والأمَانِ. ويُقالُ: رجلٌ أمينٌ وأمَّانٌ أي له دينٌ. وقيل: مأمونٌ به ثقةٌ. ] قال الأعمش: أُقَانَ مَوْرودًا شَرَابُهْ وَلَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجِرَ الـ والتَّاجر الأمَّانُ بالضمِّ والتَّشديدِ: ((هو الأمين))(١). ■ وقال ابنُ الأنباريِّ: ((والأمينُ منْ حروف الأضدادِ، يقالُ: فلانٌ أمينٌ، أي مُؤْتَمَنٌ، وفلانٌ أميني، أيْ مُؤْتَمَنِي أَأْتَمِنُهُ على أمْري، قال الشاعر: أَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمَ وَيْحَكِ أَنْنِي حَلَفْتُ يَمِينًا لَا أَخُونُ أَمِينِي أي: مُؤْتَمَني (٢). واصطلاحاً: ■ قال الكفويُّ: ((الأمانةُ: كلُّ ما افترض الله على العبادِ فهو أمانةٌ كالصلاة والزكاة والصيام وأداء الدين، وأوكدُهَا الودائعُ، وأوكدُ الودائع كتمُ الأسرار، وقال في موضع آخرَ: كُلُّ ما يُؤْتَمَنُ عليه منْ أموالٍ وحُرَمٍ وأسرارٍ فهو أمانةٌ (٣))(٤). اهـ قال الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابه القيّم ((الأخلاق (١) ((النهاية في غريب الحديث)) (٧١/١)، و((لسان العرب)) (٢٢/١٣). (٢) ((الأضداد)) (٢٤). (٣) «الكليات» للكفوي (١٧٦ = ١٨٦) بتصرف يسير، (؟)) (نضرة النعيم) (٢/ ٥٠٧ - ٥٠٩). https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢٢ صلاح الأمة في علو الهمة الإسلامية وأَسُسُها)): ((الأمانة أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره، وهي ضد الخيانة. والأمانة في جانبها النفسي خلق ثابت في النفس يعف به الإنسان عمَّا ليس له حق، وإن تهيأت له ظروف العدوان عليه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس، ويؤدي به ما عليه أو لديه من حق لغيره، وإن استطاع أن يهضمه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس. فمن تهيأ له أن يهضم دينًا عليه دون أن يكون لدى الدائن ما يثبت به حقه، فعف عن ذلك ولم يفعل وأدى ما عليه من حقٌّ كاملًا غير منقوص فهو أمین حقًّا. ومن تهيأت له فرصة اختلاس أموال غيره دون أن يشعر به أحد من الناس، ودون أن يكون عرضة لاكتشاف لصوصيته، فعف عن ذلك ولم يفعل، فإنما ذلك أثر من آثار الأمانة في نفسه. ومن كان يؤدي الودائع التي عنده لأصحابها، مع أن أصحابها لا يملكون وثائق بها عليه، فهو أيضًا إنما يفعل ذلك بدافع خلق الأمانة الذي يتحلى به. مجالات الأمانة : ولا تقتصر الأمانة على العفة عن الأموال، بل العفة عن كل ما ليس للإنسان به حق هي أيضًا داخلة في حدود الأمانة، أو أثر من آثارها. فالعفة عن العدوان على الأعراض من الأمانة، والعفة عن العدوان على الحقوق العلمية من الأمانة، والعفة عن الغش وتطفيف الكيل https://arabessam.blogspot.com/ بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢٣ علو الهمة في الأمانة والميزان من الأمانة، والعفة عن الغلول (١) من الأمانة، وتبليغ الرسائل الكتابية أو اللفظية إلى أصحابها من الأمانة، وتأدية حق النصيحة لكل مسلم من الأمانة، وتأدية حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمانة. وتأدية العبد حق ربه عليه من الأمانة، كالعبادات المفروضة والطاعة الواجبة، وكف العبد نفسه عمَّا حرم الله عليه من الأمانة؛ لأن العبد المكلف مستأمن على ما وضع الله بين يديه وما وضع تحت سلطته من أشياء، سواء أكانت داخلة في حدود ذاته أو خارجة عنها، الحق في كل ذلك هو لله وقد استأمن الله عباده عليها، فأذن لهم بأشياء وحرم عليهم أشياء، فمن تجاوز حدود الإذن الإلهي فاعتدى على ما ليس به حق فقد خان الأمانة، فالطاعة لله من الأمانة، والمعصية لله من الخيانة. ومن الأمانة إعطاء كل ذي حق حقه، فالعدل من الأمانة، والجور والظلم من الخيانة. ومن الأمانة الاهتمام بأن يحفظ المستأمنون ما تحت أيديهم من حقوق لغيرهم، حتى يؤدوها إلى أصحابها وهي على حالتها حينما استؤمنوا عليها، ما لم يكن مرور الزمن يغير منها بصفة طبيعية معلومة. وهكذا تتعدد مجالات خلق الأمانة و تتسع دوائرها. ولمَّا كانت الأمانة مرتبطة بمبدأ الحق كان من يحب الحق ويؤثره يجد نفسه مدفوعًا لأن يكون أمينًا على حقوق الآخرين، وإن تحركت مطامعه أو شهواته للاستيلاء عليها. والأمانة مصدر كالأمان، والأمان من الأمن هو ضد الخوف، وحين (١) الغلول: هو العدوان على الأموال العامة للمسلمين. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٢٤ صلاح الأمة في علو الهمة تنعدم مسببات الخوف يحصل الأمان في النفوس. ولمّا كان الأمين إنسانًا مأمون الجانب لا يُخشى عدوانه على حقوق غيره كانت ساحته ساحة أمان، ليس فيها أي مثير للخوف على المَال، أو على العرض، أو على الحياة، ولذلك سميت الخصلة التي يتحلى بها الأمين على حقوق الآخرين أمانة، ولمَّا كانت هذه الخصلة داخلة في ميدان الأخلاق كانت إحدى الفروع الأخلاقية، ولمَّا كان أساسها الحق كانت إحدى الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره. ■ وقد ظهر لنا من تعريف الأمانة أنها تشتمل على ثلاثة عناصر: الأول: عفة الأمین عمّا ليس له به حق. الثاني: تأدية الأمين ما يجب عليه من حقٌّ لغيره. الثالث: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق غيره، وعدم التفريط بها والتهاون بشأنها (١). (١) ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني (٦٤٦/١ - ٦٤٧). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٢٥ علو الهمة في الأمانة الأمانة في القرآن الكريم ■ ذكر ابن الجوزي في كتابه ((نزهة الأعين النواظر))(١) - نقلًا عن بعض المفسِّرين أن الأمانة في القرآن الكريم على ثلاثة أوجهٍ: الأول: الفرائض: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]. ﴿ إِنَّاللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى الثاني: الوديعة: ومنه قوله تعالى: أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨]. الثالث: العِفّة (والصيانة): ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ ٤ [القصص]. ٢٦ اٌلْقَوِىُّ الْأَمِينُ ! وقد ذكر المولى وَجَلَّ في كتابه الكريم آمرًا بها ومؤكِّدًا شأنها وشأن أهلها، وتكرر لفظ الأمانة ومشتقّاتها في القرآن العظيم أكثر من أربعين مرة (٢). * وعمَاد ما ورد في شأن الأمانة تعظيمًا، وإجلالًا، وإعلاء، لمن قام بها وحملها قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضِّنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ٧٢ [الأحزاب]. إذ دَلَّ على عظم منزلة الأمانة، وتفرد الإنسان بحملها. (١) (نزهة الأعين النواظر)) (١٠٥/١، ١٠٦)، وقد أضفنا إلى الوجه الثالث لفظ (والصيانة) نقلا عن الفيروزأبادي في ((بصائر ذوي التمييز)) (١٥٣/٢) ولم يذكر الفيروزآبادي سوی الوجهین الأول الثالث. (١) انظر (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم)) لمحمد فؤاد عبد الباقي (ص٨١ - ٨٩). ـعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢٦ صلاح الأمة في علو الهمة ] قال الشيخ ابن جبرين: ((إن المقصود بالأمانة العامة هي العبادة، وهي التي ذُكِرت في الآية الكريمة». فقد عرض الله هذه الأمانة على أعظم مخلوقاته: على السموات مع عِظم خَلْقِها، وعلى الأرض - أيْ: جنس الأرض - مع عِظَمها، وعلى الجبال مع قوّة خلقها وصلابتها؛ فأشفقت وتبرَأت منها ولم تتحمَّلها، مع أن هذه المخلوقات مُذَلِّلة لأمر الله، لا تستعصي، ولا تخرج عن الطاعة التي كُلِّفت بها. * وقد ذكر الله أن هذه المخلوقات مطيعة لربها، مسخَّرة لِمَا كُلِّفت ◌ُثُمَّأَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْكَرْهًا به، قال تعالی: ﴾ [فصلت]. ١١ قَالَتَآَ أَنَّيْنَا طَآئِعِينَ فهذه المخلوقات من الجبال وغيرها قد تبرّأت من هذه الأمانة، وأشفقت منها، وأمتنعت من تحمُّلِها على خشيتها وطاعتها لله، وقد تحملَّها الإنسان على ضعفه! تحمَّلها الإنسان والتزم بها، فلابد أن يؤديها، ويقوم بها حق القيام، وإذا لم يقم بها وفرّط يها فإنه مسؤول عنها أمام الله مستحق للعقوبة بتركها وخيانتها))(١). ■ قال الشنقيطي في ((أضواء البيان)): ((ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السموات والأرض والجبال، وأنهُنَّ أَبَيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفقن منها، أي: خِفْن من عواقب حملها أن ينشأ لهنَّ من ذلك عذاب الله وسخطه، ءُ وهذا العَرْض والإباء، والإشفاق كلّه حق، وقد خلق الله السموات (١) (الإمانة)) للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين (ص٧، ٩). ـعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢٧ علو الهمة في الأمانة والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبتْ وأشفقت، أي: خافت. * ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكور قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْبَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، فصرّح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى. * ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَاُلْأَرْضُ وَمَنْ فِيِنَّ وَإِنِ مِنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]. * ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَامَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، إلى غير ذلك من الآيات. * وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا : الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة ٧٢ جَهُولًا والسلام، وأن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾، راجع للفظ ﴿الإِنسَنُ ﴾ مُجَرَّدًا عن إرادة المذكور منه، الذي هو آدم. والمعنى: إنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة ﴿كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا أي كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران: أحدهما: قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذّب ومرحوم في قوله تعالى بعده متَّصِلًا به: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَنُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٢٨ صلاح الأمة في علو الهمة [الأحزاب]، فدلَّ هذا على أن ٧٣ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا الظلوم الجهول من الإنسان هو المُعَذَّب، والعياذ بالله، وهم المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ﴿ لَيْعَذِّبَ﴾ لام التعليل، وهي متعلقُّه بقوله: ﴿ وَحَلَهَا اُلْإِنسَنُ الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرَّد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل القرآن بها، وقد جاء فعلًا في آية من كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ﴾ راجع إلى لفظ ((المعمّر)) دون معناه التفصيلي؛ كما هو ظاهر. وهذه المسألة هي المعروفة عند علمَاء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، کما ترى. وبعضُ من قال من أهل العلم: إن الضمير في قوله: ﴿﴿إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ عائد إلى آدم، قال: المعنى: إنه كان ظلومًا لنفسه جهولاً، أي: غرًّا بعواقب الأمور، وما يتبع الأمانة من الصعوبات، والأظهر ما ذكرنا، ، والعلم عند الله تعالى))(١). ومن الآيات الواردة في الأمانة: أوَّلاً: ما يؤتمن عليه الإنسان من الفرائض والتكاليف: ** قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ : [الأنفال]. ٢٧ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) ((أضواء البيان) الشنقيطي (٦/ ٤١٠ - ٤١٢) - طبعة المكتبة التوفيقية. بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٢٩ علو الهمة في الأمانة ** وقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ .. ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. ثانيًا: ما يُؤتمن عليه الإنسان من ودائع ونحوها: أُ وَإِنْ كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ * قال تعالى: أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَةِ الَّذِى أَؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ, وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ ﴾ [البقرة]. وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُوَءَاثِمٌ قَلْبُهُ, وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم وقال تعالى: مَّنْ إِن تَأَمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُهْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ﴾ [آل عمران]. ٧٥ اُلْأُمَّيِّعَنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم * وقال تعالى: بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِنَّا يَعِظُ كُم ◌ِةٍ إِنَّاللَّهُ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء]. * وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِهِ: أَسْتَخْلِصْدُ لِنَفْسِ فَلَمَّا كَلَّمَّهُ، قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف]. ٥٤ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ * وقال تعالى: ﴿﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَآ أَمِنِتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌ ﴾ [يوسف]. ٦٤) فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ وَاُلَّذِينَ هُمْ عَلَى ٨ : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ·وقال تعالى : : ) أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا صَلَوَتِهِمْ ثُحَافِقُونَ [المؤمنون]. ١١ خَلِدُونَ: وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَايِعُونَ ٣٢ وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَئِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ [المعارج]. ﴿﴿ وَالَّذِينَ هُ عَلَى صَلَانِهِمْ يُحَا فِظُونَ ( أُوْلَكَ فِي جَنَّتِ مُكْرَمُونَ (٣٥) ثالثًا: ما يؤتمن عليه الإنسان من الأعراض ((العفة والصيانة)) والتكاليف: : قال تعالى: ﴿ قَالَ يَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَيُّكُمْ بَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ٣٨ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٩ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣٠ صلاح الأمة في علو الهمة ٣٩ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ الْجِنِّ أَنَاْ ءَانِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ [النمل]. * وقال تعالى: ﴿ قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَكَأَبَتِ اسْتَعْجِرْهُ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ [القصص]. الْقَوِىُّ الْأَمِينُ رابعًا: أمانة الرّسل: ((ما يُؤتمن عليه الرسل والملائكة في التبليغ عن الله ،َڵ)». وجل® الأمانة من أبرز أخلاق الرسل: من الملاحظ في أسس العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة، فلولا أن يكونوا أمناء لَمَا استأمنهم الله على رسالاته لخلقه. وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودَّا قَالَ * ففي شأن هودغُلِّل يقول الله تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ١٥ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَنَّقُونَ قَوْمِهٍِ إِنَّا لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ اَلْكَذِبِينَ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ ﴿٣ أَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَّ وَأَنَاْلَكُمْ بِ سَفَاهَةٌ وَلَكِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ نَاصِعٌ أَمِينُ [الأعراف]. ٦٨ فعرض هود غَلَّل لقومه من صفاته أنه أمين، وهذه الصفة من صفاته لابد أن تكون معروفة لديهم قبل أن يبعثه الله رسولًا، ومن شأن الأمين أن يكون موثوقاً به في نقل الأخبار وتبليغ الرسالات. (١٢) إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّ أَلَا نَتَّقُونَ (١) إِنِّي * قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء]. لَكُرَسُولُ أَمِينٌ (٥ ) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١)﴾ * وقال تعالى في شأن نوح ◌َلِّل وقومه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ١٠٥ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣١ علو الهمة في الأمانة ١٠٧ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ نُوعُ أَلَا نَفَّقُونَ ﴿ إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ١٠٨ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء]. وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ * وقال تعالى عن کلیمه موسی گلتر. فِرْعَوْنَ وَجَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ) أَنْ أَدُّوَاْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ إِنِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ وَأَنْ ٢﴾ [الدخان]. ١٩ لََّ تَعْلُواْ عَلَى اللّهِ إِنّ ءَاتِيَكُم بِسُلْطَانِ مُّبِينٍ رسول الله ◌َخـ الأمين: كانت الأمانة خُلُقًا بارزًا ظاهِرًا من أخلاق رسول الله آ آآ اشتهر به رسول الله ◌َل# بين قومه قبل الرسالة، وكان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم، ولمَا هاجر نَّهَ وَكَّل عليّ بن أبي طالب بردِّ الودائع إلى أصحابها(١). • عن أبي سعيد الخدري لكنه قال: بعثَ عليّ بن أبي طالبٍ خلاله إلى رسول الله وَّهِ من اليمنِ بِذُهَيْبَةٍ (٢) في أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ (٣)، لم تحصَّلْ من ترابها (٤). قال فقسمها بين أربعة نفرٍ: بين عيينة بن بذْرٍ، وأقْرع بن حَابِسٍ، وزيد الخيل، والرَّابعُ إِمَّا علْقمةُ وإِمَّا عامرُ بن الطُّفيل. فقال رجلٌ من أصحابه: كنَّ نحن أحقّ بهذا من هؤلاءٍ. فبلغ ذلك النَّبِّ بَلِّ فقال: ((أَلَا تَأْمُنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا ومَسَاءً؟)) (١) انظر: ((الأخلاق الإسلامية)) (٦٤٨/١). (٢) ذُهَبِيَة: تصغير ذهبة بمعنى القطعة. (٣) أديم مقروظ: أيْ في جِلْد مدبوغ بالقَرَظ، والقَرَظ حَبٌّ يؤخذ من ثمر شجر العضَاه. (٤) لم تُحَصَّل من ترابِها: لم تُميّز ولم تُصَفَّ من ترابٍ معدنها. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٣٢ صلاح الأمة في علو الهمة قال: فقام رجلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنتيْنِ (١)، نَاشِرُ الجَبْهَةِ(٢) كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَخْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإزَارِ. فقال: يا رسول الله اتَّقِ الله! قال: ((ويْلَكَ: أو لستُ أحَقَّ أهلِ الأرْض أَنْ يَتَّقِيَ الله؟)) قال: ثُمَّ وَلَّى الرَّجل. قال خالد بن الوليدِ: يا رسول الله ألا أضْرِبُ عنقه؟ قال: ((لا؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّى)). فقال خالدٌ: وَكَمْ منْ مُصَلّ يقول بلسانِهِ ما ليسَ في قلبهِ. قال رسول الله وَله: ((إِّ لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنْقِّبَ قُلُوبَ النَّاسِ (٢) وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ). قال: ثمَّ نظر إليه وهو مُقَفِّ(٤) فقال: ((إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِتْضِيٍ(٥) هذا قومٌ يَتْلُونَ كِتَابَ الله رَطْبًا لا تُجَاوِزُ حناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمْ مِنَ الَّمِيَّةِ)). وأظْتُّهُ قال: ((لَئِنْ أَدْرَ كْتُهُمْ لِأَقْتُلَّهُمْ قَتْلَ ,(٦) ,(٧) ثَمُودَ (٦)))(٧). * عن عائشة ﴿شها قالت: كان على رسول الله وَاهُ ثَوْبانِ قطْرِیَّانِ غَلِيظانٍ. فكان إذا قعد فعرقَ، ثَقُلًا عليه، فقدم بَثٌ (٨) من الشام لفلانٍ اليهوديِّ. فقلت: لو بعثْتَ إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرةِ. فأرسل إليه فقال: قدْ علمْتُ ما يريد. إنمَّا يريدُ أنْ يذهب بمَالي أو بدَرَاهمي. فقال (١) مشرف الوجنين: أي غليظهما. والوجنتان: تثنية وَجْنة وهي ما ارتفع من لحم الحَدِّ. (٢) ناشز الجبهة: أي مرتفعها. (٣) لم أومر أن أُنُقِّب عن قلوب الناس: أي أُفَتِّش وأكشف. (٤) وهو مُقَفِّ: أي ذهب مُوَلًِّا وكأنه من القفا أي أعطاه قفاه وظهره. (٤) ضئضئ هذا: هو أصل الشيء. وهو بالمُعجَمتيْن والمهملتيْن. (٦) قتل ثمود: يعني الاستئصال. (٧) رواه البخاري ((الفتح)) (٤٣٥١/٧) واللفظ له، ومسلم (١٠٦٤). (٨) البَزُّ: الثياب .. ضرب من الثياب .. انظر (لسان العرب)) ((بزز)). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣٣ علو الهمة في الأمانة رسول الله وَله: ((كَذَبَ. قَدْ عَلِمَ أَنِي مِنْ أَتْقَاهُمْ الله وآداهُمْ للأَمَانَةِ)) (١). * وجبريل ◌َّل أمين الوحي، وقد وصفه الله بذلك في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٩٢) (١٩٤ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنَّذِرِينَ ١٩٣ نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ( [الشعراء]. ولولا صفة الأمانة فيه لَمَا حصلت الثقة بما يبلِّغ عن الله من شرائع، ولَمَا اصطفاه الله لحمل رسالاته إلی رسله من البشر. وكذلك حال الرسل من البشر، لولا صِفة الأمانة فيهم لمَا حصلت الثقة بما يبلِّغون عن ربهم، ولَمَا اصطفاهم الله لحمل رسالاته للناس)» (٢). الأمانة والفطرة: • عن حذيفة السعنه قال: حدثنا رسول الله وَ لا حديثين؛ رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر. حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأمانَةَ نَزَلتْ فِي جَذْرٍ (٣) قُلوبِ الرِّجَال، ثم علموا من القرآن، ثم علمُوا من السُّنة، وحدثنا عن رفعها، قال: ينامُ الرّجل النَّومَة فَتُقْبضُ الأمانةُ من قلبه، فيظلُّ أثرُها مثل أثَر الوَكْت (٤). ثم (١) صحيح: رواه الترمذي في كتاب البيوع - باب ما جاء الرخصة في الشراء الأجل (١٢١٣)، والنسائي (٢٩٤/٧) - كتاب البيوع: باب البيع إلى أجل معلوم. وصححه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (ص٢١٦). (٢) ((الأخلاق الإسلامية)) (٦٤٩/١). (٣) جَدْر: أي في أصلها، ويقال: جِذْر بكسر الجيم وبفتحها. ((النهاية في غريب الحديث)) (١/ ٢٥٠)، و((فتح الباري)) (٣٣٤/١١). (٤) الوَكْت: الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه. ((النهاية في غريب الحديث» (٢١٨/٥). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ A ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ٢٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة ينامُ النومةً فتُقبضُ، فيبقى أثرها مثل المَجْل (١)، كجمرٍ دحْرِجْتَهُ على رجْلِك فَنَفِطَ (٢)، فتراه مُنْتَبَرًا (٣) وليس في شيء. فيُصبحُ الناس يتبايعون، فلا يكادُ أحدهم يُؤدي الأمانة، فيُقالُ: إن في بَنِي فُلانٍ رجلاً أمينًا. ويقال للرجل: ما أعقَلَهُ وما أظرَفَهُ وما أجلدهُ، وما في قلبه مثقَالُ حبَّة خَردَلٍ من إيمَانٍ . -ويقول حذيفة -: ولقد أتى زمانٌ وما أبالي أيكم بَايعت، لئن كان مسلمًا رَدَّهُ عليَّ الإسلام، وإنْ كان نصرانيًّا رَدَّهُ على ساعيه. فأمَّا اليوم فما كنتُ أبايع إلَّا فُلانًا وفُلاَنَا))(٤). ففيه دلالة على ((حقيقة من حقائق التكوين الخلقي الفطري في الناس، وهذه الحقيقة تثبت أن الأصل في الناس أن يكونوا أمناء؛ لأن الله تعالى بالتكوين الفطري قد أنزل خلق الأمانة فوضعه في جذر قلوب الرجال، أي في أصل قلوبهم .. ، ثم نزلت شرائع الله التي أنزلها في كتبه، وبينها القرآن الكريم أحسن بيان، وبينتها سنة الرسول وَل﴾، فكانت تغذية وتنمية لمَا غرسه الله تعالى في قلوب الرجال من فطرة قائمة على الأمَانَة في (١) المجل: أثر العمل في اليد. المرجع السابق (٣٠٠/٤). (٢) فَنَفِطَ: أي صار منتفطًا وهو المنتبر، يقال: انتبر الجرح وانتفط: إذا ارتَفَعَ وَوَرِمَ ((لسان العرب)) (٢٤١/١٤)، و(١٩/١٤)، و((القاموس المحيط)) (ص٦١٦)، و((شرح صحيح مسلم)) (٢/ ١٦٩). (٣) منتبرًا: أي مرتفعًا. ((معجم مقاييس اللغة)) (٢/ ٥٣٧). (٤) رواه البخاري -واللفظ لَهُ- في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، رقم الحديث (٦٤٩٧)، ورواه مسلم في كتاب ((الإيمان))، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب، رقم الحديث (١٤٣)، رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣٥ علو الهمة في الأمانة أصل تكوينها))(١). فهذه الفطرة المستقيمة استحسنت الأمانة منذ بدء الخلق، إلَّا أنها كانت محكومةً بحكم الشرع، فهي إذا زاغت عن الشرع انحرفت عن الأمانة وقَصَّرَت فيها وفَرَّطَت، سواء أكان بسبب الظلم أم الجهل، وهذا ما أشار إليه ابن عاشور في أكثر من موضع في تفسيره، من هذه المواضع ما أورده عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ قال: ((يجوز أن يراد: ظلومًا في فطرته، أي في طبع الظلم والجهل، فهو مُعَرَّضٌ لهمَا ما لم يعصمه وازع الدِّين، فكان من ظلمه وجهله أن أضاع كثير من الناس الأمانة التي حملها))(٢)، وصرح به محمد رشيد رضا في قوله: ((الأصل أن يكون الناس أمناء يقومون بوازع الفطرة والدِّين، والخيانةُ خلاف الأصل))(٣). ويصف صاحب ((الظلال)) هذه الأمانة بأنها: ((أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه. فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة. فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمَان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته. وألزمه طاعة نَامُوسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه .. والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته وإلى عقله .. وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله تعالى، بعون من الله، قال وَّ: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ٦٩ (١) ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) (١٨٥/١)، وانظر: (٤١٨/١، ٦٥١، ٦٥٣). (٢) ((تفسير التحرير والتنوير)) (١٣٠/٢٢)، (١٣١/٢٢). (٣) ((تفسير المنار)) (١٧٦/٥ - ١٧٧). ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣٦ صلاح الأمة في علو الهمة [العنكبوت]، وهذه أمانة حملها الإنسان، وعليه أن يؤديها أول ما يؤديها من الأمانات))(١). قال القاضي أبو بكر بن العربي منه: ((المراد بالأمانة في حديث حذيفة: الإيمَان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها، أن الأعمال السيئة لا تزال تُضعِف الإيمَانَ، حتى إذا تناهى الضَّعْفُ لم يبق إلَّا أثر الإيمَان -وهو التلفّظ باللسان- والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب. فشبهه بالأثر ظاهر البدن، وكتّى عن ضعف الإيمَان بالنَّوم، وضرب مثلًا لزهوق الإيمان عن القلب حالًا بزهوق الحجر عن الرِّجْل، حتى يقع بالأرض)) (٢). بين الأمانة والميثاق: * قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّغَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَّ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَأُ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفلینَ أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا (١٧٢ [الأعراف]. ١٧٣ فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ • عن عبد الله بن عباس ﴿إنضها، عن النبي وَلو قال: ((إنَّ الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعْمَان (٣) يوم عرفة، وأخرج مِن صُلْبه كل ذريّة ذرأها فنثرهم بين يديْه كالذَّرِّ، ثم كلَّمَهم قُبُلًا قال: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلِّ شَهِدْنَأْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (١) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ (١) ((الظلال)) (٦٨٨/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤٠/١٣). (٣) يعني: عرفة. ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com . ٦ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ علو الهمة في الأمانة ٢٣٧ (١٧٣ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِ هِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١) [الأعراف])) وللجمع بين الآية والحديث جواب. ((والجواب: أن الله سبحانه وتعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض، على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم، لمَا علم أنهم كلهم بنوه، وأخرجوا من ظهره)) اهـ من البغوي. * وقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ﴾. أي: أشهد بعضهم على بعض، وقرَّرهم بالتوحيد، وقال لهم: ألست بربكم وخالقكم؟ قالوا: بلی. وذلك على اعتبار أن شهادة القريب على القريب أقوى من شهادة البعيد على البعيد؛ ولذلك تكون شهادة النبي على قومه، أقوى في دلالتها؛ لإنه الحريص عليهم، والمنافح عنهم. ■ ويحتمل - والله أعلم- أن يكون إشهاد كل إنسان على نفسه، وتقريره بنفسه .. وهذا أبلغ، وأقطع عند المنازعة يوم القيامة، حيث أن الإنسان يوم القيامة لا يقبل - أثناء محاجته لربه وَ - إلَّا شهيدًا عليه من نفسه، لذا يختم على فيه، فلا يستطيع الكلام، وتنطق جوارحه فتشهد علیه. (١) صحيح: رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٧٢/١)، والنسائي في «تفسيره)) (١/ ٥٠٦ رقم ٢١١)، و(سننه) (٨٩/١) رقم (٢٠٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٧/١ - ٢٨) (٥٤٤/٢)، وابن أبي عاصم، وابن جرير في ((تفسيره)) (٢٢٢/١٢) نسخة أحمد شاكر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في (الصحيحة)) (١٦٢٣)، و((صحيح الجامع)) (١٦٩٧). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣٨ - صلاح الأمة في علو الهمة : يحتمل أن يعود الضمير إلى الله وَّل، * وقوله تعالى: ﴿ شَهِدنا ويحتمل رجوعه إلى الملائكة أنهم يشهدون على إقرار بني آدم، ويحتمل أن يكون هو خبر عن قول بني آدم بعضهم على بعض، فيشهد بعضهم على بعض. ويحتمل - والله أعلم - أن يكون كل إنسان يشهد على نفسه، بما نطق به، وأقرّه، واعترف به من وجود الله تعالى، والإيمان بوحدانيته، وعدم الشريك له .. ﴿ الَّذِينَ آَسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ (١٧٢ وَأَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمُ ( وأما العهد والميثاق فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٧٣). الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على ذرية آدم لئلا فیوضِّحه حديث أنس نظمه التالي. • فعن أنس بن مالك خلالعنه قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: لو كان لك ما في الأرض من شيء أكنتَ مفتديًا به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردتُ منك أهونَ من هذا وأنت في صُلْب آدم؛ أن لا تُشرك في شيئًا، فأبيْت إلَّا أن تُشرك بي))(١). ■ قال القاضي عياض: ((يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ﴾ الآية. فهذا الميثاق الذي أُخِذ عليهم في بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِرْ ذُرِيَّنَهُمْ (١) رواه البخاري واللفظ له - كتاب أحاديث الأنبياء- باب خلق آدم وذريّته، و((صحيح مسلم)) كتاب صفات المنافقين- باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا- رقم (٥١ - ٥٣). ـبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ . https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ٢٣٩ علو الهمة في الأمانة صُلْب آدم، فمن وَفَّى به بعد وجوده في الدنيا: فهو مؤمن، ومن لم يُوَفِّ به فهو الکافر)). ■ لقد عرض الله سبحانه وتعالى الأمانة على آدم ◌َالثّلام - بعد اعتذار السموات والأرض والجبال عن حملها، فتحمَّلها، كمَا مَرَّ. وأخرج ذريته بعد هبوطه إلى الأرض وأخذ عليهم العهد ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ﴾ الذي أخذه الله تعالى على جميع البشر، من لدن آدم ◌َكَّل حتى آخر إنسان على سطح الأرض. وهذا العهد الذي يمثِّلُه قوله تعالى لبني آدم: ﴿﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ وجوابه على لسان بني آدم ﴿قَالُواْ بَلَى﴾ هو الأمانة التي كان قد تحملَّها آدم،َلِّلُ مِن قبل))(١). قال الأصبهاني: ((الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ وهي عين الإيمَان، فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد، قام حينئذ بأداء ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه))(٢). الإيمان والأمانة: ** أثنى الله وَلَّ في أكثر من آية على رعاية المؤمنين للأمانة، وفي هذا إعلاءٌ لشأنها، من هذا الثناء قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٨]، و[المعارج: ٣٢]. فجعلها صفة بارزة للمؤمنين. ■ قال ابن كثير: «إن المؤمنين ((إذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى (١) انظر: ((الأمانة العظمى ونبيها (وَل) لخليل إبراهيم مَلاَ خاطر (ص ٥٠ - ٦٢) - دار القبلة للثقافة الإسلامية. (٢) «شرح صحيح مسلم)) (٢ /١٦٨)، و((فتح الباري)) (١٣ /٤٠). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٤٠ صلاح الأمة في علو الهمة أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوْفَوا بذلك))(١). وجمع الله الأمانات باعتبار تَعدُّد أنواعِها وتعدُّدِ القائمين بحفظها، وذلك تنصيص على العموم (٢)، والحكمة في جمع الله تعالى الأمانة دون العهد - والله أعلم - أن الأمانة أعمّ من العهد، ولذا فكُلّ عهد أمانة))(٣). • وقد ربط النبي وَّله بين الأمانة والإيمَان أَيما رباط، فعن أبي هريرة فظهعنه قال: قال رسول الله وَّ مَ: ((المسلمُ من سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أَمِنه الناس على رعائهم وأموالهم)) (٤). • وقال ◌َّة: ((المؤمن من أمِنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هَجَر الخطايا والذنوب)) (٥). • وعن أنس الف قال: ما خطبنا رسول الله إلَّا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهدَ له)) (٦). (١) ((تفسير ابن كثير)) (٤٦٣/٥). (٢) (تفسير التحرير والتنوير)) (١٦/١٨). (٣) ((فتح القدير)) للشوكاني (٦٤٦/٣). (٤) صحيح: رواه أحمد، والترمذي (٢٦٢٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (١٠٤/٨، ١٠٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٦)، والحاكم في (المستدرك)) عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في ((الكبير)) عن ((واثلة))، وصححه الألباني في «تخريج المشكاة)) (٣٢)، و((صحيح الجامع)) (٦٧١٠). (٥) صحيح: رواه ابن ماجه عن فضالة بن عبيد، وكذا رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٥٤٩)، و((صحيح الجامع)) (٦٦٥٨). (٦) صحيح: رواه أحمد في («مسنده)) (١٣٥/٣ و١٥٤ و٢١٠)، وابن حبان في ((صحيحه) وصححه الألباني في ((تخريج المشكاة)) (٣٥)، و«تخريج الإيمان)) لابن أبي شيبة (٧)، و((صحيح الجامع)) (٧١٧٩). بعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com