النص المفهرس

صفحات 601-620

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٠١
منزله ، ثم صَيَّرني في حجرة تلي حُرمه ، وكنت عنده فيما أُحبُّ من مطعمٍ
ومشرب وملبس ، ولا يسألني عن شيءٍ من حالي ، إلَّا أنه يركب في كل
يوم رَكْبة ، فقلتُ له يومًا : أراك تُدْمن الركوب ، ففيم ذلك ؟ فقال : إن
إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرًا ، وقد بلغني أنه مُخْتِفٍ ، وأنا أطلبه لأدرك
منه تأري . فكثر والله تعجُّبي ؛ إذْ ساقني القدرُ إلى حتفي في منزل من
يطلب دمي ! وكرهتُ الحياة ، فسألتُ الرجل عن اسمه واسم أبيه فخبّرني ،
فعرفت أن الخبر صحيحٍ ، وأنا قتلتُ أباه صبرًا ، فقلتُ : يا هذا ، قد وَجَبَ
علّ حَقُّك ، ومن حقك عليّ أن أدلك على خصمك، وأُقرّب علَّي الخطوة .
قال : وما ذاك ؟ قلت : أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك ، فخذ بثأرك .
فقال : إني أحسبك رجلًا قد مَضَّه (١) الاختفاء فأحبَّ الموت . فقلت :
بل الحق ما قلت لك ، أنا قتلته يوم كذا وكذا ، بسبب كذا وكذا ، فلما
عرف صدقي ارْبَدّ وجهه واحمرت عيناه ، وأطرق مَلِيًّا ، ثم قال: أمّا أنت
فستلقى أبي فيأخذ بثأره منك ، وأمَّا أنا فغير مُخْفِرٍ ذمَّتَي ، فاخرج عني ،
فلستُ آمن نفسي عليك. وأعطاني ألفَ دينار . فأخذتها وخرجت من
عنده . فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين(٢).
عبد الحميد بن سَعْد ، أمير مِصْر :
أجدب الناسُ بمصرَ وعبد الحميد بن سعد أميرهم ، فقال : والله
لأعلمنَّ الشيطان أني عدوه؛ فَقَالَ(٣) مَحَاوِيجَهُم إلى أن رَخُصَت الأسعار ،
ثم عُزل عنهم ، فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم ، فرهنهم بها حلَّي نسائه
(١) مضه وأَمَضَّه؛ أي شقَّ عليه .
(٢) لباب الآداب ١٢٨ - ١٢٩.
(٣) يعني أقال .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٢
وقيمتها خمسمائة ألف ألف ، فلما تعذّر عليه ارتجاعُهَا كَتَب إليهم بيعها ،
وَدَفَعَ الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صِلاته(١).
أبو مَرْئَد :
وكان أبو مرتد أحد الكرماء ، فمدحه بعض الشعراء ، فقال للشاعر :
والله ما عندي ما أعطيك ، ولكن قدِّمْني إلى القاضي ، وادّع علَّي بعشرة
آلاف درهم حتى أقَّ لك بها ، ثم احبسني ، فإن أهلي لا يتركوني محبوسًا .
ففعل ذلك ، فلم يُمْسِ حتى دُفع إليه عشرة آلاف درهم . وأخرج أبو مرثد
من السجن(٢).
سَعيد بن خالد :
دخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك ، وكان سعيد رجلًا
جوادًا ، فإذا لم يجد شيئًا كتب لمن سأله صَكًّا على نفسه حتى يَخْرج
عطاؤه ، فلمّا نظر إليه تمثّل بهذا البيت فقال :
إني سمعتُ مع الصَّباحِ مُنادِيًّا يَا مَنْ يُعينُ على الفَتَى المِعْوانِ
ثم قال : ما حاجتك ؟ قال : دَيْنٌ علَّي ، قال : وكم هو ؟ قال :
ثلاثون ألف دينار . قال : لك دينك ومثله .
الأَشْعَث بن قيْس :
عن الأغرِّ : كان الأشعث بن قيس لا يَقْدم من سفرٍ فيصلي الفجر
إلَّا كَسَا أهل المسجد وَوَصَلهم ، قال : وكانت لي على رجلٍ من كِنْدة ألف
وخمسمائة درهم ، فأتيته أتقاضاه ، فقال: ما عندي شيءٌ ، ولكن الأشعث
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٢٦٣.
(٢) إحياء علوم الدين للغزالي ٣ / ٢٦٣.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٠٣
قد قدم اليوم ، وما قدم من سفرٍ قَطُّ فصلَّى الفجر في المسجد إلا كَسَا
ووصل ، فاحْضرْنا بالغداة فصَلِّ معنا ، فإني لأرجو أنْ تأخذ مَالَكَ . قال :
فصليتُ معهم الفجر ، فلما سلَّم الإِمامُ قام رجل فقال : أَيُّهَا القوم ، أقيموا
في صفوفكم ، ثم أعطى كلّ رجلٍ حلةً وخمسمائة درهم ، فقال : فجاءني
الرجل فأعطاني الخمسمائة درهم التي دُفعتْ إليه ، وأعطيت أنا خمسمائة
أخرى لنفسي ، فانصرفتُ بألف درهم(١).
حَمَّاد بن أبي سُلْيْمان :
قال الشافعي : لا أزال أحب حمّاد بن أبي سليمان لشيءٍ بلغني عنه ؛
أنه كان ذات يوم راكبًا حماره فحَّ كه فانقطع زرُّه ، فمَّ على خيَّاطِ ، فأراد
أن ينزل إليه ليُسوي زرَّه، فقال الخيّاط: والله لا نزلتَ. فقام الخيّاط إليه
فسوّى زرَّه ، فأخرج إليه صُرَّة فيها عشرة دنانير ، فسلّمها إلى الخيّاط واعتذر
من قلَّتها . وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه :
يَا لَهْفَ قلبي على مالٍ أَجُودُ به على المُقِلِّينَ من أهل المروءاتِ
ما ليس عندي من إحدى المصيباتِ
إنَّ اعتذاري إلى مَنْ جاء يسألني
شعبة بن الحجاج :
جاء سائِلٌ إلى شعبة وليس عنده شيء ؛ فنزع خَشَبَةً من سقف بيته
ثم اعتذر إليه(٢).
قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة : بلغني عنك خصالٌ ،
فحدِّثْني بها . فقال : هي من غيري أحْسَن منها مني ، فقال : عزمتُ عليك
(١) لباب الآداب صـ ١٠٤ .
(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ٢٧٣ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٤
إلّا حدّثتني بها . فقال : يا أمير المؤمنين ؛ ما مددتُ رِجلي بين يدي جليسٍ
لي قطُّ ، ولا صنعتُ طعامًا قطّ فدعوتُ عليه قومًا، إلَّا كانوا أمَنّ علَّي
مني عليهم ، ولا نَصَبَ لي رجلٌ وجهَهُ قطُّ يسألني شيئًا فاستكثرتُ شيئًا
أُعطَيْتُهُ إِيَّاهُ(١).
کَھْمَس العابد :
عن إسحاق بن إبراهيم قال : دخلنا على كهمس العابد رحمه الله ،
فقدَّم إلينا إحدى عشرة تمرة حمراء ، وقال : هذا الجهد من أخيكم ، والله
المستعان(٢).
عن بكر بن عبد الله المُزَني رحمه الله ، قال : إذا أتاك الضَّيِّفُ فلا
تنتظر به ما ليس عندك ، وتمنعه ما عندك ، قدِّمْ له ما حَضَر ، وانتظر بعد
ذلك ما تريد من إكرامه .
الشيخ عبد العزيز بن باز :
وما ظُّك بكرم إمامٍ ما أكل طعامًا إلَّا بحضرة الضيف أو العلماء أو
طلبةِ العلم طيلة ثلاثين عامًا ، وَتُمَدُّ الموائد دائمًا ببيته ، فيتناول الناسُ من
طعامه ، وينهلون من علمه ، ويتعلّمون من أدبه وخلقه . وما ادَّخر شيئًا من
مالٍ ، إنما يُنفقه على طلبة العلم . لله دَرُّه .
۔۔
(١) إحياء علوم الدين ٣ / ٢٦٥.
(٢) لباب الآداب صـ ٨٠ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٥
صُورٌ من الإنفاق في سبيل الله لـ
أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه :
قال أنس : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخلٍ ، وكان
أَحَبّ أمواله إليه بَيْرَحَاء، وكانت مُسْتقبلة المسجد، وكان رسول الله عد اله
يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طَيِّب . قال أنس : فلمَّا أُنزلت هذه الآية :
﴿ لن تنالوا البِرَّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [ آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة
إلى رسول الله عَ لّه فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لن
تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحَبَّ أموالي إلي بيرحاء ، وإنها
صدقة لله أرجو بِّرها وَذُخْرِها عند الله ، فَضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله ،
قال: فقال رسول الله عَ له: ((بَخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مال رابح،
وقد سمعتُ ما قلتَ ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين )) . فقال أبو طلحة :
أَفْعَلُ يا رسول الله. فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمِّه (١).
الرَّبيع بن ◌ُثيم :
عن منذر أن الرّبيع كان إذا أخذ عطاءه فَرَّقه، وتَرَكَ قَدْرَ ما يكفيه(٢).
وروى بشير بن دعلوف عن الربيع بن خثيم أنه وقف سائلٌ على بابه
فقال: أطعموه سُكّرًا ؛ فإن الربيع يحب السُّكّر (٣).
(١) رواه البخاري في كتاب ((الزكاة))، باب ((الزكاة على الأقارب))، ومسلم
ومالك والترمذي والنسائي .
(٢) السير ٤ / ٢٥٨ - ٢٦٢ .
(٣) ((التبصرة)) لابن الجوزي ٢/ ٢٥٥.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٠٦
(( وكان الربيع - رحمه الله تعالى - لا يُعطي السائل كِسرةً ولا شيئًا
مكسورًا ولا ثوبًا خَلِقًا ، ويقول : أستحبي أن تُقرأ صحيفتي على الله تعالى
وفيها الأشياء التافهة التي أعطيتها لأجله))(١).
وعن منذر الثوري ، عن ربيع بن ◌ُثيم أنه قال لأهله : اصنعوا لنا
خَبِيصًا . فصُنِع ، فدعا رجلًا كان به خَبَل ، فجعل يُلقمه ولُعابُه يسيل ،
فلمّا أكل وخرج ، قال له أهله : تكلّفنا وصنعْنا ثم أطعمتَهُ ، ما يدري هذا
ما أكَل ! قال الربيع : لكنّ الله يدري(٢).
إبراهيم التّيْمي :
كان رحمه الله يجمع كلَّ قليل جماعةً من الفقراء ، ويُجلسهم في
المسجد ، ويقول لهم : تعبَّدُوا وأنا أقوم بخدمتكم ومُؤْنَتِكم(٣).
أبو حفص النَّيْسابُورِي :
الإِمام القُدوة الرَّبَّاني شيخ خُراسان .
قال عنه الذهبي في ترجمته في السير ( ١٢ / ٥١٠ - ٥١٣ ) :
(( أنفذ في يومٍ واحد بضعة عشر ألف دينار يفتكُ به أسْرى ، فلمَّا أمسى
لم يكن له عشاء )).
الحافظ عبد الغنيِّ المَقْدِسِيّ :
قال الضِّيّاء المقدسي : رأيت يومًا قد أُهدي إلى بيت الحافظ مشمش ،
فكانوا يفرِّقون ، فقال من حينه: فرّقوا ﴿ لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما
(١) تنبيه المغترين للشعراني صـ ٩٣ .
(٢) شعب الإيمان للبيهقي ٧ / ١٠٠.
(٣) تنبيه المغترين صـ ٩١ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٧
تحبون ﴾ [ آل عمران: ٩٢ ]. وقد فتح له بكثيرٍ من الذهب وغيره ، فما
يترك شيئًا ، حتى قال لي ابنُه أبو الفتح : والدي يعطي الناس الكثير ، ونحن
لا يبعث إلينا شيئًا(١).
حَمَّاد بن أبي سليمان :
كان رحمه الله ذا دنيا متَّسِعة ، وكان يفطّر في رمضان خمسمائة
إنسان ، وكان يُعطِيهم بعد العيد لكلِّ واحدٍ مائة درهم(٢).
أبو جَعْفر القارئ :
قال الذهبي في السير ( ٥ / ٢٨٧، ٢٨٨ ): كان أبو جعفر يتصدّق
حتى بإزاره .
جعفر الصادق بن محمد بن علي :
قال الذهبي في ترجمة جعفر في السير (٦ / ٢٥٥ - ٢٧٠): ((عن
هَيّاج بن بِسْطام قال : كان جعفر بن محمد يُطعم حتى لا يبقى لعياله
شيء )).
قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الذي يُقرض الله قَرِضًا حسنًا فيُضاعفه له
أضعافًا كثيرة والله يقبض ويبسُط وإليه تُرْجَعُون ﴾ [ البقرة: ٢٤٥].
وقال تعالى: ﴿الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانيةً فلهم
أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾. [ البقرة: ٢٧٤].
(١) انظر ترجمة الحافظ عبد الغني في ((السير)) ٢١ / ٤٤٣ - ٤٧١ .
(٢) سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٣١ - ٢٣٩ .
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٨
أبو الدَّحْدَاح رضي الله عنه :
عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نَخْلَة ،
وأنا أُقيم حائطي بها ، فمُره أن يُعطيني حتى أُقيم حائطي بها . فقال له النبي
عَ ◌ّه: ((أعطها إياه بنخلةٍ في الجنة)). فأبى. وأتاه أبو الدحداح فقال:
بعني فخلتك بحائطي. قال: ففعل. قال: فأنى النبَّ عَ لّه فقال: يا
رسول الله ، إني قد ابتعتُ النخلة بحائطي ، فجَعَلَهَا له ، فقال رسول الله
عَ اله: ((كم مِنْ عِذْقِ ردَاحٍ لأبي الدّحْداح في الجنة)). مرارًا، فأتى امرأته
فقال : يا أمَّ الدَّحداح ، اخرجي من الحائط ، فإني بعتُه بنخلةٍ في الجنة .
فقالت : قد ربحتَ البيع . أو كلمة نحوها(١).
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ اللّه: ((رُبَّ
عذقٍ مُذَلَّلٍ لابن الدَّحداحة في الجنة))(٢).
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ طي: ((كم
من مُعلَّقٍ لأبي الدّحداح في الجنة ))(٢).
زيد بن عَمْرو بن نُفَيل رضي الله عنه :
وكان من الأحناف ، مات وهو في طريقه إلى مكّة .
قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها : لقد رأيت زيد بن عمرو
(١) إسناده رجاله ثقات. والحديث أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) عن أبي النضر،
وقال : صحيح على شرط مسلم . ووافقه الذهبي ، وأخرجه ابن حبان في
((صحيحه)) ٩ / ١٤٤ رقم (٧١١٥ ) .
(٢) صحيح. رواه ابن سعد عن ابن مسعود، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
رقم ( ٣٤٨٣ ) .
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الثاني
٦٠٩
ابن نفيل قائمًا مُسنِدًا ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش ، والله ما
فيكم أحد على دين إبراهيم غيري . وكان يُحيي المُؤْءودة ، يقول للرجل
إذا أراد أن يقتل ابنته : مَهْ، لا تَقْتُلْهَا ، أنا أكفيك مُؤْنَتَهَا . فيأْخُذُها فإذا
ترعرعتْ قال لأبيها : إن شئتَ دفعتها إليك، وإن شئتَ كفيتُك مؤنتها (١).
كم بَيْنَكَ وَبَيْنَ المَوْصوفين ؟! كم بين المجهولين والمعروفين ؟!
آثرتَ الدنيا وآثروا الدِّين، فتَلَمَّحْ تفاوتَ الأُمْرِ يا مِسْكِين .
(١) رواه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ١٣٩/٨. وهذا حديث صحيح.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٦١٠
سَجْعٌ على قولهِ تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا البَرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا
مِمَّا تُحِبُّونَ
حَرِّكُوا هِمَمَكم إلى الخير وأزْعِجُوا ، وحثُّوا عزائمكم على الجِدِّ
وأَدْلِجُوا، والتفتوا عن الحِرْص على المال وَعَرِّجُوا ، وآثِروا الفقير بما تُؤْثِرون
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ .
وَيْحَكُم ، السَّيْرِ حَثِيث ، ولا مُنجد لكم ولا مُغِيث ، فبادِرُوا بالصَّدقة
المواريث ﴿ ولا تيمَّمُوا الخبيث منه تُنفقون ﴾ .
كم قطعت الآمال بتًّا ، كم مُصَيِّفٍ ما أَرْبَعَ ولا شتَّى ، كم عازمٍ على
إخراج المال ما تَأَتَّى، سبقتْه المَنُون ﴿لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا مما
تحبون ﴾ .
يا حريصًا ما يستقِّ، يا طَالِبًا للدنيا ما يقِّرّ، إن كنتَ تُصَدِّق بالثواب فتصدَّق
في السِّرِّ بالمحبوب المَصُون ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾.
يا بخيلًا بالفتيل، وشحيحًا بالنَّقِير، يا صريعًا بالهوى إلى متى عَقِير ،
تختار لنفسك الأجود ولَرَبِّك الحقير ، وما لا يصلُح لك من الشيء تُعطيه
الفقير ، فما تختار لنا كذا يكون ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾.
اكْتِسابُكَ على أغراضك أنْفَقْتَ ، أمْرَجْتَ نَفْسَكَ في الشهوات
وأَطْلَقْتَ، ونسيتَ الحساب غدًا وما أشْفَقْتَ، فَإذا رحمتَ الفقير وتصدَّقت ،
أعطيتَ الَّدِّ الدُّون ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ .
أمَّا المسكين أخوك من الوالِدَيْن، فكيف كَفَفْتَ عن إعطائه اليَدَيْن ،
كيف تحثُّ على النَّفْلِ والزّكاةُ عليك دَيْن ، وأنتم فيها تتأوَّلُون ﴿ لن تنالوا
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١١
البر حتى تنفقوا مما تحبون
يا وحيدًا عن قليل في رَمْسِهِ ، يا مُسْتَوْحِشًا في قبره بعد طُول أُنسه ،
لو قدّم خيرًا نَفَعه في حَبْسه ﴿ومن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فأولئك هم المفلحون ﴾ .
تجمعُ الدينار على الدينار لغيرك ، وينساك مَنْ أخذ كُلُّ خَيْرِكَ ،
ولا تزوّدْتَ منه شيئًا لسَيْرِكَ ، هذا هو الجنون ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما تحبون ﴾(١).
(١) التبصرة ٢ / ٢٦٠.
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١٢
كلماتٌ عَطِرة في الجُودِ والكَرَم
قال أكْثَم بن صَيْفِي حكيمُ العرب : ذَلَّلُوا أخلاقكم للمطالب ،
وقُودوها إلى المحامد ، وعَلِّموها المكارم ، ولا تُقيموا على خُلُقٍ تَذُمُّونه من
غيركم ، وصِلوا من رَغِبَ إليكم ، وتَحَلُّوا بالجُود يُكسبكم المحبة ، ولا تعتقدوا
البخل فتتعجّلوا الفقر .
وقال محمود الورَّاق :
مَنْ ظَنَّ بالله خيرًا جَادَ مُبتدِثًا وَالْبُخْلُ مِنْ سُوءٍ ظَنِّ المَرْءِ بِاللهِ
وقال عبد الله بن عباس : سادات الناس في الدنيا الأسخياء ، وفي
الآخرة الأتقياء .
وقال أبو مسلم الخولاني : ما شيءٌ أحسن من المعروف إلَّا ثوابه ، وما
كُلّ من قَدَر على المعروف كانت له نِيَّة ، فإذا اجتمعت القُدرة والنّيّة تمَّت
السَّعادة . وأنشد :
والبذلُ أحْسَنُ ذلك الحسنِ
إن المكارمَ كُلَّها حَسَنٌ
كم عارفٍ بَي لستُ أعرِفُهُ
ومُخَبِّرِّ عنّي وَلَمْ يَرَنِي
داري وبُوعِدَ عنهمُ وطني
يأتيهمُ خبري وإِن بَعُدتْ
ولحُرِّ عِرْضِيَ غيرُ مُمْتَهِنٍ
إِنِّي لحُرِّ المال مُمْتَهِنٌ
وقال خالد بن عبد الله القَسْرِيّ : من أصابه غُبار مركبي ، فقد وجب
علَّ شكُرُه .
تَمثّل متمثل عند عبد الله بن جعفر فقال :
إن الصَّنِيعَةَ لا تكون صنيعةً حتى يُصابَ بها طريقُ المصنعِ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١٣
فإذا اصطنعتَ صنيعةً فاعْمِدْ بها الله أو لذوي القرابة أو دَعِ
فقال عبد الله بن جعفر : إن هذين البيتين ليُبَخِّلان الناس ، ولكن
أمطر المعروف مطرًا ، فإن أصاب الكرامَ كانوا له أهْلًا ، وإن أصاب اللِّئام
كنتَ له أهلًا .
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه : والله لَرجُلٌ ذَكَرني ، ينام على
شِقّةٍ مرة وعلى شقةٍ أُخرى ، يراني موضعًا لحاجته ، لَأَوْجُبَ علَي حقًّا
إذا سألنيها مني ، إذن قضيتُها له .
وقال عبد العزيز بن مروان : إذا أمكنني الرجل من نفسه حتى أضع
معروفي عنده ، فيَدُه عندي أعظم من يدي عنده . وأنشد لابن عباس
رضي الله تعالى عنهما :
وأعمل فِكْرَ اللَّيْلِ والليلُ عاكِرُ
إذا طارِقَاتُ الهَمِّ ضاجعتِ الفَتَى
سِوَاَ ولا مِنْ نَكْبَةِ الدَّهْرِ ناصِرُ
وَبَاكَرَني في حاجةٍ لم يَكُنْ لها
وزايَلَهُ الهَمُّ الطَّرُوقُ المُسَاوِرُ
فَرَجْتُ بِمالي همَّهُ عن خِنَاقِهِ
بَي الخَيْرَ إنّ للَّذِي ظَنَّ شَاكِرُ
وكانَ له فَضْلٌ علَّ بِظَنِّهِ
وقيل لأبي عُقيل البليغ العراقي : كيف رأيتَ مروان بن الحكم عند
طَلَب الحاجة إليه ؟ قال : رأيت رغبتَهُ في الإِنعام فوق رغبته في الشُّكْر ،
وحاجتَهُ إلى قضاء الحاجة أشَدَّ من حاجة صاحِب الحاجة .
وقال الشاعر :
ليس يُعطيك للَّجاءِ ولا الخو فِ ولكنْ يَلَذُّ طَعْمَ العطاءِ
وقال الشَّاعر في علوِّ همَّةِ رجلٍ في الجُود :
لَزِمْتَ نَعَمْ حتَّى كأنَّك لم تَكُنْ سمعتَ من الأَشْياءِ شيئًا سِوى نَعَمْ
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١٤
وأنكرت لا حتى كأنَّك لم تكنْ سمِعتَ بها في سالِفِ الدَّهر والأُمَمْ (١)
وقالوا : الأيامُ مَزَارِع ، فما زرعتَ فيها حصدتهُ .
إن الحياة مزارٌٍ فازرَعْ بها ما شئتَ تحصُدْ
وقال الأحنف بن قيس : ما ادَّخرتِ الآباءُ للأبناء، ولا أَبْقَتِ الموتى
للأحياء شيئًا أَفْضَلَ من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب والآداب .
وقالوا : أَحْي معروفَك بإماتةٍ ذِكْره ، وعظِّمْهُ بالتَّصغير لهُ .
وقالت الحكماء: مِن تمام كَرَم المُنعم التَّغافل عن حجَّته ، والإِقرار
بالفضيلة لشاكِرِ نعمته .
وقالوا : للمعروف خصال ثلاث : تعجيله وسَتْره وتيسيره ، فمن
أخلّ بواحدةٍ منها ، فقد بَخَس المعروف حقّه ، وسقط عنه الشُّكْر .
وفي منثور الحِكَم : الجُود خيرُ موجود .
وقال عابد : من وُصِف ببذل ماله لطلابه فليس سخِيًّا، إنما السّخّ
من يبدأ بحقوق الله في أهل طاعته ، ولا تُنازعه نَفْسُه إلى حُبِّ الشُّكْر له
إذا كان يَقينُه بثواب الله تامًّا .
وقال ابن السَّمّاك : عجبتُ لمن يشتري المماليك بماله ، ولا يشتري
الأحرار بمعروفه .
وقيل لابن عُيَيْنَة : ما السَّخَاءِ ؟ قال : بُرُ الإِخوان ، والجُود بالمال .
وَوَرِثَ عبد الرحمن بن الحارث خمسين ألفًا، فبعث بها سرّا إلى
(١) وفيات الأعيان ٢ / ٢٢٧.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١٥
إخوانه وقال : قد كنتُ أسأل لهم الجنة في صَلاتي ، فأبخل عليهم بالدنيا !!
لله ما أحلى هذه الكلمة وأعمقها !
وأحلى منها ما قاله الإِمام الرَّبّاني شيخ خراسان أبو حفص النيسابوري :
(( ما استحق اسم السَّخاء مَنْ ذَكَرَ العطاء ولا لَمَحَهُ بِقَلْبِهِ)).
والله دَرُّ القائل: «الكرم طّرْحُ الدنيا لمن يحتاج إليها ، والإقبال على
الله بحاجتك إليه )).
وقيل لمعاوية : مَنْ أحبُّ الناس إليك ؟ قال : من كَثُرَتْ أياديه
عندي . قيل : فإن لم يَكُنْ ؟ قال : مَنْ كثرتْ أيادَّ عنده .
وقال الحكماء : جُود الرجل يُحِّه إلى أضداده ، وبُخْلُه يُبَغِّضه إلى
أولاده .
وخير الأمور ما استرقَّ حُرًّا، وخير الأعمال ما استحقَّ شُكرًا .
وقالوا : الإِحسان رِقٌّ والمكافآت عِثْق .
وقالوا : مَنْ بذلَ مالَه أدرك آمالَه .
وقيل لحكيم : أيّ فِعْل البشر أشْبَهُ بفعل الباري ؟ قال : الجُود .
وإذَا الكريمُ مَضَى ووَلَّى عمْرُهُ كَفَلَ الثَّنَاءُ له بِعُمرٍ ثانٍ
قال الحافظ : ليس شيء ألذّ ولا أسَرّ ، ولا أنْعَم من عزِّ الأمر
والنَّهْي ، ومن الظَّفَر بالأعداء ، ومن تقليد المِنَن في أعناق الرجال .
وقالوا : مما يَلْزَم الكريمَ الماجد بِشْرِ الوَجْه المُسائل والوافِد .
وقالوا: البِشْر أوَّلُ الْبُسْر ، وهو دالٌّ على السخاء ، كما يدل الشَّجر
على المَطر ، والنُّوَّار على الثمر .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٦١٦
وقال الحسن : لَأْن أقضي حاجة لأخي ، أحبُّ إلَّي من عبادةِ سنةٍ .
وقال إبراهيم بن السّندي : قلتُ لرجلٍ من أهل الكوفة ، مِنْ وجوه
أهلها ، كان لا يَجفّ لِبْدُه ، ولا يستريح قلبُه، ولا تسكُن حركتُه في طَلَبِ
حوائج الرجال ، وإدخال المرافق على الضعفاء ، وكان رجلاً مفوَّهًا ، فقلتُ
له : أخبرني عن الحالة التي خفّفتْ عنك النَّصَب ، وهوَّنتْ عليك التعب في
القيام بحوائج الناس ، ما هي ؟ قال : قد والله سمعتُ تغريد الطير بالأسحار ،
في فروع الأشجار ، وسمعت خفق أوتار العِيدان ، وترجيع أصوات القِيان ،
فما طَرِبتُ من صوتٍ قطُّ طَرَبي من ثناءٍ حسن بلسانٍ حسن ، على رَجُلٍ
قد أُحْسَنَ ، ومن شُكرِ حرِّ لمنعِمِ حٍّ، ومن شفاعةِ مُحْتَسب لطالب
شاكِر . قال إبراهيم : فقلت له : لله أبوك ! لقد حُشيتَ كرمًا .
وقال جعفر الصادق : إن الله خَلَقَ خَلْقًا من رحمته برحمته لرحمته ،
وهم الذين يقضون حوائجَ الناس ، فمن استطاع منكم أنْ يكون منهم فليكُن .
ومن أفرطِ ما قيل في الجود ، قولُ بكر بن النَّطّاح :
فأسْدَى بِهَا المَعْروفَ قبل عداتِهِ
فَتَّى جَعَلَ الدُّنْيَا وِقَاءً لِعِرْضِهِ
لَقَاسَمَ مَنْ يَرْجوه شَطْر حياتِهِ
فلو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كَفِّهِ
وجاز له أعطاه من حَسَنَاتِهِ
وإن لم يَجُزْ في العمر قَسْمٌ لمالك
وأَشْرَكَهُ في صومِهِ وَصَلاتِهِ
وجَادَ بِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ بِرَيِّهِ
وقول القائل :
وما طَمِعَ العَواذِلُ في اقتصادي
ملأتُ يدي من الدنيا مِرَارًا
وهل تجبُ الزكاةُ على الجَوادِ
ولا وَجَبَتْ علّ زكاةُ مالٍ
وقالوا : السَّخِّ من كان مسرورًا بِبَذْلِهِ ، متبرِّعًا بعطائه ، لا يلتمس
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٦١٧
عَرَضَ دُنيا فُيُحبط عمله ، ولا طَلَب مكافأةٍ فيسقط شكره ، ولا يكون مثله
فيما أعطى مثل الصَّائِدِ الذي يُلقي الحَبَّ للطائر ، لا يريد نَفْعها ولكن نفع
نفسه .
واللهِ دَرُّ من قال :
يُنيل وإنْ لم يُعْتَمَد لنَوالِ
كريمٌ على العِلّات جَزْلٌ عطاؤه
ولكنّ مَنْ يُعطي بغير سؤالٍ
وما الجودُ من يُعطي إذا ما سألتَهُ
ولله دَّ خالد بن صفوان حين يقول : فواتُ الحاجة خيرٌ من طَلَبِها
إلى غير أهلها .
ودخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم فقال : أتيتُك في حاجةٍ
فإن شئت قضيتها وكُنّا كريميْن ، وإنْ شئتَ لم تَقضِهَا وكُنَّا لئيمَيْن.
أراد إن قضيتها كنت أنت كريمًا بقضائها، وكنتُ أنا كريمًا بسؤالك
إياها ؛ لأني وضعتُ الطِّلبة في موضعها ، فإنْ لم تَقْضِها ، كنتَ أنتَ لَئِيمًا
بمنْعك ، وكنتُ أنا لئيمًا بِسُوءِ اختياري لك .
لله أقوامًا خلقهم الله للجُود ونَفْع الناس !
فهذا خالد بن الخليفة يزيد بن معاوية ، كان موصوفًا بالعلم ، وكان
من صالحي القوم .
قال فيه الشاعر :
سَأَلْتُ النَّدَى والجُودَ حُرَّان أنتما فقالَا جميعًا إِنَّا لَعَبِيدُ
علَّ وقالًا خالد بن يزيد(١)
فقلتُ فَمَنْ مولاكمَا فتطاوَلَا
(١) سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٨٢ - ٣٨٣.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٦١٨
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني
وقال عَّةٍ في الصحيح: ((الناس كإبل مائة ، لا تكاد تجد فيها
راحلة )) .
وقالت الحكماء : الكرام في اللئام كالغُرَّة في الفَرَس .
وقال دِعْبِل :
والله يعلم أني لم أقل فَنَدًا
ما أكْثَرَ الناس لا بَلْ ما أقَلَّهُمُ
إني لأُغلِقِ عيني ثم أَفْتَحُها على كثيرٍ ولكنْ ما أرى أحَدَا
(( قال إبراهيم بن أدهم : عجبًا للرجل اللئيم يبخل بالدنيا على أصدقائه
ويَسْخُى بالجنة لأعدائه .
وقال محمد بن سيرين : أدركنا الناسَ وهم يتهادون بالفضة في
الأطباق كالفاكهة .
وقال الحسن البصري : عجبًا لك يا ابن آدم ، تنفق في شهواتك
إسرافًا وَبِدَارًا ، وتبخل في مرضاة ربك بدرهم ، ستعلم يا لُكع مقامك عنده
غدًّا .
وكان يقول : أعطوا الشعراء وذوي اللسان ؛ فإنَّ مَنْ لم يبالِ بالشِّكاية
فيه فقد نادى على نفسه بالدناءة وقلة المروءة .
وكان يقول : إياك أن تطلب حاجة من بخيلٍ ، فإن من طلب منه
حاجة فهو كمن يطلب صيد السمك من البراري والقفار .
وكان أبو القاسم الجنيد - رحمه الله - لا يمنع قط أحدًا سألَه
شيئًا، ويقول: أتخلَّق بأخلاق رسول الله عَ له.
وكان حمّاد بن أبي سليمان - رحمه الله - يقول : لولا سؤال
المحتاجين لي ما اتَّجرتُ في شيءٍ أبدًا .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦١٩
وقال معمر : من أقبح المعروف أنْ تحوج السائل إلى أنْ يسأل وهو
حَجِلٌ منك ، فلا يجيءُ معروفُك قَدْرَ ما قاسى من الحياء ، وكان الأَوْلِى
أن تتفقَّدَ حال أخيك وترسل إليه ما يحتاج ولا تُحْوجه إلى السؤال .
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله - يقول : نحن لا نعدُّ القرضَ
من المعروف ؛ لأن صاحبه يطلب المقابلة ، وإنما المعروف المسامحة
للناس في كل ما يطلبونه منك في الدنيا وفي الآخرة .
وكان السّري السّقطي - رحمه الله - يقول : ذهب المعروفُ وبقيت
التجارة ؛ يعطي أحدُهم لأخيه الشيءَ لأجل أن يعطيه نظيره .
وكان أحدهم يقول : لا يتم المعروف إلا بثلاث : تعجيلُه ، وتَصْغيره
في عين مُعْطيه ، وإخفاؤه عن الناس .
وكان الحسن البصري يقول : لقد أدركنا الناس وأحدهم يدخل دارَ
أخيه وهو غائبٌ فيرى السَّلَّة مملوءة فاكهة ، فيأخذها فيأكل منها ويُفرّق
منها بغير إذنٍ ، فإذا جاء أخوه وأُخبر فرح بذلك .
وكان لمحمد بن سيرين - رحمه الله - بغلٌ مربوط في دِهْليزه ،
فكُلُّ من احتاج إلى ركوبه أخذه وركبه من غير استئذانٍ ؛ لما يعلمون من
طِيب نَفْسِهِ بذلك .
وكان بقيَّة بن الوليد - رحمه الله - يَدْخل دار صديقه في غيبته ،
ويأخذ القِدْر من النَّار ويضعه على باب الدار ، فيأكل منه ويفرّق على
الفقراء والمساكين ، فإذا جاء أخوه فرح بذلك وقال : جزاك الله من أخٍ
صالحٍ خيرًا ، قدَّمت لنا اليوم معادنا ))(١).
(١) تنبيه المغترين للشعراني ٨٩ - ٩٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٦٢٠
وكان جعفر بن محمدٍ رضي الله عنهما يقول: بِئْس الأخُ من لا يتجرَّأُ
أخوه أن يفتح كيسه في غَيْبته ، ويأخذ منه ما يحتاج إليه بغير إذنه .
وكان مطرِّف بن عبد الله - رحمه الله تعالى - يقول : مَنْ كان له
عندي حاجة فليكتبها في قرطاسٍ ويرسلها إلَّ؛ فإني أكره أن أرى ذلّ
المسألة في وجه مسلم ، فإن السؤال أرجح من النَّوَال ، وإنْ جَلَّ .
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول : من المعروف
أن ترى المِنَّة لأخيك عليك إذا أخذ منك شيئًا؛ لأنه لولا أخذه منك ما حصل
لك الثواب ، وأيضًا فإنه خصَّك بالسؤال ورجا فيك الخير دون غيرك .
وكان السلف يعدون ليلة الضيف كأنها ليلة عيد ؛ لِمَا يحصل لهم
من السُّرور .
وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول: لأن أَجْمَع نفرًا من
أصحابي على طعامي أحبّ إلَّي من عتق رقبة .
وكان أحدهم يقول : زكاة الدَّار أَنْ يُجعل فيها بيتٌ للضيافة .
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ليس من السَّرَف التَّبسط للضيف
في الطعام .
وكان ميمون بن مِهْران - رحمه الله تعالى - يقول : من أطْعَم ولم
يُتْمر - أي لم يقدِّم تمرًا أو شيئًا حُلوًا - كان كمن صلَّى العشاء ولم يُوتر .
وكان يحيى بن معاذ يقول : عجبتُ ممّن يبقى معه مالٌ وهو يسمع
قوله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنْ تَقْرِضوا الله قرضًا حَسَنًا يضاعفْه لكم ﴾
[ التغابن : ١٧ ] .
قال الأصعمي : ما اسْتُضِفْتُ عند بخيل إلَّا وصاحتْ دَابَتي جُوعًا ،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد