النص المفهرس

صفحات 581-600

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٨١
فدعا بحجَّامٍ ، فأخذ شعره ، فأعطاه خمسين دينارًا، ثم أخذ رِقَاعًا ، فصرَّ
صُرَرًّا، وفّقها في القُرشيين الذين هم بالحضرة وَمَنْ بمكة ، حتى ما رجع
إلى بيته إلا بأقل من مائة دينار .
وقال الحميدي : قدم الشافعي صنعاءَ ، فضُربت له خيمةٌ ، ومعه عشرة
آلاف دينار ، فجاء قوم فسألوه ، فما قُلِعت الخيمة ومعه منها شيء(١).
مَعْنُ بن زَائِدة أبو الوليد الشَّيْباني ، أمير العرب وعَيْن الأجْواد :
حدّثْ عن البحر ولا حَرَج ، وحَدِّثْ عن معن ولا حرج .
قال صاحب شرطة معن : بينا أنا على رأس معنٍ إذا هو براكبٍ
يوضع ، قال : فقال معن : ما أحسب الرجل يريد غيري . قال : ثم قال
لحاجبه : لا تحجبه . قال : فجاء حتى مَثُلَ بين يديه . قال : فقال :
أَصْلَحَكَ الله قلَّ ما بيدي فما أُطيق العِيالَ إِذْ كَثُرُوا
ألحَّ دهرٌ رمى بكَلْكَلِهِ فَأَرْسَلوني إليك وانْتَظِرُوا
قال : فقال معن - وأخذتْه أزْتِية - : لا جَرَم ، والله لأُعجلنَّ
أوبتك . ثم قال : يا غلام ، ناقتي الفلانية وألف دينار . فدفعها إليه وهو
لا یعرفه .
وقال سعيد بن سلم : لمَّا ولَّى المنصورُ معنَ بن زائدة أذر بيجان قَصَده
قومٌ من أهل الكوفة ، فلما صاروا ببابهِ واستأُذَنُوا عليه ، فدخل الآذِنُ فقال :
أصلح اللهُ الأمير ، بالباب وفدٌ من أهل العراق . قال : من أي أهل العراق ؟
قال : من الكوفة . قال : ايذنْ لهم . فدخلوا عليه ، فنظر إليهم معن في هيئةٍ
رزيَّة ، فوثب على أريكته وأنشأ يقول :
(١) مناقب الشافعي للرازي صـ ١٢٨ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٨٢
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
مرمَّتَهَا فالدَّهْرُ بالناس قُلَّبُ
إذا نَوبةٌ نابتْ صديقَك فاغتنمْ
وأَقْرَهُ مُهْرَيْك الَّذي هو يَركبُ
فأحسنُ ثوبَيْك الذي هو لابسٌ
زوال اقتدارٍ أو غنّى عنكَ يُعْقبُ
وبادرْ بمعروفٍ إذا كنتَ قادرًا
قال : فوثب إليه رجلٌ من القوم ، فقال : أصلح الله الأمير ، ألا
أنشدك أحسنَ من هذا ؟ قال : لابن عمك ابن هرمة . قال : هاتِ . فأنشأ
يقول :
وتَسْخُو عن المالِ النُّفوس الشَّحائحُ
وَلِلنَّفْسِ تاراتٌ تحلُّ بها العُرى
أقلّ إذا ضُمَّتْ عليه الصَّفَائِحُ
إِذَا المرءُ لم ينفعْك حيًّا فنفعهُ
غدًا فغدًا والموتُ غادٍ ورائحُ
لأيةِ حالٍ يمنعُ المرءُ مَالَه
فقال معن : أحسنت والله ، وإنْ كان الشِّعْر لغيرك ، يا غلام ،
أعطهم أربعة آلافٍ يستعينون بها على أمورهم إلى أنْ يتهيأ لنا فيهم ما نريد .
فقال الغلام : يا سيدي، أجعلُها دنانيرَ أم دراهم ؟ فقال مَعن : والله لا تكون
هَمَّتك أرفع من همتي ، صَفِّرْها لهم .
وكتب إليه شاعرٌ ، وقد رأى الحجاب على بابه :
إذا كان الجوادُ له حجابٌ فما فَضْلُ الجَوادِ على البخيل
فقال معن :
إذا كان الجوادُ قليلَ مالٍ ولم يُعْذر تَعلَّلَ بالحجابِ
فقال الشّاعر : إنا لله ، أَيُؤْيسُني من معروفه ؟ ثم ارتحل منصرفًا ،
فسأل معنٌ عنه فأخبر بانصرافه ، فأتبعه بعشرة آلافٍ وقال : هي لك عندنا
في كلِّ زَوْرةٍ .
والله دَرُّ من قال في معن :
أبى اللهُ إلا أنْ تَضُرَّ وَتَنْفَعَا
له راحتان الجُودُ والحَتْفُ فيهما
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٨٣
وَلَّى أبو جعفر قُثَم - يعني رجلًا من ولد العباس - فأتاه أعرابي
فقال :
يا قُثُم الخير جُزِيتَ الجَنَّهْ أُكْسُ بُنَّاتِي وَأُمَّهُنَّةْ
أُقسمُ باللهِ لتَفْعَلَنَّهْ
قال : فقال : والله لا أفعل ، فقال الأعرابي : لكنْ لو أقسمتُ على
معنٍ لأَبَّ قَسَمي ، فبلغتْ الكلمةُ معنًا ، فبعث إليه ألف دينار .
وقال السهمي : أذن معن بن زائدة إذنًا عامًّا ، فدخل عليه كلُّ رجل
يُمُتُّ بوسيلةٍ وذكر حاجته ، ثم دخل في آخرهم فَتَّى ، فقال : منْ أنت ؟
وما سبيلك ؟ فقال :
وفَضْل وإحسانٌ عليك دليلُ
أَتَاكِ بَي الرَّحمنُ لا شيءَ غَيْرِهِ
فليس إلى ردِّ الجليلِ سبيلٌ
فشفِّعْ كريمًا سَيِّدًا متفضّلًا
فقال : يا فتى ، لقد توسلت بأجلّ منْ تَوسَّل به أحد ، فأعطاه
وفضّله على سائر من أعطى .
وأتى أعرابي إلى معن بن زائدة ومعه نَطْعٌ فيه صبي حين ولد ،
فاستأذن عليه ، فلما دخل دَهْدَه الصبَي بين يديه وقال :
هذا سَمُِّ فَتَّى فِي النَّاسِ مَحْمودُ
سَمَّيْتُ معنًا بمعنٍ ثم قلتُ له
ما مِثْلُ جودِكَ مَعھودٌ وموجودٌ
أنتَ الجَوادُ ومِنْك الجُودُ نَعْرِفهُ
لا بل يمينُك منها صُوِّرَ الجودُ
أَمْستْ يمينك عن جودٍ مُصوّرة
قال : كم الأبيات ؟ قال : ثلاثة . قال : أعطوه ثلاثمائة دينار ، ولو
زدت لزدناك . قال : حَسْبُك ما سمعتَ، وحَسْبي ما أخذتُ(١).
(١) تاريخ بغداد ١٣ / ٢٣٦ - ٢٤٠ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٨٤
وأتاه رجلٌ يسأله أن يَحْمله فقال : يا غلام ، أعطه فرسًا وبِرْذَونًا وَبَغْلًا
وَعِيرًا وبعيرًا وجارية ، وقال: لو عرفتُ مَرْكُوبًا غير هؤلاء لأَعْطَيْتِك(١).
وهو أول من عمل البيمارستان ، وأخرج الصدقات على الَّمْنى
والمجذومين والعميان والمساكين ، واستخدم لهم الخدَّام .
وقال له رجل : إني جعلتُ فضلك سَبَبي إليك ، وكرمك وسيلة
عندك . قال : سَلْ. قال : ألف درهم . قال معن : قد أربحتني أربعة
آلاف، وإني حَدَّثْتُ نفسي أن أعطيك خمسة آلافٍ ، قال : أنت أكبر
من أن تربح على مؤمليك . فأعطاه خمسة آلاف .
ومما قيل فيه :
فَمَا لْ إلى معنٍ سِوَاكَ رَسُولُ
ایا جُودَ معنٍ ناجِ معًا بِحَاجتي
ومما قيل فيه :
إليك الناسُ مسفرة النِّقَابِ
كتبتُ نَعَمْ ببابك حين يدعو
وقال فيه الحسين بن مطير الأسدي بعد موته :
وَقَدْ كَانَ مِنْهُ البُّ والبَحْرِ مُتْرَعَا
ويا قبَرَ معنٍ كَيْفَ وارِيتَ جُودَهُ
ولو كان حيًّا ضِقْتَ حتى تَصَدَّعَا
ولكنْ حَوْيت الجودَ والجودُ مَيِّتٌ
فعاشَ ربيعًا ثمَّ ولَّى فودَّعَا
وما كان إلّا الجودُ صورةً وجْهِهِ
وأصبح عِرْنِينُ المكارمِ أَجْدعَا
فلما مضى معنٌ مضى الجودُ والندى
وكتب رجلٌ إلى معن بن زائدة ، وهو والي اليمن ، يستهديه خِطْرًا،
فأرسل إليه بجرابِ خِطْرٍ ، وفي الخِطر ألف دينار ، وكتب إليه : أنٍ
(١) العِقد الفريد ١ / ٣٠٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٨٥
اختضب بالخطر ، وانتفع بنخالته . وكان الرجلُ قبل أن يكتب إلى معنٍ
قد سأل بعض إخوانه خطرًا فلم يبعث إليه ، فلما ورد عليه الخطر من معنٍ
أنشأ يقول :
كتَبَا إلى مَعْنٍ فَأهدى لنا خِطَرَا
أَتَانَا أبو العَبَّاسِ ضَنَّ بخِطْرِهِ
وأهدى لنا بَّا وأهدى لنا عِطرا
وأهدی دنانیرًا ، وأهدی دراهمًا
قريشٌ وشيبانُ الَّتِي فَّعتْ بَكرَا
وما الناسُ إلا مَعدنَانِ فمعدِنٌ
ورثاه مروان بن أبي حفصة فقال :
وكان الناسُ كلُّهُمْ لمعنٍ
ولم يَكُ طالِبٌ للعرفِ يَنوي
ثوى مَنْ كان يَحْمِل كلَّ ثقلٍ
وما نَزَلَ الوُفودُ بمثل معنٍ
وَمَا بلغتْ أَكُفُّ ذوي العَطَايَا
وما كانت تجفُّ له حياضٌ
لأبيضَ لا يعدُّ المالَ حتى
فَلَهْفَ أبي عليك إذا العَطَايا
ولهفَ أبي عليك إذا اليتامى
ولهفَ أبي عليك إذا المواشي
ولهف أبي عليك إذا القوافي
وقلنا أين نَذْهبُ بعد معنٍ
مَضَى لِسَبيلِه معنٌ وأبقى مَحامدَ لن تَبيدَ ولنْ تُنَالَا
إلى أنْ زَارَ حفرته عِيالًا
إلى غير ابنٍ زائدةَ ارْتحالًا
ويسبق فيضُ راحتِهِ السؤالَا
ولا حَطُّوا بِساحته الرِّحَالَا
يميناً من يَدَيْهِ ولا شِمَالًا
من المعروفِ مُتْرَعةً سِجالًا
يعمَّ به بغاةَ الخيرِ مَالَا
جُعلن مُنِّى كَوذاب واعْتِلَالًا
غَدَوْا شُعْئًا كأنَّ بهم سُلَالًا
رَعَتْ جَدْبًا تموت به هُزالًا
لمُمْتَدحِ بها ذهبتْ ضَلَالًا
وقد ذهبَ النوالُ فَلا نَوالَا(١)
(١) تاريخ بغداد ١٣ / ٢٤١ - ٢٤٣ .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٨٦
يزيد بن المُهَلّب :
وكان هشام بن حسّان إذا ذكره قال : والله إنْ كانت السُّفن لتجري
في جوده .
قال سليمان بن عبد الملك لموسى بن نصير : اغْرَمْ ديتك خمسين مرَّةً .
قال : ليس عندي ما أغرم . قال : والله لتغرمنَّ ديتك مائة مرة . قال يزيد
ابن المهلب : أنا أغرمها عنه يا أمير المؤمنين . قال : اغرم . فغرمها عنه مائة
ألف .
ومرّ يزيدُ بن المهلب في طريق البصرة بأعرابيةٍ ، فأهدت إليه عتْزًا
فقبلها ، وقال لابنه معاوية : ما عندك من نفقة ؟ قال : ثمانمائة درهم .
قال : ادْفَعْها إليها . قال : إنها لا تعرفك، ويُرضيها اليسير . قال : إن كانت
لا تعرفني ، فأنا أعرف نفسي ، وإنْ كان يرضيها اليسير ، فأنا لا أُرضى
إلّا بالكثير .
وكان يقول : إن خير المال ما قُضِيتْ فيه الحقوق ، وحُملت فيه
المغارمُ ، وإنما لي من المال ما فضل عن إخواني .
قال الأصمعى : قدم على يزيد بن المهلب قومٌ من قُضَاعة من بني
ضِنَّة ، فقال رجل منهم :
طلبٌ إليك مّن الَّذِي نَتَطلَّبُ
واللهِ ما نَدري إِذَا مَا فَاتَنَا
أَحدًا سواكَ إلى المكارمِ يُنسَبُ
ولقد ضَرَبنا في البلادِ فَلَمْ نَجِدْ
فاصبر لعادتنا التي عَوَّدتنا أوْ لَا فَأَرْشِدْنا إلى مَنْ نَذْهَبُ
فأمر له بألف دينارٍ ، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال :
ما لي أرى أبوابهم مهجورة وكأنَّ بابَك مَجْمعُ الأسواقِ
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٨٧
بِيَدَيْكَ فاجتمعوا من الآفاقِ
حَابوكَ أمْ هابوكَ أَمْ شامُوا النَّدى
والمَكْرُمَات قليلةُ العُشَّاقِ
إني رأيتُك للمكَارمِ عاشقًا
تُجْنى إليك مَكارِمُ الأخلاقِ
وَلِيَتْ أَنْعُمُكَ البلادَ فأصبحتْ
فأمر له بعشرة آلاف درهم(١).
وحج رحمه الله فأتى بحلَّاقٍ حلق رأسه ، فأمر له بألف درهم ، فتحیّر
ودُهِشَ ، وقال : أمضي إلى فلانةٍ أُبشِّرها، قال: أعطوه ألفًا أخرى(٢).
الإِمام المُبَارَك عَبْدُ الله بن المُبَارَك :
قال إسماعيل بن عياش : لقد حَدَّثني أصحابي أنهم صَحبوهُ - أي
ابن المبارك - من مصر إلى مكة ، فكان يطعمهم الخَبِيص ، وهو الدهر صائم .
وانظر إلى كرمه وأدبه ومروءته :
قال عمر بن حفص الصوفي : خرج ابن المبارك من بغداد يريد
المِصِّيصة ، فصحبه الصوفية ، فقال لهم : أنتم لكم أنفس تحتشمون أن يُنفق
عليكم ، يا غلام ، هات الطَّسْت ، فألقى عليه مِنْديلًا، ثم قال: يُلقي كلّ
رجلٍ منكم تحت المنديل ما معه ، فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم ، والرجل
يلقي عشرين ، فأنفق عليهم إلى المصِّيصة ، ثم قال : هذه بلاد نفير ، فنقسم
ما بقي ، فجعل يُعطي الرجل عشرين دينارًا فيقول : يا أبا عبد الرحمن ،
إنما أعطيتُ عشرين درهمًا ، فيقول : وما تُنكر أن يبارك الله للغازي في
نفقته(٣).
(١) العِقْد الفريد ١ / ٣٠٣ - ٣٠٦، والدر المنضود صـ ٨٤ .
(٢) الدر المنضود صـ ٩٠ .
(٣) تاريخ بغداد ١٠ / ١٥٧ - ١٥٨، والسير ٨ / ٣٨٤ - ٣٨٥.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
وقال علي بن الحسن بن شقيق : كان ابن المبارك إذا كان وقت
الحج ، اجتمع إليه إخوانه من أهل مّرْو ، فيقولون : نصحبك ، فيقول :
هاتوا نفقاتكم ، فيأخذ نفقاتهم ، فيجعلها في صندوق ، ويقفل عليها ، ثم
يَكْتري لهم ، ويخرجهم من مَرْو إلى بغداد ، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم
أطيب الطعام وأطيب الحلوى ، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زئِّ وأكمل
مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول عَ له، فيقول لكل واحدٍ: ما أَمَركَ
عيالُكَ أنْ تشتري لهم من المدينة مِنْ طُرَفها ؟ فيقول : كذا وكذا ، ثم
يخرجهم إلى مكة ، فإذا قضوا حَجَّهم ، قال لكل واحد منهم : ما أمرك
عيالُك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا ، فيشتري لهم ،
ثم يخرجهم من مكة ، فلا يزال ينفق عليهم إلا أن يصيروا إلى مروٍ ،
فيجصِّص بيوتهم وأبوابهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيام ، عمل لهم وليمةً
وكساهم ، فإذا أكلوا وسُّوا ، دعا بالصندوق ، ففتحه ودفع إلى كل رجل
منهم صُرَّته عليها اسمه .
وقال : أخبرني خادمه أنه عمل آخر سَفْرةٍ سافرها دعوةً ، فقدَّم إلى
الناس خمسةً وعشرين خُوانًا فالوذج . فبلغنا أنه قال للفُضيل : لولاك
وأصحابك ما اتَّجرت . وكان ينفق على الفقراء في كلّ سنة مائة ألف
درهم(١).
وعن سلمة بن سليمان : جاء رجلٌ إلى المبارك ، فسأله أن يقضي
دينًا عليه ، فكتب له إلى وكيلٍ له ، فلما وَرَدَ عليه الكِتابُ قال له الوكيل :
كم الدَّيْن الذي سألته قضاءه ؟ قال : سبعمائة درهم . وإذا عبد الله قد
كتب له أن يُعطيه سبعة آلاف درهمٍ ، فراجعه الوكيل ، وقال : إنّ الغَلّات
(١) تاريخ بغداد ١٠ / ١٥٨.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٨٩
قد فنيت . فكتب إليه عبد الله : إن كانت الغَلَّات قد فنيت ، فإن العمر
أيضًا قد فني ، فأجزْ له ما سبق به قلمي .
وعن حبان بن موسى قال : عُوتب ابن المبارك فيما يُفَرِّقُ من المال
في البلدان دون بلده ، قال : إني أعرف مكانَ قومٍ لهم فضلٌ وصدق ،
طلبوا الحديث ، فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم ، احتاجوا ، فإن تركناهم
ضاع عِلْمُهم، وإن أعنّاهم بُّوا العلم لأمة محمد عَّه، لا أعلم بعد النبوةِ
أفضل من بثُّ العلم .
قال أبو إسحاق الطَّالقاني: رأيتُ بعيرَيْن محمَّلين دَجَاجًا مَشْويًّا
لسُفرة ابنِ المبارك .
وقال الحسن بن حمّاد : دخل أبو أسامة على ابن المبارك ، فوجد
في وجه عبد الله أثر الضّرِّ ، فلما خرج بعث إليه أربعة آلاف درهم ، وكتب
إليه :
وَفَتَّى خَلَا من مالِهِ ومن المروءةِ غَيْرُ خَالِ
وكفاك مَكْروهَ السُّؤَالِ
أعطاكَ قَبْل سؤالهِ
وقال المسيب بن واضح : أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عيّاش
أربعة آلاف درهم ، فقال: سُدَّ بها فتنة القوم عنك(١).
خالد بن عبد الله القَسْري ، أبو الهيثم :
كان جَوَادًا مُمدَّحًا معظَّمًا عالي الرتبة ، من نُبَلاءِ الرِّجَال .
قال خالد : إنَّ أكرم الناس من أعطى مَنْ لا يرجوه ، وأعظم الناس
عفوًا من عفا عن قُدْرةٍ ، وأَوْصل الناس من وصل عن قطيعةٍ .
(١) سير أعلام النبلاء ٨ / ٤١٠.
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٩٠
وقال رحمه الله على المنبر : إني لأطعم كلَّ يومٍ ستةً وثلاثين ألفًا
من الأعرابِ تمرًا وسويقًا .
وأنشد أعرابي :
فأيُّهمَا يأتي فأنتَ عِمَادُ
أَخَالدُ بَيْنِ الحَمْدِ والأجر حاجتي
سوى أنني عافٍ وأنتَ جَوَادُ
أخالدُ إني لم أُزُرْك لحاجةٍ
فقال : سَلْ، قال : مائة ألفٍ ، قال : أسرفتَ يا أعرابي ، قال :
فأحُطُّ للأمير ؟ قال : نعم . قال : قد خططتك تسعين ألفًا ، فتعجَّبَ منه ،
فقال : سألتك على قدرك ، وخططتك على قدري ، وما أستأهله في
نفسي ، قال : لا والله ، لا تغلبني ، يا غلام أعطه مائة ألفٍ .
وعن إسماعيل بن عبد الله قال : قدم الراعي الشَّاعر على خالد بن
عبد الله القسري ومعه ابنه جندل ، فكان يغشاه مع أبيه ، ثم فقده ، فقال
له : ما فعل ابنك ؟ فقال: تُوفّي - أصلح اللهُ الأمير - بعد أنْ زوَّجْتُه
وأصدقته . فأمر له خالد بدية ابنه وصداقه ، فقال الراعي :
وشقَّ له قبرًّا بأرضِكَ لاحدُ
وَدَيْتَ ابْنَ راعي الإِبل إِذْ حَانَ يَومُه
وذَكَّيْتَ نَارَ الجودٍ والجودُ خامدُ
وَقَدْ كَانَ مات الجودُ حتى نَعَشْتَهُ
ولا وَلدتْ أنثى إذَا مَاتَ خالدٌ (١)
فلا حَمَلَتْ أنثى ولا آب غائبٌ
إسماعيل بن عيّاش :
عن يحيى الوُحَاظِي : ما رأيتُ رجلًا كان أكبر نَفسًا من إسماعيل بن
عيّاش ، كُنَّا إذا أتيناه إلى مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف والخَبِيص(٢).
(١) لباب الآداب صـ ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) السير ٨ / ٣١٢ - ٣٢٨.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٩١
يعقوب بن شيبة ، الحافظ صاحب المسند المعلّل :
قال يوسف بن البُهلول : حدثني يعقوب بن شيبة قال : أظلّ عيدٌ
من الأعياد رجلًا - يشير إلى نفسه - وعنده مائة دينارٍ ، لا يملك سواها ،
فكتب إليه رجل من إخوانه يقول له : قد أظلَّنا هذا العيد ، ولا شيءَ عندنا
ننفقه على الصِّبْيان ، ويستدعي منه ما ينفقه . فجعل المائة دينار في صُرَّةٍ
وختمها ، وأنفذها إليه ، فلم تلبث الصُّرَّة عند الرجل إلا يسيرا حتى وردتْ
عليه - أي على الرجل - رقعةُ أخٍ من إخوانه ، وذكر إضافته في العيد ،
ويستدعي منه مثل ما استدعاه ، فوجَّه بالصَُّّة إليه بختمها ، وبقي الأول
لا شيءَ عنده ، فكتب إلى صديقٍ له وهو الثالث الذي صارت إليه الدَّنَانير ،
يذكر حاله ، ويستدعي منه ما ينفقه في العيد ، فأنفذ إليه الصَّة بخاتمها ،
فلما عادتْ إليه صرته التي أنفذها بحالها ، ركب إليه ومعه الصّة وقال له :
ما شأن هذه الصّة التي أنفذتها إلَّي؟ فقال له: إنه أظلَّنا العيد، ولا شيءَ
عندنا ننفقه على الصبيان ، فكتبتُ إلى فلان أخينا أستدعي منه ما ننفقه ،
فأنفذ إلَّي هذه الصرّة ، فلما وردت رقعتُك علَّي أنفذتها إليك . فقال : قمْ
بنا إليه ، فركبًا جميعًا إلى الثاني ومعهما الصّة ، فتفاوضوا الحديث ، ثم
فتحوها فاقتسموها أثلاثًا .
قال أبو الحسن : قال لي أبي : والثلاثة : يعقوب بن شيبة ، وأبو حسان
الزيادي ، وأُنسيتُ أنا الثالث(١).
كَرَمُ عبدٍ :
خرج عبدُ الله بن جعفر إلى ضياعِهِ ينظر إليها ، فإذا في حائطٍ لنسيب
له عبدٌ أسود ، بيده رغيف، وهو يأكل لقمة ، ويطرح لكَلب لقمة ، فلمَّا
(١) صفحات من صبر العلماء صـ ١٨٥ - ١٨٦.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٩٢
رأى ذلك استحسنه ، فقال : يا أسود ، لمن أنت ؟ قال : لمصعب بن
الزبير . قال : وهذه الضيعة لمن ؟ قال : له . قال : لقد رأيتُ منك عجبًا،
تأكل لقمة وتطرح للكلب لقمة ! قال : إني لأستحيي من عينٍ تنظرُ إلَّي
أنْ أُوثر نفسي عليها . قال : فرجع إلى المدينة ، فاشترى الضيعة والعبد ،
ثم رجع ، وإذا بالعبد ، فقال : يا أسود ، إني قد اشتريتك من مصعب ،
فوثب قائمًا ، وقال : جعلني الله عليك مَيْمونَ الطلعة . قال : وإني اشتريتُ
هذه الضَّيْعة . فقال: أكْمَل الله لك خيرها . قال: وإني أُشهدُ أنَّك حُرّ
لوجه الله . قال : أحسن الله جزاءك . قال : وأُشهد الله أنَّ الضيعة مني
هدية لك . قال : جزاك الله بالحسنى . ثم قال العبد : فأُشهد الله وأُشهدكَ
أنَّ هذه الضيعة وقفْ مني على الفقراء . فرجع وهو يقول : العبدُ أكْرَم
منَّا(١).
وفي تاريخ بغداد : روي عن الحسن بن علي أنه كان مَارًّا في بعضٍ
حِيطان المدينة ، فرأى أُسْودَ بيده رغيف يأكل لقمةً ويُطْعِمُ الكلبَ لقمة ،
إلى أنْ شاطره الرَّغيف . فقال له الحسن : ما حملك على أنْ شاطرته ولم
تغابنه فيه بشيءٍ ؟ فقال : استَحتْ عيناي من عينيْه أن أغابنه . فقال له :
غلامُ من أنت ؟ فقال: غلامُ أبان بن عثمان ، فقال : والحائط ؟ قال : لأبان
بن عثمان ، فقال له الحسن : أقسمتُ عليك ، لا برحتَ حتى أعودَ إليك ،
فمَّ واشترى الغلام والحائط ، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام ، قد اشتريتُك ،
قال : فقام قائمًا ، فقال : السَّمعُ والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي ،
قال : وقد اشتريتُ الحائط، وأنت حُرّ لوجه الله، والحائط هبةٌ مني إليك .
قال : فقال الغلام : يا مولاي ، قد وهبتُ الحائط للذي وهبتني له .
(١) سير أعلام النبلاء ١٣ / ٣٦٣ - ٣٦٤، تاريخ بغداد ٦ / ٣٤.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٩٣
الفَقِيه الإِمام المُحدِّث دَعْلَج بنُ أحمد بن دعلج :
قال الحاكم : دعلج الفقيه ، شيخ أهل الحديث في عصره ، له صدقاتٌ
جارية على أهل الحديث بمكة وببغداد وسجستان . وقال الخطيب : كان دعلج
من ذوي اليَسَار ، له وقوفٌ على أهل الحديث .
قال أبو عمر بن حيويه : أَدْخَلَني دعلج إلى داره ، وأراني بِدَرًّا من
المال معبأة في منزله ، وقال لي : يا أبا عمر ، خُذّ من هذه ما شئت ،
فشكرتُ له ، وقلتُ : أنا في كفايةٍ وغنَّى عنها ، فلا حاجة لي فيها .
((وَحَدَّثَ أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله الحدّاد - وكان من أهل
الدِّين والقرآن والصَّلَاح - عن شيخ سمّاه ، فذهب عني حفْظ اسمه ، قال :
حضرتُ يوم جمعةٍ مسجد الجامع بمدينة المنصور ، فرأيت رجلًا بين يديّ
في الصَّفِّ حسن الوقار ، ظاهر الخشوع ، دائم الصلاة ، لم يزل يتنفَّل مُذْ
دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة ، ثم جلس ، قال : فعلَتْني هَيْتُه ، ودخل
قلبي محبته ، ثم أقيمت الصلاةُ فلم يُصَلِّ مع الناس الجمعة ، فَكَيُرَ علَّ ذلك
من أمره ، وتعجَّبْتُ من حاله وغاظني فعله ، فلما قُضيت الصلاة تقدمتُ
إليه ، وقلت له : أيها الرجل ، ما رأيتُ أعجب من أمرك ! أطلتَ النافلةَ
وأحسنتها ، وتركت الفريضة وضيَّعْتها ؟! فقال : يا هذا ، إنَّ لي عذرًا ، وبي
علةٌ منعتني عن الصلاة ، قلت : وما هي ؟ فقال : أنا رجلٌ علَّي دَيْنٌ
اختفَيتُ في منزلي مدةً بسببه ، ثم حضرتُ اليوم الجامع للصلاة ، فقبل أن
تقام التفتُّ فرأيتُ صاحبي الذي له الديْن علَّ ورائي ، فمن خوفِه أحدثتُ
في ثيابي ، فهذا خبري ، فأسألك بالله إلَّ سترتَ علَّي وكتمتَ أمري. قال :
فقلت : وَمَن الذي له عليك دَيْن ؟ قال : دعلج بن أحمد ، قال : وكان
إلى جانبه صاحبٌ لدعلج قد صلّى وهو لا يعرفه ، فسمع هذا القول ،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٩٤
ومضى في الوقت إلى دعلج ، فذكر له القصة ، فقال لهُ دعلج : امض إلى
الرجل واحْمله إلى الحمام ، واطرح عليه خُلْعةً من ثيابي ، وأجلسْه في
منزلي حتى أنصرف من الجامع ، ففعل الرجل ذلك ، فلما انصرف دعلج
إلى منزله أمر بالطعام فأحضرَ ، فأكل هو والرجل ، ثم أخرج حِسَابَه فنظر
فيه ، وإذا له عليه خمسة آلاف درهم ، فقال له : انظر لا يكون عليك
في الحساب غلط أو نَسِّي نقدٍ . فقال الرجل : لا ، فضرب دعلج على
حسابه . وكتب تحته علامة الوفاء ، ثم أحضر الميزان ووزن خمسة آلاف
درهم وقال : أمَّا الحساب الأول فقد حللناك مما بيننا وبينك فيه ، وأسألك
أن تقبل هذه الخمسة آلاف الدرهم ، وتجعلنا في حلّ من الروعة التي
دخلت قلبك برؤيتك إيَّنا في مسجد الجامع .
وأودع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينارٍ ليتيم ،
فضاقت يده فامتدت إليها ، فأنفقها وحلّ موعدُ فَكِّ الحجر عن الغلام ،
وضاقتْ بالهاشمي الأرضُ بما رَحُبَتْ ، فذهب إلى دعلج وقصَّ عليه
القصة، فأعطاه إياها ، حتى كاد عَقْلُه يطير فرحًا ، وبعد ثلاث سنين أتى
بها إلى دعلج شاكرًا فما قبلها ، وقال : يا سبحانَ الله ، والله ما خَرجتْ
الدنانيرُ عن يدي فنويت آخذ عِوَضها، حَلِّ بها الصِّان))(١).
لُؤلُؤُ العَادلي ، الحاجب ، من أبطال الإِسلام :
خدم مع صلاح الدِّين ، وفي آخر أيامه أقبل على الخير والإِنفاق في
زمن قَحْطٍ مصر ، وكان يتصدق في كل يوم باثني عشر ألف رغيفٍ مع
عدة قُدُورٍ من الطَّعامِ(٢).
(١) تاريخ بغداد ٨ / ٣٨٩ - ٣٩١.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢١ / ٣٨٤ - ٣٨٥.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٩٥
عَبْدُ القَادِرِ الجِيلانيّ :
قال الإِمام الرَّبَّاني عبد القادر الجيلاني: ((فَتَّشتُ الأعمال كلَّها ، فما
وجدتُ فيها أفضل من إطعام الطعام ، أوَدُّ لو أن الدنيا بيدي فأُطْعِمُهَا
الجياعَ ، كَفِّي مثقوبةٌ لا تضبط شيئًا، لو جاءني ألفُ دينارٍ لم أَبيّتها)) (١).
شيخُ الإِسلام ابن تَيْمِيَة :
قال الذهبي عن شيخ الإسلام: ((هو أحد الأَجْوادِ الأسخياء الَّذين
يُضْرَبُ بهم المَثَل)) (٢).
وقال الحافظ عمر البّار في ((الأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية))
( ٦٣ - ٦٧ ) :
كان رضي الله عنه مجبولًا على الكرم، وما شدَّ على دينارٍ ولا درهمٍ قطُّ ،
بل كان مَهْمَا قدر على شيءٍ من ذلك ، يجود به كله ، وكان لا يردُّ من يسأله
شيئًا يقدر عليه من دراهم ولا دنانير ولا ثياب ولا كتب ولا غير ذلك .
بل ربَّما كان يسأله بعضُ الفقراء شيئًا من النفقة ، فإن كان حينئذٍ
متعذرًا لا يَدَعهُ يذهب بلا شيءٍ ، بل كان يَعْمَدُ إلى شيءٍ من لباسه فيدفعه
إليه . وكان ذلك المشهور عند الناس من حاله .
قال الشيخ عبد الله بن أحمد بن سعيد : كنتُ يومًا جالسًا بحضرة
شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه ، فجاءه إنسان فسلّم عليه ، فرآه الشيخ
مُحتاجًا إلى ما يعتَمُّ به ، فنزع الشيخ عمامته ، من غير أن يسأله الرجل
ذلك ، فقطعها نصفين ، واعْتَمَّ بنصفها ، ودفع النصف الآخر إلى ذلك
(١) سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٤٤٧.
(٢) العقود الدرية لابن عبد الهادي صـ ٢٣ .
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عَلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٩٦
الرجل ، ولم يحتشم للحاضرين عنده .
وكان الشيخُ مَارًّا يومًا في بعض الأزقّة ، فدعا له بعض الفقراء ،
وعرف الشيخ حاجته ، ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه ، فنزع ثوبًا على جلده
ودفعه إليه ، وقال : بِعْهُ بما تيسَّر وأنفقه ، واعتذر إليه من كونه لم يحضر
عنده شيء من النفقة . وكان لا يردُّ أحدًا يسأله شيئًا من كتبه ، بل يأمره
أن يأخذَ هو بنفسه ما يشاء منها .
وحكى غيرُ واحدٍ ما اشتهر عنه من كثرة الإِيثار ، وتَفَقَّد المحتاجين
والغرباء ، ورقيقي الحال من الفقهاء والقُرَّاء ، واجتهاده في مصالحهم
وصلاتهم ، ومساعدته لهم ، بل ولكل أحدٍ من العامة والخاصة ممن يُمكنه
فعل الخير معه ، وإسداء المعروف إليه بقوله وفعله ، ووجهه وجاهه(١).
عِكْرَمةُ الفَيَّاضِ الرّبعي، جَابِرُ عَثَراتِ الكِرَامِ :
كان في أيَّام سليمان بن عبد الملك رجلٌ يقال له : خزيمة بن بشر ،
من بني أسد بالرقّة ، وكان له مروءةٌ ونعمة حسنة ، وفضلٌ وبِّ بالإِخوان ،
فلم يزل على تلك الحال حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضَّل عليهم ،
فواسَوْه حينًا ثم مَلُّوه ، فلما لاح تغيُّرهم أتى امرأته - وكانت ابنة عمه -
فقال لها : يا ابنة عمي ، قد رأيتُ من إخواني تغيًُّا، وقد عزمتُ على لزوم
بيتي إلى أن يأتيني الموت ، ثم إنه أغلق بابه ، وأقام يتقوَّتُ بما عنده حتى
نفد ، وبقي حائرًا في حاله ، وكان عكرمة الفياض الربعي واليًا على الجزيرة ،
فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد ، إذ جرى ذِكْرُ خزيمة بن
بشر في مجلسه ، فقال عكرمة : ما حاله ؟ فقالوا : صار من سوءِ الحال إلى
(١) الأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية، للبزار صـ ٥٠.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٩٧
أمرٍ لا يُوصف ، فأغلق بابه ولزم بيته . فقال الفيّاض : فما وَجَدَ خزيمةَ
بن بشر مواسيًا ولا مكافئًا ؟! قالوا: لا . فأمسك، ثم لمَّا كان الليل عمد
إلى أربعةِ آلافٍ دينارٍ ، فجعلها في كيس واحد ، ثم أمر بإسراجِ دأبّته ،
وخرج سرًّا من أهله ، فَرَكِبَ ومعه غلامٌ من غلمانه يحمل المال ، ثم سار
حتى وقف بباب خزيمة ، ثم أخذ الكيس من الغلام ، ثم أبعده عنه ، وتقدَّم
فدفعه بنفسه ، فخرج إليه خزيمة ، فناوله الكيس وقال : أَصْلحْ بهذا شأنك .
فتناوله ، فرآه ثقيلًا ، فوضعه ، ثم أمسك بلجام الدابة ، وقال له : منْ أنت
جُعلتُ فداك ؟ فقال : يا هذا ، ما جئتك في هذه السَّاعة وأنا أريد أن
تعرفني . قال خزيمة : فما أقبله أوْ تُعرِّفني من أنت . قال : أنا جابر عثرات
الكرام . قال : زدني . قال : لا مزيد . ثم مضى ، ودخل خزيمة بالكيس
إلى امرأته فقال لها : أبشري ، فقد أتى الله بالفرج والخير ، ولو كان هذا
فلوسًا فهو كثير ، قومي فأسرجي . قالت : لا سبيل إلى السِّراج ، فبات
يلمسها فيجد خشونة الدنانير ولا يصدّق ، فرجع عكرمة إلى منزله فوجد
امرأته قد افتقدته وسألت عنه ، فأُخبرت بركوبه منفردًا ، فارتابت فشقّت
جيبها ولطمت خدَّها ، فلما رآها على تلك الحال قال لها : ما دَهَاكِ ؟
قالت : يا ابن عمي ، غدرتَ . قال : وما ذاك ؟ قالت : أميرُ الجزيرة يخرج
بعد هدوءٍ من الليل منفردًا عن غلمانه ، في سرِّ من أهله إلّا إلى زوجةٍ أو
سُرِّيّة ؟ قال : لقد علم اللهُ ما خرجت إلى واحدة منهما . قالت : فخبّرني
فيَمَ خرجت ؟ قال : يا هذه ، لم أخرج في هذا الوقت ، وأنا أريد أن يعلم
بي أحدٌ. قالت: لابدّ أن تخبرني بالقصة . قال: فاكْتُميهِ إِذًا. قالت :
أفعل . فأخبرها بالقصة على وجهها ، وما كان من قوله له وردّه عليه ،
ثم قال لها : أتحبين أن أحلف لك ؟ قالت : لا ، فإن قلبي قد سَكَّنَ إلى
ما ذكرت . فلما أصبح خزيمة صالحَ الغُرَمَاءِ ، وأصلح حاله ، ثم تجهّز
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٩٨
صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الثاني
يريد سليمان بن عبد الملك بفلسْطِين ، فلما وقف ببابه دخل الحاجب
فأخبره بمكانه - وكان مَشْهورَ المروءة ، وكان سليمان به عارفًا - فأذن
له ، فلما دخل عليه وسلّم بالخلافة . قال : يا خزيمة ، ما أبطأَكَ عنَّا ؟
قال : سوءُ الحال . قال : فما منعك من النَّهْضة إلينا ؟ قال : ضعفي .
قال : فبمَ نهضتَ ؟ قال : لم أعلم بعد هدوءٍ من الليل إلا ورجل طرق
بابي ، فكان منه كَيْتَ وكَيْتَ ، وأخبره بقصَّته من أولها إلى آخرها ، فقال
له : هل تعرفه ؟ قال : ما عرفتُه يا أمير المؤمنين ، وذلك أنه كان متنكرًا ،
وما سمعتُ منه إلا: ((جابر عثرات الكرام )) . فتلَهّفَ سليمانُ على معرفته
وقال: لو عرفناه لأعنَّاه على مروءته ، ثم قال: علَّ بقناةٍ . فعقد لخزيمة
الولاية على الجزيرة التي على عَمَلْ عِكرمة الفيَّاض، فخرج خزيمة طالبًا
الجزيرة ، فلما وصل إليها خرج عكرمةُ وأهل بلده للقائه ، فسلّم عليه ،
ثم سارًا جميعًا إلى أنْ دخلا جميعًا ، فنزل خزيمةُ دارَ الإِمارة ، وأمر أن
يُؤخذ عكرمة بكفيلٍ وأن يُحاسب ، فحوسب فُوُجد عليه فضولٌ كثيرة ،
فطالبه بأدائها ، قال: ما لي إلى شيءٍ منها سبيل . قال : لابدَّ منها . قال :
ما هي عندي ، فاصنع ما أنت صانع . فأمر به إلى الحَبْس ، ثم بعث إليه
يطالبه ، فأرسل إليه : لستُ ممن يصون ماله بعرضه ، فاصْنَعْ ما شئت .
فأمر به فكُبِّل بالحديد ، وضُيِّق عليه ، وأقام كذلك شهرًا أو أكثر ، فأضناه
ذلك وأضَّ به ، وبلغ ابنةً عمه ضُرُّه ، فجزعتْ واغتمتْ لذلك ، ثم دعت
مولاةً لها ذات عقل . فقالت : امضِ السَّعة إلى باب هذا الأمير خزيمة
ابن بشر ، فإذا دخلتِ عليه فسليه أن يُخْلِيَك ، فإذا فعل فقولي له : ما
كان هذا جزاءُ ((جابر عثرات الكرام)» منك أن كافأتَه بالحَبْس والضيق
والحديد ، ففعلتْ ذلك ، فلما سمع خزيمة قولها قال: وَاسَوْءَتَاهُ ، وإنَّه
لهو ؟ قالت : نعم . فأمر من وقته بدابته فأسرجتْ ، وبعث إلى وجوه أهل
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٩٩
البلد فجمعهم ، وأتى بهم إلى الحبس ففتح ، ودخل خزيمة ومن معه ،
فلقي عكرمةَ في قاعة الحبس متغيّرًا ، قد أضناه الضّ ، فلما نظر إليه عكرمةُ
وإلى الناس أحْشَمَه ذلك ، فنكَّسَ رأسه إليه وقال : ما أعقبَ هذا منك ؟
قال : كريمُ فعالك وسوءُ مكافأتي . قال : يغفرُ الله لنا ولك ، ثم أمر
بالحدّاد ففكّ القيد عنه ، وأمر خزيمة أن يوضع في رجله نفسه ، فقال
عكرمة : تريد ماذا ؟ قال : أريد أن ينالني من الضرّ مثل ما نالك ! فقال :
أقسم عليك بالله ألا تفعل . فخرجًا جميعًا إلى أن وصلًا إلى دار خزيمة ،
فودَّعه عكرمة وأراد الانصراف ، فقال له : ما أنت يبارحٍ ، قال : فماذا
تريد ؟ قال : أُغيِّرُ من حالك ما رَثَّ ، وحيائي من ابنة عمك أشدُّ من حيائي
منك ، ثم أمر بالحمَّام فأخْلي ، فدخلًا جميعًا ، ثم قام خزيمة فتولى خدمته
بنفسه ، ثم خرجًا ، فخلع عليه وجمَّله ، وحمل إليه مالًا كثيرًا ، ثم سار
معه إلى داره ، واستأذن في الاعتذار من ابنة عمه فأذن له ، فاعتذر إليها
وتذمَّمَ من ذلك ، ثم سأله بعد ذلك أن يسير معه إلى أمير المؤمنين سليمان
ابن عبد الملك ، وهو يومئذ مقيمٌ بالرملة ، فأنعم له بذلك ، فسارًا جميعًا
حتى قدمًا على سليمان بن عبد الملك ، فدخل الحاجبُ فأعلمه بقدومٍ
خزيمة بن بشر ، فَرَاءَه ذلك ، وقال : والي الجزيرة يَقْدم بغير أَمْرِنَا ، ما
هذا إلَّا لحادثٍ عظيم ، فلما دخل عليه قال له قبل أن يُسَلم : ما وراءك
يا خزيمة ؟ قال : خير يا أمير المؤمنين . قال : فما الذي أقدمك ؟ قال :
ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسَرَّك ، لِمَا رأيتُ من تلهفك عليه
وتشوُّقك إلى رؤيته . قال : ومن هو ؟ قال : عكرمة الفيّاض ، فأذن له
بالدخول ، فدخل وسلَّم عليه بالخلافة ، فرحَّب به وأدناه من مجلسه . فقال
له : يا عكرمة، ما كان خَيْرُكَ لخزيمة إلَّا وَبَالًا عليك ، ثم قال له : اكتب
حوائجك كلَّها وما تختاره في رقعة . قال : أوَ تعفِيني يا أمير المؤمنين ؟
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٦٠٠
قال : لابدَّ من ذلك . ثم دعا بدواة وقرطاس وقال : اعتزل واكتب جميع
حوائجك ، ففعل ذلك ، فأمر بقضائها جميعًا من ساعته ، وأمر له بعشرة
آلاف دينارٍ ، وبِسفْطَيْن ثيابًا ثم دعا بقناةٍ وعَقَد له على الجزيرة وأَرْمينيًّا
وأذربيجان ، وقال له : أُمْرُ خزيمة إليك، إن شئتَ أبقيته ، وإن شئت
عزلته . قال : بل أردُّه إلى عمله ، ثم انصرفًا جميعًا، ولم يزالا عاملَيْن
لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته (١).
کَرَمُ رجلٍ مع قاتل أبيه :
عن الحسن بن خضر قال : لما أفضتِ الخلافةُ إلى بني العباس اختفتْ
رجالٌ من بني أُميَّة ، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك ،
حتى أَخَذ له داود بن العباس أمانًا، وكان إبراهيم رجلًا حَدُثًا(٢) ، فَخُصَّ
بأبي العباس ، فقال له يومًا : حدّثني عن ما مَّ بك في اختفائك ؟ قال :
كنتُ - يا أميرَ المؤمنين - مختفيًّا بالحِيرَةِ ، في منزلٍ شارع إلى الصحراء ،
فبينا أنا على ظهر بيتٍ إذْ نظرتُ إلى أعلامٍ سود قد خرجتْ من الكوفة
تريد الحيرة ، فوقع في رُوعي أنها تريدني ، فخرجتُ من الدار متنكِّرًا ، حتى
أتيتُ الكوفة ، ولا أعرف بها أحدًا أختفي عنده، فبقيتُ مُتلدِّدًا (٢) ، فإذا
ببابٍ كبير ، ورحبة واسعة ، فدخلت فيها ، فإذا رجل وسيم الهيئة على فرسٍ
قد دخل الرحبة ، ومعه جماعةٌ من غلمانه وأتباعه ، فقال : من أنت ؟ وما
حاجتك ؟ فقلت : رجل مختفٍ يخاف على دمهِ ، استجار بمنزلك . فَأُدْخَلَني
(١) المستجاد من فعلات الأجواد صـ ١٨ - ٢٢، لأبي القاسم التنوخي ، ط . دار
العرب .
(٢) أي كثير الحديث ، حسن السياقة له .
(٣) التلدد : أنْ يحتارَ فيلتفتُ يمينًا وشمالاً .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/