النص المفهرس

صفحات 521-540

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٢١
وعن أنس رضي الله عنه قال: (( إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
لم يجتمع عنده غداءٌ ولا عشاءٌ من خُبزٍ ولا لحمٍ إلَّا على ضَفَفٍ)) (١).
وعن سهل بن سعد قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي عَ لَّه بِيْدة فقالت:
يا رسول الله : أكْسُوك هذه . فأخذها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
محتاجًا إليها ، فَلَبِسَهَا ، فرآها عليه رجلٌ من الصحابة ، فقال : يا رسول الله ،
ما أحْسَنَ هذه، فاكْسُنِيهَا. فقال: ((نعم)). فلمّا قام النبي عَ ◌ّةِ، لامَهُ
أصحابه فقالوا: ما أحسنْتَ حين رأيتَ النبي عَ لِّ أَخَذَهَا مُحتاجًا إليها،
ثم سألتَهُ إياها ، وقد عرفتَ أنه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه . فقال : رجوتُ
بَرَكَتَهَا حين ◌َبِسها النبُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ لَعَلِّي أُكَفِّن فيها .
رواه البخاريُ .
وأتاه رجلٌ فسأله ، فأعطاه غنما سدَّتْ ما بين جبلين ، فرجع إلى
قومه وقال : أسلموا ، فإن محمدًا يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
وأتي بمال من البحرين فقال : انتُروه في المسجد ، وكان أكثر مالٍ
ءُ
أتي به ، فخرج إلى الصلاة ، ولم يلتفت إليه ، فلمّا قَضَى الصلاة جاء
فجلس إليه ، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، وما قام وثَمَّ منها درهم .
وكان جوده عَ لَّه بجميع أنواع الجُود من بذْل العلم والمال ، وبذل
نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده ، وإيصال النفع إليهم بكل
طريق ، من إطعام جائعهم، ووعْظ جاهِلِهم، وقضاء حوائجهم، وتحمُّل
أثقالهم، ولم يزل عَ له على هذه الخصال الحميدة منذ نَشَأ ، ولهذا قالت
(١) إسناده صحيح. أخرجه أحمد وابن حبان وابن سعد، وقال الألباني في ((مختصر
الشمائل)) : إسناده صحيح على شرط الشيخين .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٠

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٢٢
له خديجةُ في أَوَّل مبعثه : والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لَتَصِلُ الرَّحِم،
وتَقْرِي الضَّيف ، وتحمل الكلّ، وتَكْسِب المعدومَ ، وتُعين على نوائب
الحق . ثم تزايدت هذه الخصالُ فيه بعد البعثة ، وتضاعفتْ أضعافًا كثيرة .
وفي صحيح مسلم ، عن أنس رضي الله عنه قال : ما سُئِلَ رسول الله
عَوّ على الإِسلام شيئًا إلَّا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين،
فرجع إلى قومه فقال : يا قوم ، أسلموا فإن محمدًا يُعطي عطاء من
لا يخشى الفاقة .
قال أنس : إنْ كان الرجل ليُسلم ما يريد إلّ الدنيا ، فما يُمسي حتى
يكون الإِسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها .
وفي صحيح مسلم عن صفوان بن أمية رضي الله عنه : لقد أعطاني
رسول الله عَ لّه ما أعطاني وإنه لَمِن أبغض الناس إلَّي، فما برح يُعطيني
حتى إنه لأحبُّ الناس إلَّي .
قال ابن شهاب : أعطاه يومَ حُنين مائة من النَّعَم ثم مائة ثم مائة .
وفي مغازي الواقدي : أن النبي عَِّ أعطى صفوان يومئذٍ واديًا
مملوءًا إبلًا ونَعَمًّا، فقال صفوان: أشهدُ ما طابتْ بهذا إلَّا نَفْسُ نَبِّ.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم: أن الأعراب علقوا بالنبي عَ له
مَرْجِعَهُ من حُنَيْن، يسألونه أن يقسم بينهم فقال: (( لو كان لي عَدَدُ هذه
العَضَاةِ نَعَمًّا ، لقَسمتُه بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلًا، ولا كذوبًا، ولا جبانًا)).
وفيهما عن جابر أنه عَ لّم قال له: ((لَو جاءنا مالُ البحرين ، لقد
أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا)) وقال بيديه جميعًا .
وكان جوده عَّ كلّه الله، وفي ابتغاء مرضاته ، فإنه كان يبذل
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٢٣
المال إمّا لفقيرٍ ، أو محتاج ، أو ينفقه في سبيل الله ، أو يتألّف به على
الإِسلام مَنْ يَقْوَى الإِسلام بإسلامه ، وكان يُؤثر على نفسه وأهله وأولاده ،
فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوكُ مثل كسرى وقيصر ، ويعيش في نفسه عيش
الفقراء ، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يُوقَد في بيته نار ، وربَّما رَبَطَ على
بطنه الحَجَرَ من الجوع ، وكان قد أتاه صبِّ مرةً فشكتْ إليه فاطمةُ ما
تَلْقَى من خدمة البيت ، وطلبت منه خادمًا يكفيها مُؤْنَة بيتها ، فأمرها أن
تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها ، وقال: (( لا أُعطيك وأُدَع
أهل الصُّفَّة تَطْوَى بطونُهم من الجوع)).
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لّه كان
يقول: ((إني لَأَلِج هذه الغُرفةَ ما ألجها إلَّا خشية أن يكون فيها مالٌ،
فَأُتَوَفَّى ولم أَنفقه ))(١).
وعن أبي ذرِّ، أن النبي عَّهِ التفت إلى أُحُدٍ فقال: ((والذي نفسي
بيده ، ما يَسُّني أن أُحُدًّا تحوَّل لآلٍ محمدٍ ذهبًا، أُنفقه في سبيل الله،
أموتُ يومَ أموتُ أَدَعُ منه دينارين، إلَّا دينارين أُعدُّهما للدَّيْنِ إنْ كان))(٢).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كانت عند رسول الله عَ اله
سبعة دنانير وَضَعَهَا عند عائشة، فلمّا كان عند مرضه قال: (( يا عائشة،
ابعثي بالذهب إلى علّ)). ثم أُغمي عليه، وشَغَلَ عائشةَ ما به ، حتى
قال ذلك مرارًا. كلّ ذلك يُغمى على رسول الله عَّ ◌ُلّمه، ويشغل عائشةَ
ما به ، فبعث إلى علِّ فتصدَّق بها، وأمسى رسول الله عَ ليه ليلة الإثنين
(١) حسن. رواه الطبراني في ((الكبير))، وحسّنه المنذرتُ والألباني.
(٢) حسن . رواه أحمد وأبو يعلى ، وقال المنذري: وإسناد أحمد جيد قوي ، وحسَّنه
الألباني في ((صحيح الترغيب)) ١ / ٣٩١.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٥٢٤
في جديد الموت ، فأرسلت عائشةُ بمصباح لها إلى امرأةٍ من نسائها ،
فقالت: أهدِي لنا في مصباحنا من ◌ُكَّتك السَّمْن، فإن رسول الله عَ ليه
أمسى في جديد الموت(١).
وكان رسول الله عَ لِ أَجْوَد ما يكون حين يلقى جبريل، ولا شكَّ
أن المخالطة تُؤْثِّر وتُورث أخلاقًا من المخالطة . كان بعض الشعراء قد
امتدح ملكًا جوادًا ، فأعطاه جائزة سَنِيَّةً ، فخرج بها من عنده وفَّقها كلها
على الناس وأنشد :
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أبتغي الغِنَى ولم أدْرِ أن الجُودَ من كَفِّهِ يُعدِي
فبلغ ذلك الملكَ ، فأضعفَ له الجائزةَ .
وقد قال بعضُ الشعراء يمتدح بعضَ الأجواد - ولا يصلحُ أن يكون
ذلك إلَّا لرسول الله عَ ليه -:
ثَناها لِقَبْضٍ لم تُجِبْهُ أنامِلُهْ
تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حتى لَو انَّهُ
كَأَنَّكَ تُعطيه الذي أنتَ سائِلُهُ
تَرَاهُ إذا ما جِئْتُهُ مُتَهَلِّلًا
فَلُجَّتُهُ المعروفُ والجُودُ ساحِلُهْ
هو البَحْرُ من أِّ النَّواحِي أَتيْتَهُ
لَجَادَ بِهَا فَلْتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ
ولو لم يَكُن فِي كَفِّهِ غیرُ رُوِهِ
أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( ما نَفَعَنِي مالٌ قطُّ ما نفعني مالُ أبي بكرٍ )) فبكى أبو بكرٍ وقال:
هل أنا ومالي إلَّا لك يا
(١) صحيح. رواه الطبراني في ((الكبير))، وقال المنذري: ورواته ثقات محتجٌّ بهم
في ((الصحيح))، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) ١ / ٣٨٨ - ٣٨٩.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاحُ الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٢٥
رسول الله (١).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: « مَنْ أَنْفَقَ زوجًا - أو قال : زوجين - من ماله - أراه
قال : - في سبيل الله ، دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجثّة: يا مسلم هذا خيرٌ، هَلُمَّ إليه )).
فقال أبو بكر : هذا رَجُلٌ لا تودى عليه . فقال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: (( ما نفعني مالٌ قطُّ إلَّا مال أبي بكرٍ)). قال: فبكى أبو بكر
وقال : وهل نفعني الله إلَّا بك، وهل نفعني الله إلّا بك، وهل نفعني الله
إلّا بك(٢).
وقال عمر بن الخطاب : أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم
يومًا أن نتصدَّق فوافَقَ ذلك مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أسبقُ أبا بكرٍ ، إن
سبقتُه يومًا . فجئتُ بنصف مالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: (( ما أبقيتَ لأهلك؟ )). فقلتُ: مِثْله. قال: وأتى أبو بكر بكلِّ ما
عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أبقيت لأهلك؟)).
قال : أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَهُ : قلتُ: لا أُسَابِقُكَ إلى شيءٍ أبدًا (٢).
لمَّا طُبعَ رسولُ اللهِ عَ لِّ على أشرف الخلائق كان منها الكَرَم ،
فأعطى غَنَمَّا بين جَبَلَيْن، فلمَّا سار في فيافي الجُود ، تَبِعَهُ صديقُه فجاء
بكلِّ ماله .
سَبَقَ النَّاسَ إِليها صَفْقَةٌ
لم يَعُدْ رائدُها عنها بِغَبَنْ
(١) صحيح. رواه ابن ماجه وأحمد، وابن أبي عاصم في ((السنة))، وابن حبان ،
وابن أبي شيبة في ((المصنف))، والنسائي في ((فضائل الصحابة)).
(٢) صحيح. أخرجه أحمد في (( فضائل الصحابة)).
(٣) حسن. أخرجه الترمذي والدارمي وابن أبي عاصم وعَبْدُ بن حميد في ((المنتخب)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٢٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
لم يُكَدَّرْ عندَها العُرْفُ بِمَنْ
هِزَّةٌ للجُودِ صارتْ نَشْوَةً
جَرَعَ غَبَّرَ فِي وَجْهِ المَشَرّ(١)
طَلَّبُوا الشَّاءَ فوافَى سَابِقًا
عن جابرٍ قال : قال عمر : أبو بكرٍ سَيِّدُنا، وأعْتَقَ سيِّدَنا . يعني
بلالً(٢).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أعتق أبو بكرٍ - رضي الله عنه -
سبعةً ممَّن كان يُعذّب في الله عز وجلّ ، منهم بلال وعامر بن فهيرة(٣).
وأَعْتَقَ في محيَّتِهِ بِلالًا
أبو بكرٍ حَبَا (٤) في الله مالا
وأسْرَعَ في إجابِتِهِ بلا : لا
وقد وَاسَى النّبِّ بكلِّ فَضْلٍ
لَمَا تَرَكَ الإِلْهُ به بِلالا
لو أنَّ البَحْرَ يقصُدُه ببعضٍ
ومن الأجواد عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه :
قال الأعمش : كنتُ يومًا عنده ، فأُتي باثنين وعشرين ألف درهم ،
فلم يقُم من مجلسه حتى يفرّقها ، وكان إذا أعجبه شيءٌ من ماله تصدّق به ،
وكان كثيرًا ما يتصدّق بالسُّكَّر ، فقيل له في ذلك فقال: إني أُحِبّه ، وقد قال
تعالى: ﴿ لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفقوا مما تُحِبُّون﴾. [آل عمران: ٩٢]°).
وقال مجاهد : كتب عمرُ بن الخطاب إلى أبي موسى أن يبتاع له جاريةً
(١) جَرَعَ: بلعَ. والمشن: حلب ما في الضرع .
(٢) موقوف صحيح . أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، ورواه البخاري معلّقًا .
(٣) موقوف صحيح . أخرجه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط الشيخين .
ووافقه الذهبي .
(٤) أعتق .
(٥) الدُّرّ المنضود في ذَمّ البُخل ومَدْح الجُود لعبد الرؤوف المناوي صـ ٦٤ - دار
الصحابة بطنطا .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٢٧
من سَبْي جلولاء ، ففعل ، فدعاها عمرُ فأعتقها ، ثم تلا هذه الآية : ﴿ لن
تنالوا البرّ حتى تُنفقوا مما تحبُّون
عثمان رضي الله عنه :
عن أبي عبد الرحمن أن عثمان - رضي الله عنه . - حين حُوصِر ،
أَشْرَفَ عليهم وقال: أنْشُدُكم الله، ولا أنشُدُ إلّا أصحاب النبي عَلِّ: ألستم
تعلمون أن رسول الله عَ لّه قال: «مَنْ حَفَرَ رُومة فلة الجنة)). فحفرتُها؟
ألستم تعلمون أنه قال: ((مَنْ جَهَّزَ جيشَ العُسرة فله الجنة)). فجهَّرْتُه ؟
قال : فصدَّقُوه بما قال(١).
اشترى عثمان - رضي الله عنه - بئر رُومَةً بأربعين ألف درهم ،
وأَنْفَقَ في جيش العُسرة عشرة آلافٍ درهمٍ.
عن عبد الله قال: رأى رسول الله عَ ليه عثمان بن عفان يوم جيش
العُسرة جائيا وذاهبًا، فقال: ((اللهم اغْفِرْ لعثمان ما أَقْبَلَ وما أدْبَرَ ، وما
أَخْفَى وما أعْلَنَ، وما أسرَّ وما أجْهَرَ))(٢).
وأخرج المناوي في ((الدر المنضود)): أنه ((أصاب الناس قحطٌ في
خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلمّا اشتدَّ بهم الأمرُ ، جاءوا
إلى أبي بكر الصديق وقالوا: يا خليفة رسول الله عَ ليه ، إن السماء لم تمطر،
والأرض لم تنبت ، وقد توقَّع الناسُ الهلاك ، فما تصنعُ ، فقال : انصرِفُوا
واصبروا ، فإني أرجو الله ألَّا تُمسوا حتى يفرّج الله عنكم. فلمَّا أصبحوا
خرجوا يتلقُّوْنها ، فإذا هي ألف بعيرٍ موثوقة بًُّا وزيتًا ودقيقًا ، فأناختْ بباب
(١) صحيح بشواهده. ذكره البخاري معلّقًا، ورُوي موصولًا عند الدار قطني والإسماعيلي.
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) وسنده جيد .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٢٨
عثمان رضي الله عنه ، فجعلها في داره ، فجاء إليه التجارُ ، فقال : ما
ترون ؟ قالوا : إنك لتعلمُ ما نريد . فقال: كم تُرْبحُوني ؟ قالوا : اللهم
درهمين . قال : أُعطِيتُ زيادةً على هذا . قالوا : أربعة . قال : أُعطِيتُ
أكثر . قالوا : خمسة . قال : أُعطيت أكثر . قالوا : ليس في المدينة تُجّار
غيرنا ، فمن الذي أعطاك ؟ قال : إن الله أعطاني بكل درهم. عشرة دراهم ،
أعندكم زيادةٍ؟ قالوا : لا . قال : فإني أَشْهِدُكم الله تعالى ، أني جعلتُ
ما حملتِ العِيرُ صدقةً لله على الفقراء والمساكين)» (١).
(( يُروى : أنه كان لعثمان بن عفان على طلحةَ بنِ عُبيد اللهِ -
رضوان الله عليهما - خمسون ألف درهم ، فخرج عثمان يومًا إلى المسجد ،
فقال له طلحة : قد تهيَّأَ مالُك فاقبِضْهُ . فقال له عثمانُ رضي الله عنه :
هو لك يا أبا محمد معونة على مروءتك ))(٢).
عبد الرحمن بن عوف :
عن المسور بن مخرمة ، أن عبد الرحمن بن عوف باع كديمته من عثمان
بأربعين ألف دينار ، فأمر عثمان بن عفان عبدَ الله بنَ أبي سرحٍ فأعطاه
الثمن ، فقسَّمه بين بني زهرة وفقراء المسلمين وأزواج رسول الله عَّةٍ.
قال المسور : فأتيتُ عائشة - رضي الله عنها - بنصيبها ، فقالت : ما هذا ؟
فقلت: بعث به عبدُ الرحمن. فقالت: قال رسول الله عَ له: ((لا يَحْنُو
عليكُنَّ بَعْدِي إِلَّ الصّابرون)) سقى اللهُ ابنَ عوفٍ من سلسبيل الجنة(٣).
(١) الدر المنضود صـ ٦٦ .
(٢) لباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ صـ ١٢٧.
(٣) صحيح . قال الترمذي : حسن صحيح . وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي
من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وله شواهد من حديث =
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٢٩
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((خير كم خيركم لأهلي
من بعدي)) . قال : فباع عبدُ الرحمن بن عوف حديقةً بأربعمائة ألفٍ ،
صَلى الله (١)
فقسمها في أزواج النبي عَئيةٍ(١).
الزُّبير بن العَوَّامِ :
قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (١ / ٥٥ - ٥٦): ((قال
مغيثُ بن سُمَِّ : كان للزبير بن العوام ألف مملوك يؤدُّون إليه الخراج ، فلا
يُدخل بيته من خراجهم شيئًا .
رواه سعيد بن عبد العزيز نحوه وزاد : بل يتصدَّق بها كلّها )).
طَلْحَةُ الفَيَّاضُ ، طلحةُ الجُودِ ، طلحةُ الخيرِ، أبو محمد طلحةُ بن عُبَيْد الله
رضي الله عنه ، أحَدُ العشرة المبشَّرِين بالجنة :
عن سُعدى بنت عوف المريّ قالت : دخل علَّ طلحةُ ذات يوم وهو
خَاثِرُ النَّفْس(٢) ، فقلتُ: مالي أراك كالح الوجهِ ، ما شأنُك ، أَرَابَكَ مني
فَأُعْتِبِك ؟ قال : لا ، ولِنِعْمَ حليلة المرء المسلمِ أنتِ . قلتُ : فما شأنُك ؟
قال : المال الذي عندي قد كَثُر وأَكْرَبَنِي . قالت : فقسَّمه حتى ما بقي
منه درهم واحد . قالت سُعدى : فسألت خازن طلحةَ : كم كان المال ؟
قال : أربعمائة ألف(٣). قال سفيان بن عيينة: وكانت غلَّة طلحة كلّ يومٍ
ألفًا وافيًا .
أم سلمة والمقداد وأبي هريرة .
=
والكديمة : اسم مكان لموضع كان فيه سهم عبد الرحمن رضي الله عنه من منازل
بني النضير .
(١) حسن لشواهده . أخرجه ابن أبي عاصم في السنة.
(٢) أي غير نشيط .
(٣) صحيح . رواه أبو نعيم في الحلية ، وابن عساكر ، وأحمد في الزهد .
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٣٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
وفي رواية سفيان: ((فقال : اجتمع عندي مالٌ فقد غمَّني ! قلتُ : وما
يَغُمُّك ؟! ادْعُ قومَك. قال: يا غلام ، علَّ بقومي. فقسمه فيهم ... )).
وقد تكَّر ذلك من طلحة .
وصحَّ عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال : باع طلحةُ أرضًا
له بسبعمائة ألف ، فبات ذلك المال عنده ليلةً ، فبات أرِقًا من مخافة
المال ، حتى أصبح ففَّقه(١).
وعند ابن سعد عن الحسن به ، وفيه: « قال طلحة : إن رجلًا تبيتُ
هذه عنده في بيته لا يدري ما يطرقُه من أمر الله ، لغريٌّ بالله . فبات ورسله
تختلف بها في سِكَك المدينة ، حتى أَسْحَرَ وما عنده منها درهم)) .
وصح عن محمد بن عمران التيمي ، عن سُعدى قالت : لقد تصدَّق
طلحةُ يومًا بمائة ألف درهم ، ثم حَبَسَهُ عن الَّواح إلى المسجد أن جمعت
له بين طرفي ثوبه(٢).
وعن سلمة بن الأكوع قال : ابتاع طلحة بئرًا في ناحية الجبل ،
ونحر جزورًا، فأطعمَ الناسَ، فقال رسول الله عَ له: ((أنت يا طلحةٌ
الفیَاضُ))(٣).
وعن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة بن عبيد الله ، أنه أتاه مال
(١) الحسن عن طلحة منقطع .
(٢)
محمد بن عمران منقطع عن سُعدى .
(٣) محتمل . رواه ابن عساكر، وابن عدي، والطبراني، وأبو نعيم في ((الصحابة))،
والدار قطني في ((المستجاد من فعلات الأجواد )). وقد صحَّ عن ابن عيينة -
وهو من أتباع التابعين - قال: كان أهل طلحة يقولون: سمّاه رسول الله عَ ليه
((الفيّاض)).
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٣١
من حضرموت سبعمائة ألف . قال : فبات ليلته يتململ . فقالت له زوجتُه :
يا أبا محمد ، ما لي أراك منذ الليلة تتململ ؟ أرابك منّا أمٌّ فَنُعْتِبك . قال :
العمري لِنِعْمَ زوجة المرء أنتِ ، ولكنْ تفكّرتُ منذ الليلة ، فقلتُ : ما ظن
رجلٍ بربِّه عز وجل ، يَبِيتُ وهذا المال في بيته ؟ قالت : فأين أنت عن
بعض أخلاقك ؟ قال : وما هو ؟ قالت : إذا أصبحت دعوتَ بجفانٍ وقِصاعٍ ،
فقسمته على بيوت المهاجرين والأنصار على قَدْرِ منازلهم . قال : فقال
لها : يرحمك الله تعالى ، إنك ما علمتُ موفَّقة بنت موفّق . وهي أم كلثوم
بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه . فلمَّا أصبح دعا بجفانٍ وقِصاعٍ ،
فقسمها بين المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى علّ بن أبي طالبٍ منها
بجفنة ، فقالت له زوجته : يا أبا محمدٍ ، أما كان لنا في هذا المال من
نصيبٍ ؟ قال : فأين كُنتِ منذ اليوم ؟ فشأنك ما بقي . قالت : فكانت
صرَّة فيها نحوٌ من ألف درهم(١).
وعن قبيصة بن جابر قال : صحبتُ طلحة ، فما رأيت أعْطَى لجزيلِ
مالٍ مِن غير مسألة منه(٢).
عَلَم المجاهدين ، أبو المساكين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما احْتَذَى النِّعال ، ولا رَكِب
المطايا بعدَ رسول الله عَِّ أَفْضَلَ من جعفر بن أبي طالب)) (٣). يعني في
الجُود والكرم .
(١) حسن. رواه الدارقطني في ((المستجاد)) وابن عساكر . ولا يمتنع أن تكون
كلتاهما (( أم كلثوم، وسُعدى)) قد قالت ذلك وكانتا زوجتيه .
(٢) صحيح. رواه الدارقطني في ((المستجاد )) وابن عساكر.
(٣) إسناده جيد . أخرجه أحمد ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ،
والذهبي في ((السير)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٣٢
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
وعن أبي هريرة قال : كُنَّا نُسمِّي جعفرًا أبا المساكِين . كان يذهب
بنا إلى بيته ، فإذا لم يجد لنا شيئًا، أخرج إلينا عُكَّة أثَّرُهَا عَسَل ، فنشُقّها
ونَلْعَقها(١).
وعند البخاري عن أبي هريرة: (( وكان أخْيَر الناس للمساكين جعفر
ابن أبي طالب ، كان ينقلب بنا فيُطعمنا ما كان في بيته ، حتى إن كان
ليُخرِج إلينا العلّة التي ليس فيها شيءٌ، فيشقها، فَتَلْعَقُ ما فِيهَا)).
ومن الأجواد : عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :
((عن حبيب بن أبي ثابت قال : قدم أبو أيوب الأنصاري البصرةَ ،
ونزل على ابن عباس ففَّغ له بيتَهُ الذي كان فيه ، وقال: لأَصْنَعَنَّ بك كما
صنعت برسول الله عَ ليه. وقال: كم عليك من الدَّيْن؟ قال: عشرون ألفًا.
فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا وقال: لك ما في البيت كلّه))(٢).
واجتمع إليه قُرّاء البصرة حين كان عامِلَها وقالوا: لنا جارٌ صوَّامٌ
قوَّامٌ ، زوَّج بنتَهُ من ابن أخيه ، وليس عنده ما يُجهِّزها به . فأُدْخَلَهُم دارَهُ ،
وأخرجَ لهم سبعة بِدَرٍ ، فحملوها ، فقال ابن عباس : ما أنصفناه ، أعطيناه
ما يشغله عن قيامه وصيامه ، ارجعوا ، ولنكُن أعوانَهُ على تجهيزها ، فليستِ
الدُّنيا بقدرٍ حتى تشغله عن عبادة ربِّه . فَفَعَلَ وفَعَلُوا .
وكان هو والناس في ماله سواء ، من سأله أعطاه ، ومن لم يسأله
ابتداه .
(١) إسناده حسن. رواه الذهبي في السير ٢ / ٢١٧ . والعُكّة : ظرف السمن.
(٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ١١٥ - مكتبة ابن تيمية بالقاهرة .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٥٣٣
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال : أعطى ابنُ جعفرٍ عبدَ الله
ابنَ عمر بنافعِ عشرة آلاف أو ألف دينار ، فدخل عبد الله على صفيَّة ،
فقال لها : إنه أعطاني ابن جعفر بنافعٍ عشرة آلاف أو ألف دينار . فقالت :
يا أبا عبد الرحمن ، فما تنتظر أن تبيعه ؟ فقال : فهلًّا ما هو خيرٌ من ذلك،
هو لوجه الله . قال أبي : فكان يخيَّل إلَّي أن عبد الله بن عمر كان ينوي
قولَ الله عز وجل: ﴿ لن تنالوا البرّ حتى تُنفقوا ممّا تُحِبُّون﴾ [ آل
(١)
عمران : ٩٢ ].
وعن نافعٍ قال : دخلتُ مع مولاي على عبد الله بن جعفر، فأعطاه
بي اثْنَي عشر ألفًا ، فأبى ، وأعتقني ، أعتقَهُ الله من النار .
عن نافع قال : ما مات ابنُ عمر حتى أعتق ألفَ إنسانٍ ، أو زادَ(٢).
وعن نافعٍ قال : كان ابن عمر إذا اشتدَّ عجبه بشيءٍ من ماله ، قَّبه
لربِّه عز وجلّ .
قال نافع : كان بعض رقيقه قد عرفوا ذلك منه ، فربما شمَّر أحدهُم
فلزم المسجدَ ، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة الحسنة ، أعتقَهُ ، فيقول
له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن، والله ما بهم إلّا أن يخدعوك! فيقول
ابن عمر : فمن ◌َدَعَنَا بالله انْخَدَعْنَا له !
قال نافع : فلقد رأيتُنا ذات عشيَّةٍ ، وراح ابنُ عمر على نجيبٍ له قد
(١) صحيح. رواه ابن عساكر، وأحمد في ((الزهد)) وأبو نعيم. وصفية هي بنت
عبيد امرأة عبد الله بن عمر .
(٢) قال الذهبي في ((السير)) ٣ / ٢١٨ - ٢١٩: إسنادها صحيح.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٣٤
أَخَذَه بمال ، فلمَّا أعجبه سَيْرُه ، أناخه بمكانه ثم نزل عنه وقال : يا نافع ،
انزعوا زمامَه وَرَحْلَه ، وجَلِّلُوه وأشعِروه، وأدخِلُوه في البُدْنُ(١).
وعن ابن عمر: خطرتْ هذه الآيةُ ببالي: ﴿ لن تنالوا البرَّ حتى
تُنفقوا ممّا تُحِبُّون ﴾ [ آل عمران: ٩٢]، ففكّرتُ فيما أعطاني الله عز وجل ،
فما وجدتُ شيئًا أحبَّ إلَّي من جاريتي رميثة ، فقلت: هي حُرّة لوجه
الله ، فلولا أني لا أعود في شيءٍ جعلتُه لله، لَنَكَحْتُهَا . فَأَنْكَحَهَا نَافِعًا ، فهي
أُّ وَلَدِهِ(٢).
عن محمد بن زيد ، أن ابن عمر كاتَبَ غلامًا له بأربعين ألفًا ، فخرج
إلى الكوفة ، فكان يعمل على حمرٍ له ، حتى أدَّى خمسة عشر ألفًا ، فجاءه
إنسان ، فقال : أمجنون. أنت ؟ أنت هاهنا تعذِّب نفسك ، وابن عمر يشتري
الرقيقْ يمينًا وشمالاً، ثم يُعتقهم؛ ارجع إليه فَقُلْ : عجزتُ . فجاء إليه
بصحيفة ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، قد عجزتُ ، وهذه صحيفتي ،
فامْحُها . فقال: لا ، ولكن امحُها أنتَ إن شئتَ . فمحاها ، ففاضتْ عينا
عبد الله ، وقال : اذهب فأنت حُرّ . قال: أصلحك اللهُ، أحسن إلى ابْنَي.
قال : هما حُرَّانِ . قال : أصلحك الله، أحسن إلى أُمَّي وَلَدَّ. قال: هما
حُرَّتان(٣).
وعن نافع قال : أُتي ابنُ عمر ببضعة وعشرين ألفًا ، فما قام حتى
أعطاها(٤).
(١) التبصرة ٢ / ٢٥٥، والسير ٣ / ٢١٧، والحلية ١ / ٢٩٥.
(٢)
التبصرة لابن الجوزي ٢ / ٢٥٥ .
(٣) رجاله ثقات. رواه الذهبي في ((السير)) ٣ / ٢١٧.
(٤) الحلية ١ / ٢٩٦ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٣٥
وقال أيوب بن وائل : أتي ابن عمر بعشرة آلاف ، ففرّقها ، وأصبح
يطلب لراحلته عَلَفًّا بدرهمٍ نسيئة .
وعن نافع : بعث معاويةُ إلى ابن عمر بمائة ألف ، فما حال عليه
الحول وعنده منها شيء .
وعن نافع : إن كان ابن عمر ليُفِرِّق في المجلس ثلاثين ألفًا ، ثم
يأتي عليه شهرٌ ما يأكُل مُْعَةً لحمُ(١). واشتهى في مرضه إن يأكل حُونًّا ،
ومرةً أخرى اشتهى عنبًا ، فلما جيء به إليه تصدَّق به(٢).
عن نافع قال : مرض ابن عمر ، فاشتهى عنبًا أول ما جاء ، فأرسلت
امرأته بدرهم فاشترت به عنقودًا، فاتَّبع الرسولَ سائلٌ ، فلما دخل قال :
السائل ، السائل . فقال ابن عمر : أعطوه إياه . ثم بعثت بدرهم آخر ،
قال : فاتبعه السائل ، فلما دخل قال : السائل ، السائل . فقال ابن عمر :
أعطوه إياه. فأعطوه ، وأرسلت صفية إلى السائل تقول: والله لئن عُدتَ
لا تصيب مني خيرًا، ثم أرسلت بدرهم آخر ، فاشترت به (٣).
سيد الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه :
الصحابي الجليل ، والسيد الكبير ، النقيب الأنصاري أبو قيس .
عن ابن سيرين : كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين
من أهل الصُّفَّة يعشِّيهم .
(١) رجاله رجال الصحيح. أخرجه في ((الحلية)) ١ / ٢٩٥، ٢٩٦. والمُزْعَة:
القطعة اليسيرة من اللحم .
(٢) رواه أبو نعيم ١ / ٢٩٧ - ٢٩٨، وابن عساكر . والحوت يعني السمك .
(٣) رجاله ثقات؛ أخرجه الذهبي في ((السير))، وأخرجه بنحوه ابن سعد ٤ / ١٥٨.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٥٣٦
وكان سعد ينادي على أُطمهم: من أحبَّ الشَّحم واللحم فليأتِ
أُطُمِ دُليم بن حارثة(١).
وعن عروة بن الزبير قال : كان منادي سعد بن عبادة ينادي على
أطمه (٢): من كان يريد شحمًا ولحمًا فليأتِ سعدًا . وكان سعد يقول :
اللهم هب لي حمدًا، وهب لي مجدًا ، لا مجد إلا بفعال ، ولا فعال
إلا بمالٍ ، اللهم إنه لا يصلحني القليل ، ولا أصلح عليه (٣).
قيس بن سعد بن عبادة ، الأمير المجاهد أبو عبد الله سيد الخزرج وابن
سيدهم :
قال الذهبي في السير : وَجُودُ قيسٍ يُضرب به المثل .
قال الواقدي : حدَّثنا داود بن قيس ومالك وطائفة قالوا : بعث
رسول الله عَ لمه أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ، وهم ثلاثمائة ،
إلى ساحل البحر إلى حّ من جُهَيْنة ، فأصابهم جوعٌ شديد ، فأمر أبو عبيدة
بالزاد فجمع حتى كانوا يقتسمون التمرة ؛ فقال قيس بن سعد : من يشتري
مني تمرًا بجزر ؟ يوفيني الجزر هاهنا ، وأوفيه التمر بالمدينة ، فجعل عمر
يقول : يا عجبًا لهذا الغلام ، يدين في مال غيره ! فوجد رجلًا من جُهَينة
فساومه ، فقال : ما أعرفك . قال : أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ،
فقال : ما أَعَرَفَني بنسبك ، أما إن بيني وبين سعد خلة ، سيد أهل يثرب .
فابتاع منه خمس جزائر ، كل جزور بوسق من تمر ، وأشهد له نفرًا ، فقال
عمر : لا أشهد ، هذا يدين ولا مال له ، إنما المال لأبيه . فقال الجهني :
(١) سير أعلام النبلاء ١ / ٢٧٦ .
(٢)
الأطم : الحصن .
(٣) صحيح عن عروة .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني
٥٣٧
والله ما كان سعد لُيُخْني بابنه في شِقّةٍ من تمرٍ ، وأرى وجهًا حسنًا .
فنحرها لهم في ثلاثة مواطن ، فلما كان في اليوم الرابع نهاه أميره ، وقال :
تريد أن تخرب ذمتك ولا مال لك ؟! قال : فحدثني محمد بن يحيى بن
سهل عن أبيه عن رافع بن خديج قال : بلغ سعدًا ما أصاب القوم من
المجاعة فقال : إن يكُ قيس كما أعرف فسوف ينحر للقوم ، فلما قدم
قصَّ على أبيه ، وكيف منعوه آخر شيءٍ من النحر ، فكتب له أربع حوائط ،
أدنى حائط منها يُجَدُّ خمسين وسقًا. فقيل: إن النبي عّ لّ لما بلغه قال:
(( أما إنه في بيت جُودٍ)).
قال أبو عاصم : حدثنا جويرية قال : كان قيس يستدين ويطعم ،
فقال أبو بكر وعمر : إن تركنا هذا الفتى أهلكَ مالَ أبيه ، فمشيًا في الناس ،
فقام سعد عند النبي عَ ◌ّه وقال : من يُعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب
يُبَخِّلان علَّي أبي .
وهل يُنِتُ الخَطِّي إلَّا وَشِيجُهُ وَيُزَرَعُ إلا في مَنَابِتِهِ النَّخْلُ
وروى عمرو بن دينار ، سمع أبا صالح السّمان يذكر أن قيس بن سعد
نحر لهم - يعني في تلك الغزوة - عدة جزائر ، وهذه الغزوة هي سرية
الخبط ، أو غزوة سيف البحر (١). قال الذهبي في ((السير)) (٣ /
١٠٤ ) : وقد جوَّدَ ابنُ عساكر طرقه .
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله عَ له بعثهم في بعْثٍ ، عليهم
قيس بن سعد بن عبادة ، فجهدوا ، فنحر لهم قيس بن سعد تسع ركائب .
قال عمرو في حديثه: فقال رسول الله عَ له: ((إن الجود لمن شيمة
أهل
(١) سير أعلام النبلاء ٣ / ١٠٥ - ١٠٦، وتاريخ ابن عساكر .
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٥٣٨
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
ذلك البيت ))(١).
وعن يحيى بن سعيد قال : كان قيس بن سعد يُطعم الناس في أسفاره
مع النبي عَّةٍ وكان إذا نفذ ما معه تديَّن ، وكان يُنادي في كل يوم :
هلموا إلى اللحم والقَّريد(٢).
قال ابن سيرين : كان سعد ينادي على أطمه : من أحبَّ شحمًا
ولحمًا فليأت ، ثم أدركتُ ابنه مثل ذلك(٣).
وقيل : وَقَفَتْ على قيس عجوزٌ فقالت: أشكو إليك قلة الجُرْذان ،
فقال: ما أحسن هذه الكناية ، املئوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا .
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال : باع قيس بن سعد مالًا من معاوية
بتسعين ألفًا ، فأمر من نادى في المدينة ، من أراد القرض فليأت ، فأقرض
أربعين ألفًا، وأجاز بالباقي ، وكتب على من أقرضه ، فمرض مرضًا قَلَّ
عوادُه ، فقال لزوجته ؛ قريبة أُخت الصّدِّيق : لِمَ قَّ عُوّادي ؟ قالت :
للدَّيْن . فأرسل إلى كل رجلٍ بصَكِّهِ ، وقال: اللهم ارزقني مالًا وفعالًا،
فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال(٤).
.
وفي ((لباب الآداب)) : مرض قيس بن سعد بن عبادة رضي الله
عنه ، فاستبطأ إخوانه عن عيادته ، فسأل عنهم ، فقيل : إنهم يستحيون
مما لك عليهم من الدَّيْن . فقال : أخرى الله مالًا يمنع الإِخوان من الزيارة ،
(١) صحيح في ذكر النحر، محتمل في المرفوع، ذكره الدار قطني في ((المستجاد))
صـ ٦٩ ، ٧٠ .
(٢) سير أعلام النبلاء ٣ / ١٠٦، وابن عساكر ١٤ / ٢٢٩ / أ.
(٣) السير ٣ / ١٠٦ .
(٤) السير ٣ / ١٠٦، ١٠٧ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٥٣٩
ثم أمر مناديًا فنادى : من كان لقيس عليه دين فهو في حلّ منه ، فكُسرت
درجته بالعَشي لكثرة من عَادَه(١).
السيد السِّبط، ريحانة رسول الله عَ ليه ، وسيد شباب أهل الجنة : الحسن
ابن علي رضي الله عنهما :
قيل له : من الجَوَاد ؟ قال : الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى
على نفسه بعد ذلك حقوقًا (٢).
كان رضي الله عنه يعطي الرجل الواحد مائة ألفٍ (٣).
عن علي رضي الله عنه أنه خطب ، وقال : إن الحسن قد جمع مالاً ،
وهو يريد أن يقسمه بينكم ، فحضر الناس ، فقام الحسن ، فقال : إنما جمعته
للفقراء ، فقام نصف الناس (٤).
قال أبو هارون : انطلقنا حجّاجًا ، فدخلنا المدينة ، فدخلنا على الحسن ،
فحدّثناه بمسيرنا وحالنا ، فلما خرجنا بعث إلى كل رجل منا بأربعمائة ،
فرجعنا ، فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردُّوا علَّي معروفي ، فلو كنتُ على
غير هذه الحال ، كان هذا لكم يسيرًا ، أما إني مزودّ كم : إن الله يباهي ملائكته
بعباده يوم عرفة(٥).
(١) لباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ صـ ١٠٩، دار الكتب السلفية بالقاهرة .
(٢)
لباب الآداب صـ ٨٤ .
السير ٣ / ٢٥٣ .
(٣)
(٤)
السير ٣ / ٢٦١ .
(٥) تهذيب ابن عساكر ٤ / ٢١٨.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web1essam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٥٤٠
الإِمام الشريف الكامل ، سبط رسول الله عَ ليه وريحانته من الدنيا الحسين
الشهيد :
قال سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة : حدثني ◌ِئْر كان لنا
قال : قدمت بأُبَاعِرَ لي - عشرين أو ثلاثين بعيرًا - ذا المروة ، أريد المِيرة
من التمر ، فقيل لي : إن عمرو بن عثمان في ماله ، والحسين بن علي في ماله .
قال : فجئت عمرو بن عثمان فأمر لي ببعيرين أن يُحمَل لي عليهما ، فقال
لي قائل : ويلك ، ايتِ الحسين بن علي . فجئته ولم أكن أعرفه ، فإذا رجل
جالس بالأرض حوله عبيده ، بين يديه جفنة عظيمة فيها خبز غليظ ولحم ،
وهو يأكل وهم يأكلون معه ، فَسَلَّمت ، فقلت: والله ، ما أرى أن يعطيني
هذا شيئًا. فقال: هَلُمَّ فكلْ ، فأكلت معه ، ثم قام إلى ربيعِ الماء - مجراه -
فجعل يشرب بيديه ثم غسلهما وقال : ما حاجتك ؟ فقلت : أمتع الله بك ،
قدمت بأُباعر أُريد المِيرة من هذه القرية ، فذُكِرْتَ لي فأتيتك لتعطيني
مما أعطاك الله . قال : اذهب فأتني بأَبَاعِرِك . فجئت بها ، فقال : دونك
هذا المِرْبد فأوقرها من هذا التمر، فأوقرتها والله ما حَمَلَتْ . ثم انطلقت
فقلت : بأبي وأمي ، هذا والله الكرم(١).
وقدم على الحسين شيخٌ من بني سعد بن بكر فقال : يا ابن بنت
رسول الله ، إن ابن أخ لي أصاب دمًا ، وقدمت أستعين هذا الحّ من قريش
على ديته ، فرأيت أن أبدأ بك . فقال : والذي نفس حسين بيده ، ما أصبح
في بيتي دينار ولا درهم، وما غدوت إلى السوق إلا لأنتمس العينة في بعض
نفقاتنا وما لا بدّ منه ، ولكني أراك رجلًا جدًا، وقد حان حصاد مالي
بذي المروة عَيْنِ يُحَّسَ، فاخرج إليها فقم عليها بِعِمالةٍ ، ثم احصد ودُقّ
(١) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا صـ ١١١ .
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/