النص المفهرس

صفحات 241-260

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٤١
نفسه في إقامة دينه ، وما احْتَوَشَتْه من ذلك وحاشة ، واحتذى حذو السبق
الأولين ، من المهاجرين والأنصار ، والذين لم تأخذهم في الله لومة لائم .
ويوصي إخوانه من تلامذة الشيخ بالمواظبة على الاتباع ونبذ الابتداع ،
ويثني عليهم بدعوتهم ودعوة شيخهم ابن تيمية إلى السنة فيقول :
((وبعد ذلك الحظوة في هذه الدار بلقاء رسول الله عَو ◌ّه، غيبًا في
غيب ، وسرّا في سر ، بالعكوف على معرفة أيامه وسننه واتباعها . فتبقى
البصيرة شاخصةً إليه، تراه عيانًا في الغيب، كأنها معه عَ لِّ ، وفي أيامه .
فيجاهد على دينه ، ويبذل ما استطاع من نفسه في نصرته .
واعلموا - أيَّد كم الله - أنه يجب عليكم أن تشكروا ربكم تعالى
في هذا العصر ، حيث جعلكم بين جميع أهل هذا العصر كالشامة البيضاء
في الحيوان الأسود . لكن من لم يسافر إلى الأقطار ، ولم يتعرف أحوال
الناس ، لا يدري قدر ما هو فيه من العافية . فأنتم - إن شاء الله تعالى -
في حق هذه الأُمّة الأُولى، كما قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّ أُخْرِجَتْ
للناس تأمرون بالمعروف وتَنْهَوْنَ عن المنكرِ وتؤمنون بالله﴾. [آل عمران: ١١٠]
وكما قال تعالى: ﴿الذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ في الأرض أقاموا الصَّلاة وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وأُمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَئِهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. [الحج : ٤١].
أصبحتم إخواني تحت سَنْجِقِ (١) رسول الله عَ ◌ّه، إن شاء الله تعالى، مع
شيخكم وإمامكم ، وشيخنا وإمامنا المبدوء بذكره رضي الله عنه . قد تميزتم
عن جميع أهل الأرض - فقهائها وفقرائها ، وصوفيتها ، وعوامِها - بالدين
الصحيح .
وقد عرفتم ما أحدث الناس من الأحداث ، في الفقهاء والفقراء
(١) أي تحت لوائه ورايته .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٤٢
والصوفية والعوام . فأنتم اليوم في مقابلة الجهمية من الفقهاء ، نصرتم الله
ورسوله في حفظ ما أضاعوه من دين الله ، تصلحون ما أفسدوه من تعطيل
صفات الله .
وأنتم أيضًا في مقابلة من لم ينفذ في علمه من الفقهاء إلى رسول الله
عَّةٍ ، وجمد على مجرد تقليد الأئمة ، فإنكم قد نصرتم الله ورسوله في
تنفيذ العلم إلى أصُوله من الكتاب والسنة ، واتخاذ أقوال الأئمة، تأسيًا
بهم ، لا تقليدًا لهم .
وأنتم أيضًا في مقابلة ما أحدثته أنواع الفقراء من الأحمدية والحريرية
من إظهار شعار المكاء والتصدية ، ومؤاخاة النساء والصبيان ، والإِعراض
عن دين الله إلى خرافاتٍ مكذوبة عن مشايخهم ، واستنادهم إلى شيوخهم
وتقليدهم في صائب حركاتهم وخَطَائها ، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله
من السماء . فأنتم بحمد الله تجاهدون هذا الصنف - أيضًا - كما
تجاهدون من سبق . حفظتم من دين الله ما أضاعوه ، وعرفتم ما جهلوه ،
تقومون من الدين ما عوجوه ، وتصلحون منه ما أفسدوه .
وأنتم أيضًا في مقابلة رسمية الصوفية والفقهاء ، وما أحدثوه من
الرسوم الوضعية، والآصار الابتداعية، من التصنع باللباس، والإِطراق والسجادة؛
لنيل الرزق من المعلوم ، ولبس البقيار ، والأكمام الواسعة في حضرة
الدرس ، وتنميق الكلام ، والعدو بين يدي المدرس راكعين ، حفظًا
للمناصب ، واستجلابًا للرزق والإِدرار .
فخلط هؤلاء في عبادة الله غيره ، وتألهوا سواه ، ففسدت قلوبهم
من حيث لا يشعرون . يجتمعون لغير الله ، بل للمعلوم ، ويلبسون للمعلوم ،
وكذلك في أغلب حركاتهم يراعون ولاة المعلوم ، فضيعوا كثيرًا من دين الله
وأماتوه . وحفظتم أنتم ما ضيعوه ، وقومتم ما عوجوه .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٤٣
وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته الزنادقة من الفقراء والصوفية من
قولهم بالحلول والاتحاد، وتأله المخلوقات؛ كاليونسية، والعربية، والصدرية،
والسبعينية ، والتلمسانية ، فكل هؤلاء بدلوا دين الله تعالى وقلبوه ، وأعرضوا
عن شريعة رسول الله عَ ليه.
فاليونسية يتألهون شيخهم ، ويجعلونه مظهرًا للحق ، ويستهينون
بالعبادات ، ويظهرون بالفرعنة والصولة ، والسفاهة والمحالات ، لما وقر
في بواطنهم من الخيالات الفاسدة ، وقبلتهم الشيخ يونس ، ورسول الله
عَّله والقرآن المجيد عنهم بمعزل ، يؤمنون به بألسنتهم ، ويكفرون به بأفعالهم.
وكذلك الاتحادية ، يجعلون الوجود مظهرًا للحق ، باعتبار أن لا
متحرك في الكون سواه ، ولا ناطق في الأشخاص غيره . وفيهم من لا
يفرق بين الظاهر والمظهر ، فيجعل الأمر كموج البحر ، فلا يفرق بين عين
الموجة وبين عين البحر ، حتى إن أحدهم يتوهم أنه الله ، فينطق على
لسانه ، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي ، لأنه يعتقد ارتفاع
الثنوية : فمن العابد ومن المعبود ؟ صار الكل واحدًا .
اجتمعنا بهذا الصنف في الرُّبُط والَّوايا .
فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضًا ، تنصرون الله ورسوله ،
وتذبون عن دينه ، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا ، وعلى تقويم ما
عوجوا ، فإن هؤلاء محوا رسم الدين ، وقلعوا أثره . فلا يقال : أفسدوا
ولا عوجوا ، بل بالغوا في هدم الدين ومحوا أثره ، ولا قربة أفضل عند الله
من القيام بجهاد هؤلاء بما أمكن ، وتبيين مذاهبهم للخاصّ والعامّ . وكذلك
جهاد كل من ألحد في دين الله ، وزاغ عن حدوده وشريعته ، كائنًا في
ذلك ما كان من فتنةٍ وقول ، كما قيل :
إذا رَضي الحبيبُ. فلا أُبالي أقام الحُّي أَم جَدَّ الرَّحيلُ
وبالله المستعان .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٤٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون بجهاد الأمراء والأجناد ، تصلحون
ما أفسدوا من المظالم والإِجحافات ، وسوء السيرة الناشئة عن الجهل
بدين الله، بما أمكن ، وذلك لبعد العهد عن رسول الله عَ لٍ ، لأن اليوم
له سبعمائة سنة ، فأنتم بحمد الله تجدّدون ما دَثَرَ من ذلك ودُثر .
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون في وجوه العامة ، ممّا أحدثوا من
تعظيم الميلادة، والقَلَنْدس، وخميس البيض، والشَّعانين ، وتقبيل القبور
والأحجار ، والتوسل عندها . ومعلوم أن ذلك كله من شعائر النصارى
والجاهلية، وإنما بُعث رسول الله عَّ لم ليُوحَّد الله ويعبد وحده ، ولا يُؤَلَّه
معه شيء من مخلوقاته . بعثه الله تعالى ناسخًا لجميع الشرائع والأديان
والأعياد . فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناس من ذلك .
وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من مارقي الفقهاء ، أهل الكيد
والضرار لأولياء الله ، أهل المقاصد الفاسدة ، والقلوب التي هي عن نصر
الحق حائدة .
وإنما أعرض هذا الضعيف عن ذكر قيامكم في وجوه التتر والنصارى ،
واليهود ، والرافضة ، والمعتزلة ، والقدرية ، وأصناف أهل البدع والضلالات ؛
لأن الناس متفقون على ذمهم . يزعمون أنهم قائمون برد بدعتهم ، ولا
يقومون بتوفية حق الرد عليهم كما تقومون ، بل يعلمون ويجبنون عن اللقاء ،
فلا يجاهدون وتأخذهم في الله اللائمة ؛ لحفظ مناصبهم ، وإبقاء على أعراضهم .
سافرنا البلاد فلم نر من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء - حق
القيام - سواكم ، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء - إن شاء الله - بقيامكم
بنصرة شيخكم وشيخنا - أيده الله - حق القيام ، بخلاف من ادعى من
الناس أنهم يقومون بذلك .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
٢٤٥
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
ثم اعرفوا إخواني حقَّ ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك . واعرفوا
طريقكم إلى ذلك ، واشكروا الله تعالى عليها . وهو أن أقام لكم ولنا -
في هذا العصر - مثل سيدنا الشيخ ، الذي فتح الله به أقفال القلوب ،
وكشف به عن البصائر عمى الشبهات وحيرة الضلالات ، حيث تاه العقل
بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى حقيقة دين الرسول عد له.
ومن العجب أن كُلَّا منهم يدعي أنه على دين الرسول ، حتى
كشف الله لنا ولكم - بواسطة هذا الرجل - عن حقيقة دينه الذي أنزله
من السماء وارتضاه لعباده .
واعلموا أن في آفاق الدنيا أقوامًا يعيشون أعمارهم بين هذه الفرق ،
يعتقدون أن تلك البدع حقيقة الإِسلام ، فلا يعرفون الإِسلام إلا هكذا .
فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة ، مَنْ بَيَّن
لكم أعلام دينكم ، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته ، وبين لكم بهذا
النور المحمدي ، ضلالات العباد وانحرافاتهم ، فصرتم تعرفون الزائغ من
المستقيم ، والصحيح من السقيم . وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة ،
الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، وهم بالشأم إن شاء الله
تعالى .
ثم إذا علمتم ذلك ، فاعرفوا حق هذا الرجل - الذي هو بين
أظهركم - وقدره، ولا يعرف حقه وقدره إلا من عرف دين الرسول عد له
وحقه وقدره ، فمن وقع دين الرسول معَ لم من قبله بموقعٍ يستحقه ، عرف
حق ما قام به هذا الرجل بين أظهر عباد الله ، يقوم معوجهم ، ويصلح
فسادهم ، ويلمّ شعثهم ، جهد إمكانه ، في الزمان المظلم ، الذي انحرف
فيه الدين ، وجهلت السنن ، وعهدت البدع ، وصار المعروف منكرًا ،
والمنكر معروفًا، والقابض على دينه، كالقابض على الجمر ، فإن أجر
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٤٦
من قام بإظهار هذا النور - في هذه الظلمات - لا يوصف ، وخطره لا
يعرف . هذا إذا عرفتموه أنتم من حيثية الأمر الشرعي الظاهر ، فهنا قوم
عرفوه من حيثيةٍ أخرى من الأمر الباطن . ومن يقوده إلى معرفة أسماء الله
تعالى وصفاته ، وعظمة ذاته ، واتصال قلبه بأشعة أنوارها ، والاحتظاء من
خصائصها وأعلى أذواقها ، ونفوذه من الظاهر إلى الباطن ، ومن الشهادة
إلى الغيب ، ومن الغيب إلى الشهادة ، ومن عالم الخلق إلى عالم الأمر ،
وغير ذلك مما لا يمكن شرحُه في كتاب .
فشيخكم - أيّدكم الله تعالى - عارفٌ بذلك ، عارف بأحكام الله
الشرعية ، عارف بأحكامه القدرية ، عارف بأحكام أسمائه وصفاته
الذاتية ، ومثل هذا العارف قد يبصر ببصيرته تنزّل الأمر بين طبقات السماء
والأرض ، كما قال تعالى: ﴿الله الذي خلق سَبْع سمواتٍ ومن الأرض
مِثْلُهُنَّ يَتَنزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لتَعْلِمُوا أَنَّ الله على كل شيءٍ قدير وأنَّ الله قد
أَحاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْمًا ﴾. [ الطلاق : ١٢ ] .
فالناس يحسون بما يجري في عالم الشهادة ، وهؤلاء بصائرهم شاخِصةٌ
إلى الغيب ، ينتظرون ما تجري به الأقدار ، يشعرون بها أحيانًا عند تنزلها .
فلا تهونوا أمر مثل هؤلاء في انبساطهم مع الخلق ؛ واشتغال أوقاتهم بهم ،
فإنهم كما حكي عن الجنيد - رحمه الله - أنه قيل له: ((كم تنادي على الله
تعالى بين الخلق ؟ فقال: أنا أنادي على الخلق بين يدي الله)).
فالله الله في حفظ الأدب معه ، والانفعال لأوامره ، وحفظ حرماته
في الغيب والشهادة ، وحب من أحبه ، ومجانبة مَنْ أبغضه وتنقَّصه ، ورَدِّ
غيبته ، والانتصار له في الحق .
واعلموا - رحمكم الله - أن هنا من سافر إلى الأقاليم ، وعرف الناس
وأذواقهم ، وأشرف على غالب أحوالهم ، فوالله ، ثم والله ، ثم والله ، لم ير
تحت أديمِ السماء مثل شيخكم: علمًا، وعملًا، وحالًا، وخلقًا،
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غلو الهمة - المجلد الثاني
٢٤٧
واتباعًا ، وكرمًا وحلمًا ؛ في حق نفسه ، وقيامًا في حق الله عند انتهاك
حرماته . أصدق الناس عقدًا ، وأصحهم علمًا وعزمًا ، وأنفذهم وأعلاهم
في انتصار الحق وقيامه همّةً، وأسخاهم كفّا ، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمدٍ
صّلىالله
ما رأينا - في عصرنا هذا - من تُستجلى النبوة المحمدية وسنتها
من أقواله وأفعاله إلّا هذا الرجل ، بحيث يشهد القلب الصحيح ، أن هذا
هو الاتباع حقيقةٌ .
وتكلم عمن يطعن في الشيخ ابن تيمية :
يا سبحان الله العظيم ، أين عقول هؤلاء ؟ أعميت أبصارهم
وبصائرهم ؟! أفلا يرون ما الناس فيه من العمى والحيرة في الزمان المظلم
المدلهم ، الذي قد ملكت فيه الكفار معظم الدنيا ؟! وقد بقيت هذه الخطة
الضيقة ، يشم المؤمنون فيها رائحة الإِسلام ، وفي هذه الخطة الضيقة من
الظلمات من علماء السوء والدعاة إلى الباطل وإقامته ، ودحض الحق
وأهله ، ما لا يحصر في كتاب . ثم إن الله تعالى قد رحم هذه الأمة بإقامة
رجلٍ قوي الهمة ، ضعيف التركيب ، قد فرق نفسه وهمه في مصالح
العالم ، وإصلاح فسادهم ، والقيام بمهماتهم ، وحوائجهم ، ضمن ما هو
قائم بصدد البدع والضلالات ، وتحصيل مواد العلم النبوي الذي يصلح
به فساد العالم ، ويردهم إلى الدين الأول العتيق جهد إمكانه ، وإلا فأين
حقيقة الدين العتيق ؟!
فهو مع هذا كله قائمٌ بجملة ذلك وحده ، وهو منفردٌ بين أهل
زمانه ، قليل ناصره ، كثيرٌ خاذله ، وحاسده ، والشامت فيه !!
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في جمعه لعقيدة السلف الصالح :
(( ما جمعت إلّا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإِمام أحمد اختصاصٌ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني
٢٤٨
بهذا. والإِمام أحمد إنما هو مبلِّغ العلم الذي جاء به النبي عَّةٍ ، ولو
قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجىء به الرسول عَيٍّ ، لم نقبله . وهذه
عقيدة محمدٍ عَبٍ)).
وقال أيضًا: (( الإِمام أحمد رضي الله عنه ، لمَّا انتهى إليه من السنة
ونصوص رسول الله عَ في أكثر مما انتهى إلى غيره ، وابتلي بالمحنة والرد
على أهل البدع أكثر من غيره ، كان كلامه وعمله في هذا الباب أكثر
من غيره ، فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره ، وإلّا فالأمر كما قاله بعض
شيوخ المغاربة العلماء الصلحاء ، قال : المذهب لمالك والشافعي ،
والظهور لأحمد بن حنبل . يعني أن الذي كان عليه أحمد ، عليه جميع
أئمة الإِسلام ، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع
الباطل ، ما ليس لبعضٍ )).
ولله درّ شيخ الإسلام ابن تيمية ، العلم في الاتباع ، حين يدافع عن
عقيدته ؛ عقيدة السلف: (( قلت مرات : قد أمهلت كل من خالفني في
شيءٍ منها ثلاث سنين ، فإن جاء بحرفٍ واحد عن القرون الثلاثة ، التي
أثنى عليها النبي عَ ◌ٍّ - حيث قال: ((خير الناس القرن الذي بعثت فيهم ،
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) - يخالف ما ذكرته ، فأنا راجعٌ عن ذلك .
وعلَّي أن آتي بنقول جميع الطوائف من القرون الثلاثة توافق ما ذكرته)).
وما ذاك إلّا أنه لنبيِّه نبّ الهُدى في كل شيءٍ متابعُ
ويقول آخر :
منه حُبُّ الكتابِ والسُّنَة الـ ـمُثْلَى جرى في ◌ُرُوقه والعظامِ
ويقول الشيخ المتيم عبد الله بن خضر الرومي تلميذ شيخ الإِسلام ،
في الثناء على شيخه ابن تيمية ورثائه :
ملأتُ النواحي من نُواحي ، وكيفْ لا أنوح على قومٍ هُم خير جيرتي
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٤٩
ومن عجبٍ أني أُحِنُّ إليهمُ
ذكرتُ فلم أنس زمان وصالهم
منازلُ أحبابي مواطن سادتي
معاهد أفراحي ديار سعادتي
وحاشايَ أن أسْلُو هواهم وحُبَّهم
فهم سرّ أسراري ونور مناظري
وهم عينُ أعياني وقلبي وقالبي
وهم في معانيهم حياتي حقيقةً
وهم في تجلِّيهم شموسٌ إذا بَدَوْا
وهم أينما كانوا نهاية مقصدي
وقد آن أنْ أُبدي خفايا صبابتي
وأبكي على مَن كان يجمعُ شملنا
وأندب أحزاني بما قد أصابني
فقدتُ إمامًا كان أَوْحَدَ عصرِهِ
فقدتُ إمامًا لم يَزَلْ متوكّلًا
فقدتُ إمامًا كان بالعلم عاملًا
أتى بكتاب الله والسُّنّة التي
أتى بأحاديث الرسول وشرحها
أتانا بأحوال الرسول حقيقة
أتانا بأحوال الصحابة كلِّهم
أتانا بوصف الصالحين وحالهم
وعلَّمنا شرعَ الرسول ودينَهُ
وأَعْلَمَنا أن النجاة من الهوى
وقد سكنوا قلبي وروحي ومهجتي
آأنسى ليالٍ بالعُذيْب تقضَّتِ
مطالع أقماري شروق أهلَّتي
مواسم أرباحي أُويقات لَذَّتي
يُذكّرني حِفْظ العهود القديمةِ
ورُوحي وريحاني وأنسي وبهجتي
٤
وهم منتھی قصدي ومشهد رؤيتي
وهم في مغانيهم أُهَيْلُ مودّتي
وهم في تجنِّيهم رياضي ونزهتي
وهم أينما حلُّوا مرادي وبُغيتي
وأُظهر للعُذّال أصل رَزِيَّتي
على طاعة الرحمن في كلِّ لمحةٍ
وأنتُر أشجاني بنظْم قصيدتي
وقد فُجعتْ فيه جميعُ الْبَرِيّةِ
على الله لا يُصغي إلى غير سُنَّةِ
وكان حقيقًا قامعًا كلَّ بدعةٍ
عَلَتْ وارتقتْ حقًّا على كلٍّ ملَّةٍ
وعمّنْ رواها بالمتون الصحيحةِ
وسيرته تسمو على كل سيرةٍ
والتَّابعين المِلَّة المستقيمةِ
وما هم عليه من جميل العقيدة
بأفصح ألفاظٍ وأصدق لهجةٍ
تمسُّكنا بالسُّنّة النّبويّةِ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٥٠
وناظَرَ أربابَ العقائد كلّهم
وردًّ على أهل الضلال جميعهم
وبيّن تكذيب اليهود وُبْئهم
وأخبرهم عن سرِّ أسباب كفرهم
وأظهر أيضًا للنصارى ضلالهم
وباحَثَهم حتى تبيَّن أنّهم
وردًّ على كُتُب الفلاسفة الأُلى
وقَرَّر إثبات النُّبّوات عندهم
وردّ علی جَهْمٍ وجَعْدِ بن دِرْهمِ
زنادِقَةٌ كم أهلكوا من عوالم.
وجَادَلَ أهلَ الاعتزال جميعهم
وباحَثَ أشياخَ الَرَّوافِض وانثنَى
وردًّ على قومٍ تربَّتْ نُفُوسهم
وردّ على قومٍ وشَّتَ شملَهم
وردَّ على أهل التَّنَاسُخ عندما
وردّ على أهل الحُلُولِ فإنَّهم
وقد زعموا أن الثَّجُلِّي ظاهِرٌ
فمن أجْلِ هذا يرقصون ديانةً
يرون شهودَ المُرْدِ والرّقص قُربةً
وردَّ على أتباعِ إبليسَ عندما
و كم قد طوى في عِلْمه من طوائف
مطايا بُنَّات الطريق سرتْ بهم
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
وعن كل طاغٍ خارجٍ عن مَحَجَّةٍ
وحذّرنا من كل زيغٍ وبدعةٍ
وبيّن مَنْ قد ضلَّ من كلِّ فرقةٍ
بأوضح برهانٍ وَأَبْلَغِ حُجّةٍ
وما بدّلوا في الملَّةِ المُوسِوِيَّةِ
فتْسًا لهم من أُمَّةٍ غَضَبِيَّةِ
وما أحدثوا في الملَّةِ العِيسويَّةِ
سُكارى حَيارى بالطِّباع الخبيثةِ
بمنقول أحكامٍ ومعقول حِكْمةٍ
وجال عليهم كرَّةً بعدَ كرَّةٍ
وبشرِ المَرِيسي عُمْدة الجَهْميَّةِ
بُسُوءِ اعتقاداتِ النُّفوسِ السَّقيمةِ
وسلِّ عليهم سيفَه بالأدلَّةِ
يُقاتلهم بالدِّرَّةِ العُمَرِيَّةِ
على النَّفْي والتعطيل من غير حُجَّةٍ
وهم أهلُ تشبيه أتوْا بكبيرةٍ
تَجَرَّوْا وخاضُوا في أمورٍ عظيمةِ
يرون تجلِّي الحقِّ في كلِّ صورةٍ
ولا سيَّما في صورةٍ أَمْرَدِيَّةِ
وفي رقصهم جاءوا بكُلُ قبيحةٍ
فيا وَيْلهم من خِزْي يومِ الفضيحةِ
رآهم وقد مالوا إلى الجَبْرِيَّةِ
حُرُورِيَّةٍ منهم على حَشَوِيَّةِ
إلى أن أناخُوا في عِراصِ القطيعةِ
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني
٢٥١
رمتْهم خيالاتُ العقول السخيفةِ
وفي بحر آراء العقائد أغرقوا
وكم قدْ أراهم كلّهم سُبُل الهُدى
فمن كان قطب الكون في حال عصره
شجاعٌ هُمامٌ بارعٌ في صفاته
هو الحَبْرِ والقُطب الذي شاع ذكْرُه
ألا يا تقَّ الدين ، يا فردَ عَصْرِه
وبانتْ لكِلِّ الناس أوصافك التي
ظهرتَ بأنواع العلوم وجنسها
لقد كُنتَ رُوحًا للقلوب وراحةً
تمسّکت بالدين الحنيفّ والهُدى
وجُدتَ بكأس الفضل منك تكُّمًا
لقد عشتَ محبوبًا ومتَّ مكرَّمًا
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ، الإِمام ابن قيم الجوزية :
وكم قد نهاهم مرَّةً بعد مرّةٍ
سواه ومنْ قد فاز بالبَدَلَيَّةِ
يروم مرامًا في المراقي العَلِيَّةِ
وفاح شذاه كالعبير المُفَتَّتِ
بُرُوقُك قد لاحتْ كشمسٍ مضيئةٍ
برزتَ بها مِثْلَ العيون الغزيرةِ
وسارت بها الُّكْبَانُ في كلِّ بلدةِ
وقُونًا وأُنسًا للنفوس النفيسةِ
وبالعُروة الوثقى وأصل الشريعةِ
على تابِعِين السُّنَّة المحمديّةِ
عليك من الرحمن أَزْكَى تحيَّةٍ(١)
لقد كان هذا الإِمامُ العظيمُ إمامًا في السنة والاتباع ، ثائرًا على التقليد
((يندد بالمقلدة ويَنْعَى عليهم حظهم من العلم ، ويعقد مجالس المناظرة بين
المقلد وصاحب الحجة - في كتبه - ويصفه بأنه بدعة ، وأنه من المحدثات
بعد خير القرون ، وقد عالج هذه القضية في كتبه في مناسبات كثيرة ، وقد
بسط الحديث عن أحكام الاجتهاد والتقليد في كتابه ( إعلام الموقّعين ) في
أكثر من مائة صحيفة .
وابن القيم - رحمه الله - لم يصل في هذا إلى حظيرة المتهورين الذين
(١) العقود الدُّرِّيّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية لابن عبد الهادي ص ٤٦٥ -
٤٧٢ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٢
أزروا بالأئمة الأربعة وأصحابهم ، كمتطرفي الظاهرية ومن نحا نحوهم ،
فردوا بدعة التقليد ببدعة الإِزراء بالسلف واقتراف إثمه وجرمه . ولم يكن
أيضًا من أولئك الذين أشقاهم التعصب ، وأصمهم وأعمى أبصارهم عن
نور الوحيين : الكتاب والسنة ، حتى بلغ بهم الهوس . ردَّ المذهب
بمذهبٍ آخر ، وأبدوا من غرائب المواقف والتراشق ، ما يكون سُبَّةً وعارًا
في تاريخ المسلمين ، ولكنه - رحمه الله - أخذ بالطريق الأوسط ، وهو
بعبارةٍ مختصرة : ( مُناشدة الدليل مع احترام الأئمة ) .
يقول في إعلام الموقعين (١٧٧/٤): ((كثيرًا ما ترد المسألة نعتقد
فيها خلاف المذهب ، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده ، فنحكي
المذهب الراجح ونرجحه )) .
فمعرفة المذهب شيءٌ، والتقليد له شيءٌ آخر . فالمعرفة مع الانقياد
للدليل ، هو منهج أصحاب الأئمة ، وهو مقام مدحٍ لا مقام ذمّ ، بخلاف
التقليد بلا دليل))(١) .
وقد أُوذي ابن القيم بسبب مجاهدته لنشر عقيدة السلف ، ومحاولة ردّ
الخلف إلى طريق السلف ، فحُبس مدةً لإِنكاره شدّ الرِّحال إلى قبر الخليل ،
وسجن بسبب فتاويه القائمة على الدليل ، كمسألة الطلاق الثلاث بلفظ
واحد ، فقد تصدى للفتوى بهذه المسألة على وفق اختيار شيخه ابن تيمية ،
وعامة أهل الأرض مطبقون على أن طلاق الثلاث بلفظ واحدٍ ، يعتبر ثلاثًا
لا واحدةً .
فرحم الله من سجن لكسر سلطان التقليد ، وانتصر للدليل ردًّا للأُمّة
إلى كتاب الله وسنة رسوله معد له
(١) ابن قيم الجوزية ، حياته وآثاره. لبكر بن عبد الله أبو زيد ص٤٤ - ٤٥ .
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٣
وابن القيم - رحمه الله تعالى - في فاتحة كتابه ( إعلام الموقعين )
يذكر انعقاد الإِجماع - خلفًا وسلفًا - على وجوب الرد إلى الله ورسوله ،
وأن التقليد مع ظهور الدليل ، حكمه التحريم ، والمقلد الأعمى. خارجٌ عن
زمرة العلماء ، وينعى حال عصره ، وما ينال من قام بهذا الشأن من الكيد
والأذى ، فيقول بعد امتداحه لحال الصحابة رضي الله عنهم: (( ثم خلف
من بعدهم خلوفّ فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ، كلّ حزبٍ بما لديهم
فرحون ، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا، وكل إلينا راجعون ، جعلوا التعصُب
للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ، ورؤوس أموالهم التي بها يتَّجرون ،
وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا : إنا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ وإنا
على آثارهم مقتدون .
والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ، ولسان الحق يتلو
عليهم : ﴿ ليس بأمانّكم ولا أمانّ أهل الكتاب ﴾ [النساء: ١٢٣ ].
۔
قال أبو عمر وغيره من العلماء: (( أجمع الناس على أن المقلّد ليس معدودًا
من أهل العلم ، وأنّ العلم معرفة الحق بدليله )) . وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله
تعالى ؛ فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل ، وأما
بدون الدليل فإنما هو تقليد . فقد تضمن هذان الإجماعان : إخراج المتعصب
بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء ، وسقوطهما باستكمال من فوقهما
وراثة الأنبياء ، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء ، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا
ولا درهمًا ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر، وكيف يكون
من ورثة الرسول من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ،
ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى، ولا يشعر بتضييعه ؟ ! .
تالله ، إنها فتنة عمت فأعمت ، ورمت القلوب فأصمت ، ربا عليها
الصغير ، وهرم فيها الكبير ، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا ، وكان ذلك
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٤
بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا ، ولمّا عمت بها البلية ، وعظمت
بسببها الرزية ، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ، ولا يعيرون العلم إلا
إياها ، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ، ومؤثره على ما سواه عندهم
مغبون ، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل ، وبغوا له الغوائل ،
ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد ، وقالوا لإِخوانهم : إنا نخاف أن
يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد .
فحقيقٌ بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ، ألّا يلتفت إلى هؤلاء ، ولا
يرضى لهم بما لديهم ، وإذا رفع لهم علم السنة المحمدية شمر إليه ولم
يحبس نفسه عليهم . فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ، ويحصل
ما في الصدور ، وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله ، وينظر كل عبدٍ
ما قدمت يداه ، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين ، ويعلم المعرضون
عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ، أنهم كانوا كاذبين )) .
فرحم الله ابن القيم ، لقد كان - مع ما ناله في هذا السبيل - رابط
الجأش ، ثابت الجنان كالجبل الأشم ، لا تؤثر فيه العوامل من الرياح
والأمطار والمناخ ، ولا تثنيه عن مسلك الحق وقولة الحق ، ويرى أن هذا
كله طيش وسفه ، لا يلبث أن يذوب ويتفرق شأن الباطل ، ولا يؤثر إلا
على من في عقله ضعف وفي دينه ذلة. وفي ذلك يقول(١): ((من في عقله
ضعف : تؤثر فيه البداءات ، ويستفز بأوائل الأمور ، بخلاف الثابت التام
العاقل ؛ فإنه لا تستفزه البداءات ، ولا تزعجه ولا تقلقه ، فإن الباطل له
دهشة وروعة في أوله ، فإذا ثبت له القلب ، رده على عقبيه . والله يحب
من عنده العلم والأناة ، فلا يعجل ، بل يثبت حتى يعلم ويستيقن ما ورد
عليه ، ولا يعجل بأمرٍ فيه استحكامه ، فالعجلة والطيش من الشيطان ، فمن
(١) مفتاح دار السعادة ص١٥٤ .
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٥
ثبت عند صدمة البداءات ، استقبل أمره بعلمٍ وحزمٍ ، ومن لم يثبت لها ،
استقبله بعجلةٍ وطيشٍ وعاقبته الندامة ، وعاقبة الأول حمد أمره ، ولكن
للأول آفة متى قرنت بالحزم والعزم نجا منها ، وهي الفوت ؛ فإنه لا يخاف
من التثبيت إلا الفوت ، فإذا اقترن به العزم والحزم ، تم أمره )).
ولقد تم الأمر - ولله الحمد - للشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى ،
فقد أرسى سفينة النجاة على شاطىء السلامة ، تحمل النور والهدى ،
وكسر المقلدة المتعصبة ، ومن نحا نحوهم ، فذابت العصبية المذهبية في
الطريقة الأثرية ؛ فصححت المفاهيم ، وأخذ يدبّ في الناس روح الأخذ
بالدليل ، مع احترام الأئمة السالفين ، بل هو مسلكهم وكريم منهجهم ،
وما زال هذا يدب في كل عهدٍ ومهدٍ حتى أيامنا هذه ، بل في هذه الأيام
والأزمان الحاضرة ، لم يجد الناس بدًا من ذلك المنهج السوي والمشرع
الروي ؛ لأنه هو الذي يتمشى ووقائع العصر ونوازله ، فعاد أعداء المدرسة
الأثرية لها أصدقاء ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
ولقد كان الاعتماد على الأدلة من الكتاب والسنة ، أبرز خصائص
المدرسة السلفية التي قام بنشرها ابن القيم - رحمه الله تعالى - على أنقاض
الرد إلى محض الآراء ومستبعد الأقيسة وفاسد التأويل .
فابن القيم - رحمه الله تعالى - يبرز الأدلة من الكتاب والسنة ،
ويستنبط الأحكام الشرعية منها بأسلوبٍ سهل مبسط ، خالٍ من التعقيد
بنوعيه اللفظي والمعنوي ، متطلًّا نشر التشريع وبث التوجيه ردًّا إلى الله
ورسوله ، وإلى أن يرد الناس منابع الشريعة الأولى خاليةً من كل وَضَرٍ ،
خالصةً من كلّ شائبةٍ .
وهذا منهجٌ أصيل في عامَّة كتبه ومباحثه ، لا أراني مضطًا إلى سياق
مواضع من كلامه للتدليل عليه .
لكني أراني مضطًّا إلى نقل طائفةٍ من كلامه في احترام الأدلة من
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٦
الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ، والتنديد بمن أعرض عن هذا وخالفه ،
لمخالفته أمر الله ورسوله عَ لّم ، لأن هذا هو الذي يشكل التقعيد والتأصيل
لمنهج ابن القيم رائد المدرسة السلفية . ومن ذلك ما يلي :
قال في مقام الأدب مع النبي عَ لهم: ((ومن الأدب معه عَل}.
لا يستشكل قوله ، بل يستشكل الآراء لقوله ، ولا يعارض نصه بقياسٍ ، بل
تهدر الأقيسة وتلغى لنصوصه ، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيالٍ يسميه
أصحابه معقولًا ، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ، ولا يوقف قبول
ما جاء به عَ لّه على موافقة أحدٍ، فكل هذا من قلة الأدب معه عَ لّه،
وهو عين الجرأة )) .
ويقرر ابن القيم في ( مدارج السالكين ) بحثًا ممتعًا لطيفًا ، في
وجوب إذعان المسلم وتواضعه للدليل ، وحرمة المعارضة والمخالفة ،
أسوقه بطوله لنفاسته ، فيقول - رحمه الله تعالى -: (( التواضع للدين هو
الانقياد لِمَا جاء به الرسول عَّةٍ والاستسلام له والإِذعان ، وذلك بثلاثة
أشياء :
الأول : أن لا يعارض شيئًا مما جاء به ، بشيءٍ من المعارضات
الأربعة السارية في العالم ، المسماة : بالمعقول ، والقياس ، والذوق ،
والسياسة . فالأول : للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين ، الذين عارضوا
نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة ، وقالوا : إذا تعارض العقل والنقل ،
قدمنا العقل وعزلنا النقل ، إما عزل تأويلٍ وإما عزل تفويض . والثاني :
للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه ، قالوا : إذا تعارض القياسُ والرأيُ
والنصوصُ ، قدمنا القياس على النص ، ولم نلتفت إليه . والثالث : للمتكبرين
المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد ، فإذا تعارض عندهم الذوق
والأمر ، قدموا الذوق والحال ، ولم يعبئوا بالأمر . والرابع : للمتكبرين
المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين ، إذا تعارضت عندهم الشريعة
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٧
والسياسة ، قدموا السياسة ، ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة .
فهؤلاء الأربعة هم أهل الكبر . والتواضع : التخلص من ذلك كله .
الثاني : أن لا يتَّهِم دليلًا من أدلة الدين ، بحيث يظنه فاسد الدلالة ،
أو ناقص الدلالة ، أو قاصرها ، أو أن غيره كان أولى منه . ومتى عرض
له شيءٌ من ذلك ، فليتهم فهمه ، وليعلم أن الآفة منه ، والبلية فيه ، كما قيل :
وآفَتُهُ مِن الفَهْمِ السَّقِيمِ
و کم من عائبٍ قولًا صحيحًا
على قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ
ولكنْ تأخُّذُ الأذهانُ منه
وهكذا في الواقع حقيقةً: أنه ما اتهم أحدٌ دليلًا للدين ، إلا وكان
المتهم هو الفاسد للذهن ، المأفون في عقله وذهنه ، فالآفة من الذهن العليل ،
لا في نفس الدليل . وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك ، وينبو فهمك
عنه ، فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك ، وأن تحته كنزًا من كنوز
العلم . ولم تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك ، وأما بالنسبة إلى غيرك :
فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي ، وليكن ردها أيسر شيءٍ عليك
للنصوص ، فما لم تفعل ذلك ، فلست على شيءٍ ولو .... ولو .... وهذا
لا خلاف فيه بين العلماء .
قال الشافعي - قدّس الله روحه -: ( أجمع المسلمون على أن مَنِ
استبانت له سنة رسول الله عَّ له ، لم يحل له أن يدعها لقول أحدٍ ).
الثالث : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلًا ألبتة ، لا بباطنه ولا
بلسانه ، ولا بفعله ولا بحاله ، بل إذا أحسَّ بشيءٍ من الخلاف ، فهو
كخلاف المقدم على الزنا ، وشرب الخمر ، وقتل النفس . بل هذا الخلاف
أعظم عند الله من ذلك ، وهو داعٍ إلى النفاق ، وهو الذي خافه الكبار
والأئمة على نفوسهم .
واعلم أن المخالف للنص ؛ لقول متبوعه وشيخه ومقلده ، أو لرأيه
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني
٢٥٨
ومعقوله وذوقه وسياسته : إن كان عند الله معذورًا - ولا والله ما هو
بمعذورٍ - فالمخالف لقوله ؛ لنصوص الوحي ، أولى بالعذر عند الله
ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده .
فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدًا
أو تأويلًا أو لغير ذلك ، فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال
شيوخهم ؛ لأجل موافقة النصوص ؟! وكيف نصبوا له الحبائل ، وبغوه
الغوائل ، ورموه بالعظائم ، وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم ؟! فرموه
بدائهم وانسلوا منه لواذًا ، وقذفوه بمصابهم وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذًا
لهم ومعاذًا. والله أعلم )).
نهج ابن القيم - رحمه الله تعالى - في مسائل العلم منهج الاسترواح
والتطلب من كتاب الله تعالى ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه، ومن سنة رسوله عّ لّه ، الذي لا ينطق عن الهوى ، فإن لم يجد ،
أخذ بأزمة أقوال الصحابة رضي الله عنهم ؛ لأنهم أبر الأُمّة قلوبًا وأعمقها
دينًا وأصحها فهومًّا .
وهذه صفة بارزة وسمة ظاهرة في جميع مباحثه في العقائد والأحكام .
ولهذا أفاض - رحمه الله تعالى - بالاستدلال لهذا الأصل ، ووجوب
الأخذ به ، والعمل بموجبه ، من ستةٍ وأربعين وجهًا ، بسطها في كتابه
( إعلام الموقعين )(١).
مدى تأثّره بابن تيمية :
إن المدرسة السلفية التي جدد بناءها شيخ الإسلام ابن تيمية ، بما ملأ
الأسماع ، وصار حديث أهل الإِسلام في شتى الأقطار ، وبما آتاه الله من
(١) إعلام الموقعين ١٢٣/٤ - ١٥٦.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/

https://arabessam.blogspot.com/
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في غلو الهمة - المجلد الثاني
٢٥٩
المواهب النادرة ، والتفنن في علوم الإِسلام ، وابن القيم يسمع ويرى ،
ويعايش هذا الاتجاه الفكري الانقلابي على التقليد والطائفية والمذاهب
الكلامية ، والتخبطات العقائدية ، رجوعًا بالأُمّة إلى ما كان عليه السلف
الصالح ، وردًّا لكل نزاعٍ في ذلك إلى الله والرسول . كل ذلك لا بد
أن يكون له في نفوس المتعلمين الأثر الكبير ، وابن القيم يعيش في مرحلة
الطلب ، ولديه من الهمة والعلم والذكاء والألمعية ، ما يسيره إلى ٠ الطريق
السوي والمَشْرع الروي ، بعد حلول العناية الربانية في أعطاف ما
أعطاه الله من المواهب ، فما كان لابن القيم إذن أن ينفلت من ذلك
التأثير ، فاتصل بشيخ الإِسلام عام قدومه ، وثنى ركبتيه في حلقات درسه ،
لينهل من معارفه وعلومه ، وصحبه في ذلك ستة عشر عامًا وهو يقرأ عليه
فنون العلم .
فصار لهذه الصحبة والملازمة الطويلة ، الأثر البالغ على ابن القيم
في تكوين اتجاهه ، وتغذية مواهبه ، وإشباع نهمته بعلوم الكتاب والسنة
والرد إلى الله والرسول ، حتى صار أبرع تلاميذه ، وألمعهم نجمًا ،
وأجلاهم اسمًا ، فلا يكاد يذكر الشيخ ابن تيمية ، إلّا ويذكر معه تلميذه
ابن قيم الجوزية ، وسرى نور هذين العلمين في آفاق المعمورة ، بسعة
العلم ، وأصالة الفكر ، والتجديد في دعوة الناس إلى صراط الله المستقيم .
وقد اتفقت كلمة النقلة ، على أن تاريخ اللقاء بينهما كان منذ سنة
٧١٢هـ، واستقر إلى أن مات - رحمه الله تعالى - سنة ٧٢٨هـ.
وقد بقي ابن القيم - رحمه الله تعالى - ملازمًا له طيلة هذه المدة ؛
أي طوال ستة عشر عامًا، فأخذ عنه علمًا جمًّا ، وتلقى فنونًا كثيرة .
ومن مآثر شيخ الإسلام ابن تيمية وأياديه البيضاء : توبة ابن القيم على
https://web1essam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٢٦٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني
يديه بعد اتصاله به ، وتأثره به في النهج السلفي في الاعتقاد والاتباع .
ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في النونية بعض ما يقوله
الأشاعرةُ وغيرهم ، في الصِّفات من التأويلات . وبعض ما في كتب النُّفاة
من الطّامّات ، وبيَّن ضررهم على الدين ، ومناهضتهم لنصوص الكتاب
والسنة . ثم عقد فصلًا أعلن فيه أنه قد وقع في بعض تلك المهالك ، حتى
أتاح له الإِلهُ مَنْ أزال عنه تلك الأوهام ، وأخذ بيده إلى طريق الحق
والسلامة ، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .
وفي إعلانه لتوبته على يديه يقول :
مِن مُشِفِقٍ وأخٍ لكم مِعْوانِ
يا قوم واللَّهِ العظيمِ نصيحةٌ
تلك الشّبّاكِ وكنت ذا طَيَرانِ
مَن ليس تجزيه يدي ولساني
أهلًا بمن قد جاء مِنْ حرّانِ
من جنَّةِ المأوى مَعَ الرِّضوانِ
حتى أراني مَطْلَعَ الإِيمَانِ
نُزُلُ الهُدى وعساكرُ القرآنِ
محجوبةً عن زُمرةِ العُمْيانِ
حَصْباؤُه كلآلىء التِّيجانِ
مِثْل النُّجُومِ لوارِدٍ ظمآنٍ
لا زال يَشخُبُ فيه مِیزابانٍ
وهما مدى الأيام لا يَنِيانِ
آلاف أفرادٌ ذوو إيمانِ
ووَرَدْتُمُ أنتم عَذابَ هَوانِ
جَرَّبتُ هذا كلَّه ووقعتُ في
حتى أتاح ليّ الإِلهُ بِفَضِلِهِ
فَتَّى أتى من أرض حَرَّانَ فيا
فاللَّهُ يجزِيهِ الذي هو أهْلُه
أخذتْ يداه يدي وسار فلم يُرُمْ
ورأيتُ أعلامَ المدينةِ حولها
ورأيت آثارًا عظيمًا شأنُها
ووردتُ كأس الماء أبيضَ صافيًا
ورأيتُ أكوابًا هناك كثيرة
ورأيتُ حَوْضَ الكَوْثَر الصافي الذي
ميزاب سُنَّته وقول إلهِهِ
والناس لا يَرِدُونِهُ إلَّا مِن الـ
وَرَدُوا عِذابَ مَناهِلٍ أُكْرِمْ بها
ثم إن ابن القيم - رحمه الله تعالى - أعاد الكرة بذكر هذه النعمة ،
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/