النص المفهرس
صفحات 21-40
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٢١ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل ؟؟. ترى تساوي الحصيلة كل هذه الجهود ، وكل هذا الجهاد الشاق المرير ؟ !. ثم تُرى هذه البشرية كلها تساوي تلك العناية الكريمة من الله ، المتجلّية في استقرار إرادته سبحانه على إرسال الرسل تترى ، بعد العناد والإِعراض والإصرار والاستكبار مِنْ هذا الخلق الهزيل الصغير المسمى بالإنسان ؟ ! . والجواب بعد التدبُّر : أن : نَعَمْ ... وبلا جدال !! إن استقرار حقيقة الإِيمان بالله في الأرض يساوي كل هذا الجهد ، وكل هذا الصبر ، وكل هذه المشقة ، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل جيل ! ولعلَّ استقرار هذه الحقيقة أكبر من وجود الإِنسان ذاته ، بل أكبر من الأرض وما عليها ، بل أكبر من هذا الكون الهائل ، الذي لا تبلغ الأرض أن تكون فيه هباءةً ضائعة لا تكاد تُحَسَّ أو تُرى . إن استقرار هذه الحقيقة في قلبٍ ، معناه : أن ينطوي هذا القلب على قبسٍ من آثار نور الله وعلمه ، وأنْ يكونَ مستودعًا لسرِّ من أسرار الله ، وأن يكون أداة من أدوات قَدَره النافذ في هذا الوجود .... وهي حقيقة أكبر من الإِنسان ذاته ومن أرضه وسمائه ، ومن كل هذا الكون الكبير ! كما أن استقرار حقيقة الإيمان في حياة البشر أو جماعةٍ منهم ، معناه : اتّصال هذه الحياة الأرضية بالحياة الأبدية ، وارتفاعها إلى المستوى الذي يؤهّلها لهذا الاتصال ... معناه قُرب الفاني من الباقي وجمعيّته عليه ... وهي حصيلة تُربي على كل جهدٍ وكل تضحية ، ولو تحقّقتْ على الأرض يومًا أو بعض يوم في عمر البشرية الطويل ؛ لأن تحقَّقُها - تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٢٢ ولو في هذه الصورة - يرفع أمام البشرية في سائر أجيالها مشعل النور في صورة عملية واقعية ، تجاهد لتبلُغ إليها طَوَال الأجيال . ولقد أثبت الواقع التاريخي المتكرر أن النفس البشرية لم تبلّغ إلى آفاق الكمال المقدَّر لها بأي وسيلة ، كما بلغتْها باستقرار حقيقة الإِيمان بالله فيها ، وأن الحياة البشرية لم ترتفع إلى هذه الآفاق كما ارتفعت بهذه الوسيلة ، وأن الفترات التي استقرّت فيها هذه الحقيقة في الأرض ، وتسلَّم أهلها قيادة البشرية ، كانت قمّة في تاريخ الإِنسان سامقة ، بل كانت حلمًا أكبر من الخيال ، ولكنَّه متمثّل في واقع يحياه الناس . هذه هي الدعوة .. فما أُقَرَّت حقيقة الإِيمان بالله في الأرض إلا بالدعوة ، وما قامت قلوب تنطوي على حب الله والشوق إليه والقرب منه إلا بالدعوة ، وما قامت حياةً إنسانية يتمثل فيها منهج الله للحياة إلا بالدعوة . والدعوة إلى الله لا بُدّ أن تمضي في طريقها كما أراد الله ، لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة ، ولو صغُرت فانحصرت في قلبٍ واحدٍ ، يقُب من الله ويحبُّه ويشتاق إليه؛ قال عَّ ◌ُله: ((عُرِضَت علَّ الأُمم ، فرأيتُ النبَي ومعه الَّهْط» والنبي ومعه الرجُل والرُجُلان ، والنبي وليس معه أحد ))(١). ٢ - خليل الرحمن إبراهيم ويعقوب عليهما السلام ، وعلوّ همتهما في الدعوة إلى الله : قال تعالى: ﴿ ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب (١) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عباس . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ٢٣ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣]. اهتمامات القلب المؤمن وشغله الشّاغل وهمُّه الأول ، هو الدعوة إلى العقيدة .. هذه هي القضية التي شغلت بالَ خليل الرحمن إبراهيم ، ووصَّى بها بنيه ، وشغلت بال حفيده يعقوب في ساعة الاحتضار وفي سكرات الموت .. أمْرٌ جَلَل يريد أن يطمئنّ عليه ويستَوْثِق منه ، تركة يريد أن يخلِّفها لأبنائه ، ويحرص على سلامة وصولها إليهم ... إنها الدعوة إلى العقيدة .. هي التَّرِكَة وهي الذُّخر ... وهي القضية الكبرى ، وهي الشُّغل الشاغل والأمر الجلل ، الذي لا تشغل عنه سكراتُ الموت وصرعاتُه . قال الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية من الآيتين: ((الآية دالّةٌ على أن شفقة الأنبياء - عليهم السلام - على أولادهم كانت في باب الدين ، وهمّتهم مصروفة إليه دون غيره))(١). ٣ - دعوة يوسف عليه السلام إلى الله تعالى وهو في السجن : قال تعالى: ﴿ ودخل معه السجن فَتَيانِ قال أحدُهما إني أراني أعصر خمرًا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي ◌ُبزًا تأكُل الطَّيْرُ منه نَبِّئْنا بتأويله إنّا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعامٌ تُرزقانِهِ إلَّا نبّاتُكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذالكما ممّا علَّمني ربي إني تركتُ ملَّة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون « واتّبعتُ ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون = يا صاحِبَي السجن أأربابٌ متفرِّقون خيرٌ أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلَّا أسماءً سمَّيْتُمُوها أنتم (١) التفسير الكبير للفخر الرازي ٧٥/٤ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://web lessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٢٤ وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ إن الحُكم إلَّا لله أمر ألَّا تعبدوا إلَّا إياه ذلك الدِّين القيِّم ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [يوسف: ٣٦ - ٤٠ ]. ما أروعَ القيام بهذه المهمة الجليلة ، في تلك الأحوال الصعبة والظروف العسيرة ! فهو في السجن وظُلُماته ، مع الظّلم وظلماته ، لا يغفل عن الدعوة لدينه ، ولعقيدته ، في كياسةٍ وتلطّف ، مع الحزم ، وفي إدراكٍ لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها ، كما أنه لا يغفل عن حُسن تمثيله بشخصه وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه . ٤ - حرص مؤمن يسّ على إيمان قومه : قال تعالى : ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجلٌ يسعى قال يا قوم اتَّعُوا المرسلين * اتَّبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون ، وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه تُرجَعون = أأُتَّخذ من دونه آلهةً إن يُردنِ الرحمنُ بضُرٍ لا تُغن عنّي شفاعتهم شيئًا ولا يُنقذون * إني إذًا لفي ضلالٍ مبين " إني آمنتُ بربِّكم فاسمعون : قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون = بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ [ يس: ٢٠ - ٢٧ ] . هذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعدما رأى فيها من دلائل الحق ، وحينما استشعر قلبُه حقيقة الإِيمان تحرَّكت هذه الحقيقةُ في ضميره ، فلم يطق عليها سُكُوتًا ، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال مِنْ حوله والجحود والفجور ، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره وتحرَّك في شعوره ، وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون ﴾. إن الذي يدعو مثل هذه الدعوة ، وهو لا يطلب أجرًا ولا يبتغي مغنمًا .. إنه لصادق . وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء ، إن لم يكن يلبّي تكليفًا من الله ؟! ما الذي يدفعه إلى حمل همّ الدعوة ، ومجابهة الناس تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٢٥ بغير ما ألفوا من العقيدة ؟! والتعُّض لأذاهم وشرِهم واستهزائهم وتنكيلهم ، وهو لا يجني من ذلك كسبًا ، ولا يطلب أجرًا . ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ هكذا ألقى بكلمة الإِيمان الواثقة المطمئنة ، وأشهدهم عليها ، وهو يُوحي إليهم أن يقولوها كما قالها . وقتلوه ووطئوه بأرجلهم ... وادَّخر الله لهذا الشهيد الكرامة ... كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص . ويذكر الشهيد الداعية طيب القلب رضيّ النفس قومه ، بعدما اطَّلَع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة .. وتمنَّى أن يعلم قومه مصيره ليصيروا من المؤمنين ، فما أشدّ وأعمقَ حرصه على هداية قومه : لم يتخلّ عنهم حتى بعد قتلهم له . (( قال ابن عباس رضي الله عنهما : نصح قومه في حياته بقوله : ﴿يا قوم اتّبعوا المرسلين﴾، وبعد مماته في قوله: ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المکرمین ﴾)»(١). قال ابن كثير: (( ومراده : أنهم لو اطّلعوا على ما حصل لي من النعيم المقيم والثواب العظيم ، لقادهم ذلك إلى اتّباع الُّسُل ، فرحمه الله ورضي عنه ، كم كان حريصًا على هداية قومه ))(٢). ما سمعنا بداعيةٍ يدعو إلى الله بعد موته إلّا مؤمن يسّ . ٥ - علوّ هِمَّة موسى عليه السلام في الدعوة إلى الله عز وجلّ : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عَ ليه: (( عُرِضتْ علَّ الأُمم، فرأيت النبَّ ومعه الرّهْط، والنبّ ومعه الرجُل والرُّجُلان ، والنبي وليس معه أحد ، إذْ رُفع لي سوادٌ عظيم ، فظننتُ أنهم (١)، (٢) مختصر تفسير ابن كثير لمحمد نسيب الرفاعي ٥٦٦/٣ طبع المكتب الإسلامي. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثاني ٢٦ أمّتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر ، فإذا سواد عظيم : فقيل لي : هذه أُمْتُك .... )) الحديث(١). وفي حديث مالك بن صعصعة في الإِسراء: « ... فلمّا خلصتُ فإذا موسى قال : هذا موسى فسلّمْ عليه ، فسلّمتُ عليه، فردّ ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما تجاوزتُ بكي . قيل له : ما يُكيك ؟ قال : أبكي لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أُمّته أكثر ممن يدخلها من أمتي))(٢). وفي رواية شريك عن أنس: ((لم أظن أحدًا يُرفع علَّي)). وفي حديث أبي سعيد: (( قال موسى : يزعم بنو إسرائيل أني أُكْرَمُ على الله ، وهذا أكرم على الله مني )) . وزاد الأموي في روايته: (( ولو كان هذا وحده هان علَّ ، ولكن معه أمته ، وهم أفضل الأمم عند الله )) . هذا والله بكاء الرجال .. لم يكتف بالندم والحسرة بل بكى ، فقد كان يتمنَّى أن يكون أسبق من النبي عَ لّه في كثرة الأتباع ، حتى يكون رصيده يوم القيامة أعظم رصيد، بكى (( أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتَّب عليه ؛ بسبب ما وقع من أمّته مع كثرة المُخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم ، المستلزم لتنقيص أجره ؛ لأن لكل نبِيّ مثل أجر كل من اتبعه ، ولهذا كان مَنِ اتَّبعه مِنْ أُمته في العدد، دون من اتَّبع نبيَّنَا عَ لَله، مع طُول مُدَّتهم بالنسبة لهذه الأمة)(٣). (١) رواه البخاري ومسلم وأحمد . (٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج . انظر فتح الباري ٧/ ٢٤١ - ٢٤٢، ٢٥١ . (٣) فتح الباري ٢٥٢/٧ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٢٧ ولا يعني البكاء تقصير موسى عليه السلام في الدعوة إلى الله تعالى ، بل هو دليل حرقة القلب الذي يسعى للكمال دائمًا. وإن (( لموسى عليه السلام )) منزلة عند ربه ، وخصوصًا في همته الدعوية ، حتى غفر الله له ما غفر بسبب همته الدعوية ، كما قرر ابن تيمية رحمه الله فيما يرويه عنه ابن قيم الجوزية قال : (( انظر إلى موسى عليه السلام، رمى الألواح فيها كلام الله الذي كَتَبَه بيده فَكَسَرَها ، وجَّ بلحية نبِّ مثله، ولَطَمَ عين مَلَك الموت ففقأها، وعاتب ربَّه ليلة الإسراء في محمدٍ عَلَّه، وربُّه يحتمِلُ له ذلك كله ، ويُحِبُّه ويُكرِمه لأنه قام الله تلك المقامات العظيمة في مُقابلة أعْدَى عَدُوٌّ له ، وصَدَع بأمره ، وعالج أُمَّة القِبط وبني إسرائيل ، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر ، وانظر إلى يونس - عليه السلام - حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى ، غاضب ربَّه مرّة ، فأخَذَه وسجنه في بطن الحوت ، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى))(١). ٦ - علو همّة نبينا عَّ له في الدعوة إلى الله: وأعلى الهمة همّة نبينا معَّ له ... بأبي هو وأمي عَ لِه ، كان حرصه أشدّ الحرص على هداية الناس وتعليمهم وتزكيتهم : قال تعالى: ﴿ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴾ [ يوسف : ١٠٣] . وقوله تعالى: ﴿ إن تحرصْ على هداهم فإن الله لا يهدي من يضلّ وما لهم من ناصرين﴾ [ النحل: ٣٧]. بل كاد يموت غمًّا وأسفًا عليهم، قال تعالى : ﴿ فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات إن الله عليمٌ بما يصنعون ﴾ [ فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿ فلعلَّك باخِعٌّ نفسَك على آثارهم إن لم يؤمنوا (١) مدارج السالكين . تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٢٨ بهذا الحديث أسَفًا ﴾ [الكهف: ٦]، والبخْع: قتل النفْس غمًّا، كما قال الراغب الأصفهاني في ((المفردات في غريب القرآن)). عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ له: ((مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ أوقد نارًا، فجعل الجَنَادِبُ والفَرَاشُ يقعن فيها ، وهو يُذُبّهنّ عنها، وأنا آخذ بحُجَزكم عن النار، وأنتم تَفَلتون من يدي)) (١) . لقد دعا في جميع الأماكن والأزمان والأحوال ، ودعا جميع أصناف الناس ، واستخدم جميع الأساليب المشروعة . دعا فوق الجبل ، وفي المسجد ، وفي الطريق ، والسوق ، وفي منازل الناس في المواسم ، وحتى في المقبرة، ودعا في الحضر والسفر ، وفي الأمن والقتال ، في صحته ومرضه ، وحينما كان يزور أو يُزار . دعا مَنْ أحبّوه ، ومن أبغضوه ، وآذوه ، ومن استمعوا إلى دعوته ومن أعرضوا عنها . وبَعَث الرسائل والرسل إلى الملوك والرؤساء، ممن لم يتمكّن من الذهاب إليهم بنفسه . ٠ أ - صعوده عَّ له على الصفا للدعوة إلى الله تعالى : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ الشعراء: ٢١٤] صعد النبي عَبٍّ على الصفا ، فجعل ينادي : (( يا بني فهر! يا بني عدي!)) لبطون قريش، حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج ، أرسل رسولًا ينظر ما هو ، فجاء أبو لهبٍ وقريش، فقال عَ له: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي، تُريد أن تُغير عليكم ، أكنتم مصدّقيّ؟ )). قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلَّا صدقًا. (١) رواه مسلم . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٢٩ قال: ((فإني نذيرٌ لكم بين يَدَي عذابٍ شديد)). فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعْتَنَا ؟ فنزلتْ: ﴿تَبَّتْ يدا أبي لهبٍ وتبّ ما أغنى عنه مالُهُ وما كَسَب ﴾(١). ب - قيامه بالدعوة في الطريق : وكان يدعو في الطريق أيضًا : عن عبد الله بن عباسٍ، أنه ركب خلف رسول الله عَ لّه يومًا ، فقال له الرسول عَ له: ((يا غلام! إني مُعلِّمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، وإذا سألت فلتسأل الله ، وإذا استعنت فاستعِنْ بالله ، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كَتَبَه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك لم يضرّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك. رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف))(٢). وتعليمه أيضًا لمعاذٍ في الطريق : عن معاذٍ رضي الله عنه قال: كنت رِدْفِ النبي عَّ ◌ُلِ على حمارٍ يُقال له : عُفَير، فقال: (( يا معاذ ! هل تدري ما حقّ الله على عباده ؟ وما حقّ العباد على الله؟)). قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (( فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وحق العباد على الله أن لا يُعذب من لا يشرك به شيئًا)) . فقلت: يا رسول الله،! أفلا أُبشّرُ به الناس ؟ قال: ((لا تبشرهم فيتَكِلُوا))(٣). (١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ حديث رقم (٤٧٧٠) . (٢) رواه أحمد في مسنده ٢٣٣/٤ . وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح . (٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار. رقم الحديث (٢٨٥٦). فتح الباري ٥٨/٦. تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٣٠ جـ - قيامه بالدعوة في سوق ذي المجاز : روى أحمد عن رجلٍ من بني مالك بن كنانة ، قال: « رأيت رسول الله عَ له بسوق ذي المجاز يتخلّلها يقول: ((يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفلحوا )) . قال : وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول : لا يغوينكم هذا عن دينكم ، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللّات والعّى . وما يلتفت إليه رسول الله عَ ◌ٍّ))(١). د - ذهابه إلى منازل الناس بمنى للدعوة : ومن إتيانه عَ لّه الناس في أماكنهم للدعوة إلى الله تعالى أنه كان يأتي منازل الناس بمنى في الموسم . عن ربيعة بن عباد الدؤلي قال: رأيت رسول الله عَ له بمنى في منازلهم ، قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: (( يا أيها الناس ، إنّ الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا )) . قال : ووراءه رجل يقول : يا أيها الناس ، إنّ هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم)) . فسألت عن هذا الرجل ، قيل : أبو لهب(٢) . ولا يظنّ أحدٌ أنّ ذهابه عَِّ للدعوة إلى الله تعالى في الأسواق ومنى ، كان أمرًا نادرًا، أو كان في موسمٍ واحد، بل استمرَّ عَ ◌ِّ على ذلك لمدة عشر سنوات . فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أن النبي عَ لٍ لبث (١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢١/٦ كتاب المغازي والسير : باب تبليغ النبي عَِّ ما أرسل به : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . (٢) رواه الحاكم في المستدرك ١٥/١ وصححه ووافقه الذهبي ، وقال: على شرطهما ١٤/١ . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٣١ عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنّة وعكاظ ومنازلهم في مني. يقول: ((من يُؤويني ؟ ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة؟)). فلا يجد أحدًا ينصره ولا يُؤويه ، حتى إنّ الرجل يرحل من مصر أو اليمن إلى ذي رَحِمِه ، فيأتيه قومه فيقولون له : احذر غلام قريش لا يفتّنك . ويمشي عَ ◌ّةٍ بين رجالهم يدعوهم إلى الله عز وجلّ ، ويشيرون إليه بالأصابع ، حتى بَعَثَنا الله من يثرب ، فيأتيه الرجل منّا فيؤمن به ويُقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله فيُسلمون بإسلامه ، حتى لم يبق دار من دُور الأنصار إلَّا وفيها رَهْط من المسلمين يُظهرون الإِسلام. وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا : حتى متى رسول الله يُطرد في جبال مكة ويخاف ؟! حتى قدمنا عليه في الموسم ، فواعَدَنا بيعة العقبة (١). هـ - رجاؤه عَِّ الهداية لأجيال مَنْ آذوه أشدّ الأذى: روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت للنبي عربية : ((هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أُحُد؟ قال: ((لقد لقيتُ من قومك ما لقيت ، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة ؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يُجبني إلى ما أردت فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي ، فلم أسْتِفِق إلَّا وأنا بقرن الثعالب(٢)، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلّتني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردُّوا عليك ، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال ؛ (١) رواه الحاكم في المستدرك ٦٢٤/٢، وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد في المسند ، وقال ابن كثير : هذا إسناد جيد على شرط مسلم . (٢) أي لم أفطن لنفسي وأتنبّه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهبٌ إليه وفيه، إلّا وأنا عند قرن الثعالب لكثرة همي الذي كنت فيه. (( وقرن الثعالب : قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد )). شرح النووي ١٥٥/١٢. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٣٢ لتأمُرُه بما شئتَ فيهم . فناداني ملَكُ الجبال فسلم علّ ثم قال : يا محمد . فقال: ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخْشَبَيْن)) (١). فقال النبي عَّةٍ: ((بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا )). بأبي أنت وأمي يا رسول الله ... ينطلق مهمومًا فلا يُفيق إلا بقرن الثعالب ... أفبعد هذا حرصٌ على الناس ، وعلو همة في الدعوة ، من يفعل هذا سواه ، لقد اختلطت الدعوةُ بلحمه ودمه ، وشغلتْه عن كل شيءٍ سواه .. كيف لا وهو الخليل : قد تخلَّلْتَ مسلَكَ الُّوحِ منّي وبذا سُمِّي الخليلُ خليلًا تخلَّل حُبُّ مولاه مسلك الروح منه .. فما أشدَّ حِرْصَه على الدعوة إليه ! وما أنوره وأجمله وأبهاه ! فمن يحمل همّ الدعوة يا من تسيرون على سنته ؟! يرجو هداية أجيال قادمة لمن آذوه ، إن لم يهتدوا هم ، بدلًا من تدميرهم وهلاكهم على يد مَلَكِ مرسَل من الله . و - ذهابه إلى الطائف ماشيًا دعوة إلى الله ، وتحمُّله الأذى من أهلها : عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال : مات أبو طالب ، وازداد من البلاء على رسول الله عَ ل شدة ، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يُؤوه وينصروه ، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف ، وهم إخوةً : عبد ياليل بن عمرو ، وحبيب بن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نَفْسَه ، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومه منه ، فقال أحدهم : أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيءٍ قط، وقال الآخر : والله لا أُكلّمك بعد مجلسك هذا كلمةً واحدةً أبدًا؛ لئن كنت رسولًا ، لأنت أعظمُ شَرَفًا وحقًّا منْ أن أُكلّمك؛ وقال الآخر : أعَجَزَ الله أن يرسل غيرك ؟ وأفشوا ذلك في (١) هما جبلا مكة : أبو قبيس والجبل الذي يقابله . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com https://arabessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني ٣٣ ثقيف الذي قال لهم، واجتمعوا يستهزئون برسول الله عَ لّه وقعدوا له صفَّيْن على طريقه ، فأخذوا بأيديهم الحجارة ، فجعل لا يرفع رِجْلَهِ ولا يضعها إلَّا رضخوها بالحجارة ، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون ، فلمّا خَلَصَ من صَفّيْهم وقدماه تسيلان الدماء ، عَمَد إلى حائطٍ من كرومهم ، فأتى ظلّ حُبْلَةٍ من الكَرْم ، فجلس في أصلها مكروبًا مُوجَعًا ، تسيل قدماه الدماء ، فإذا في الكرم عُثْبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما ؛ لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله ، وبه الذي به ، فأرسلا إليه غلامهما عدّاسًا بعنب ، وهو نصرانِّي من أهل نِينَوَى . فلمّا أتاه وضع العنب بين يديه ، فقال رسول الله عَ لّم: ((بسم الله)). فعجب عداس ؛ فقال له رسول الله عَّه: ((من أي أرضٍ أنت يا عداس؟)). قال: أنا من أهل نينوى. فقال النبي عَّم: ((من أهل مدينة الرجل الصالح يونس ابن متّى؟. )) فقال له عداس : وما يُدريك من يونس بن متى ؟ فأخبره رسول الله عَ لّه من شأن يونس ما عَرَف، وكان رسول الله عَّله لا يحقر أحدًا يبلّغه رسالات الله تعالى . قال : يا رسول الله ، أخبرني خبر يونس ابن متى . فلمّا أخبره رسول الله عَّه من شأن يونس بن متى ما أوحى الله إليه من شأنه ، خَرَّ ساجدًا لرسول الله عَ ليه، ثم جعل يقبّل قدميه وهما تسيلان الدماء . فلمّا أبصر عُتبةُ وأخوه شيبةُ ما فعل غلامُهما سكتا . فلما أتاهما قالا له : ما شأنُك؛ سجدتَ لمحمدٍ وقبّلتَ قدميْه ، ولم نرك فعلتَ هذا بأحدٍ منّا ؟! قال : هذا رجل صالح ، حدَّثني عن أشياء عرفتها من شأن رسولٍ بَعَثَه الله تعالى إلينا يُدعى يونس بن متّى ، فأخبرني أنه رسول الله عَ لّه؛ فضحكا وقالا: لا يفتنك عن نصرانّيتك، إنه رجلٌ يخدع. ثم رجع رسول الله عَّ له إلى مكة (١). (١) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني ص١٠٣. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثاني ٣٤ بأبي أنت وأمي يا سيّد الدعاة ... تخرج إلى ثقيف ماشيًّا ، وتعرِض الإِسلام على كبار القوم من أهل ثقيف ، وبهم من السفالة والوقاحة ما الله به عليمٌ ، وتتعرّض لسخرية ثقيف ، وتسيل الدماء من قدميْك الشريفتين ، ويبلُغ بك العناء ما يجعل أشد الناس عداوةً لك يُشفق عليك ... ومع هذا بمجرد ما تحين الفرصة لدعوة عداس إلى الله إلَّا وتدعُوه ، فمن أحقُّ منك بهذا الشغر ! وقد تغلغل حُبّ مولاك ، والدعوة إليه في كل قطرة دم. منك ، وفي كل نبضةٍ من قلبك الطاهر : واللَّهِ ما طلعتْ شمسٌ ولا غربتْ إلَّا وحُبُّك مقرونٌ بأنفاسي ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدِّثُهم إلَّا وأنت حديثي بين جُلّاسي ز - دعوته عَّ له إلى الله في السفر وفي طريق الهجرة : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله عَ له في سفر، فأقبل أعرابي، فلمّا دنا منه قال له رسول الله عَ ليه: ((أين تريد؟)) قال: إلى أهلي. قال: ((هل لك إلى خير)). قال: ما هو؟ قال: (( تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله)). قال: هل من شاهدٍ على ما تقول؟ قال: ((هذه الشجرة)). فدعاها رسول الله عَ ليه وهي على شاطىء الوادي ، فأقبلت تَخُدّ الأرض خذًّا ، فقامت بين يديه ، فاستشهدها ثلاثًا ، فشهدت أنه كما قال . ثم إنها رجعت إلى منبتها ، ورجع الأعرابي إلى قومه فقال : إن يتبعوني أتيتُك بهم ، وإلّا رجعت إليك وكنتُ معك(١). وأخرج ابن سعد ، عن عاصم الأسلمي قال : لمَّا هاجر رسول الله عَّ له من مكة إلى المدينة، فانتهى إلى الغميم ، أتاه بريدة بن الحصيب ، فدعاه رسول الله عَّ له إلى الإِسلام فأسلم هو ومَنْ معه - وكانوا زهاء ثمانين بيتًا - (١) رواه الحاكم وإسناده جيد . https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٣٥ فصلّى رسول الله عَ ◌ّهِ العشاء فصلَّوْا خلفه . حتى وهو مطارَدٌ يتربص به الأعداء .. وكل ثانيةٍ من وقته تُقرِّبهم من إدراكه، ولكنَّ الدعوة هي الدعوة. ح - انطلاقه عَّ لدعوة رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ: لم يكن خروجه عَ ◌ّ للدعوة إلى منازل الناس ومجالسهم في المرحلة المكية فقط ، بل استمرّ على ذلك حتى بعد هجرته إلى المدينة المنورة . فعن أنس رضي الله عنه قال: قيل للنبي عَّ ◌ُله: لو أتيت عبد الله ابن أبّي. فانطلق إليه النبي عَّ ◌ُله وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه ، وهي أرض سَبخَة (١)، فلمّا أتاه النبي عَّ ◌ُلّم قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك . فقال رجل من الأنصار منهم : والله لحمار رسول الله أَطْيَبُ ريحًا منك(٢). قال النووي في شرح مسلم ١٥٩/١٢: ((وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي عَ ◌ّةٍ من الحلم والصفح والصبر على الأذى في الله ، ودوام الدعاء إلى الله تعالى )). وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي عَّ ◌ُلِّ مَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عَبَدَة الأوثان واليهود ، فيهم عبد الله بن أبي ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، فلما غشيت المجلس عَجَاجَةُ الدّابَةِ (٣) خمّر عبد الله بن أبّ أنْفَهُ بردائه ، ثم قال: لا تغيِروا علينا . فسلّم عليهم النبي عٍَّ ثم وقف فنزل ، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن ، (١) السَّبَخة: هي الأرض التي لا تنبت لملوحة أرضها . (٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح ، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس ٢٩٧/٥ - ٢٦٩١ . ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الجهاد والسير ، باب في دعاء النبي عٍَّ وصبره على أذى المنافقين . (٣) ما ارتفع من غبار حوافرها . تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني ٣٦ فقال عبد الله بن أبّ : أيها المرء! لا أحْسَن من هذا . إن كان ما تقول حقًّا ، فلا تُؤْذِنا في مجالسنا . وارجع إلى أهلك ، فمنْ جاءك فاقْصُص عليه . فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه : اغْشَنا في مجالسنا فإنّا نحبّ ذلك(١). ط - مجيئه عَوِّ للدعوة إلى بيت كبير اليهود : روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله عَ ل فقال: ((انطلقوا إلى يهود)). فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس (٢)، فقام النبي عَ ◌ّ فناداهم: (( يا معشر يهود، أسلموا تسلمُوا)). فقالوا: بلّغت يا أبا القاسم. فقال: ((ذلك أريد)). ثم قالها الثانية. فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم. ثم قال الثالثة. فقال: ((اعلموا أنّ الأرض لله ولرسوله ، وإني أريد أن أُجْلِيَكم، فمن وجد بماله شيئًا فليَبعْه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ولرسوله))(٣). ى - دعوته وعيادته للمرضى : لم يكن اهتمامه عليه الصلاة والسلام منصبًّا على دعوة كبار الناس فحسب ، بل اعتنى عناية شديدة بدعوة عامَّة الناس . فقد روى الإِمام البخاري ، عن أنسٍ رضي الله عنه قال : كان غلامٌ يهوديّ يخدم النبي عَ ◌ّلِ فمرض، فأتاه النبي عَ لّهِ يُعُوده، فقعد عند رأسه، (١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دعاء النبي عَةٍ وصبره على أذى المنافقين . (٢) المدراس: المراد به كبير اليهود . ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم ، أي قراءتها . فتح الباري (٣١٨/١٢). (٣) صحيح البخاري - كتاب الإكراه ، باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره . رقم الحديث (٦٩٤٤) ٣١٧/١٢. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد ٣٧ صلاحِ الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثاني فقال له: ((أسلم)). فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم، عَّ فأسلم، فخرج النبي عَّه وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار)) (١). ك - دعوته لمُحِيِّيه : ومن أمثلة حرصه على إنقاذ مَنْ أحبّه - عليه الصلاة والسلام - من الناز: أنه دعا عمَّه أبا طالب إلى قول: ((لا إله إلا الله )) واستمَّ في دعوته هذه ، حتى عند حضور وقت وفاة عمه . روى البخاري عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه أنه أخبره : لما حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءه رسول الله عَّه ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. قال رسول الله عَ ◌ّه لأبي طالب: (( يا عمّ ، قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهدُ لك عند الله)) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة : يا أبا طالب ، أترغب عن ملّة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله عَّ الله يعرضها عليه ، ويعودان بتلك المقالة ، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم : هو على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول : لا إله إلا الله. فقال رسول الله عَ له: أما والله لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك)). فأنزل الله فيه: ﴿ ما كان للنبي ... ﴾(٢) الآية [ التوبة: ١١٣ ]. ل - دعوته معد ◌ّ لمن كانوا يُبغضونه : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قاتل رسول الله عَّ له قومًا (١) صحيح البخاري ، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلَّى عليه ؟ وهل يُعرض على الصبي الإِسلام . ٢١٩/٣ - رقم الحديث (١٣٥٦). (٢) صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب إذا قال المشرك عند الموت : لا إله إلا الله. ٢٢٢/٣ - (١٣٦٠). https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثاني ٣٨ حتى يدعوهم(١). م - دعوته عَ لّه لمن جاء يريد قَتْلَه: عن جابر رضي الله عنه قال: كنّا مع النبي عَ ◌ِّ بذات الرّقاع، فإذا أتينا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها للنبي عَِّ، فجاء رجلٌ من المشركين وسيف النبي عَ ◌ِّ معلَّق بالشجرة، فاخْتَرَطَه ، فقال له : تخافني ؟ فقال له : ((لا)). قال: فمن يمنعك مني؟ قال: ((الله))(٢). وفي رواية لأبي بكر الإسماعيلي في صحيحه : فسقط السيف من يده ، فأخذ رسول الله عَ لّم السيف، فقال: ((من يمنعك مني؟)). قال: كن خير آخذ. فقال: (( أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟)). قال: لا ، ولكني أُعاهدك على أن لا أقاتلك ، ولا أكون مع قومٍ يُقاتلونك . فخلَّى سبيله، فأتى أصحابه، فقال: (( جئتُكم من عند خير الناس))(٣). ن - إرساله عَّ الرسائل إلى الملوك والأمراء : عن أنسٍ رضي الله عنه أن نبي الله عَّ له كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي ، وإلى كل جبّارٍ ، يدعوهم إلى الإِسلام ، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي عَّةِ . رواه مسلم . قال ابن حجر: ((روى الطبراني من حديث المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - قال: خرج رسول الله عَّ له إلى أصحابه فقال: ((إن الله بعثني للناس: كافّةً، فأَدُّوا عني ولا تختلفوا علَّي)). فبعث عبدَ الله بن حُذافة إلى كسرى ، وسليطَ بن عمرو إلى هوذة بن علّ باليمامة ، والعلاءَ الحضرمّ (١) رواه أحمد في مسنده. وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح ٣٣٥/٣. (٢) رواه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي ، باب غزوة ذات الرقاع . (٣) مشكاة المصابيح - باب التوكل والصبر - الفصل الثالث . تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ ٣٩ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثاني إلى المنذر بن ساوَى بِهَجَر ، وعمرو بن العاص إلى جَيْفَر وعباد ابني الجُلَنْدَى بِعُمان، ودِحْيَةَ إلى قيصر، وشجاعَ بن وهب إلى أبي شمَّر الغساني، وعمرو بن أمية إلى النجاشي. فرجعوا جميعًا قبل وفاة النبي عدوية غير عمرو بن العاص)) (١). اهـ . وقال ابن حجر أيضًا: ((وزاد أصحاب السِّير : أنه بعث المهاجر بن أبي أمية بن الحارث بن عبد كُلَال وجريرًا إلى ذي الكَلَاع، والسّائِبَ إلى مسيلمة ، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس))(٢). س - دعوته عند القبر : عنونَ البخاريُّ بابًا في صحيحه وسمّاه ((موعظة المحدّث عند القبر وقعود أصحابه عنده )) . عن علِّ رضي الله عنه قال : كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد ، فأتانا النبي عَو ◌ِّ فقعد ، وقعدنا حوله ، ومعه مخصرة ، فنكس ، فجعل ينكت بمخصرته ، ثم قال: (( ما منكم من أحدٍ ، ما من نَفْسٍ منفوسةٍ إلَّا كُتِب مكانُها من الجنة والنار ، وإلّا قد كُتبت شقيّةً أو سعيدة)). فقال رجل : يا رسول الله ، أفلا نتكِل على كتابنا ونَدَع العمل ، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، وأمّا من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ؟ قال: (( أمّا أهل السعادة فُيَسَّرُون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسّرون لعمل الشقاوة)). ثم قرأ: ﴿فأمّا من أعطى واثَّقى﴾(٣) الآية. [ الليل : ٥]. (١) فتح الباري ١٢٧/٨ - ١٢٨، زاد المعاد ٣٠/١ - ٣١. فتح الباري ١٢٨/٨ . (٢) فتح الباري ٢٢٥/٣. (٣) تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثاني ٤٠ ع - قيامه بالدعوة عَوبيةٍ وهو في مرض الموت : وحتى في مرض الموت ما فترت همّته عن الدعوة إلى الله عز وجل ، وهداية الناس وإرشادهم : عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان على رسول الله عَوِيلٍ خميصة سوداء حين اشتدّ به وَجَعُه ، قالت : فهو يضعها مرة على وجهه ، ومرة يكشفها عنه، ويقول: ((قاتل الله قومًا اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يُحِّم ذلك على أُمته (١). ف - قيامه عَّ اللّه بالدعوة وهو يُغرغِر بنفسه: بقي عَّ ◌ُلِّ منارًا للدُّعاة، حريصًا على هداية الناس ، حتى وهو يغرغر بنفسه : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت عامَّة وصيّة رسول الله عَّ حين حضرته الوفاة، وهو يغرغر بنفسه: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم))(٢). واستمر يدعو ويوصي حتى لم يبق لسانه المطهر قادرًا على تبيينها : فعن أم سلمة رضي الله عنها، أن رسول الله عَ له كان يقول في مرضه الذي توفّي فيه: ((الصلاة، وما ملكت أيمانكم)). فما زال يقولها حتى ما يفيض بها لسانُه (٣). (١) رواه أحمد في مسنده، ورواه البخاري في صحيحه مختصرًا : كتاب الجنائز - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ٢٠٠/٣ . (٢) سنن ابن ماجة - أبواب الوصايا، باب: وهل أوصى رسول الله عَ له. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٩٥/٢ : إسناده حسن ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة ٢١٨٣ . (٣) صحيح : رواه ابن ماجة في سننه ، وصحّحه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة رقم ١٣١٧ - ٢٧١/١. https://weblessam.blogspot.com/ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد