النص المفهرس

صفحات 381-400

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٨١
التوحيد أولا
ومادّة السعادة في الدار الآخرة هو ما بينه الله تعالى وهدانا إليه في كتابه
العزيز ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران]».
■ وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «التوحيد: هو إفرادُ الله سبحانه
بالعبادة، وهو دينُ الرُّسُلِ الذين أرسلهم الله به إلى عبادِ)(١).
] وقال الدكتور ناصر العمر: «التوحيدُ شرعًا: إفرادُ الله بحقوقه،
وهو لله ثلاثةُ حقوقٍ: حقوقُ ملكٍ، وحقوقُ عبادةٍ، وحقوقُ أسماءِ
وصفات))(٢).
التوحيد :
قال الفيروزاباديُّ: «التوحيدُ توْحیدانِ:
الأول: توحِيدُ الرُّبوبيَّةِ، وصاحبُ هذا التوحيد يشهدُ قيُّوْميَّةَ الربِّ
فوق عرشه يدبّرُ أمر عباده وحده فلا خالقَ ولا رزاقَ ولا معْطيَ ولا مانع
ولا مميتَ ولا محييَ ولا مدبِّرَ لأمرِ المملكة (والملكوت) ظاهرًا وباطنًا
غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تتحرَّكُ ذرَّةٌ إلَّا بإذنه، ولا يجري
حادثٌ إلَّا بمشيئته، ولا تسْقُطُ ورقَةٌ إلَّا بعلمه، ولا يعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ
في السمواتِ ولا في الأرض .. إلَّا وقد أحصاها علمُهُ وأحاطتْ بها
قدْرَتُهُ، ونفذتْ فيها مشيئتُهُ واقْتَضَتْهَا حكمتُهُ. والآخرُ: توحيدُ الألوهيَّة
ويعني أن يجمعَ تفصيلًا)).
فأمَّا توحيدُ العلم: فمدارُه على إثبات صفات الكمال، وعلى نفي
(١) ((مجموعة التوحيد)) الرسالة الثالثة (٧).
(٢) ((التوحيد أولا)) لناصر العمر (ص ١٥).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
.

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
التشبيه والمثال، والتَّنْزيه عن العيوب والنقائص، وقد دلّ على هذا شيئان:
مجملٌ ومفصّلٌ.
أمَّا المجمَلُ: فإثباتُ الحمد له سبحانه، وأمَّا المفضَّلُ: فذكر صفة
الإلهيّة والرُّبُوبية والرحمة(١) والملك، وعلى هذه الأربع مدار الأسماءِ
والصفات، فأمَّا تضمُّن الحمد لذلك فإنَّ الحمد يتضمَّنُ مدْحَ المحمود
بصفات كماله ونُعوتِ جلاله، مع محبَّتِه والرِّضا عنه والخضوع له فلا
يكون حامدًا من جحد صفات المحمود ولا من أعرض عن محبته
والخضوع له .. ومن المعلوم بالفطر والعقولِ السليمة والكتب السماويَّة أنَّ
فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ولا مدبّرًا، ولا رَبًّا بل هو مذمومٌ معيبٌ
ناقصٌ ليس له حمدٌ في الأولى ولا في الآخرةِ، وإنَّما الحمدُ في الأولَى والآخرةِ
لمن له صفات الكمال، ونُعوتُ الجلالِ التي لأجْلِها استحقَّ الحمد. أمَّا
دلالة الأسماء الخمسة وهي: اللهُ، الرَّبُّ، الرحمنُ، الرحيمُ، الملكُ فمِبْنِيَّةٌ
على أصْلین:
الأصل الأول: أنَّ أسماءَ الرَّبِّ تبارك وتعالى دالَّةٌ على صفات كمالِه.
فهي مشْتَقَّةٌ من الصفات فهي أسماءٌ وهي أوصافٌ وبذلك كانت حُسْنَى،
إذ لو كانت ألفاظًا لا معانيَ فيها لم تكن حسْنَى، ولا كانت دالَّةً على مدْح
ولا كمالٍ، ولشاعَ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة
والإحسان .. وأيضًا لو لم تكن أسماؤهُ مشتملةً على معانٍ وصفاتٍ لم يسُغ
(١) ذكر ابن القيم في الصفحة التالية أن الأسماء الدالة على ذلك خمسة هي: الله،
الرب، الرحمن، الرحيم، الملك. ومن ثم تكون الصفات أربعًا والأسماء خمسًا
فليتأمل.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
https://web lessam.blogspot.com/
٣٨٣
أنْ يخبر عنه بأفعالها، فلا يُقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدرُ ويريد، ذلك أنَّ
ثبوت أحكام الصفات فرعُ ثبوتِهَا؛ لأنَّه إذا انتفى أصل الصِّفةِ استحال
ثبوتُ حكمها، ونفيُ معاني أسمائهِ -عز وجل- من أعظم الألحادِ
فيها))(١).
أمّا الأصل الثاني: فهو أنَّ الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يُدُّل على
الذَّات والصِّفَة التى اشتُقَّ منها بالمطابقة فإنَّه يَدُلِّ على دلالتين أخريين
بالتَّضمُّن واللزوم، فيدُلَّ على الصِّفة نفسها بالتضمن، وكذلك على الذات
المجرّدة عن الصفة، فاسم السميع - مثلاً - يدلُّ على ذات الربِّ وسمعه
بالمطابقة وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمُّن، ويتفاوت
الناس في معرفةِ اللُّزومِ وعدمه، ومن هنا يقعُ اختلافهم في كثيرٍ من
الأسماءِ والصِّفَاتِ والأَحكام، فإنَّ من علم أنَّ الفعلِ الاختياريَّ لازمٌ
للحياة، وأنَّ السمع والبصر لازمٌ للحياة الكاملة، وأنّ سائر الكمال من
لوازم الحياة الكاملة أثْبَتَ من صفات الرَّبِّ وصفاته وأفعاله ما يُنكره من
لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها وكذلك سائر
صفاته كذلك)) (٢).
قال ابن القيم: ((إذا تقرَّر هذان الأصلان فاسم الله دَال على جميع
(١) ذكر الشيخ للإحاد صورًا أخرى عديدة، انظر (٣٨، ٣٩) من ((المدارج))، وقارن
بصفة الإلحاد.
(٢) ضرب ابن القيم لذلك أمثلة عديدة، من ذلك على سبيل المثال اسم العليِّ فإن
من لوازم هذا الاسم العلو المطلق، بكل اعتبار، فله العلو المطلق مِنْ جميع
الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، ومن جحد علو الذَّات فقد
جحد لوازم اسمه ((العلي)) ((مدارج السالكين)) (١/ ٤٠).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدَّلالاتِ كُلَّهَا، والأسماءُ الحسنى
تفصِيلٌ وتَبْبينٌ لصفاتِ الإلهيّة التي اشتُقَّ منها اسم ((الله)) وهو دالٌ على
كوْنه مألوهًا معبُودًا تألَّه الخلائقُ محبّةً وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا إليه في
الحوائج والنَّوائِبِ، وذلك مستلزمٌ لكمال ربُوبيَّته ورحمته المتضمنين لكمال
الملك والحمد، وإلهيّتُه وربوبيته ورحمته وملكه مستلزمةٌ لجميع صفات
كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحَيٍّ، ولا سميع ولا بصيرٍ، ولا
قادرٍ ولا متكلم ولا فعَّالٍ لما يريد، ولا حكيم في أفعاله وعلى ذلك:
فصفات الجلال والكمال أَخَصُّ باسم (الله)).
وصفاتُ الفعل والقدرةِ والتَّفُّدِ بالضُّرِّ والنَّفْعِ، والعطاء والمنع،
ونفوذ المشيئة، وكمال القوَّةِ، وتدْبيرِ أمر الخليقةِ أخَصُّ باسم (الَّبِّ)).
وصفاتُ الإحسان والجُودِ والبرِّ والحنان والمنَّةَ، والرَّأفةِ واللُّطفِ
أخصُّ باسم ((الرحمن)) الذي الرحمةُ وصفهُ، والرحيم الذي هو راحمٌ
لعباده.
وصفات العدل والقبْضِ والبسْطِ، والخفْضِ والرَّفع، والعطاء والمنع،
والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم ونحوها أخصُّ باسم ((الملك))(١).
مع الله :
بِكَ أَسْتَجِيرُ ومَنْ يجیُ سِوَاكَا
فَأَجِرْ ضعيفًا يَخْتَمِي بِحِمَاكًا
(١) ((مدارج السالكين)) (٣٣/١ - ٤٣) باختصار وتصرف وانظر أيضًا: ((شرح
العقيدة الطحاوية)) (٨٩) حيث ذكر تحت عنوان أنواع التوحيد التي دعت إليها
الرسل نوعين: هما توحيد في الإثبات والمعرفة، والآخر: توحيد في الطلب
والقصد (ص٨٩ وما بعدها) وقد لخص كلام ابن القيم هنا.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

https://weblessam.blogspot.com/
٣٨٥
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
ذَنْبِي ومعصيتي بِبَعْضٍ قُوَاكَا
إنِّي ضعيفٌ أستعین علی قُوَی
بٌ مَالَا مِن غَافِ إِلَّكَا
أَذْنَبْتُ يا رَبِي وآذتني ذُنُو
مَا حِيَلْتِي فِي هَذِهِ أَوْ ذَاكَا؟
دُنْيَايَ غَرَّتْنِي وعَفْوُكَ غَرَّنِي
بكريم عَفْوِكَ مَا غَوَى وعَصَاكَا
لَوْ أنَّ قَلْبِي شَكَّ لم يَكُ مُؤْمِنًا
يَا مُذْرِكَ الأَبصَارِ والأَبْصَارُ لا
أَتَرَاكَ عَيْنٌّ والعُيُونُ لَا مَدَى
إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنِي تَرَاكَ فَإِنَّنِي
يَا مُنْبِتَ الأزْهَارِ عَاطِرة الشَّذَا
يَا مُرْسِلَ الأطْیَارِ تَصْدَحُ فِي الرُّبَا
يَا مُجِرىَ الأَنْهَارِ مَا جَرَیَانُها
رَبَّاهُ هَأَنَذَا خَلِصْتُ مِنَ الَمَوَى
وَتَرَكْتُ أَنْسِىَ بِالحَيَاةِ وَلَهُوَهَا
وَنَسِيتُ حُبِّي وَأْعتَزَلْتُ أَحَيَّتِي
ذُقْتُ الَوَى مُرَّا وَلَمْ أَذُقِ الَوَى
أَنَاكُنْتُ يَا رَبِّ أَسِيرَ غِشَاوَة
واليومَ يَا رَبِّ مَسَحْتُ غِشَاوَتي
يَا غَافِرَ الذَّنْبِ العَظِيمِ وَقَائِلًا
أَتَرُدُهُ وَتَرُدُّ صَادِقَ تَوْبَتِي
يَا رَبِّ جِئْتُكَ نَادِمًا أَبْكِي عَلَى
تَذْرِي لهُ وَلِكُنْهِهِ إِذْرَاكَا
ما جَاوزته وَلا مَدَى لَدَاكَا
في كُلِّ شَيْءٍ أَسْتَبِيْنُ عُلَاَكَا
هَذَا الشَّذَا الْفَوَّاحُ نَفْحُ شَذَاكَا
صَدَحَاتُهَا تَسْبِيحَةٌ لِعُلاَكَا
إِلََّ انْفِعَالَةُ قَطْرَةٍ لِنْدَاكَا
وَاسْتَقْبَلَ القَلْبُ الخَِلِيُّ هَوَاكَا
وَلَقِيتُ كُلَّ الأُنْسِ فِي نَجْواكَا
وَنَسيتُ نَفْسِي خَوْفَ أَنْ أَنَّسَاكَا
يَا رَبِّ حُلْوًا قَبْلَ أَنْ أَهْواكَا
رَانَتْ عَلَى قَلْبِي فَضَلَّ سَنَاكَا
وَبَدَأْتُ بِالْقَلْبِ البَصِيرِ أرَاكَا
للتَّوْبِ قَلْبٌ تَائِبٌ نَاجَاكَا
حاشاك ترفض تَائِبًا حاشاكا
مَا قَدَّمَتْهُ يَدَايَ لا أَتْبَاكَا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
أَخْشَى مِنَ العَرْضِ الَّهِیبِ عَلَيْكَ يَا
يَا رَبِّ عُدْتُ إِلَى رِ حَابِكَ تَائِيًا
مَالٍ وَمَا لِلأغْنِيَاءِ وَأَنْتَ يَا
مَالٍ وَمَا لِلْأَقْوِيَاءِ وأَنْتَ يَا
مَالٍ وَأَبْوَابِ اللُّوكِ وَأَنْتَ مَنْ
إِّ أَوَيْتُ لِكُلِّ مَأْوَى فِي الحَيَا
وَتَلَمَّسَتْ نَفْسِي السَّبِيلَ إِلَى النَّجَا
وَبَحَثْتُ عَنْ سِرِّ السَّعَادَةِ جَاهِدًا
فَلْيَرِضَ عنِّ النَّاسُ أَوْ فَلْيَسْخَطُوا
أَدْعُوكَ يَا رَبِّ لِتَغْفِرَ حَوْبَتِي
فَاقْبَلْ دُعَائِي وَاسْتَجِبْ لِرَجَاوَتِي
يَا رَبُّ هَذَا العَصْرُ أْدَ عِنْدَمَا
عَلَّمْتَهُ مَن عِلْمِكَ النوَويِّ ما
مَا كَادَ يُطْلِقُ لِلْعُلاصَارُوخَهُ
وَاغْتَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْكَوْنَ في
أَوَ مَا دَرَى الإِنْسَانُ أَنَّكَ لَوْ أَرَدْ
لَوْ شِئْتَ يا ربِّ هَوَى صَارُوخُهُ
بَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَهْلًا وَاتَِّدْ
وَاسْجُدْ لَوْلَاكَ القَدِيرِ فَإِنَّهَا
رَبِّ وَأَخْشَى مِنْكَ إِذْ أَلْقَاكَا
مَسْتَسْلِمَا مُسْتَمسِكًا بِعُرَاكَا
رَبِّ الغَنِيُّ وَلا يُحَدُّ غِنَاكَا
رَبِّ وَرَبَّ النَّاسِ مَا أَقْوَاكَا
خَلَقَ الملوكَ وقَسَّمَ الأَمْلَاكَا
◌ِ فَمَا رَأَيْتُ أَعَزَّ مِنْ مَأْوَاكَا
ةِ فَلَم تَجِدْ مَنْجِى سِوَى مَنْجَاكَا
فَوَجَدْتُ هَذَا السرَّ فِي تَقْوَاكَا
أنا لَمْ أَعْدُ أَسَعَى لِغَيرِ رِضَاكَا
وَتُعِينَنِي وَتَمُذَّنِي بِهُدَاكَا
ما خَابَ يَوْمًا مَنْ دَعَا وَرَجَاكَا
سخّرْتَ يا رَبِّ لَهُ دُنْیَاكَا
علَّمته فإذا بِهِ عادَاكَا
حَتَّى أَشَاحَ بِوَجْهِهِ وَقَلَاكَا
يُمْنَى بَنِي الإِنْسَانِ لَا يُمْنَاكَا
تَ لَظَلَّتِ الذَّرَّاتُ فِي ◌َخْبَاكَا
أَوْ لَوْ أَرَدْتَ لَمَا اسْتَطَاعَ حِرَاكًا
وَاشْكُرْ لِرَبِّكَ فَضْلَ مَا أَوْلَاكَا
مُسْتَحْدَثَاتُ العِلم مِنَ مَولَاكَا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
٣٨٧
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
الله مازك دون سائر خلقه
أَفَإِنْ هَدَاكَ بِعِلْمِهِ لِعَجِيبَةٍ
إِنَّ النَّوَاةَ وَلِكْتُرُوناتِ التِي
مَا كُنْتَ تَقْوَى أَنْ تُفَتِّتَ ذَرَّةً
كُلُّ العَجَائِبِ صَنْعَهُ العَقْلِ الَّذِي
وَالعَقْلُ لَيْسَ بِمُدْرِكِ شِيْئًا إِذَا
لله في الآفَاقِ آياتٌ لَعَـ
وَلَعَلَّ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ آيَاتِهِ
والكوْنُ مَشْحونٌ بِأسْرَارٍ إِذَا
قَلْ لِلطَِّيبِ تَخَطَّفَتْهُ يَدُ الرَّدَى
قُلْ لِلْمَرِيضِ نَجَا وَعُوَ بَعدَ مَا
قُلْ لِلصَّحِيحِ يَمُوتُ لَا مِنْ عِلَّةٍ
قُلْ لِلْبَصَيرِ وَكَانَ يَخْذَرُ حُفْرَةً
بَلْ سَائِلِ الأعْمِى خَطَا بَيْنَ الزُّحَا
قُلْ لِلْجَنِينِ يَعِيشُ مَعْزُولًا بِلَا
قُلْ لِلْوَلِيدِ بَكَى وَأَجْهَشَ بِالْبُكَا
وَإِذَا تَرَى الثُّعْبَانَ يَنْفُثُ سُمَّهُ
وَاسْأَلْهُ كَيْفَ تَعِيشُ يَا ثُعْبَانُ أَوْ
وَاسْأَلَ بُطُونَ النَّحْلِ كَيْفَ تَقَّاطَرَتْ
وبِنِعْمَةِ العَقْلِ البَصِيرِ حَبَاكًا
تَزْوَرُّ عَنْهُ وَيَنْثَنِي عِطْفَاكَا
تَجْرِي يَراهَا اللهُ حين يراكا
منهن لولا الله قد قواكا
هُوَ صَنْعَةُ الله الَّذِي سَوَّاكَا
مَا اللهُ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ الإِدْرَاكَا
ـلَّ أَقَلَّها هُوَ مَا إِليهِ هَدَاكَا
عَجَبٌ عُجَابٌ لَوْ تَرَى عَيْنَاكَا
حَاوَلْتَ تَفْسِيرًا لَهَا أَعْيَاكَا
أَمُدَاوِيَ الأمْرَاضِ مَنْ أَزْدَاكًا؟
عَجَزَتْ فُنُونُ الطِّبِّ مَنْ عَافَاكَا
مَنْ بِالمنَايَايَا صَحِيحُ دَهَاكًا
فَهَوَى بِهَا مَنْ ذَا الذي أَهْوَاكَا
م بِلَا اصْطِدَامٍ مَنْ يَقُودُ خُطَاكَا
رَاعٍ وَمَرْعَى مَا الَّذِي يَرْعَاكَا
ءِ لَدَى الوِلَادَةِ مَا الَّذِي أَبَّكَاكَا
فاسْأَلْهُ مَنْ ذَا بِالسُّمُومِ حَشَاكَا
تَحْيَا وَهَذَا السُّمُّ يَملأُ فَاكَا
شَهْدًا وَقُلْ لِلشَّهْدِ مَنْ خَلَّاكَا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
بَلْ سَائِلِ اللَّبَنَ المُصفَّى كَانَ بَيْ
وَإِذَا تَرَى ابْنَ السُّودِ أَبْيَضَ نَاصِعًا
وَإِذَا تَرَى ابْنَ الْبِيضِ أَسْوَدَ فَاحِمًا
قُلْ لِلْهَوَاءِ تُحِسُّهُ الأَيْدِي وَيُخْـ
قُلْ لِلنَّباتِ يَجِفُّ بَعدَ تَعَهُّدٍ
وَإِذَا رَأَيْتَ النَّبْتَ فِي الصَّحْرَاءِ يَر
وَإِذَا رَأَيْتَ الْبَدْرِ يَسْرِي نَاشِرًا
وَاسْأَلَ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَدْنُو وَهْي ◌ُبْـ
قُلْ لِلْمَرِيرٍ مِنَ الثّارِ: مَنِ الَّذِي
وإذا رَأيْتَ النَّخْلَ مَشْقوقَ النَّوَى
وإذا رَأْيتَ النَّارَ شَبَّ لَيُّهَا
وَإِذَا تَرَي الْجَبَلَ الأَشَمَّ مُنَاطِحًا
وَإِذَا تَرَى صَخْرًا تَفَجَّرَ بِالمیا
وَإِذَا رَأيْتَ النَّهْرَ بِالْعَذْبِ الزُّلَا
وَإِذَا رَأَيْت الْبَحْرَ بالمِلْحِ الأُجَا
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّلَيْلَ يَغْشَى دَاجِيًّا
وَإِذَا رَأَيْتَ الصُّبِحَ يُسْفِرُ ضَاحِيًا
هَذِي عَجَائِبُ طَالَمَا أُخِذَتْ بِهَا
بَأَّهَا الإِنْسَانُ مَهْلًا مَا الَّذِي
ـنَ دَم وفَرْثٍ مَا الَّذِي صَفَّاكَا
فَاسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ الْبَيَاضُ أَتَاكَا
فَاسْأَلْهُ مِنْ ذَا بِالسَّوَادِ طَلَاكَا
ـفَى عَنْ عُونِ النَّاسِ مَنْ أَخْفَاكًا
وَرِعَايَةٍ مَنْ بِالجَفَافِ رَمَاكَا
بُو وَحْدَهُ فاسْأَلْهُ مَنْ أَرْبَاكَا
أَنْوَارَهُ فَاسْأَلْهُ مَنْ أَسْرَاكَا
ـعَدُ كُلِّ شَيءٍ مَا الَّذِي أَدْنَاكَا
بِالْمُّمِنْ دُونِ الثَّارِ غَذَاكَا
فاسْأَلهُ: مَنْ يا نَخْلُ شَقَّ نَوَاكَا
فاسْأَلْ لَيبَ النَّارِ مَنْ أَوْرَاكَا
قِمَمَ السَّحابِ فسَلُهُ: مَنْ أَرْسَاكَا
هِفَسَلْهُ مَنْ بِالماءِ شَقَّ صَفَاكَا
لٍ جَرَى فَسَلْهُ مَنِ الَّذِي أجْرَاكَا
ج طَغَى فَسَلْهُ مَنِ الَّذِي أَطْغَاكَا
فاسْأَلْهُ مَنْ يَا لَيْلُ حَاكَ دُجَاكَا
فاسْأَلْهُ مَنْ يَا صُبْحُ صَاغَ ضُحَاكَا
عَيْنَاكَ وانْفَتَحَتْ بِهَا أُذُنَاكَا
بِالله جَلَّ جَلالُهُ أَغْرَاكَا
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
التوحيد أولا
٣٨٩
ولله درّ القائل:
قِفْ بالْخُضُوعِ ونَادِ يا الله
وَاطْلُبْ بِطَاعَتِهِ رِضَاهُ فَلَمْ يَزَلْ
وَاسْأَلْهُ مَغْفِرَةً وَفَضْلًا إِنَّهُ
وَاقصِدْهُ مَنْقَطِعًا إِلَيْهِ فَكلُّ مَنْ
شَمِلَتْ لَطَائِفُهُ الْخَلَائِقَ كلَّهَا
فَعَزِيزُهَا وَذَلِيلُهَا وَغَنِيُّهَا
مَلِكٌ تَدِينُ لَهُ الملوكُ ويَلْتَجِي
هُوَ أوَّلٌ هَوَ آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ
حَجَبَتْهُ أسْرارُ الْجَلَالِ فَدُونَهُ
صمد بلا كفءٍ ولا كيفية
شَهِدَتْ غَرَائِبُ صُنْعِهِ بُوجُودِهِ
وَإِلَيْهِ أَذْعَنَتِ العُقُولُ فَآمَنَتْ
سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوُجُوهُ لِوَ جْههِ
طَوْعًا وَكَرْهًا خَاضِعِينَ لِعِزِّهِ
سَلْ عَنْهُ ذَرَّاتِ الوُجُودِ فَإِنََّا
مَا كَانَ يُعْبَدُ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
أَبْدَي بِمُحْكَم صُنْعِهِ مِنْ نُطْفَةٍ
إِنَّ الكَرِيَم يُجِيبُ مَنْ نَادَاهُ
بالْجُودِ يُرْضِى طَالبِينَ رِضَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ لِسَائِلِيهِ يَدَاهُ
يَرْجُوهُ مَنْقَطِعًا إِلَيْهِ كَفَاهُ
مَا لِلْخَلَائِقِ كَافِلٌ إِلَّا هُو
وَفَقِيرُهَا لَا يَرْتَّجُونَ سِوَاهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقْرُهْم بغِناهُ
هُوَ بَاطِنٌ لَيْسَ الْعُيُونُ تَرَاهُ
تَقْف الظُّنُونَ وتَخْرُس الأفواهُ
أَبَدًا فَمَا النُّظَرَاءُ وَالأَشْبَاءُ
لَوْلَاهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ لَوْلَاهُ
بالْغَيْبِ تُؤْثِرُ حُبَّهَا إِيَّاهُ
وَلَهُ سُجُودٌ أَوْجُهٌ وَجِبَاهُ
وَلَهُ عَلَيْهَا الطَّوْعُ وَالإِكْرَاهِ
تَدْعُوهُ مَعْبُودًا لَا رَبَّاهُ
وَالْكُلُّ تَحْتَ القَهْرِ وَهْوَ إِلهُ
بَشَرًا سَوِيًّا جَلَّ مَنْ سَوَّاهُ
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وَبَنَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَا وَالْعَرْشَ وَالـ
وَدَخَا بِسَاطَ الأرْضِ فَرْشًا مُثْبَنًا
تَجْرِي الرِّيَاحُ عَلَى اخْتِلَافِ هُبُوبِهَا
ربُّ رحيم مُشْفِقٌ مُتَعَطِّفٌ
كمْ نِعْمَةٍ أَوْلِى وَكَمْ مِنْ كُرْبَةٍ
ولِحِلْمِهِ سبحانهُ يُعْصَى فَلَمْ
يَأْتِيهِ مُعْتَذِرًا فَقْبَلُ عُذْرَه
ياذا الجلال وذا الجمالِ وذَا البقا
يا مَن هو المعروفُ بالمعروفِ یا
أنا مُذْنِبٌ أشکو ذنوبي فائحُها
وَأَذِقْنِي بَرْدَ رِضاكَ عني فلم يَخِبْ
العبد وربه :
ـكُرْسِيَّ ثُمَّ عَلَا عَلَيْهِ عُلَاهُ
بالرَّاسِيَاتِ وبِالنَّبَاتِ حَلَاهُ
عَنْ إِذْنِهِ والفُلْكُ وَالأَمْوَاهُ
لا ينتهي بالحصرِ ما أعْطاهُ
أَجْلَى وَكَمْ مِن مُبْتَلَى عافاهُ
يعجَلْ على عبدٍ عَصَى مولاهُ
كَرَمًا ويغفِرُ عَمْدَهُ وخَطَاهُ
يا مُنْعِمَا عَمَّ الأنامَ نَدَاهُ
غَوْثَاهُ يا مولاهُ يا مولاهُ
عَنِّي وبَلّغني الذي أهواهُ
مَن كان عيْنُكَ بالرضا ترعاهُ (١)
■ قال ابن القيم - رحمه الله -:
((طُوبى لِمِنْ أَنْصَفَ ربَّه؛ فأَقرَّ له بالجهل (٢) في علمِهِ، والآفاتِ في
عملِهِ، والعيوب في نفسِهِ، والتفريطِ في حقَهِ، والظلم في معاملتِهِ، فإِنْ
آخَذَه بذنوبهِ رأى عدلَه، وإِنْ لم يُؤَاخِذْه بها رأى فضلَهَ، وإِنْ عملَ حسنةً
رآها من منَّتِهِ وصدقتِهِ عليه، فإِنْ قَبِلَها فمِنَةٌ وصدقةٌ ثانيةٌ، وإِنْ رَدَّها
(١) للبُرَعِي.
(٢) أي: أَقرَّ هذا الإنسان -الذي يُريد أَن يُنصِفَ نفسه- لربِّهِ، بجهلِ نفسِهِ.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
فلكَّوْنِ مثلِها لا يصلحُ أَن يُواجَه به، وإِنْ عملَ سيئةً رآها من تخلِّيه عنه
وخذلانِهِ له وإِمساكِ عصمتِهِ عنه، وذلك من عدلِهِ فيه، فيرى في ذلك
فقرَه إلى ربِّهِ وظلمَه في نفسِهِ، فإِنْ غفرَها له فبمحضِ إحسانِهِ وجودِهِ
وگَرَمِهِ.
ونُكنةُ المسألةِ وسرُّها: أَنَّه لا يرى ربَّه إلَّا مُحسنًا، ولا يرى نفسه إلَّا
مُسيئًا أَو مُفرِّطًا أو مُقصِّرًا، فيرى كلّ ما يسرُّهُ من فضل ربِّهِ عليه وإحسانِهِ
إليه، وكلّ ما يسوؤهُ من ذنوبِه وعدلِ الله فيه.
المحبُّونَ إذا خربتْ منازلُ أَحبّائِهم؛ قالوا: سقيًا لسكّانِها!
وكذلك المحبُّ إذا أَتَتْ عليه الأَعوامُ تحتَ الترابِ؛ ذَكَرَ حينئذٍ حُسْنَ
طاعتِهِ له في الدنيا، وتودُّدَه إليهن وتجدَّد رحمتِهِ وسقياه لمن كان ساكنًا في
تلك الأجسام البالية)(١).
والعبد عائِذٌ بِرِضَى الله من سخطِهِ، وبعفوهِ من عقوبته، وبه مِنه،
مستجيرٌ وملتجئٌ إليه (٢)، يعلمُ أَنَّه إذا تخلَّى عنه وخلَّى بينه وبين نفسه
فعندهُ أمثالها وشرّ منها، وأنَّه لا سبيل له إلى الإقلاع والتوبة إلّا بتوفيقه
وإعانته، وأن ذلك بيده سبحانه لا بيد العبد.
فهو أعْجَزُ وأضعَفُ وأقلُّ مِن أَن يُوَفِّق نفسَهُ، أَوْ يأتي بمرضاه سَيِّدِه
بدون إذنِهِ ومشيئته وإعانته، فهو ملتجئٌ إليه متضرِّعٌ ذليلٌ مسكينٌ، مُلْق
نفسَه بين يديْه، وطريحٌ ببابه، مُسْتَخْذٍ لهُ، أَذَلَّ شيءٍ وأكْسَرَه له وأفقرَه
وأحْوَجَهُ إليه، وأرغَبَهُ فيه، وأَحبَّه فيه، ولا له ولا به ولا مِنْهُ، وأنَّ الخيرَ
(١) ((الفوائد)) لابن القيم، و((فوائد الفوائد)) (ص٢٦).
(٢) أي: ذليلٌ مُتَمَسْكِنّ.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٠
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩١

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
گُلَّه لله وفي يديه وبه ومنه، فهو وَلِيُّ نعمَتِه، ومبتدئهُ بها من غير استحقاق،
وُجريها عليه مع تَمَقّتِهِ إليه بإعراضه وغفلته ومعصِیتهِ.
فَحظُّه سبحانه: الحمد والشكر والثناء، وحظَّ العبدِ: الدَُّ والنَّقْصُ
والعيبُ، قد استأثَر بالمحامد والمدح والثناء، وَوَلَِّ العبدَ الملامةَ والنقائص
والعيوب، فالحمدُ كُلُّه له، والخيرُ كلُّهُ في يديْه، والفضلُ كُلُّه له، والثناءُ كُلُّهُ
له، والِنَّةُ كُلَّها له، فمنه الإحسان، ومِن العبد الإساءة، ومنه التوَدُّدُ إلى
العبد بنعمه، ومِن العبد التبغّضُ إليه بمعاصيه، ومنه النَّصْحُ لعبده، ومِن
ءِ
العبدِ الغِشْ له في معاملته))(١).
الله وًَّ:
هو وحده الذي أصلح الفاسدين، وأقبل بقلوب المُعرضين، وتابَ
على المُذنبين، وهَدَى الضالِّين، وأنقذ الهالكين، وعَلَّم الجاهلين، وبَصَّرَ
المتحيِّرِين، وذكَّرَ الغافلين، وآوَى الشاردين، وإذا أوقع عقابًا أوقعه بعد
شدَّة التمرُّدِ والعُنُوِّ عليه، قال أصحاب الجنَّة التي أفسدَها عليهم لما
[القلم].
٢٩
رأوها: ﴿﴿سُبْحَنَ رَبِنَا إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ
قال الحسن: ((لقد دخلوا النارَ -وإنَّ حَمْدَهُ في قلوبهم - ما وجدُوا عليه
حُجَّةً ولا سبيلًا)).
قد أزاح سبحانه العِلَل، وأقامَ الحجَجَ، ومَكَّنَ من أسباب الهِدَاية، وأنه
لا يُضِلُّ إلَّا الفاسقين والظالمين، ولا يَطْبَعُ إلَّا على قلوب المعتدين، ولا
يُرْكس في الفتنة إلَّا المنافقين بكَسْبِهِم.
(١) ((الفوائد)) لابن القيم، و((فوائد الفوائد)) (ص٤٧ - ٤٨).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩٣
التوحيد أولا
خطاب القرآن في وصف الرحمن:
قال ابن القيم -رحمه الله -: ((تأمَّلْ خطابَ القرآنِ تجدْ مَلِكًا له المُلْكُ
كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، أَزِمَّةُ الأُمورِ كلُّها بيدِه، ومصدرُها منه، ومردُّها إِليه،
مستويًا على سريرِ مُلكِهِ، لا تخفى عليه خافيةٌ في أَقطارِ مملكتِهِ، عالما بما في
نفوسٍ عبيدِهِ، مُطّلِعًا على إسرارِهم وعلانيتِهم، منفردًا بتدبيرِ المملكةِ،
يسمعُ ويرى، ويُعطي ومنعُ، ويثيبُ ويعاقبُ، ويُكرِمُ ويُهينُ، ويخلقُ
ويرزقُ، ويُميتُ ويحيي، ويُقدِّرُ ويقضي ويدبِّرُ.
الأُمورُ نازلةٌ من عندِهِ دقيقُها وجليلُها، وصاعدةٌ إليهِ، لا تتحرَّك في
ذرّةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ، ولا تسقطُ ورقةٌ؛ إلَّا بعلمِه.
ثناءُ الله على نفسِهِ:
فتأمَّلْ كيفَ تجدُه يُثني على نفسِه ويمجّدُ نفسَه، ويحمدُ نفسَه، وينصحُ
عبادَه، ويدلهّم على ما فيه سعادتُهم وفلاحُهم ويَرُغَّبُهم فيه، ويُحَذَّرُهم مما
فيه هلاكُهم، ويعترفُ إِليهم بأَسمائِه وصفاتِه، ويتحبَّبُ إليهم بنِعَمِهِ
وآلائِه، فيذكِّرُهم بنِعَمِهِ عليهم، ويأمرُهم بما يستوجبونَ به تمامَها،
ويُحذِّرُهم من نِقَمِهِ، ويَذكِّرُهم بما أَعدَّ لهم من الكرامةِ إِنْ أَطاعوهُ، وما أَعدَّ
لهم من العقوبةِ إِنْ عصوهُ، ويُخبرُهم بصنعهِ في أَوليائِه وأعدائِهِ، وكيفَ
كانت عاقبةُ هؤلاءِ وَهؤلاءِ.
بين الرب وعباده:
ويَشهدُ من خطابِه عتابَه لأَحبَّائِهِ أَلطفَ عتابٍ، وأَنَّه مع ذلك مقيلٌ
عثراتِهِم، وغافرٌ زلّاتِهِم، ومقيمٌ أَعذارَهم، ومصلحٌ فسادَهم، والدافعُ
عنهم، والمحامي عنهم، والناصرُ لهم، والكفيلُ بمصالحِهم، والمنجي لهم
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
من كلِّ كَرْبٍ، والموفي لهم بوعدِهِ، وأَنَّه وليُّهم الذي لا وليَّ لهم سواهُ، فهو
مولاهم الحقّ، ونصيرُهم على عدوِّهم، فنعمَ المولى ونعمَ النَّصير.
فإذا شهدتِ القلوبُ من القرآنِ مَلِكًا عظيمًا رحيمًا جوادًا جميلًا، هذا
شأنُه، فكيفَ لا تحبُّه وتَنافَسُ في القُرب منه، وتُنفقُ أَنفاسَها في التودُّد إِليهِ،
ويكونُ أَحبَّ إليها من كلَّ ما سواهُ، ورضاهُ آثرَ عندَها من رضا كلّ ما
سواه؟!
وكيفَ لا تلهجُ بذكرِهِ، ويصيرُ حبُّهُ والشوقُ إليه والأُنْسُ به هو
غذاءَها وقوّتَها ودواءَها، بحيثُ إِنْ فقدتْ ذلك؛ فسدتْ وهلكتْ ولم
تنتفعْ بحياتِها؟!))(١).
بين العبد والربّ:
ماذا يملكُ مِن أَمرِه مَنْ ناصيتُه بيدِ الله ونفسُه بيدِه، وقلبُهُ بينَ إِصبعين
من أَصابعِه يقلِّبُه كيفَ يشاءُ (٢)، وحياتُهُ بَيَدِه، وموتُه بيدِه، وسعادتُه بيده،
وشقاوتُه بيدِه، وحركاتُه وسكناتُه وأَقوالُه وأَفعالُه بإِذنِه ومشيئتِه، فلا
يتحرَّكُ إلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يفعلُ إلَّا بمشيئتِهِ؟!
إِنْ وكَلَه إلى نفسِه وكَلَه إلى عجزٍ وضيعةٍ وتفريطٍ وذنبٍ وخطيئةٍ.
وإنْ وَكَلَه إلى غيرِهِ وكَلَه إلى مَنْ لا يملكُ له ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا
ولا حياةً ولا نُشورًا.
وإِنْ تخلَّى عنه استولى عليه عدوُّه وجعلَه أَسیرًا له.
(١) ((الفوائد)) لابن القيم.
(٢) كما في الحديث الذي رواه مسلم (٢٦٥٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص
څعنها.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩٥
التوحيد أولا
معرفة الله بجماله من أعزَّ أنواع المعرفة:
قال ابن القيم: ((من أَعزِّ أَنواع المعرفة: ((معرفةُ الربِّ سبحانَه
بالجمالِ، وهي معرفةُ خواصِّ الخلقِ، وكلّهم عرَفه بصفةٍ من صفاتِهِ،
وأَنْمُّهم معرفةً من عَرفَه بكمالِه وجلالِهِ وجمالِه سبحانَه، ليس كمثله شيءٌ في
سائرِ صفاتِه، ولو فَرَضْتَ الخلقَ كلُّهم على أَجمِلِهِم صورةً، وكلُّهم على
تلك الصورة، ونَسَبْتَ جمالهَم الظاهرَ والباطنَ إلى جمالِ الربِّ سبحانَه؛
لكانَ أَقَلَّ من نسبةِ سِراج ضعيفٍ إِلى قرصِ الشمسِ.
ويكفي في جمالِهِ أَنَّه لو كُشفَ الحجابُ عن وجهِهِ لأَحرَقتْ سُبحاتُه ما
انتھی إلیه بصرُه من خلقه(١).
ويكفي في جمالِهِ أَنَّ كُلَّ جمالٍ ظاهرٍ وباطنٍ في الدنيا والآخرةِ فمِن آثارِ
صنعتِه، فما الظنُّ بمن صَدَرَ عنه هذا الجمالُ؟؟
ويكفي في جمالِهِ أَنَّه له العزّةُ جميعًا -والقوّةُ جميعًا - والجودُ كلُّه،
والإحسانُ كلُّه، والعلمُ كلُّه، والفضلُ كلُّه، ولِنورٍ وجْهِهِ أَشرقتِ
الظُّلُمَاتُ؛ كما قالَ النبيُّ وَّه في دعاء الطائفِ: ((أَعوذُ بنورِ وجهِكَ الَّذِي
أَشرقَتْ لهُ الظَّلُمَاتُ، وصَلَحَ عليه أَمْرُ الدُّنيا والآخرةِ))(٢).
(١) كما في ((صحيح مسلم)) (٢٩٣) عن أبي موسى الأشعري.
(٢) رواه ابن إسحاق في ((السيرة)) (٧٢/٢) ابن هشام، والطبريُّ في ((تاريخه))
(٣٤٤/٢) بسند مرسل. ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٨١ - قطعة من جزء
١٣)، وفي ((الدعاء)) (١٠٣٦) عن عبد الله بن جعفر. وفي سنده عنعنة ابن
إسحاق، وهو مدلّسٌ؛ كما قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٥/٦). وله إسناد آخر -
مرسلاً- عند البيهقي في «دلائل النبوة)) (٤١٥/٢) عن الزُّهري. فالحديث لا
يَصحُ.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٣٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ وقال عبدُ الله بن مسعودٍ له: ((ليسَ عندَ ربِّكم ليل ولا نهارٌ، نورُ
السَّماواتِ والأرضِ مِنْ نورِ وجهِهِ))(١).
فهو سبحانَه نورُ السمواتِ والأرضِ، ويومَ القيامةِ إذا جاءَ لفصلٍ
القضاءِ تشرقُ الأرضُ بنورِه.
ومن أسمائه الحسنى (الجميل))، وفي (الصحيح) (٢) عنه وَّ: ((إِنَّ اللهَ
جميلٌ يحبُّ الجَمالَ)).
وجمالُه سبحانَه على أربع مراتب: جمالُ الذاتِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ
الأَفعالِ، وجمالُ الأَسماء:
فَأَسماؤه كلُّها حسنى، وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، وأَفعالُه كلُّها حكمةٌ
ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ.
وأَمَّا جمالُ الذاتِ وما هو عليه؛ فَأَمرٌ لا يُدْرِكُه سواه ولا يعلمُه غیرُه،
وليسَ عند المخلوقين منه إلَّا تعريفاتٌ تَعرَّفَ بها إلى مَن أكرمَه مِن عبادِه؛
فإِنَّ ذلك الجمالَ مَصُونٌ عن الأَغيار، محجوبٌ بسترِ الرِّداءِ والإِزارِ؛ كما
قالَ رسولُهُ وَّله فيما يحكي عنه: ((الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إِزاري))(٣)، ولَّا
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٨٨٨٦)، وعثمان الدارمي في ((الرَّدّ على بشر
المريسي)) (٤٤٩) ((عقائد السلف)) بسند فيه أبو عبد السلام، وهو مجهولٌ، كما
قال الهيثمي في ((المجمَع)) (٨٥/١). وزادَ المصنّفُ نسبتَه في ((اجتماع الجيوش
الإسلاميَّة)) (ص٤٥) للطبرانيِ في ((السنَّة)). فلعلُّه من طريقِ آخر، فقد صححه
شيخُ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (٣٩١/٦)، قائلاً: ((فقد ثبتَ عن
ابن مسعود .. )) وذكره.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٩١) عن ابن مسعود.
(٣) رواه أحمد (٢٤٨/٢، ٣٧٦، ٤٢٧، ٤٤٢)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
٣٩٧
كانت الكبرياءُ أَعظمَ وأَوسعَ؛ كانتْ أَحقَّ باسمِ الرِّداءِ؛ فإِنَّه سبحانَه
الكبيرُ المتعالُ؛ فهو سبحانَه العليُّ العظيم.
قال ابن عباس ﴿إنشها: «حَجبَ الذاتَ بالصفاتِ؟! وحجَبَ
0
الصفاتِ بالأَفعالِ)).
فما ظنَّك بجمالٍ حُجِبَ بأَوصافِ الكمالِ، وسُتِرَ بنعوتِ العظمةِ
والجلالِ؟ !.
ومن هذا المعنى يُفْهَمُ بعضُ معاني جمالِ ذاتِه؛ فإِنَّ العبدَ يتَرقَّى من
معرفةِ الأَفعالِ إلى معرفةِ الصفاتِ، ومن معرفةِ الصفاتِ إلى معرفةٍ
الذات، فإِذا شاهدَ شيئًا من جمالِ الأَفعالِ استدلّ به على جمالِ الصفاتِ،
ثُمَّ استدلَّ بجمالِ الصفاتِ على جمالِ الذاتِ.
ومن ههنا يتبيّنُ أَنَّه سبحانَه له الحمدُ كلُّه، وأَنَّ أَحدًا من خلقِه لا
يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أَثنى على نفسِه، وأَنَّه يستحقُّ أَن يُعبدَ لذاتِهِ،
ويُحَبَّ لذاتِهِ ويُشكَرَ لذاتِهِ، وأَنَّه سبحانَه يحبُّ نفسَه، ويُثني على نفسِه،
ويَحْمَدُ نفسَه، وأَنَّ محبّتَه لنفسِه، وحمدَه لنفسِه، وثناءَه على نفسِه، وتوحيده
لنفسِه هو في الحقيقةِ الحمدُ والثناءُ والحبُّ والتوحيدُ.
فهو سبحانَه كما أثنى على نفسِه وفوقَ ما يُثني به عليه خلقُه، وهو
سبحانَه كما يُحِبُّ ذاتَه يُحِبُّ صفاتِهِ وأَفعالَه، فكلُّ أَفعالِهِ حسنٌ محبوبٌ،
وإِنْ كانَ في مفعولاتِهِ ما يبغضُه ويكرهُه؛ فليسَ في أَفعالِه ما هو مكروهٌ
مسخوطٌ.
(٢١٧٤) عن أبي هريرة بسندٍ صحيحٍ. وهو في ((صحيح مسلم)) (٢٦٢٠) عن
أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا بنحوِهِ.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

https://web lessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
وليس في الوجودِ ما يُحُبُّ لذاتِهِ ويُحْمَدُ لذاتِهِ إلَّا هو سبحانَه، وكلُّ ما
يُحِبُّ سواه، فإِنْ كانت محبّتُه تابعةً لمحبتِه سبحانَه -بحيث يُحِبُّ لأجلِه-؛
فمحبتُهُ صحيحةٌ، وإلَّا فهي محبّةٌ باطلةٌ.
وهذا هو حقيقةُ الإلهية؛ فإِنَّ الإِلهَ الحقَّ هو الذي يُحُبُّ لذاتِهِ ويُحْمَدُ
لذاتِهِ، فكيفَ إذا انضافَ إلى ذلكَ إحسانُه، وإِنعامُه، وحِلمُه، وتجاوزُه،
وعفوُه، وبرُّه، ورحمتُه؟!
فعلى العبدِ أَنْ يعلمَ أَنَّه لا إله إلّا الله؛ فيحبَّه ويحمده لذاتِهِ وکمالِهِ، وأَنْ
يعلمَ أنَّه لا محسنَ على الحقيقةِ بأصنافِ النعَم الظاهرةِ والباطنةِ إلّا هو؛
فيحبَّه لإِحسانِه وإِنعامِه، ويحمده على ذلك؛ فيحبّه من الوجهين جميعًا.
وكما أَنَّه ليسَ كمثلِه شيءٌ فليسَ كمحبتِه محبةٌ، والمحبّةُ مع الخضوع هي
العبوديّةُ التي خُلق الخلقُ لأَجلِها؛ فإِنَّهَا غايةُ الحبِّ بغايةِ الذُّلِّ، ولا يصلحُ
ذلك إلَّا له سبحانَه، والإِشراكُ به في هذا هو الشركُ الذي لا يغفره اللهُ،
ولا يقبلُ لصاحبه عملًا.
وحمدُه يتضمّنُ أَصلين: الإِخبارَ بمحامدِه وصفاتٍ كمالِهِ، والمحبّةَ له
عليها، فَمَنْ أَخبرَ بمحاسنٍ غيرِه من غيرِ محبّةٍ له لم يكن حامدًا، ومَنْ أَحبَّه
من غيرِ إِخبارٍ بمحاسنِه لم يكنْ حامدًا حتى يجمعَ الأمرین.
وهو سبحانَه يحمدُ نفسَه بنفسِه، ويحمدُ نفسَه بما يُجريه على ألسنةِ
الحامدينَ له من ملائكتِهِ وأَنبيائِه ورُسلِه وعبادِه المؤمنين، فهو الحامدُ
لنفسِه بهذا وهذا، فإِنَّ حمدَهم له بمشيئِه وإِذْنِه وتكوينِهِ، فإِنَّه هو الذي
جعلَ الحامدَ حامدًا، والمسلمَ مسلمًا، والمصلِّيَّ مصليًا، والتائبَ تائبًا، فمنه
ابتدأت النِّعَمُ، وإِليهِ انتهتْ؛ فابتدأت بحمدِه، وانتهت إلى حمدِه، وهو
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٩٩
التوحيد أولا
الذي أَلْمَ عبده التوبةَ، وفَرِحَ بها أَعظمَ الفرح، وهي من فضلِهِ وجودِهِ،
وأَلهمَ عبدَه الطاعةَ وأَعانَه عليها، ثم أَثابَه عليها، وهي من فضلِه وجودِه.
وهو سبحانَه غنيٌّ عن كلّ ما سواه بكلِّ وجهٍ، وما سواهُ فقيرٌ إليه بكلِّ
وجهٍ، والعبدُ مفتقرٌ إليه لذاتِه في الأسبابِ والغايات؛ فإِنَّ ما لا يكونُ به:
لا يكونُ، وما لا يكونُ له: لا ينفعُ)) (١) اهـ.
• قال رسول الله وَله: ((إن الله جميل يحبُّ الجمال)) وهذا الحديث
الشريف مشتمِلٌ على أصَليْن عظيميْن: فَأَوَّلُهُ معرفةٌ، وآخرُهُ سلوكٌ،
فيُعْرَفُ اللهُ سبحانَه بالجمالِ الذي لا يماثُلُه فيه شيءٌ، ويُعْبَدُ بالجمالِ الذي
يحبُّهُ من الأَقوالِ والأَعمالِ والأخلاقِ، فيحبُّ من عبدِهِ أَنْ يُجُمِّلَ لسانَه
بالصدقِ، وقلبَه بالإخلاصِ والمحبةِ والإنابةِ والتوكّلِ، وجوارحَه
بالطاعةِ، وبدنَه بإظهارِ نِعَمِهِ عليه في لباسِهِ، وتطهيرِهِ له من الأنجاسِ،
والأَحداثِ، والأوساخ، والشعورِ المكروهةِ، والختانِ، وتقليم الأظفارِ.
فيعْرِفُهُ بالجمالِ الذي هو وصفُهُ، ويعبدُهُ بجمالِ الذي هو شَرْعُهُ ودِينُهُ
فَجَمَعَ الحديثُ قاعدتين: المعرفةَ والسُّلوكَ))(٢).
التوحيد والعُبودية:
اللهم إني عبدك:
• في ((المسند)) و((صحيح أبي حاتم)) (٣) من حديث عبد الله بن مسعود
ے
(١) ((الفوائد)) لابن القيم.
(٢) ((الفوائد)) لابن القيم.
(٣) صحيح: رواه أحمد في ((المسند)) (١ / ٣٩١ و ٤٥٢)، وابن حبان (٩٧٢)، وأبو
يعلى (٥٢٩٧)، والحاكم (٥٠٩ - ٥١٠)، وابن السُّني في ((عمل اليوم والليلة))
=
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٤٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
و ◌َهعنه قال: قال رسول الله وَله: ((ما أصابَ عبدًا همٌّ ولا حَزَنٌ، فقالَ:
اللهمَّ! إِنِّي عبدُك ابنُ عبدِكَ ابنُ أَمَتِكَ، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُكَ،
عدلٌ فيَّ قضاؤك، أَسألُكَ بكلِّ اسم هو لكَ، سمَّيتَ به نفسَكَ، أَو أَنزلتَه
في كتابِك، أَو علّمتَه أَحدًا من خلِّقِكَ، أَو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ
عندك؛ أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي، ونور صدري، وجلاءً خُزني، وذهاب
همِّي وغمِّي، إلَّا أَذهب اللهُ همّه وغمَّه، وأَبدَلَه مكانَه فرَحًا»، قالوا: يا
رسولَ الله! أَفلا نتعلمهنَّ؟ قال: «بَلَى، ينبغي لمن سمعهنَّ أَنْ يتعلمَهنَّ)).
فتضمَّنَ هذا الحديثُ العظيمُ أُمُورًا من المعرفةِ والتوحيدِ والعبوديةِ:
منها: أَنَّ الدَّاعي به صدَّرَ سؤالَه بقوله: ((إني عبدُك ابنُ عبدِكَ ابنُ
أَمْتِكَ))، وهذا يتناولُ مَنْ فوقَه مِن آبائِهِ وأُمَّهاتِهِ إلى أبويه آدم وحواء، وفي
ذلك تملُّقٌ له واستخذاءٌ(١) بين يديه، واعترافٌ بأَنَّه مملوكُه وَآبَاءَهُ مماليكُه،
وأنَّ العبدَ ليسَ له غيرُ بابٍ سيِِّهِ وفضلِهِ وإحسانِهِ، وأَنَّ سيِّدَه إِنْ أَهملَه
وتخلَّى عنه هلكَ، ولم يُؤِهِ أَحدٌ ولم يعطفْ عليه، بل يضيعُ أَعظمَ ضيعةٍ.
فتحت هذا الاعترافِ: إِنِّي لا غنى بي عنكَ طرفةَ عينٍ، وليسَ لي مَنْ
أَعوذُ به وأَلوذُ به غيرُ سيدي الذي أَنَا عبدُه.
وفي ضِمْنٍ ذلك: الاعترافُ بأنَّه مربوبٌ مدبّرٌ منهيٌّ، إِنَّما يتصرّفُ
بحكم العبوديّةِ، لا بحكم الاختيارِ لنفسِهِ.
فليسَ هذا شأَنَ العبدِ، بل شأنُ الملوكِ والأَحرارِ، وأَمَّا العبيدُ:
(٣٤٠)، والطبرانيُّ في ((الكبير)) (١٠٣٥٢)، والحارث بن أبي أسامة في ((مسنده))
(١٠٦٣ - زوائده) بسند صحيح.
(١) تدلُلٌ وانكسار.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد