النص المفهرس
صفحات 301-320
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
https://web lessam.blogspot.com/
٣٠١
وشِرْك المحبة شرك أكبر متعلَّق بالقلب، فمن أشرك مع الله في المحبة
التي لا تصلح إلَّا لله وقع في الشرك الأكبر.
الشرط الثامن : الكفر بالطاغوت:
* وهو الكفر بما يُعبد من دون الله قال تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
[البقرة].
٢٥٦
الْوُثْقَى لَ انْفِصَامَ لَاْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ
التوحيد لا يتحقَّقُ إلا بنفي وإثبات:
لا يتحقَّق التوحيد إلَّا بنفي وإثبات، والمقصود نفي صفات الألوهية
عمَّا سوى الله وإثباتها لله وحده، فلا يتم التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلَّا
الله وأنه لا معبود بحق سواه فلا بُدَّ لصحة الإيمان بلا إله إلّا الله من نفي
عبادة ما سِوَاه، أو الكفر بما يُعبَد من دون الله ثم إثبات عبادة الله وحده،
وهذه حقيقة التوحيد التي جاءت بها رسالة السماء ودعا إليها سائر الرسل
والأنبياء.
● وعن والدٍ أبي مالك الأشجعيِّ أن رسول الله وَ له قال: ((مَن قال لا
إله إلّا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حَرُمَ مالَهُ ودَمُهُ وحسابه على الله)) (١).
أصول الطواغيت التي تُعبَد من دون الله:
((أصولُ الطواغيت التي تُعبَد من دون الله محصورة في أصليْن من
تخشى معرَّته (٢/ ٨٥٣) (٢٢٩٠).
(١) رواه أحمد، ومسلم (٥٣/١) (٢٣) - كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس
حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء
به النبي ◌َاد (١ / ٥٣) (٢٢).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٠٢
صلاح الأمة في علو الهمة
أبواب الضلال:
الأصل الأول: عبودية الهوى، وما يتعلّق به من أصناف الدنيا وأنواع
المشتھیات.
والأصل الثاني: عبودية الشيطان وما يبثّه في قلب الإنسان من
شبهات. وأعظم دعاوي الشيطان أن يشرك الإنسان بالله؛ ولذلك حذّرنا
الله من الشرك كأعظم ذنب يقع فيه العبد، وأخذ العهد علينا والميثاق ألا
نقعَ في هذا الظلم العظيم فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَىّ شَهِدْنَأْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ {
أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَءَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا
١٧٢)
ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اٌلْمُبْطِلُونَ
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ
١٧٣
[الأعراف].
(١٧٤)
يَرْجِعُونَ
• ومن حديث أبي بن كعب لسثم قال: ((جَمَعَهم فجعلَهم أرواحًا، ثم
صوَّرهم فاستنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهدَ والميثاق وأشهدهم
على أنفسهم ألستُ بربكم؟ قال: فإني أُشِهِدُ عليكم السماواتِ السبعَ
والأرضين السبع وأُشهدُ عليكم أباُم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم
بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا ربَّ غيري فلا تُشرِكوا بي شيئًا، وإني
سأرسلُ إليكم رسلي يذكِّرُونَكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي،
قالوا: شهدِنا بأنك ربُّنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيرك، فأقرُّوا بذلك))(١).
(١) حسن: رواه أحمد في مسنده)) (٢٠٧٢٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٥٣/٢)
(٣٢٥٥)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وحسَّنه الألباني في ((تحقيق
المشكاة)) (١٢٢).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
التوحيد أولا
٣٠٣
■ قال ابن القيم ومنه: ((والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حدَّهُ من
معبودٍ أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله
ورسوله أو يعبدونه من دون الله، أو يتّبعونه على غير بصيرة من الله، أو
يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله فهذه طواغيت العالم))(١).
■ قال الشيخ ابن باز عَلَّهُ، في شروط ((لا إله إلَّ الله)»:
مع محبةٍ وانقياد والقبول لها
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقكَ
سوى الإله من الأشياء قد أُمّا (٢)
وزِيد ثامنُها الكفرانُ منك بما
هام هام هام:
١- اعلم: أن شروط كلمة التوحيد ليست منحصرة في الشروط
السبعة السابقة، بل كل عمل من أعمال القلب الواجبة شرط في قبولها يوم
القيامة كذلك، كما يدل عليه القرآن.
فالتوكل من شروطها: قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ
﴾ [المائدة].
٢٣
والخوف من الله من شروطها: قال تعالى: ﴿ وَخَافُونِ إِن كُنْثُم ◌ُؤْمِنِينَ
[آل عمران].
١٧٥
والرجاء والرغبة إلى الله من شروطها، قال الله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَارَغَبًا
وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ولا يتصور مؤمن ليس في قلبه ولو مثقال ذرة من
التوكل، والخوف، والرجاء، وشكر نعمة الله، والصبر، والرضا، وسائر
(١) ((إعلام الموقعين)) (٥٠/١).
(٢) ((شروط لا إله إلا الله)) (ص١٨٩).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٠٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أعمال القلوب -التي سبق بيانها في عبادات القلب- وكذا النطق
بالشهادتين باللسان مع القدرة؛ من شروط نفعها في الآخرة فلا يكفي
الاعتقاد الباطن دون نطق.
٢- هذه الشروط يتفاوت الناس فيها: زيادةً، ونقصانًا؛ لأنها من
الإيمان، والإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة، كما دل عليه القرآن
والسنة، وإجماع السلف، فمثلًا، العلم يتفاوت: فحقيقة العلم بمعنى لا
إله إلَّا الله على الكمال: هو العلم بالدين كله، إذ معناها: لا معبود بحق
إلّا الله. والعبادة تشمل الدين كله، وكلما ازداد الإنسان علمًا بشيءٍ من
الدين؛ ازداد تحقيقًا لمعنى لا إله إلَّا الله، وقد يكون الإنسان جاهلًا بأن
الأمر الفلاني عبادة، ثم يعلم الآية أو الحديث، فيصير بهما عالمًا، وكان قبل
ذلك جاهلًا، ولم يكن كافرًا، فالذي هو شرط في أصل الإيمان -أي: في
قبول لا إله إلّ الله من العبد يوم القيامة لنجاته من الخلود في النار - أصل
كل شرط من هذه الشروط.
فأصل العلم شرط، أو على الصحيح ركن من أركان الإيمان، ونعني
به العلم الإجمالي ومعناه أن لا يُعبد إلَّا الله.
وأصل الانقياد شرط أو ركن من أركان الإيمان ونعني به الانقياد
القلبي والخضوع الباطن لله سبحانه.
وأصل اليقين شرط أو ركن من شروط أو أركان الإيمان ونعني به
زوال الشك والتكذيب. وهكذا، وإلّا فاليقين أيضًا يتفاوت وليس كل
نقص فيه يكون شكًا، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى
﴾ [البقرة: ٢٦٠]، و کمال هذه
اَلْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِى
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٠٥
التوحيد أولا
الشروط؛ شرط في كمال الإيمان وجوبًا واستحبابًا.
٣- هذه الشروط ليست شروطًا في قبول الإسلام الظاهر في الدنيا بل
في نفع صاحبه في الآخرة، وتأمل جميع الأدلة التي ذكرت في كون هذه
الأعمال شروطًا تجدها إنما هي في أمر الآخرة ((حرمه الله على النار))،
و((دخل الجنة))، ونحو ذلك، وليس في ثبوت عصمة الدم، والمال، بل
النطق بها مع شهادة أن محمدًا رسول الله، كافٍ في عصمة الدم، والمال،
وثبوت حكم الإسلام ظاهرًا، وجريان أحكام الإسلام على صاحبها في
الدنيا، كما سيأتي له مزيد بيان -إن شاء الله - واحذر مما وقع فيه أهل البدع
من الخلط بين الأمرين (١) لكن من صرح بعد نطقه بكلامه الواضح
الصريح أنه قد انتفى من قلبه شيءٍ من هذه الشروط، كمن سمعناه يقول
بلسانه أنه يشك في صدق هذه الكلمة، أو في صدق الرسول والقرآن، فهو
مرتد بهذا الكلام، وليس كافرًا أصليًا، وبينهما من الفروق ما يذكر تفصيله
في كتب الفقه، وذلك أنه ثبت له حكم الإسلام ظاهرًا بالنطق المجرد، ثم
لما قال ذلك صار مرتدًا، وإن كان هو عند الله، وفي الآخرة إذا کان شکه
من أول نطقه بالشهادين- كافرًا من البداية لأن اليقين وغيره من
الشروط، شرط في صحة الإسلام والإيمان باطنًا، وهذا الأمر لا علم لنا
به؛ لأننا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس، وإنما صاحبه الذي يخبر به، فهو
إن كان كذلك كان من المنافقين، وهم مسلمون في الظاهر، فلو أن ذميًّا -
يهوديًّا أو نصرانيًّا - نطق الشهادتين، ودخل في الإسلام، ثم قال بعد ذلك:
أنه عند قوله لهما لم يكن صادقًا، أو لم يكن محبًا لله، ولرسوله وَئلة، لم يقبل
(١) يعني: قبول الإسلام ظاهرًا في الدنيا ونفع صاحبه في الآخرة.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٣٠٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قوله ذلك حتى يجعل ذمیًّا يقر بالجزية كما كان، بل هو مرتد لا يقبل منه إلّا
الإسلام أو السيف.
٤- لا يلزم المسلم حفظ هذه الشروط وعدها، بل المقصود وجودها
في قلبه، ووجود كمالها الواجب في قلبه، ولسانه، وجوارحه، وما أحسن ما
قاله الشيخ أحمد حكمي في ((معارج القبول)) حيث قال: ((ومعنى استكمالها
اجتماعها في العبد والتزامه إياها بدون مناقضة لشيءٍ منها، وليس المراد من
ذلك عد ألفاظها وحفظها، فكم من عامي اجتمعت فيه، والتزمها، ولو
قيل له أعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم،
وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله والله المستعان)) (١))هـ (٢).
التوحيد الذي دعت إليه الرسل جميعًا:
التوحید الذي دعَتْ إلیه الرسل جمیعًا ونزلت به الكُتُب نوعان:
١- توحيد المعرفة والإثبات: وهو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى،
وأسمائه وصفاته، وأفعاله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[الشورى] كما أخبرنا عن نفسه في كتابه، وأخبر عنه رسوله وَ له في سُنَنْه،
وهذا يتضمَّن إقرار العبد بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
٢- وتوحيد القصد والطلب: وهو عباده الله وحده، وخَلْعُ ما يُعبَد
من دونه، فهو توحيد الإرادة والطلب، أو توحيد الألوهية.
فالأول: إقرارٌ من العباد بأفعال الله، وأسمائه، وصفاته، وتوحيده
بذلك.
(١) ((معارج القبول)) (٤١٨/٢).
(٢) ((فضل الغني الحميد)) للدكتور ياسر برهامي (ص٥٨ - ٦٠).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٠٧
التوحيد أولا
والثاني: توحيد الله بأفعال العباد بأن يتوجَّهوا بها إلى الله وحده(١).
وتوحيد الإلهية وإفراد الله بالعبادة هو الذي أرسلت به الرسل، وهو
أصل دعوة الأنبياء و لبُّ دعوتهم، وأول شيءٍ دعت إليه الرسل.
؛ قال تعالى: ﴿ وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ
[الزخرف].
٤٥
ءَإِلِهَةً يُعْبَدُونَ
* وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
[الأنبياء].
٢٥
إِلَّ أَنْقَاعْبُدُونِ
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ
وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ:
وقال تعالى:
[النحل: ٣٦].
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْمِّنْ
* وقال تعالى:
[الأعراف].
٥٩
إِلٍَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
﴿﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ
* وقال تعالى:
[الأعراف].
٦٥
غَيْرُهُم ◌ْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاْ قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣].
* وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَمَا
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [التوبة: ٨٥].
* وقال تعالى عن إبراهيم الشَّ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْرَاهِيمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى
بَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى
(١) المصدر السابق (ص١١).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٠٨
صلاح الأمة في علو الهمة
عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢٨
[الزخرف].
* وقصّ الله علينا قول إبراهيم السَّ لقومه: ﴿ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآءَابَاءَنَا كَذَلِكَ
يَفْعَلُونَ
قَالَ أَفَهَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٥) أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) فَإِنَّهُمْ
٧٤
عَدُوٌّ لِ إِلَّ رَبَّ الْعَلَمِينَ (٦) الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَدِينِ ) وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِىِ وَسِقِينِ
٧٩
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وَالَّذِىَ أَطْمَعُ
وَأَلَّذِى يُمِنُنِ ثُمَّ يُحْبِيٍ
٨٠
[الشعراء].
أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَشَتِ يَوْمَ الدِّينِ ( ٨٢
* وقال تعالى: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِعِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ
[البقرة].
(١٣٣
إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
: وقال تعالى عن يوسف الشَّهِ: ﴿ قَالَ لَا يَأْتِيِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ: إِلَّا
نَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبٍِ إِنِ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
بِاللّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِهُمْ كَفِرُونَ ﴿ وَأَتَبَّعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوب
مَا كَانَ لَنَّا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ
يَصَحِبَى السّجْنِ ءَ أَزْبَابٌ مُتَّفَرِّقُونَ خَيْرُّ أَمِ اللَّهُ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ الصّ
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
٣٩
اُلْوَحِدُ الْقَهَّارُ ﴿
وَءَابَآؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُبِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِأَمَرَ أَلَّ تَعْبُدُ وَأْ إِلَّ إِنَّهُ ذَلِكَ
اَلِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
﴾ [يوسف].
٤٠
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ
* وعلى لسان موسى عايشَّلخر:
[الأعراف].
١٤٠
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
والعبودية هي الحبُّ التام مع الذل التام.
وتوحيد الألوهية يعني صرف العبادات لله وحده بجميع أنواعها:
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣٠٩
التوحيد أولا
القلبية والقوليّة، والعمليَّة والمالية.
بعض أنواع العبادات:
أ- العبادات القلبية: وهي أهم أنواع العبادات، وأساس لما وراءها
ومنها: حب الله وحده، والخوف منه وحده، والإخلاص، والرجاء
والرغبة وحسن الظن، والتوكل والصبر، والحمد والشكر، والتوبة،
والمراقبة، والمحاسبة، والتفكّر، والإخبات، والذل، والزهد، والورع،
وتعظيم حرمات الله، والتواضع، والافتقار إلى الله، والغنى عن الخلق،
والأنس بالله، والشوق إلى لقائه، وكف القلب عن المحرمات، كالحسد،
والغلِّ، والضَّغينة، والرياء، وسوء الظن بالله، والشك، وسوء الظن
بالمسلمین، ومودة الکافرین.
((واعلم أن هذه العبادات القلبية روح التوحيد، وحقيقته توحيد
القصد والطلب، وتوحيد الألوهية، ومعنى زكاة النفس هو: حصول هذه
العبادات فيها، وإنما يتفاضلُ الناسُ يوم القيامة بما في قلوبهم من معرفة الله
وعبادته، وهذه العبادات القلبية أكثرها -إن لم تكن جميعها- واجبة، لا
تنقص من القلب إلّا انتقص الإيمان، فلا تظن أن التوحيد هو: مجرد ترك
ما يفعله الجهال عند القبور، بل حقيقته -مع ترك هذا الشرك وغيره- هي
هذه العبادات القلبية، أن تصرف لله وحده، ولا يصرف شيء منها لغيره،
وهي مسؤولية شخصية لكل واحد منا أن يسعى في تزكية نفسه بهذا الأمر
العظيم، الذي مهما طالت العبارة في شرحه فلن تفي المقام حقه، ولا
توجد هذه العبادات بمجرد المعرفة، ففرق بين العلم والحال، ولكن بدوام
تعاهد القلب، وأحواله، والتفكر، والتدبر، مع أداء العبادات الظاهرة،
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٠
صلاح الأمة في علو الهمة
عسى الله أن يمن علينا بصلاح قلوبنا، وتزكية نفوسنا، فاللهم آت نفوسنا
تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولالها. آمين)»(١).
ب- ومنها العبادات القولية:
كالذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والاستغفار، والتسمية، والاستعاذة،
والحلف، والنصيحة للمسلمين، والدعوة إلى الله، وكفّ اللسان عن
المحرمات: كالغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، وشهادة الزور،
والسبُّ، والشتم، والبذاء، والغناء.
جـ- ومنها العبادات البدنية: كالصلاة وهي قلبية، وقولية وبدنية،
والصيام، والحج والجهاد والرحلة في طلب العلم، وتغيير المنكرات،
وغض البصر.
د- ومنها العبادات المالية: كالزكاة، والصدقة، والنفقة في الجهاد،
والحج، وكذا النذر بالمال وهو عبادة قولية ومالية.
علو الهمّة في معرفة أفضل العبادة ولزومها:
((إن أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو
مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد،
وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام
صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا: القيام بحقه، والاشتغال به
عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.
(١) ((فضل الغني الحميد)) (ص٣٤).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣١١
التوحيد أولا
والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء
والذكر والاستغفار.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب، وتعلم الجاهل: الإقبال على
تعليمه والاشتغال به.
والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده والاشتغال
بإجابة المؤذن.
والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والنصح في إيقاعها على
أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن
بعد كان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن أو
المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على أورادك
وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره
وتفهمه، حتى كأن الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره،
والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من
السلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء
والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير
والتهليل والتحميد. فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لزوم المسجد فيه والخلوة
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
٠
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٢
صلاح الأمة في علو الهمة
والاعتكاف دون التصدي مخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل
من الإقبال على تعليمهم العلم وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور
جنازته و تشییعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك: أداء واجب الصبر
مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم. فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر
على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من عزلتهم فيه، وعزلتهم في
الشر، فهي أفضل من خلطتهم فيه. فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله
فخلطتهم حينئذٍ أفضل من عزلتهم.
فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت
والحال. والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه. وهؤلاء هم
أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد. فمتى خرج
أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد
نقص وترك عبادته. فهو يعبد الله على وجه واحد. وصاحب التعبد المطلق
ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله
تعالى أين كانت. فمدار تعبده عليها. فهو لا يزال منتقلًا في منازل
العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى
تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره: فإن رأيت
العلماء رأيته معهم. وإن رأيت العباد، رأيته معهم. وإن رأيت المجاهدين
رأيته معهم. وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣١٣
التوحيد أولا
المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله
رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده
القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات.
بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو
حقًّا، القائم بهما صدقًا.
المتحقق بـ ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ملبسه ما تهیا، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر به في كل وقت بوقته،
ومجلسه حيث انتهى ووجده خاليًا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا
یستولي علیه رسم، حر مجرد، دائر مع الأمر حیث دار، یدین بدین الأمر
أني توجهت رکائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق،
ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط
ورقها وكلها منفعة حتى شوكها. وهو موضع الغلظة منه على المخالفين
لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله ومع الله، قد
صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس. بل إذا کان مع الله عزل
الخلائق من البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط
وتخلى عنها، فواهًا له. ما أغْرَبَه بين الناس، وما أشدَّ وحشته منهم، وما
أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه !! والله المستعان،
وعليه التكلان)) اهـ كلام ابن القيم (١).
لله درُّ أهل البصائر في عبادة الله، وما أحلى كلامهم عن سرِّ
العبودية وغايتها وحكمتها:
■قال ابن القيم لله دره: ((اعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها:
(١) انظر: ((مدارج السالكين)) الجزء الأول، وتفسير سورة الفاتحة لابن القيم .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٤
صلاح الأمة في علو الهمة
إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب وَّ، ولم يعطلها، وعرف معنى
الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلها، بل هو الإله الحق، وكل إله سواه
فباطل، بل أبطل الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلّا له، وأن العبادة
موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات
بالصفات، وكرتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات
بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود. فمن أنكر حقيقة الإلهية ولم
يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ومقاصدها وما
شرعت لأجله؟ وكيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة بالخلق،
ولها خلقوا، ولها أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولأجلها خلقت الجنة
والنار؟ وأن فرض تعطيل الخليقة عنها: نسبة لله إلى ما لا يليق به، ويتعالى
عنه مَنْ خلق السموات والأرض بالحق، ولم يخلقهما باطلًا، ولم يخلق
الإنسان عبثًا ولم يتركه سُدّى مهملاً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ
[المؤمنون]. أي لغیر شيءٍ ولا حكمة، ولا
١١٥
عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (
العبادتي ومجازاتي لكم، وقد صرح تعالى بهذا في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْمِنَّ
وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات].
فالعبادة: هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها. قال
﴾ [القيامة].
الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ اَ لْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدِّى
أي مهملاً قال الشافعي: لا يؤمر ولا يُنْهَى، وقال غيره: لا يثاب ولا
يعاقب، والصحيح: الأمران. فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر
والنهي، والأمر والنهي هو طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة
امتثالهما.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٥
التوحيد أولا
وقال تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
[آل عمران].
١٩١
بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَاعَذَابَالنَّارِ
وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَتِنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].
وقال:
﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَدْ
﴾ [الجاثية: ٢٢].
فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن: أمره ونهيه،
وثوابه و عقابه.
فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا، وهو غاية
الخلق، فكيف يقال: إنه لا علة له، ولا حكمة مقصودة هي غايته؟ أو إن
ذلك لمجرد استئجار العباد حتى لا ينكد عليهم الثواب بالمنة، أو لمجرد
استعداد النفوس للمعارف العقلية. وارتياضها بمخالفة العوائد؟.
فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال، وبین ما دل عليه صريح
الوحي يجد أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه
حق معرفته.
فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته. مع الخضوع له
والانقياد لأمره.
فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله الله.
فلا يجب معه سواه، وإنما يجب لأجله وفيه، كما يجب أنبياءه ورسله
وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة
من یتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم کحبه.
وإذا كانت المحبة له حقيقة عبوديته وسرها. فهي إنما تتحقق باتباع
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
صلاح الأمة في علو الهمة
٣١٦
أمره، واجتناب نهيه. فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة
العبودية والمحبة. ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله عَلَمًا عليها، وشاهدًا لمن
ادعاها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران:
٣١]. فجعل اتباع رسوله مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم،
ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء
المحبة عند انتفاء المتابعة. فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله،
وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوت محبتهم الله،
وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله)).
قال ابن القيم هالَهُ: ((وبنى ﴿إِنَّكَ نَفْبُهُ﴾ على أربع قواعد: التحقق
بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان، والقلب، وعمل القلب
والجوارح.
فالعبودية: اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب ﴿ إِيَّكَ نَعْبُدُ
حقًّا هم أصحابها)).
أطيب الكلام وجوامعه في ((العبودية)):
■ قال ابن القيم عنه: ((ورحى العبودية تدور في خمس عشرة قاعدة.
من كملها كل مراتب العبودية.
وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح. وعلى
كل منها عبودية تخصه.
والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام،
ومكروه، ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان، والجوارح.
فواجب القلب: منه متفق على وجوبه، ومختلف فيه.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٧
التوحيد أولا
فالمتفق على وجوبه: كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والصبر،
والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه
قدر زائد على الإخلاص، فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.
ونية العبادة لها مرتبتان.
إحداهما: تمييز العبادة عن العادة.
والثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض.
والأقسام الثلاثة واجبة.
وكذلك الصبر.
وأما المختلَف فيه فكالرضا .. وكذلك التوكل .. وأمر بالإنابة، وأمر
بالإخلاص، وكذلك الخوف .. ، وكذلك الصدق، وكذلك المحبة، وهي
أفرض الواجبات، إذ هي قلب العبادة المأمور بها ومخها وروحها ..
والقصد أن هذه الأعمال -واجبها ومستحبها- هي عبودية القلب
فمن عطّلها فقد عطّل عبودية الملك وإن قام بعبوديته رعيته من الجوارح.
والمقصود أن يكون ملك الأعضاء -وهو القلب- قائمًا بعبوديته لله
سبحانه هو ورعيته.
وأما المحرمات التي عليه: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد،
والغفلة، والنفاق وهي نوعان: كفر ومعصية.
فالكفر: كالشك والنفاق والشرك وتوابعها. ((والمعصية نوعان:
کبائر. وصغائر)).
فالكبائر: كالرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والقنوط من
رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله والفرح والسرور
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
٣١٨
صلاح الأمة في علو الهمة
بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم،
وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع
هذه الأمور التي هي أشد تحريًا من الزنا وشرب الخمر وغيرها من
الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب، ولا للجسد إلّا باجتنابها، والتوبة
منها، وإلَّا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن.
وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترك القيام بها.
فوظيفة ﴿ إِيَّكَ نَعْبُهُ ﴾ على القلب قبل الجوارح، فإذا جهلها وترك
القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد. وبحسب قيامه بها يتخلص من
أضدادها.
وهذه الأمور ونحوها قد تکون صغائر في حقه، وقد تكون كبائر
بحسب قوتها وغلظها وخفتها ودقتها.
ومن الصغائر أيضًا: شهوة المحرمات وتمنيها. وتفاوت درجات
الشهوة في الكبر والصغر، بحسب تفاوت درجات المشتهى، فشهوة الكفر
والشرك: كفر، وشهوة البدعة: فسق، وشهوة الكبائر: معصية، فإن تر کها
لله مع قدرته عليها أثيب. وإن تركها عجزًا عن بذله مقدوره في تحصيلها:
استحق عقوبة الفاعل، لتنزله منزلته في أحكام الثواب والعقاب، وإن لم
ينزل منزلته في أحكام الشرع، ولهذا قال النبي وَت: ((إذا تواجه المسلمان
بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار))، قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما
بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصًا على قتل صاحبه))(١). فنزله منزلة
القاتل، لحرصه في الإثم دون الحكم، وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب.
(١) رواه البخاري (١٠٦/١)، ومسلم (٢٣٧/٥).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
التوحيد أولا
https://weblessam.blogspot.com/
٣١٩
وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه.
عبوديّات اللسان:
وأما عبوديات اللسان الخمس: فواجبها: النطق بالشهادتين، وتلاوة
ما يلزمه تلاوته من القرآن. وهو ما يتوقف صحة صلاته عليه، وتلفظه
بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله، كما أمر بالتسبيح في
الركوع والسجود، وأمر بقول: ((ربنا ولك الحمد)» بعد الاعتدال، وأمر
بالتشهد، وأمر بالتکبیر.
ومن واجبه: رد السلام. وفي ابتدائه قولان. ومن واجبه: الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وأداء
الشهادة المتعينة، وصدق الحديث.
وأما مستحبه: فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم
النافع، وتوابع ذلك.
وأما محرمه فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله، كالنطق بالبدع
المخالفة لما بعث الله به رسوله، والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها،
وكالقذف وسب المسلم، وأذاه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور،
والقول على الله بلا علم، وهو أشدها تحريمًا.
ومکروهه: التكلم بها ترکه خير من الكلام به، مع عدم العقوبة علیه.
وقد اختلف السلف. هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين؟ على
قولين. ذكرهما ابن المنذر وغيره.
أحدهما: أنه لا يخلو کل ما یتکلم به: إما أن یکون له أو علیه. ولیس
في حقه شيء لا له ولا علیه.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
٣٢٠
صلاح الأمة في علو الهمة
وقالت طائفة: بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات
الجوارح.
قالوا: لأن كثيرًا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي. وهذا شأن
المباح.
والتحقيق: أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين بل إما
راجحة وإما مرجوحة. لأن للسان شأنًا ليس لسائر الجوارح، وإذا أصبح
ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فإنما نحن بك،
فإن استقمت استقمنا، وأن اعوججت اعوججنا. وأكثر ما يُكِبُّ الناس
على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم، وكل ما يتلفظ به اللسان، فإما أن
يكون مما يرضي الله ورسوله أو لا، فإن كان كذلك فهو الراجح، وإن لم
يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح، فإن
صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطرفين، لما له في ذلك من
الراحة والمنفعة، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له، ولا مضرة عليه فيه في
الآخرة، وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلّا مضرة. فتأمله.
عُبُودِيَّات الجوارح:
وأما العبوديات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة
أيضًا: إذ الحواس خمسة؛ وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع:
وجوب الإنصات والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه، من استماع
الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر
بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء.
ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلّا حيث يكون في استماعه مصلحة
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/