النص المفهرس

صفحات 161-180

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦١
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
عليشَه؛ مَا قيلَ له: ﴿ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦]. ولله أقوامٌ ما رَضُوا من
الفضائِل إلَّا بتحصيل جميعِها؛ فهم يُبالِغون في كلِّ عِلم، ويجتهدونَ في كلِّ
عَمَل، ويُثَابِرون على كلٍّ فضيلةٍ؛ فإذا ضَعُفَتْ أبدائُهُم عن بعض ذلك؛
قامَتِ النَّيَّاتُ نائبةً، وهُمْ لها سابقون. أكْمَلُ أحوالِهِم إعراضُهُم عن
أعمالِهِم؛ فهُم يحتقِرونها مع التَّامِ، ويعتذِرون مِن التقصير. ومِنهم مَن يزيدُ
على هذا، فيتشاغَلُ بالشَّكْر على التوفيق لذلكِ. ومنهم من لا يَرَى مَا عَمِل
أَصْلًا؛ لأَنَّه يرى نَفْسَهُ وَعَمَله لسيِّدِهِ.
وبالعكس مِن المذكور من أرباب الاجتهاد حالُ أهل الكَسَل والشَّرَه
والشَّهواتِ؛ فَلَئِن التذُّوا بعاجِلِ الرَّاحَةِ؛ لقد أَوْجَبتْ مَا يزيدُ على كُلِّ
تعبٍ من الأَسَفِ والحسرةِ.
ومَن تَلَمَّح صَبْرَ يوسفَ عِلَّاهُ وعَجَلة ماعِزِ (١)؛ بان له الفرْقُ ولقد
تَأَمَّلْتُ نَيْلِ الدُّرِّ مِن البَحْرِ، فرأيتُهُ بعدَ معاناةِ الشدائِدِ.
ومَن تفكّر فيما ذكرتُهُ مَثَلًا؛ بانتْ له أمثالٌ(٢).
فالموفَّقُ من تَلَمَّح قِصَر الموسم المعمول فيه، وامتدادِ زمن الجزاءِ
الذي لا آخرَ له، فانتِهِبَ حتى اللحظَةَ، وزاحَم كُلَّ فضيلة، فإنها إذا
فاتتْ؛ فلا وَجْه لاستدراكها. أَوَ لَيْسَ في الحديث: ((يُقالُ الرَّجُل: اقرأ
(١) هو ماعز بن مالك الأسلمي الذي جاء إلى النبي وَ له معترفًا بزناه، وقصته في
(الصحيحين)). انظر ((صحيح البخاري)) (٨٦- كتاب الحدود، ٢١، ٢٢، ٢٥
و٢٨ و٢٩ - باب)، و((صحيح مسلم)) (٢٩ - كتاب الحدود، ٥ - باب من
اعترف على نفسه بالزنى، (١٦٩١/١٣١٨/٣ - ١٦٩٥)، وقد شهد له النبي
له بالتوبة الصادقة إذ قال قال: ((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)).
(٢) ((صيد الخاطر)) (ص ٤٤٥ - ٤٤٧).
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٢
صلاح الأمة في علو الهمة
وارقَ؛ فمنزلُكَ عند آخر آيةٍ تقرؤُها))(١).
فلو أنَّ الفِكْرَ عَمِلَ في هذا حقَّ العمل؛ حَفِظَ القرآن عاجلً))(٢).
٠ے
جَمْعُ الهمّ وعُلوّ الهمة:
قال ابن الجوزي رَمّلهُ: ((هيهات أن يجتمع الهمُّ مع التلُّس بأمور
الدنيا! خصوصًا الشاب الفقير الذي قد أَلِفَ الفقر؛ فإنه إذا تزوَّج، وليس
له شيء من الدنيا؛ اهتمَّ بالكسب، أو بالطلب من الناس، فَتَشتََّتْ هَمَّتُه،
وجاءَه الأولادُ، فزاد الأَمْرُ عليه، ولا يزال يُرَخِّصُ لنفسه فيما يُحصِّل إلى
أن يتلبَّس بالحرام.
ومَن يُفكّر؛ فهمَّتُه ما يأكل، وما يأكله أهله، وما ترضى به الزوجة من
النفقةِ والكسوةِ، وليس له ذلك؛ فأيُّ قلب يحضُرُ له؟! وأي همٍّ يجتمعُ؟!
هيهاتَ! والله؛ لا يجتمع الهمُّ؛ والعينُ تنظُرُ إلى الناس، والسمْعُ يسمَعُ
حديثهم، واللسان يخاطبِهُم، والقلب متوزِّعٌ في تحصيل ما لا بُدَّ منه. فإِن
قَال قائِلٌ: فكيف أصنعُ؟!
(١) حسن صحيح: رواه أحمد (١٩٢/٢)، وأبو داود (٢ - كتاب الصلاة، ٢٠ -
باب استحباب الترتيل في القراءة، (١٤٦٤/٤٦٣/١)، والترمذي (٤٦ - كتاب
فضائل القرآن، ١٨ - باب، (٢٩١٤/١٧٧/٥)، وابن حبان (٧٦٦/٤٣/٢)،
والحاكم (٥٥٢/١)، والبغوي (١١٧٨/٤٣٥/٣)؛ من طريق سفيان الثوري،
عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن عمرو .. فذكره مرفوعًا.
وهذا سند حسن من أجل عاصم، وهو ابن أبي النجود؛ صدوق له أوهام.
وقال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)). وسكت عنه الحاكم. وصححه
الذهبي. وقال الألباني: ((حسن صحیح)).
(٢) ((صيد الخاطر)) (ص ٤٤٥ - ٤٤٨).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٣
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
قلتُ: إِنْ وجدتَ ما يكفيك من الدنيا، أو معيشة تَكُفُّك، فاقْنَع بها،
وانفرد في خَلْوةٍ عن الخلق مهما قَدَرْتَ، .. إنْ تزوَّجت؛ فبفقيرة تقنَع
باليسير، وتصبر أنت على صورتها وفقرها، ولا تترك نفسَك تطمع إلى من
تحتاج إلى فضل نفقَته؛ فإن رُزِقت امرأة صالحة جَمعتْ همَّكَ؛ فذاكَ، وإن لم
تَقْدِرْ؛ فمعالجة الصبر أصلحُ من المخاطرة .. وإياك والمستحسناتِ، فإنّ
صاحبهن - إذا سَلِم - كعابد صَنَم .. وإذا حصل بيدك شيءٍ؛ فأنفق بعضَه؛
فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك .. واحذر كلَّ الحذر من هذا الزمان
وأهله؛ فما بقي مُواسٍ ولا مُؤثر ولا من يَهْتَمُّ لِسَدِّ خَلَّةٍ (١)، ولا مَن لَوْ
سُئِلَ أعطَى؛ إِلَّا أن يُعْطِيَ نَزْرًا بتضجُّرٍ ومنَّةٍ يستعبِدُ بها المُعطِي بقيَّة العُمُر
ويستثقِلُه كلَّما رآه، أوْ يستدعي بها خدمتَهُ له والتردُّد إليه ..
وإنما كان في الزمان الماضي مثلُ أبي عمرو وبن نُجَيْدٍ، سمع أبا عثمان
الحيريَّ يقولُ يومًا على المنبر: عليَّ ألفُ دینارٍ، وقد ضاقَ صدري، فمضى
أبو عمرو إليه في الليل بألفٍ دينارٍ، وقال اقضَ دَيْنَك! فلمَّا عادَ وصَعِد
المنبر؛ قال: نَشْكُرُ الله لأبي عمرٍو،؛ فإنَّه أراحَ قلْبي وقضى ديْني .. فقام أبو
عمرو فقال: أيها الشيخ! ذلك المال كان لوالدتي، وقد شقَّ عليها ما
فعلتُ؛ فإِنْ رأيت أن تتقدَّم بردِّه؛ فافعل. فلمّا كان في الليل؛ عادَ إليه وقال
له: لماذا اشَهَرْتَني بين الناس؟! فأنا ما فعلتُ ذلك لأجل الخَلْق فخذُهُ ولا
تَذْكُرُني!(٢) .
(١) الخَلَّة: الحاجة.
(٢) أبو عمرو بن نجيد؛ هو الشيخ الإمام، القدوة، المحدِّث الرباني، شيخ نيسابور
ومسند خرسان، وُلدِ سنة ٢٧٢ هـ وتوفى سنة ٣٦٥هـ. انظر ترجمته في ((سير
=
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٦٤
صلاح الأمة في علو الهمة
والنَّشْرُ مِسْكٌ والعظام رميمُ
ماتوا وغُيِّب في التراب شُخوصُهم
فالبُعد البُعْد عمَّن هِمّتُه الدنيا؛ فإِنَّ زادُهُمُ اليومَ إلى أن يَحْصُلَ أقربُ
منه إلى أن يُؤْثَرَ .. ولا تكادُ ترى إلَّ عدوًّا في الباطن، صديقًا في الظاهر،
شامِتًا على الضُّرِّ، حسودًا على النعمةِ.
فاشترِ العزلة بما بيعتْ؛ فإنَّ مَنْ له قلبٌ إذا مشى في الأسواقِ وعادَ إلى
منزله؛ تغيَّر قلبُهُ؛ فكيفَ إنْ عرْقَلَهُ بالميل إلى أسباب الدُّنيا؟!
واجتهدْ في جمع الهَمَّ بالبُعْد عن الخَلْقِ، ليتخْلُو - القلبُ بالتفكُّر في
المَآبَ، وتتلمح - عينُ البصيرة خِيَم الرحيل!))(١).
مخالطة الناس تُظلِمُ القلبَ وتُشَتَّتُ الفِكْرِ وتجمَعُ الهَمَّ:
] قال ابن الجوزي نَخْذّهُ: ((لا يصفو التعبُّدُ والتزهُّدُ والاشتغال
بالآخرة إلَّا بالانقطاع الكُلِّيِّ عن الخَلْق؛ بحيثُ لا يُبْصِرُهم ولا يسمعُ
كلامهم إلَّا في وقت ضرورةٍ، كصلاةٍ جُمُعَةٍ، أو جماعة، ويحترزُ في تلك
الساعاتِ منهم.
وإن كان عالماً يريدُ نَفْعَهم، وَعَدَهُم وقتًا معروفًا، واحترزَ في الكلام
معهم. وأمَّا من يمشي في الأسواقِ اليومَ، ويبيع ويشتري مع هذا العالم المظلِمِ،
ويرى المنكراتِ والمستهجَناتِ؛ فما يعودُ إلى البيت إلَّ وقد أظلمَ القلبُ.
أعلام النبلاء)) (١٤٦/١٦) وأما أبو عثمان الحيري؛ فهو الشيخ الإمام
المحدث، الواعظ القدوة، سعيد بن إسماعيل النيسابوري وُلِد سنة ٢٣٠هـ،
وتوفى سنة ٢٩٨هـ. وترجمته في ((السير)) (٦٢/١٤) والخبر أورده الذهبي في
((السير)) (١٤٦/١٦)، ولم يكن المال لدِيْن، وإنما كان يجمع لبعض الثغور.
(١) ((صيد الخاطر)) (ص ٥٨٠ - ٥٨٢).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٥
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
وقد كان جماعةٌ من السَّلَف يبيعون ويشترون ويحترِزون، ومع هذا؛ ما
صفَا لصافيهم وقتٌ حتى قاطعَ الخَلْق.
■ قال أبو الدرداء اته: «زاولتُ العبادة والتجارة فلم يجتمِعا،
فاخترتُ العِبادة)). فمن قَدَر على الحِمْيَة النافِعة، واضطُرَّ إلى المخالطة
والكسب للعائلة؛ فليتحرّزِ احترازَ الماشي في الشوكِ، وبعيدٌ ملامتُه)) (١).
عَلوهمة أولياء الله الصالحين، والكمال في العِلم والعَمَل:
٥
] قال ابن الجوزي رَمّتْهُ: «تأمَّلْتُ الذين يختارُهُم الحقُّ وَّ لولايته
والقرب منه -فقد سَمِعْنَا أوصافَهم ومن نظنَّه منهم ممن رأيناه-، فوجدتُه
سبحانه لا يختارُ إلَّا شخصًا كاملَ الصورة، لا عيبَ في صورتِهِ، ولا نقْصَ
في خِلْقَتِهِ، فتراهُ حسنَ الوجه، معتدلَ القامةِ، سليمًا من آفةٍ في بدَنِهِ، ثم
يكونُ كامِلًا في باطنهِ، سخِيًّا، جوادًا، عاقلًا، غيرَخَبِّ، ولا خادع ولا
حقودٍ، ولا حسودٍ، ولا فيه عيبٌ من عُيوب الباطنِ؛ فذاك الذي يُرَبِّى مِن
صِغَرِه فتراه في الطفولة معتزلًا عن الصِّبيان، كأنَّه في الصِّبا شيخٌ، يَنْبُو(٢)
عن الرذائل، ويفزع من النقائص ثم لا تزالُ شجرُ هِمَّتِه تنمو حتی یری
ثَمَرَها متهدٌّلا على أغصانِ الشباب، فهو حريصٌ على العِلْم، منكمِشْ على
العَمل، محافظٌ للزمان، مُرَاعٍ للأوقاتِ، ساعٍ في طلب الفضائِلَ، خائِفٌ
من النقائص.
ثم ينقسِمُ هؤلاء؛ فمنهم من تفقَّه على قدَمِ الزُّهْدِ والتعبُّد، ومنْهُم من
تفقَّه على العِلْمِ وأتباع السُّنَّة، ويندرُ منهم من يَجِمَع اللهُ له الكُلَّ ويُرَقِّيه إلى
٠
(١) ((صيد الخاطر)) (ص٦٤١ - ٦٤٣).
(٢) ينبو: يتجافئ ويبتعد.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٦٦
صلاح الأمة في علو الهمة
مزاحمةِ الكامِلِينَ.
وعَلَامَةُ إِثبات الكمالِ في العِلْمِ والعَمَلِ: الإقبالُ بالكُلِّيةِ على معاملةِ
الحقِّ ومحبَّتِه، واستيعابِ الفضائِل كلُّها، وسَناءُ الهِمَّة في نُشدانِ الكمالِ
الممكنِ؛ فلو تُصُوِّرَتِ النبوَّةُ أن تُكسَبَ؛ لدخلتْ في گَسْبِه.
ومراتِبُ هذا لا يحتملُها الوصفُ، لكونِهِ دُرَّةَ الوجودِ، التي لا تكادُ في
الصَّدَف إلَّا في كلِّ ودودٍ.
نسأل الله وَّ توفيقنا لمراضِيه وقربِه، ونعوذُ بالله مِن طردِهِ
وإبعاده)(١).
هِمَّة المؤمن وقلبه متعلقان بالآخرة:
■ قال ابن الجوزي نَّهُ: ((هِمَّة المؤمن متعلِّقة بالآخرة؛ فكلّ ما في
الدنيا يُحرِّكُهُ إلى ذِكر الآخرة، وكُلُّ مَنْ شَغَلَهُ شيءٌ؛ فِهِمَّتُهُ شغلُه.
والمؤمن إذا رأى ظُلمةً؛ ذَكَر ظلمةَ القبورِ، وإِن رأى مُؤْلما؛ ذكرَ
العقابَ، وإِن سَمِع صوتًا فظيعًا؛ ذكرَ نفخةَ الصُّورِ، وإِنْ رأى الناسَ نيامًا،
ذَكَر الموتى في القبور، وإِنْ رأى لَذَّة؛ ذكَر الجنَّة؛ فَهِمَّتُهُ مُتَعلِّقَةٌ بما ثَمَّ،
وذلك يشغله عن كُلُّ ما تَمَّ.
وأعظمُ ما عِنْده أنه يتخايلُ دوامَ البقاءِ في الجَنَّةِ، وأن بقاءَه لا ينقطع
ولا يزال ولا يعتريه مُنْغِّصٌ، فيكادُ إذا تخايل نفسَه متقلّبًا في تلك اللَّذَّاتِ
الدائمة التي لا تفنى يطيس فَرَحًا، ويسهُلُ عليه ما في الطريق إليها؛ من
ألم، ومَرضٍ، وابتلاءٍ، وفقدٍ محبوب، وهُجوم الموتِ، ومعالجةِ غُصَصِهِ؛
(١) ((صيدُ الخاطِرِ)) (ص ٥٨٣ - ٥٨٤).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٧
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
فإِنّ المشتاقَ إلى الكعبة يهونُ عليه رَمْلُ زَرُود (١)، والتائِقُ إلى العافية لا
يُبالي بمرارة الدواء، ويعلمُ أنَّ جَوْدَة الثّمَر ثَمَّ على مقدارٍ جَوْدة البذْر ها
هُنا؛ فهو يتخيَُّ الأجْوَد، ويغتنم الزرَع في تشرين العُمُر من غير فُتور. ثم
يتخايلُ المؤمنُ دخولَ النار والعقوبة، فيتنغَّصُ عيشه ويقوى قلقُه. فعندَه
بالحاليْنِ شُغْلٌ عن الدنيا وما فيها، فقلبُه هائمٌ في بيداءِ الشَّوْقِ تارة، وفي
صحراء الخوف أخری؛ فما یری البنيان.
فإذا نازله الموتُ، قوي ظنّه بالسلامة، ورجا لنفسه النجاة، فيهون
عليه. فإذا نزل إلى القبر، وجاءه مَنْ يسألونه؛ قال بعضهم لبعض: دعوه
فما استراح إلَّ الساعةَ.
نسأل الله وَّ يقظةً تامَّةً؛ تُحرِّكُنا إلى طلب الفضائل، وتمنعنا من اختيار
الرذائل، فإنه إنْ وَفقَ، وإلَّا؛ فلا نافع))(٢).
عالي الهمَّة لا يطلب إلا الأرفعَ:
قال ابن الجوزي: ((ما أعرفُ العيشَ إلَّا لِمَن يعرفُه جَلَّ شأنُه،
ويعيشُ معِهُ، ويتأدَّبُ بين يديْهِ في حركاتِهِ وكلماتِه كأَنَّه يراهُ، ويَقِفُ على
بابَ طْفِهِ حارِسًا مِن نظرَةٍ لا تَصْلُحُ، وعلى باب لسانِه حافِظًا لَه من كَلِمَةٍ
لا تَحْسُنُ، وعلى باب قلبه حمايةً لمسكنِهِ من دُخولِ الأغيارِ، ويستوحِشُ مِن
الخَلْقِ شغْلًا به. وهذا يكونُ على سيرة الرُّوحانيين.
فأمَّا المخلِّطُ؛ فالكَدَرُ غالِبٌ عليه. والمحقُّ لا يطلبُ إلَّ الأرفعَ.
(١) بادية كثيرة الرمل في طريق مكة.
(٢) ((صيد الخاطر)) (ص٦٤٤ - ٦٤٥).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٦٨
NOR
صلاح الأمة في علو الهمة
قال قائل:
ولا البَرْقَ إِلََّ أن يكونَ يمَانِيَا(١)
أَا لا أُحِبُّ السَّيْرَ إِلَّمُصَاعِدًا
عُلُوُّهِمَّة السَّلَف وتقاصر هممِ الخَلَف:
■ قال ابن الجوزي نَمّتْهُ: «كانت هِمَم القدماءِ من العُلَمَاءِ عَلِيَّةً، تدلُّ
عليها تصانيفُهم التي هي زُبْدةٌ أَعْمارهم؛ إلَّا أنَّ أكثرَ تصانيفهم دَثَرَتْ؛
لأَنَّ هِمَم الطُلَّابِ ضَعُفَتْ، فصاروا يطلبون المختصراتِ، ولا يَنْشِطُون
للمطوَّلات، ثم اقتصروا على ما يدرسون به مِن بعضِها، فَدَثَرَت الكتبُ،
ولم تُنْسَخْ!
فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطّلاع على الكتب التي قد
تخلَّفتْ من الصنَّفات، فليُكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلوِّ
هممهم ما يَشْحَذُ خاطِرَهُ ويُحُرِّك عزيمته لَلجدٌّ، وما يخلو كتابٌ من فائدةٍ.
وأعوذُ بالله من سِيرَ هؤلاء الذين نعاشِرهم (٢)! لانرى فيهم ذا هِمَّةٍ
عاليةٍ فيقتدي بها الُبتدي، ولا صاحبَ ورِعٍ فيستفيدُ منه الزاهِدُ.
فالله الله! وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم
وأخبارهم، فالاستكثار من مُطالعة كُتُبهم رؤيةً لهم؛ كما قال:
فَلَعَليِّ أرى الديار بسمعي
فاتني أن أرى الدِّيارَ بطَرْفي
وإني أخبِرُ عن حالي: ما أَشبعُ من مُطالعة الكُتُب، وإذا رأيتُ كتابًا لم
أره؛ فكأني وقعتُ على كنزٍ، ولقد نظرتُ في ثبت الكتب الموقوفة في
(١) ((صيد الخاطر)) (ص ٧٠٠ - ٧٠١).
(٢) هذا في زمان ابن الجوزي رُحَمَّهُ، فكيف في زماننا !!!.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
.

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٦٩
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
المدرسة النظامية، فإذا به يحتوي على ستة آلاف مجلّدٍ، في ثبت كتب أبي
حنيفة وكتب الحميدي (١) وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر وكتب أبي
محمد بن الخشَّاب وكانت أحمالًا .. وغير ذلك من كُلِّ كتاب أقدِرُ عليه،
ولو قلتُ: إني طالعتُ عشرين ألف مجلّدٍ؛ كان أكثر، وأنا بَعْدُ في الطَّلَب!
فاستفدتُ بالنظر فيها من ملاحظةِ سير القوم وقدْر هِمَمِهم وحِفْظِهم
وعباداتهم وغرائب علومِهم ما لا يعرفُه من لم يُطالِعِ، فصرتُ أستزري ما
الناسُ فيه وأحتقِرُ هِمَم الطُّلَّاب، ولله الحمدُ))(٢).
إذا كانت الهمم عَلِيَّة:
قال ابن الجوزي ◌َمّتْهُ: ((مَن رُزق هِمَّة عالية؛ يُعَذِّبُ بمقدار
عُلِّوها!
كما قال الشاعر:
تَعِبَتْ في مُرادهَا الأجسامُ
وإذا كانت النُّفُوسُ كِيارًا
وقال الآخر:
وبلاءُ جسمي من تفاوتٍ هِمَّتي
وَلِكُلِّ جسيم في النُّحولِ بَلِيَّةٌ
وبيانُ هذا أنَّ مَن عَلتْ هِمَّتُهُ؛ طلبَ العلوم كلَّها، ولم يقتصرْ على
بعضِها، وطلبَ مِن كُلِّ عِلْمِ نهايتَهُ، وهذا لا يحتمله البدنُ.
ثم يَرى أن المراد العملُ، فيجتهد في قيام الليل وصيام النهار، والجمع
(١) هو محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي، الأندلسي، الفقيه، وُلِد قبل سنة ٤٢٠ هـ،
واستوطن بغداد، وتوفى سنة ٤٨٨هـ. وقد وقف كتبه. انظر ((سير أعلام النبلاء))
(١٩ / ١٢٠).
(٢) ((صيد الخاطر)) (ص ٧٠٦ - ٧٠٧).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/
.

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٠
صلاح الأمة في علو الهمة
بين ذلك وبين العلم صَعْبٌ.
ثُم يَرى ترك الدنيا ويحتاجُ إلى ما لا بُدَّ منه، ويُحِبُّ الإيثار ولا يقدِرُ
على البُخْلِ ويتقاضاهُ الكرمُ البذْل ويمنعه عزَّ النّفْس عن الكسْب من
وجوه التبذُّل (١)؛ فَإِنْ هُو جَرَى على طبْعِهِ مِن الكَرَم؛ احتاج وافتقر وتأثَّر
بدنُه وعائلتُه، وإِنْ أَمْسَك؛ فطبعُه یأبى ذلك.
وفي الجملة؛ يحتاجُ إلى معاناةٍ وجمع بين أَضدادٍ؛ فهو أبدًا في نَصَبٍ لا
ينقضي وتَعَبٍ لا يَفْرَغُ.
ثم إذا حقَّق الإخلاص في الأعمال؛ زاد تعبُهُ وقَوِي وَصَبُه (٢).
فأين هو وَمَن دَنَتْ هِمَّتُه؟!
إِنْ كان فقيهًا، فسُئِل عن حديثٍ؛ قال: ما أعرِفُه! وإن كان مُحدِّثًا،
فسُئِل عن مسألة فقهيَّة؛ قال: ما أدري! ولا يُبال إنْ قيل عنه: مُقَصِّرٌ !!
والعالي الهمَّة يرى التقصيرَ في بعض العلوم فضيحةً قد كشفَتْ عَيْبَهُ
وقد أرتِ الناس عوْرَتَهُ.
والقصير الهمَّة لا يُبالي بمننِ الناسِ، ولا يستقبحُ سؤَالهَم، ولا يأنفُ
مِن ردِّ !! والعَالي الهِمَّة لا يَحْمِل ذلك.
ولكنَّ تَعَبَ العالي الهمَّةِ راحةٌ في المعنى، وراحة القصير الهِمَّةِ تَعَبُّ
وشِيٌّْ؛ إِنْ كان ثَمَّ فَهْمٌ.
والدنيا دارُ سباقٍ إلى أعلى المعالي؛ فينبغي لذي الهمَّةِ أَن لا يُقصِّرَ في
(١) التبدُّل: ترك التصاون والترفُع.
(٢) الوَصَب: المرض والتعب.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
١٧١
شَوْطِه؛ فإن سَبَقَ؛ فهو المقصودُ، وإن كَبا جوادُه مع اجتهادِه؛ لَمْ يُلَمْ))(١).
علو الهمة والاجتهاد في الطاعة يُدرك بها النعيم في الآخِرة:
قال ابن الجوزي: ((ما وصلَ القومُ إلى المنزل إلَّا بعد طول السُّرَى،
ما نالوا حلاوة الراحة إلَّا بعد مرارة التعَّب)).
■ قال ابن الجوزي ويحملهُ: ((إذا تلاقحت غروسُ المجاهدة تلاقحت
ثمار المدائح ..
لا يُحسَبون الأخطارَ إن ركبوا
أفلح قومٌ إذا دعوا وثبوا
الفجرُ ولا كيف مالت الشھبُ
سارُون لا يسألون ما فعل
الراحةِ أن يظفَروا بما طلبوا
عوَّدهم هجرُهم مطالبةً
أشرافُ الأوصاف أوصاف الأشراف، ساداتُ العادات عادات
السادات، أحرارُ الشيم شيم الأحرار، أقدموا على الفضائل وتأخّرت،
وقدَّموا الأهمَّ وأخخّرت، الشجاع يلبس القلب على الدرع، والجبان يلبس
الدرع على القلب ..
تنتضي نفسَها إلى الأعناقِ
وتكاد الظبا لما عوَّدوها
القنا أشفقوا من الإشفاق
وإذا أشفق الفوارسُ من وقع
لزمته جنايةُ السرَّاق
ومعالٍ لو ادعاها سواهم
أُوِّحَ للقوم فأجابوا وكُرِّرَ الصياح بك، وما تلتفت، إذا سمعوا موعظةً
غرست في قلوبهم نخيل العزائم، ونباتُ عزمك عند الزواجر كنبات
الكشوت (٢). لو صدق عزمُك، قذفتك ديارُ الكسل إلى بيداء الطلب،
(١) ((صيد الخاطر)) (ص٧٢٨ - ٧٢٩).
(٢) نبات الكشوت: نبت يتعلّق بالأغصان ولا عِرْق له في الأرض.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٢
صلاح الأمة في علو الهمة
كان سلمانُ أعجميًّا، فلما سمع بنبيِّ عربي صار بدويَّ القلب.
أين وصفُك من هذه الأوصاف، أين شجرة الزيتون من شجرة
الصفصاف، صعد القوم ونزلت، وجدُّوا في الجِدِّ وهزلت ..
شم العرانين في آنافهم أنفٌ
من القبيح وفي أعناقهم صِيد
قومًا إذا سُئِلوا جادُوا بما وَجَدُوا
إِن تلقهم تلقَ منهم في مجالسهم
إِنَّ الكرام إذا انحطُّوا فقد صعدوا
نالُوا السماءَ وحَطّوا من نفوسهمُ
كانوا في طلب العلا يجتهدون، ولا يَرْضَوْن بدُون، على أنهم يعانُون
فيما يعانون، القوم مع الحق حاضرون، وعن الخلق غائبون، فقالوا
لعاذليهم لمن تعذلون.
فأين سمعي منهُمُ
كُثُرٌ فِيك اللُّوَمُ
الساهراتُ نُوَّمُ
قالوا سهرتَ والعيونُ
إلَّا جِلْدَةٌ وَأَعْظُمُ
وليسَ من جسمكَ
ولا ◌ُقاد علیھُمُ
وما عليهم سَهَرِي
إِلَّا سَهَرٌ وسَقَمُ
وهل سماتُ الحبِّ
يا دمعي وخلِّ عَنْهُمُ
خُذْ أنتَ في شأنِكَ
كان بشر لا ينام الليل، ويقول: ((أخاف أن يأتي أمرٌ، وأنا نائم)).
هَمٌّ للبيْن يُرَدِّدُهُ
رَقد السَُّّارُ وأَرَّقَهُ
مِما يَرْعَاهُ ويَرْصُدُه
فبكاه النجمُ وَرَقَّ لَه
هل من نَظَرِ يَتَزَوَّدُهُ
وغدًا يقضي أو بَعْدَ غدٍ
وصروفُ الدهر تُقَيِّدُهُ
يهوى المشتاقُ لقاءً كمُ
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

https://weblessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
١٧٣
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
بقى بشرٌ خمسين سنةً يشتهي شهوةً، فما صفا له درهمها، وبضائعُ
أعماركم كلها منفقَةً في الشهوات من الشبهات .. يا مَن فاتوه وتخلّف، بل
ثراهم من دمع الأسف))(١).
■ وقال: ((سافر القومُ على رواحل الصِّدق، فقطعوا أرض الصبر،
حتى وقعوا برياضِ الأنس، فعبقت قلوبهم بنَشْرِ القُرْب، وتعطّرَت بنسيم
الوصل، حمائمُ أرواحهم مسجونة في أقفاص أشباحهم، تُصَوِّتُ لشجو
شوقها، وتقلق لضيق حبسها.
البكاء وأبهم، والدمع شرابهم، والجوع طعامهم، والصمت كلامهم
أعندك من حديثهم خبر؟ ألك في طريقهم أثر ..
رقدتَ ولم ترثَ للساهِر
وليلُ المحبِّ بلا آخِرٍ
ما فعل الدمعُ بالناظِرِ
ولم تدر بعد ذهاب الرُّقادِ
نازلهم الخوفُ فصاروا والهين، وفاجأهم الفكرُ فعادوا متحيِّرِين،
وجَنَّ عليهم الليل فرآهم ساهرين، وهبَّتْ رياحُ الأسحار فمالوا مستغفرين،
فإذا رجعوا وقت الفجر بالأجر نادى منادي الهجر يا خيبة النائمين.
جُلِيت أوصافُ الحبيب في حِلية الكمالِ، فقاموا على أقدام الشوق،
يسيحون في خلواتِ الوجد، فلو رأيتهم لقلت: مجانين، هيهات، مَن لا
يعرف مناسك الحج نسب المُحرِمين إلى الخَبَل، الناس يضحكون وهم
ییکون، ويفرحون وهم يحزنون، وینامون وهم يسهرون.
لما تمكَّنت المعرفة من قلوبهم، أثّرت شدة الخوف، فارتفع ضجيج الوجد.
(١) ((المدهش)) (ص ٤٨٣، ٤٨٤، ٤٨٥).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أتاهم مِن الله وعيدٌ وَقَذَهم، فباتوا على حُرَق، وأكَلُوا على تنغيص،
فنومهم نوم الغَرْقَى وأكْلُهم أكْلُ المرضى، عجزت أبدانهم عبًّا حملت
قلوبُهم ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى مَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ ﴾ [الأحزاب: ٢٣](١).
■ وقال زَمَّهُ: ((اجمعوا لي عزائمَ قویةً تُشابه زُبرَ الحدید .. شیدوا بنیان
العزائم بهجر المألوف؛ ليستحجر البناء، فنستغني أن نُفرغ عليه قطرا،
هكذا بناء الأولياء، فجاء الأعداء ﴿ فَمَا اسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧].
ليس هَمَّا ما عاق عنه الظلامُ
ليس عزْمًا ما مرض المرء فيه
الجدّ الجدّ، فما تحتمل الطريق الفتور))(٢).
«أيها المقصِّرُ عن طلب الزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد؟ أين
أهل السهر؟ من أهل الرُّقاد؟ أين الرَّاغبون في الهوى؟ من الزُّهَّاد؟ رحل
المتيقّظون، مستظهرين بكثرة الزاد، كل جواد لهم يعرف الجواد، فساروا
فزاروا والكسلان عاد)).
■ وقال: ((يا هذا، كيف تُطيقُ السهر مع الشِّبع؟ كيف تُزاحم أهل
العزائم بمناكب الكسل ..
قد مارسوا الحبَّ حتى لانَ أصعَبُهُ
دع الهوى لأناس يُعرَفون به
والشيء صعبٌ على من لا يُجُرِّبه
بلوتَ نفسك فيما لست تُخبرُه
فرُبَّ مُذْرك أمر عزَّ مطلبٌهُ
فاقن اصطبارًا وإن لم تستطع جَلَدًا
■ يا هذا، قد سمعتَ أخبار المتقين، فسِرْ في سِرْبهم، وقد عَرَفت
(١) ((المدهش)) (ص٤٣٨، ٤٣٩، ٤٤٠).
(٢) المصدر السابق (ص٤٤٦).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٥
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
جدّهم، فتناول من شِربهم:
فقلتُ فضلٌ به عن غيرهم بانوا
وسائِلٌ عنهمُ ماذا يقدِّمهم
منهن في سبُّل العلياء ما صانوا
صانوا النفوسَ عن الفحشاء
يومًا بنُعْمى ولوْ مَنُّوا لما مانوا
المنعمون وما مَنُّوا على أحدٍ
حتى إذا قدرت أيديهمُ هانوا
قوم يعزون إنْ كانتْ مغالبةً
■ «إذا جاء الليلُ تغالَب النوم والسهر، والخوف والشوق، في مقدم
عسكر اليقظة، والكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل الصبر، حمل
على القيام، فانهزمت جنود الفتور، فما يطلع الفجر إلَّا وقد قسمت
السهمان، سفر الليل لا يطيقه إلَّا مُضَمَّر المجاعة، النجائب في الأول،
وحاملات الزاد في الأخير ..
هناك الضال والرَّندا
سَقُوْا بمياه أعينهم
أنينٍ يشبه الرَّعْدَا
بأنفاسٍ كبرقٍ في
إِنْ ناموا توسَّدوا أذرُعَ الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق، لما امتلأت
أسماعهم بمعاتبة ((كذب من ادَّعى محبتي، فإذا جنّ الليل نام عني)) حلفت
أجفانهم على جفاء النوم.
إِن كان رضاكم في سھري
فسلامُ الله على وَسَنِي
ما زالت مطايا السهر تَذريع بيد الدَّجى، وعيونُ آمالها لا ترى إلَّا
المنزل، وحادي العزم يقول في إنشاده: ((يا رجال الليل جِدُّوا))، إلى أن نمَّ
النسيمُ بالفجر، فقام الصارخُ ينعي الظلام، فلما هَمَّ الليل بالرحيل، تشبثوا
بذيل السحر.
https://arabessam.blogspot.com/
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://web lessam.blogspot.com/
١٧٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قال عليٍّ بن بكَّار: ((منذ أربعين سنة ما أحزنني إلَّا طلوع الفجر)).
لو قمتَ في السَّحَر، لرأيتَ طريق العُبَّاد قد غُصَّ بالزحام، لو وردت
ماء مدين وجدت عليه أمةً مَن ..
قل للديار سقاك الرائح الغادي
بانوا وخُلِّفْتُ أبكي في ديارهِمُ
وقلْ لواديهمُ حُبِّيت مِن واد
وقل لأظعانهم حُيِّت مِن ظَعْنِ
يا من يستهول أحوال القوم، تنقّل في المراقي، تعل)»(١).
· قال -أحد العبَّاد -: ((ما زلتُ أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى
سقتها وهي تضحك)).
■ وقال: «كنتُ اثنتى عشرةَ سنةً حدَّاد نفسي، وخمسين سنةٌ مرآة
قلبي، ولقد أحببتُ اللهَ حتى أبغضت نفسي)).
ك أخي: ((لا تكون الهمَّة الوافية إلّا لنفس نفيسة .. لو صابرتَ مشقة
الطريق، لانتهى السفر، فتوطّنت مستريحًا في جنات عدن)).
يا ابن آدم عندك ما تعلوبه الهمم فلا تَبِعها رخيصة:
يا هذا عندك بضائعُ نفيسة: دموع، ودماء، وأنفاس، وحركات،
وكلمات، ونظرات، فلا تبذُلها فيما لا قدْرَ له، أيصلحُ أن تبكي لفقد ما لا
يبقى؟ أو تتنفسَ أسفًا على ما يفنى، أو تبذلَ مُهجةً لصورة عن قليل
تُمحى، أو تتكلم في حصول ما یشین ویتوی.
ويحك، دمعةٌ فيك تطفئ غضب المولى، وقطرةٌ من دم في الشهادة تمحو
زللك، ونَفَس أسفٍ ينسف ما قد سلف، وخطواتٌ في رضانا تغسل
(١)((المدهش)) (ص٤٧٩، ٤٨٠، ٤٨١).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
١٧٧
الخطيئات، وتسبيحةٌ تغرس لك أشجارَ الخُلْد، ونظرةٌ بعبرة تثمر الزهد في
الفاني)) (١).
ثمن المعالي جدُّ الطّلب:
ك أخي: طريقُ الوصول صعبة، وفي رِجْلِك ضعف، وَيْحِك، دُمْ على
السلوك تَصِلْ، أول النخلة السحوق فَسيلة، بداية الآدمي الشريف
مَضغة، ثمن المعالي جدُّ الطَّلَب، والفتور داء مُزمِن، بلد الرياضة سحيق
﴿لَّمْ تَكُونُواْ بَشِلِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] فأين أنت .. وأين طلبك
لخوائج القلب، سحابةُ الصيف أثبتُ مِن قولك والخط على الماء أبقى من
عهدك ..
ـيك آياتٌ وآثارٌ
من السَّلوة في عين
وفي الألباب إبصار
أراها منك بالذُّهنِ
فما تُسخِنُهُ النارُ
إذا ما برُد القلب
يا هذا إذا حضر قلبك وَعَلَت همَّتُك فنسيم الريح يذكِّرك، وإن غاب
فمائة ألف نبيِّ لا يُوَصِّلون التذكرة إليك .. تالله لقد ألمعنا المعنى، وما ألزمنا
الَّمْنَى ..
ولكنْ بلا قلبٍ إلى أين أذهبُ
ولي ألف بابٍ قد عرفتُ سبيلَه
كيف يقعد مشتاق يحرّكه الشوق والأمل:
■ قال بعض السَّلف: «لقيتُ غلامًا في طريق مكة، فقلتُ له: أما
تستوحش؟ فقال: إنَّ الإنس بالله قطع عنِّ كلَّ وحشة، قلتُ: فأين
(١)((المدهش)) (ص ٤٩٤ - ٤٩٥).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٧٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ألقاك؟ قال: أمَّا في الدنيا فلا تُحدِّث نفسك بلقائي، وأما في الآخرة فإنها
◌َجَمعُ المتقين، قلت: فأين أطلبُك في الآخرة؟ قال: اطلبني في جملة
الناظرين إلى الله تعالى. قلتُ: وكيف علمتَ؟ قال: بغضِّ طرفي عن كل
مُحَرَّمِ، واجتنابي فيه كلَّ مُنكر ومأثم، وقد سألتُه أن يجعل جنََّي النظر إليه،
ثم صاح وأقبل يسعى حتى غاب عن بصري ..
إلَّا وقلبي إليكم شيِّقٌ عَجِلُ
وما تلوَّم جسمي عن لقائكمُ
إليكم الحافزان الشوقُ والأمَلُ
وكيف يقعد مشتاقٌ يُجرِّكه
وإن قعدت فما لي غير كم شغل
فإن نهضتُ فمالي غير كم وَطَرٌ
يستأذنون على قلبي فما وَصلَوا (١)
وكم تعرّض لي الأقوام بَعْدَكُمُ
أتُرَاك تحلو لك عباراتي؟ أو تفهم إشاراتي:
عبارةُ النسيم لا يفهمها إلَّ الأحباب، وحديثُ البروق إلَّا للمشتاق،
العباراتُ حظ النفوس، والإشاراتُ قوت القلوب .. نزل بعضُ أرباب
المعرفة إلى الشَّط فصاح: ((يا ملَّاح احملني، فقال: إلى أين؟ قال: إلى دار
الملِك، فقال: معي رُكَّابٌ إلى ((القطيعة))، فصاح العابد الأوَّاه: لا بالله، لا
بالله، أنا منذ سبعين سنة أَفِرُّ منها)).
رحم الله أقوامًا كانوا إذا ابتُلوا صبروا، ثم صاروا إذا ابتُلوا شكروا،
ثم رأوا في البَلى المبتلي فسكروا .. أين الذين أصفهم؟! مَرُّوا وعبروا.
■ قال عابد: «رأيت جاريةً حبشيةً: فقلتُ: مِن أين؟ قالت: مِن عند
الحبيب؟ قلتُ: وإلى أين؟ قالت: إلى الحبيب؟ قلت: ما تريد من الحبيب:
(١) المصدر السابق (ص٥٢٢).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
أقوال عطرات نيرات في علو الهمة
١٧٩
قالت: الحبيب. فيا أطفال الهوى أين أنتم والأحباب. أين أنتم والرجال)).
من طلب المعالي سهر الليالي:
مَن طلب المعالي سهر الليالي، لولا صبرُ المضمَّر على قلَّة العلَف، ما
قيل سبَّاق ..
أنَّ العُلَى مقيَّدات بالسُّرَى
هوَّن في الليل عليها الغررا
تقول كلُّ الصيدِ فِي جَوف الفِرَا
قد تركتْ مطعمها لشوقها
مَن لم تبك الدنيا عليه، لم تضحتْ الآخرة إليه.
سينقشع غيمُ التعب عن فجر الأجر .. رحم اللهُ أعظُما طالما نصبت
وانتصبت، جنَّ عليها الليل، فلما تمكَّن وثبت، إنْ ذكرت عدله رهبت
وهربت، وإنْ تصوَّرت فضله فرحت وطربَتْ، هبّت على قلوبهم عقيم
الحذر فاقشعرَّت وندبت، فبكت عليها سحائبُ الرجاء فأهَتَزَّت وَرَبَت،
أماکنُ تعبُّدهم باکیة، ومواطن خَلَواتهم لفقدهم شاکیة، زال التعب وبقی
الأجر، وذهب ليل النَّصَب وطلع الفجر، تحت طوبى مستراح العابدين،
إنما يطيب مكان الاستراحة بإجراء حديث التعب، وإنما يلذ الظل البارد
لمن تأَذَّى بحرِّ الهجير.
ع إخواني: مَثَّلو الاستراحة تحت شجرة طوبى، يهون عليكم السَّفَر،
ادأبوا في السَّيْر فقد لاح العَلَم (١).
((أين أهلُ العزائم؟! رحلوا وماتوا، أين أهل اليقظة؟! ذهبوا
وفاتوا، قِفْ على قبورهم تجد ريحَ العزم، تنفّسْ عندها تحب روح الحزم،
(١) ((المدهش)) (ص٥٤٨).
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد
https://weblessam.blogspot.com/
١٨٠
صلاح الأمة في علو الهمة
أقبلوا بالقلوب على مُقَلُّبِها، وأقاموا النفوسَ لدى مؤدِّبها، ومدُّوا الباعَ من
الباع التسليم إلى صاحبها، وأحضروا الأخرى فنظروا إلى غايتها، وسهروا
الليالي كأنهم قد وُكِّلوا برعي كواكبها، ونادَوا نفوسهم صبرًا على نار البلاء
لمن كواكَ بها، ومقَتوا الدنيا فما مال الملأ إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى الحبيب
فاستطالوا مدة المقام بها ..
لا أُتْبِع القلب إلى غيركم
عيني لكم عينٌ على قلبي (١)
ومن لآلئ كلام ابن القيم رحمّلهُ:
قال ابن القيم رَحَمّتْهُ: ((صاحب الهمَّة العَليَّة أمانيه حائمةٌ حول
العلم والإيمان والعمل الذي يقرِّبُه إلى الله ويدنيه من جواره .. فأمَانُّ هذا
إيمان ونور وحكمة، وأمانيُّ أولئك))(٢).
■ وقال زَمّتْهُ: ((وعلو الهمة أن لا يقفُ دون الله، ولا تتعَوَّض عنه
بشيءٍ سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظّها من الله وقربه،
والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة
الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى
بمساقطهم، ولا تصلُ إليه الآفات التي تصل إليهم، وكلما علت بَعُدَت
عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفاتُ من كل مكان، فإن
الآفاتِ قواطعٌ وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه،
وإنما تَجْتِذِب من المكان السَّافِلِ، فعُلُوُّ همةِ المرءِ عنوانُ فلاحِه، وسُفُولِ هِمَّتِه
(١) ((التبصرة)) (٢٥٣/٢٥).
(٢) أي المفاليس من أبناء الدنيا.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد
https://arabessam.blogspot.com/