النص المفهرس
صفحات 541-560
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤١ علو الهمة في التربية والتزكية فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفِعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حقٍّ من حقوقها، كَمَنْ يحزن على فوتِ الجماعة، ويعلم أنه لو تُقُبِّلَت منه صلاته منفردًا، فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضِعْفًا، ولو أنّ رجلًا يعاني البيع والشراء يفوته في صفقة واحدة في بلده من غير سفرٍ ولا مشقةٍ سبعة وعشرون دينارًا، لأكلَ يديه ندمًا وأسفًا، فكيف وكلَّ ضعفٍ مما تضاعف به صلاة الجماعة خيرٌ من ألفٍ، وألفِ ألفٍ، وما شاء الله تعالى، فإذا فوَّتَ العبد عليه هذا الربح خسر قطعًا .. وأما علاماتُ تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانِّها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرِّب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدَعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحات خشيةً الوقوع في المكروهات، ومجانبة مَن يجاهر بارتكابها ويُحُسِّنها ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي ما ركب منها، فَإِنَّ مخالطة مثل هذا داعيةٌ إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلّا مَن سقط من قلبه تعظيمُ الله تعالى وحرماته)»(١). (١) ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص١٢) وما بعدها. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com علو الهمة في تحمل المسؤولية .. والفاعلية تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤٥ علو الهمة في تحمل المسؤولية علو الهمة في تحمل المسؤولية .. والفاعلية أين حملة المسؤولية .. من يَحْمِلِ هَمّ الإسلام؟ دَهْرُنا هذا قد غَرْبَلَ أَهْلِيه أشدَّ غَرْبلة، وسفسف أخلاقهم، وخَبَّت أعراقَهم، وسَفّه أحلامهم، واحتوى عليهم الجَهل؛ فلبثوا في غير سبيل الرُّشد، يعلِّلون أنفسهم بالباطل، وذلك من أَدَلَّ الدلائل على فرط جهلهم واغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، وغفلتهم عن سَدِّ ثغرهم، حتى ظلّ عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبجح عِرَاص دورهم، ويستقرئ بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم منهم طرفًا ويبيد أمة، ومَن لديْنا وحوالينا صُمُوت عن ذكرهم، لهُّاة عن بثَّهم، ما إن يسمع بمسجد من مساجدنا أو محفل من محافلنا مذكِّر لهم أو داع لهم، فضلًا عن نافر إليهم أو مُوَاسٍ لهم؛ حتى كأنهم ليسوا منَّا، أو كأن فتقهم ليس بمُفْضٍ إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء، فَيُؤْنَا بالعناء، عجائب فَاتَتِ التقدير))(١). إِذَنْ لَنَهَى وَهَيَّبَ ما استطاعَا أمورٌ لوْ تَدَبَّرَها خَکیمٌ ■ ولله در القائل: تُدْمِي وألف تساؤلٍ يتردّدُ قالوا شهِرتَ وفي فؤادك حُرْقَةٌ تَرْوِي المآسي للجميع وتسرُدُ وعلى جبينك قصَّةٌ مكلومَةٌ رَسَمَتْ على خدَيَّكَ نارًا تُوقَدُ ودموعُكَ الملأى بألف حِكايةٍ في كل أرض مُجُرحنا يتمدَّدُ أنا يا صِحَابُ من الجراح مُعَذَّبٌ (١) «البيان المغرب)) لابن عذارى (٢٥٥/٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤٦ صلاح الأمة في علو الهمة في ◌ُلِّ أرضٍ ◌ُستباُ دماؤنا في كُلِّ أرضٍ يُستباحُ المسجِدُ كُلّ منهم: أساءَ ذهَابًا في الكِبْرِ، وتهاونًا بالأمْرِ، وقُعودًا عن النَّصْرِ، واستظهارًا بأحزاب الكُفْرِ، سِلْمُه باطِلٌ وبَطَالَة، وحَرْبُه غِوَايَةٌ وجَهَالة، في المشركين نجومُه وَدَيْمُه، ولهم مواثيقهُ وذِعَمُهُ، وفي المسلمين سَمُومُه وحميمُهُ وعِنْدَهم بوائقُهُ ونِقَمُهُ)). هل من فتى؟ !!! يقول ((واإسلاماه)) و((واإسلاماه)). عُنيتُ، فلم أَكْسَل ولم أَبَلَّدِ(١) إذا القومُ قالُوا مَنْ فَتَّى؟ خِلْتُ أَنَّنِي ■ هَل من فَتَّى؟! ليسَ الفتى بِمُنَعَّمِ النُّبَّنِ إِنَّ الفَتَى حَمَّالُ كُلِّ مُلِمَّةٍ واإسلاماه عَزْمُ الحياةِ، إذا ما استيقظتْ فيهِ لا يَنْهِضُ الشَّعبُ إِلَّ حِينَ يَدْفَعُهُ إلى السماء إذا هبَّتْ سناديهِ والَحَبُّ يخترقُ والغَبْرَاءَ مندَفِعًا أمَّا الحياةُ فيُيليها وتُبْلِيه والقيدُ يألَفُهُ الأمواتُ، ما لِنُوا في واقعنا المُرَّ يقعُدُ الناس حيارَى كُسَالى ضائعين، أو يحسبوا أنهم ليسوا مسؤولين إذا افتُقِد العلماء، أو ضَعُفُوا عن القيام بواجبهم. ((وإن كون العلماء حياة الأمة وأساس منطلقها إلى الخير، يجب ألا يخفف في نفوسنا معنى المسؤولية الفردية، ومعنى القيام بالواجب. ويجب ألا ينسينا الأوامر العظيمة والتحذيرات الخطرة في كتاب الله وسنة نبيه (١) («ديوان طرفة)» المُعَلَّقة. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤٧ علو الهمة في تحمل المسؤولية وَّة، الدافعة لكل فرد مسلم إلى بيع النفس والمال في سبيل الله، أي: في سبيل دعوة الحق، وفي سبيل الأمة الإسلامية، والإنسانية كلها))(١). إن حالة سيئة جدًّا تشاهد في البلاد الإسلامية لدى طلاب الكليات - وهم العنصر الهام في بناء الأمة - ولدى العلماء، والمثقفين، والمفكرين، كل هؤلاء لا تجد لديهم حرارة الاندفاع في سبيل إنقاذ الأمة، وفي سبيل إصلاحها ولا تجد لديهم طمأنينة الواثق بعمله المؤمن، بأن جهاد العامل المخلص، لا بد وأن يلقى نصيبه من النجاح، وأن من المستحيل جمع كلمة المسلمين، ومن العسير القيام بأي عمل مجد. هذا الطابع الذي طبع عليه المسلمون اليوم، قلة الاهتمام بشأن الأمة، وضعف الثقة، والعزوف عن القيام بالواجب الأكبر والجهاد في سبيله، والاحتجاج بأن المسؤولية تقع على العلماء والأمراء، هذا الطابع وهذه المعاني هي أخطر ما يهدد الأمة الإسلامية. اليأس القتَّال والخُور المميت والثقة المفقودة، كل هذه هي العدو الحقيقي، والعقبة الكبرى التي تواجه المسلمين، أما العدو الخارجي الصهيونية، والصليبية، والدعوات الملحدة، فكلها أمرها يهون إذا استطعنا أن نغير ما بأنفسنا لنقر فيها معاني الإيمان، واليقين، والصبر والجلد، والثقة، والعمل. إن أكبر الأخطار التي تواجه المسلمين اليوم، كامنة في النقص في تربية أفرادهم، والضعف الذي أصيب به أبناؤهم. * وأكبر المصائب أن يصاب الفرد في نفسه، ذلك أن معالجة أي خطر (١) ((المسؤولية)) للدكتور محمد أمين المصري (ص ٨٣). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤٨ صلاح الأمة في علو الهمة ممكنة ميسرة حينما تكون تربية الأفراد تربية قوية تستطيع أن تجابه المصاعب وتصمد للشدائد .. بيَّنَ الله تباركت أسماؤه بشأن يهود بني النضير حين غلبهم المسلمون أنهم لم يؤتوا في نقص في ذخيرتهم أو عددهم أو منعة حصونهم، ولكنهم أصيبوا من قبل أنفسهم إذ قذف الله في قلوبهم الرعب، فكان ذلك أكبر المصائب وكان العامل في تسليم ديارهم وتخريب بيوتهم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَِّهِمْ ◌ِأَوَّلٍ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ خُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ ٢﴾ [الحشر]. فَاعْتَبِرُوا يَتَأُولِى الْأَبْصَرِ * وقد أتي المسلمون اليوم من قبل أنفسهم، وقذف الوهن في قلوبهم، والله تباركت أسماؤه يناديهم من علياء سمائه نداءه الأزلي، يقول لهم: ﴿ وَلا [آل عمران]. تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ■قال أحد الباحثين المحدثين: ((إن الأسباب الحقيقية لكل انحطاط، داخلية لا خارجية، وليس علينا أن نلوم العواصف حين تحطم شجرة نخرة في أصولها، إنما اللوم على الشجرة النخرة نفسها)). * والقرآن الكريم، يهدي إلى هذه السنة، ويبين للناس بأن ما يقع على الأمم من ظلم واضطهاد مرجعه إلى الناس أنفسهم وما كسبت أيديهم، ولذا نجد التعبير بظلم النفس يتكرر في مواطن كثيرة في القرآن الكريم. يقول تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ # [النحل]. ١١٨ تحديد المسؤولية : إذا أجرينا استفتاء في أي مجتمع من المجتمعات الإسلامية، طارحين تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٤٩ علو الهمة في تحمل المسؤولية السؤال السابق. لوجدنا أن تسعة وتسعين في المئة من أفراد المجتمع يقولون: إنا لا نحمل أي تبعة، ولا يصح أن يوجه إلينا أي لوم. ذلك أنه ليس بيدنا أية سلطة وليس لنا توجيه الأمة، وإن قلنا فلا يسمع لقولنا، ولذلك فنحن أبرياء من كل تبعة فدعونا أيها اللائمون ووجهوا سهام نقدكم إلى فريقين من الناس العلماء والأمراء. وليس من شك في أن هذا القول نصيبًا كبيرًا من الحق، ولكن ليس الحق كله، كيف لا يكون في هذا القول نصيب من الحق؟! وقد أوجب الله في كتابه إيجابًا طاعة أولي الأمر. وهل تكون الطاعة إلَّا لمن يحمل أمر الأمة ويكون مسؤولًا عنها؟! قال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [النساء: ٥٩]. وَأُوْلِ الْأَمَِّ مِنْكُمْ؛ • وطاعة أولي الأمر واجبة ما أطاعوا الله ورسوله لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها قرنان فقد قال ◌َله: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))(١). وقد أمر جلّ شأنه الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها، وأكبر مهام الولاة ونهاية ألمعيتهم وبعد نظرهم هو في اختيار الأكفَّاء. • عن أبي هريرة فله أن النبي وَلّه قال: ((إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة))، قيل: يا رسول الله وما إضاعتها؟ قال: ((إذا وُسِّد الأمر إلى غير (١) صحيح: رواه أحمد في ((مسنده))، والحاكم في ((المستدرك)) عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري، وكذا رواه الطيالسي، والطبراني في ((المعجم الكبير))، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٧٩)، و((تخريج المشكاة)) (٣٦٩٦)، و((صحيح الجامع)) (٧٥٢٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٠ صلاح الأمة في علو الهمة أهله فانتظر الساعة))(١). وهذه الرواية جعلت ضياع الأمانة مساوية لتوسيد الأمر إلى غير أهله، وجعل ذلك كله مساويًا لخراب الكون وقيام الساعة، وهذه نظرة لا تخرج إلّ من معدن النبوة، فليس صلاح الحال إلّا بتولية الصالحين، وليس فساده إلَّ بتولية المفسدين. وليس انتقاء الصالح أمرًا يسيرًا ذلك أن الصالح الذي يجمع بين الخبرة التامة والمعرفة الكاملة والإخلاص ونزاهة اليد، نادر أشد الندرة. ولقد أتعب هذا الانتقاء الخليفة العادل عمر بن الخطاب الذعنه، وكان يقول: ((إني لأتحرج أن أستعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه)). ليس من المغالاة أن يقال: إن سر عبقرية المسؤولين، معرفة الأشخاص، وحسن انتقائهم، والأمة التي مهرت في هذا في العصر الحاضر هي الأمة الإنكليزية، والمثل السائر عندهم ((خير إنسان في خير مكان)). ومن المؤسف أن أغلب الأمة تعتقد بأنه ليس على الأفراد تبعة، حتى الذين يعتبرون في قمة الثقافة وذروة التوجيه، وقد يكون فيهم الأدباء والكتاب والمفكرون والمربون. أفحق أن هؤلاء وأمثالهم لا يجب أن يحملوا تبعة، ولا يسوغ أن يوجه إليهم لوم؟ أحق أن أمثال هؤلاء ليس لهم أي دخل؟ والصحف ووسائل الإعلام والدعاة، كل هؤلاء مسئولون في البلاد الإسلامية عن توعية الشعوب توعية صحيحة، وإيقاظ وجدانها وإيقافها (١) رواه البخاري، وقد سبق تخريجه. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥١ علو الهمة في تحمل المسؤولية على الأخطار التي تحدق بها، وهذه الوسائل اليوم توجه الأمم، وتلعب بالعقول ويسيطر عليها اليهود في كبريات دول العالم، ومن المؤسف أن ما يتناوله الكتاب في البلاد الإسلامية، وما تذيعه دور الإذاعة، لا يتناسب والنكبات التي تعانيها البلاد. ولعل من الخير أن نأتي على طرف يسير من مكانة القيادة في الأمة وفي حياة الأمة، وحسبنا ما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠]. قال ابن كثير: ((قال مجاهد: ((أمة)) أي أمة وحده، فحياته حياة أمة وموته موت أمة. والأمة في الآية بمعنى الجماعة، وقال ◌َله في زيد بن عمرو بن نفيل: ((يبعث أمة وحده؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره)). وليس ينكر منكر مكانة القيادة في توجيه الأمة. وليس يجحد أحد أن القيادة تستطيع أن تغير صفحة التاريخ، والمثل الأعلى للقيادة محمد ولات، فقد نقل الأمة العربية من جاهليتها إلى حضارة لا تجارى، ونقل العالم من جاهليته إلى حضارة إنسانية سامقة. ومن أمثلة القيادة الرائعة، قيادة صلاح الدين الذي طرد الصليبيين من بيت المقدس. ومن أمثلة القيادة الخالدة، قيادة ابن تيمية عليه رحمة الله ولم يكن ذا سلطان ولا ملك، ولقد تألب عليه أعداؤه وحساده، ومات عليه رحمة الله في سجنه وخلف من بعده رجالًا يناضلون عن الحق وينافحون في سبيل العقيدة والدين الخالص. وليس يستطيع أن ينكر منكر أن جماعة من الجماعات مهما كان لونها لا تستطيع أن تسير دون توجيه القيادة. والقيادة الرشيدة هي التي تسخر تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٢ صلاح الأمة في علو الهمة جميع طاقاتها وكل قواها في سبيل حماية الجماعة ومنعتها وقوتها، وتقاس كفاءة القيادة بمقدار نجاحها في تنظيم الجماعة، وتجنيد كل فرد من أفرادها للإسهام في خدمة أهداف الجماعة ولا يتم ذلك إلَّا بمعرفة دقيقة بالأفراد ووزن صحيح لمواهبهم في الحياة والمجالات التي يستطيعون النجاح فيها، واتصال حسن بهم، وفهم عميق لنفوسهم منبعث عن روح اجتماعية قادرة على النفوذ والتأثير. ونتيجة ذلك كله توسيد الأمور إلى أهلها وإلى خير من يقوم بها، وحصيلة ذلك أن تسير الجماعة سيرًا مطردًا، وقد رضي كل فرد بمكانه وعمله، فبذل أحسن جهد، وأعطى خير انتاج. وهكذا تقاس كفاءة القيادة بها تحدثه من تغيير في إنتاج الجماعة، ومفتاح عبقرية القيادة معرفتها بالرجال. عزل عمر خالدًا، وولى مكانه أبا عبيدة، فظل خالد يعمل تحت لواء أبي عبيدة وإمرته، وانتهز خالد فرصة، ففتح قنسرين وكان فتحها إحدى معجزاته الحربية. وكانت كلمة عمر التي قرظه بها ((أمَّرَ خالد نفسه رحم الله أبا بكر كان أعلم مني بالرجال))، إنها كلمة خالدة سجلت عبقريات ثلاث، عبقرية خالد، وعبقرية أبي بكر، وعبقرية عمر يجر أذياله وراء أبي بكر ويتابع خطواته فهم. وليس ينكر منكر، أن القيادة تقدم للناس نماذج قوية، وأمثلة رائعة يحتذيها الناس وسيرون وراءها، ومن عادة الإنسان أن يتعشق القوة، ويرهب البطولة وتأخذ المعاني الرائعة بمجامع قلبه وتسري إلى فؤاده، فتوقظ مشاعره وتفتح وجدانه، فتستبين له معاني الحق واضحة قوية، فيسهل عليه اتباعها. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٠ ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٣ علو الهمة في تحمل المسؤولية ولولا رسول الله وَالله، لما كان أصحابه الأقربون، ولولا هؤلاء لما كان من بعدهم. ولكن السؤال الأول الذي يجب أن يطرح هو ما يلي: أكان القائد يعمل وحده؟ وما سر نجاحه؟ وما مدى تأثير التجاوب بينه وبين إخوانه في نجاحه؟ وبتعبير آخر، ما مدى تأثير بيئته عليه وعلى نجاحه؟ وهل التأثير متبادل بين القائد وأتباعه وبيئته؟ ((بمعنى أن القائد يؤثر ويتأثر فالتفاعل مشترك))؟ أليس في التاريخ عبقريات قد أطفئت؛ لأن البيئة لم تستطع أن تستجيب لها؟ أليس هنالك قيادات تضيع لسبقها على زمنها سبقًا شاسعًا؟ لِمَ لَمْ يؤمن مع نوح ◌َلَّلا بعد أن دعا قومه قرابة ألف عام إلّا قليل جدًّا؟ ألم يقيض الله للرسل أصحابًا وحواريين؟ ألم يقيض الله لمحمد وَليه أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وسعيدًا، وأبا عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وخالدًا، والمهاجرين السابقين، وأصحاب البيعة الكبرى، وأصحاب بدر، والأوس، والخزرج ضه؟ قد يقال: إن محمدًاً وَّلو قد نفخ في أصحابه روح البطولة. ذلك حق، وحق أيضًا أن استعدادهم كان يؤهلهم لذلك، ولم يكن للوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وهشام بن الحكم، وعقبة بن أبي معيط وأكابر مجرميها الذين قتلوا في بدر، وسحبوا إلى القليب، لم يكن لدى هؤلاء مثل ذلك الاستعداد. ■ إن الذين يلقون التبعة عن كواهلهم، ويحملون القيادة التبعة كلها، ينظرون إلى القضية من طرف واحد، ويحتجون بالدليل في أحد جوانبه وهم تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٤ صلاح الأمة في علو الهمة يشبهون بمن يقول: إن الحب هو الذي ينبت الزرع، فيحسب السامع أن الحب قادر على إنبات الزرع وحده، والحق أن ذلك محال إذ لا بد من تربة، ولا بد للتربة من شروط، فإذا لم تكن التربة جيدة، كان النبات سقيًا عليلاً. وعلى هذا فشأن التربة، ليس بأقل من شأن الحب الذي يلقى فيها، وكذا الحال في الجماعة ليس شأنها بأقل من شأن القيادة في نجاح الأمة. استطاع الإسلام أن يحقق الانسجام التام بين الجماعة والقيادة، فالطاعة واجبة للقيادة، وامتثال أمرها والسير في دائرتها والإخلاص لها، كل ذلك فرض على الأفراد محتم عليهم المضي فيه، ولكن جانب الأفراد محترم أيضًا فليس عليهم إلّ الطاعة في الحق، وهذه غاية العدل وأعلى درجات الإنصاف، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا يشمل كل المعاني السامية والمثل الأخلاقية والعدالة التامة والتزام الجادة، فإذا انحرفت القيادة أو حادت أو خالفت فلا طاعة، ولا امتثال. إلى جانب كل هذا واجب الأفراد، النصح للقيادة وتبصيرها بالحق وتحذيرها من اتجاه یبعد عن هدی أو یؤدي إلی ردی. ■ كل هذا مغزاه ومؤداه إلى أن الأفراد في المجتمع الإسلامي ليسوا آلات ولا أدوات. ولكنهم جانب أساسي يعمل إلى جانب القيادة بصدق وإخلاص ونصح، يراقب أعمال القيادة ويمحضها النصح فهو جانب واعٍ يقظ، ليست مسؤوليته وأعباؤه بأقل من مسؤولية القيادة وأعبائها؛ وهذه قولة عمر خلفعنه: ((لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها)). ■ وكل هذا مؤداه إلى خطأ الفكرة التي شاعت في المجتمعات الإسلامية، تلك الفكرة التي أدت إلى تقاعس الأفراد عن الاهتمام بشأن تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٥ علو الهمة في تحمل المسؤولية الأمة، وزهدهم في التفكير فيما أصابها، وإعراضهم عن التدخل في شؤونها التدخل البصير الواعي الحكيم. وهي الفكرة التي يخشى خطرها، وقد نشأت بعد الخلافة الراشدة في العصور التي بدأ فيها الانحراف عن معاني القرآن. وقد غدت - بكل أسف- هذه الفكرة فكرة الجماهير في المجتمعات الإسلامية. هي فكرة انسحابية انعزالية، تنافي روح الإسلام وطبيعته، تلك الروح التي ترمي إلى تنمية ذاتية الفرد، ودفعها إلى أقصى درجات نمائها وقوتها في سبيل الخير والمعاني المثالية وصالح الجماعة. وأدى ذلك على أن أصبح أفراد المجتمع دون المستوى الذي يطلبه الإسلام من وعي وانتباه، ووجد الدخلاء ثغرة واسعة للدس والإفساد وبث أحابيل المكر ونشر مصائد الكيد في جماعة غافلة نائمة. إن الواقع المؤلم المرير أن الجماعات المعادية تجد مرتعًا خصبًا في البلاد الإسلامية، مرتعًا ليس هنالك من يحميه فلا يكفها عن كيدها زاجر، ولا يردعها رادع، ولا يحول بينها وبين شرورها عيون يقظة أو عقول ساهرة، ولكنها تتجمع كما تتجمع الجراثيم الفتاكة، وتنتظم وتعمل، وأفراد الأمة مشتتون، موزعون، غافلون، ولو انتبهوا انتباهة واحدة؛ لرأوا أما يشده العقول من مكر العدو وجرأته ومخططاته. لقد غفلنا عن العدو، ثم فتحنا أعيننا في نوم، فإذا العدو جاثم على صدورنا متمكن من رقابنا، إن القيادة لا تستطيع أن ترعى كل صغيرة وكبيرة، إلَّا إذا كان كل فرد في رعيتها مجندًا واعيًا متيقظًا، يرى أنه على ثغرة يجب أن يحميها، يرصد العدو ويرقب حركاته، فإذا رآه اقترب أو تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٦ صلاح الأمة في علو الهمة حاول التسلل. كانت صيحة الإنذار، وصرخة الخطر، والنداء للضرب على يد العدو وسحقه. • وعن أبي هريرة خلفعنه قال: ((من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة، طار على متنه يبتغي القتل أو الموت في مظانه)). يا أنت على ثغرة فلا يؤتين الإسلام من قبلك. هذه المعاني توحي بيقظة الأفراد في الجماعة الإسلامية، وحرصهم على حماية الجماعة، وتوحي بفشل أولئك النائمين الغافلين وتخاذلهم، وإن المرء ليتساءل: أيعتبر هؤلاء من أفراد الجماعة؟ كل فرد له حق الحماية والرعاية، وكل فرد مسؤول عن دائرته ومنطقته، وبذلك يشارك الأفراد جميعًا في بناء الجماعة وحمايتها وتوجيه دفتها. فمن المسؤول إذن؟ • قال رسول الله : ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)). ■ إنَّ أصل الإسلام قائم على حمل مسؤولية، وأداء أمان، والقيام بواجب؛ ذلك أن الأصل الأول الذي يقوم عليه الإسلام ولا يخرج عن حكم من أحكامه ولا فرع من فروعه، ولا تخرج عنه حركة من حركات المؤمن ولا سكنة من سكناته، هو توحيد الله جل شأنه في ألوهيته، وفي تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٧ علو الهمة في تحمل المسؤولية ربوبيته، وفي صفاته؛ فهو وحده المستحق للعبادة، وهو وحده الخالق الرازق مالك الملك، بيده الأمر، وهو وحده المتصرف القاهر، وهو المستعان وحده والمستغاث به وحده. ويتبع هذا كله أن يكون الإنسان عبدًا لله خاضعًا لأوامره؛ محياه لله ومماته لله ونسكه لله، ومثل هذا المؤمن في هذا المستوى ليس إنسانًا يعيش لطعامه وشرابه وملذاته، ولكنه يعيش لربه وخالقه، قد باع نفسه وقدم ماله لخالقه جل شأنه، ومثل هذا يعيش لله ويجاهد في سبيله. وليس هذا المؤمن من النوع الذي لا يحمل همَّا لأمته، ولا يعاني نصبًا ولا وصبًا في سبيل جماعته، ولكنه النوع الذي يحمل رسالة ويؤدي أمانة، تلك الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. المؤمن يحمل رسالة ويؤدي أمانة، والذي يحمل رسالة يحمل بصيرة ويحمل إرادة، ولا يكون آلة مشلولة (١). لفتة دقيقة جميلة من آية كريمة : قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَّكُمْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اُلْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]. وفي الآية الكريمة لفتة دقيقة، فهي تجعل خلافة المؤمنين هذه في الأرض خلافة عامة تشمل المؤمنين جميعًا فالوعد للذين آمنوا جميعًا لكل من صدق عليه وصف الإيمان، والاستخلاف في الأرض لهم جميعًا، وفي (١) ((المسؤولية)) (ص٨٩ - ٩٠). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com - ٥٥٨ صلاح الأمة في علو الهمة هذا المعنى إشارة واضحة إلى أمرين اثنين: أولهما: أن هذه الخلافة لا يستبد بها فرد من المؤمنين، بل هي مشتركة بينهم جميعًا، فكل مؤمن خليفة من عند الله، وكل واحد مسؤول أمام ربه عن هذه الخلافة كما جاء في الحديث: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))، فليس أحد منهم في هذا الشأن وفي جميع الشؤون الاجتماعية، بأحط منزلة من الآخرين. • قال ◌َله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده)). • وفي لفظٍ آخر: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ عَلَى مَن سِوَاهم، يردُّ مُشِدُّهُم على مُضعَفِهِم، ومُسْرِعُهُم على قاعدهم، لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عَهْدٍ في عَهْدِه))(١) . الثاني: أن المسلمون في هذه الخلافة جماعة واحدة ويد واحدة وجسم واحد؛ وليس معنى إنتقاء واحد من المسلمين ليقوم بشؤون المسلمين أن الآخرين أصبحوا في حل من الاهتمام بشؤون الأمة وضاعت مسؤوليتهم، بل الجميع مسئولون على سبيل التعاون والتآزر والتكامل والتكافل (٢). (١) حسن: رواه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عمرو، وحسَّنه الألباني في ((إرواء الغليل)) (٢٢٠٨)، و((صحيح الجامع)) (٦٧١٢). (٢) ((المسؤولية)) (ص ١٥٠ - ١٥١). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٥٩ علو الهمة في تحمل المسؤولية إن تربية الإسلام هي تربية تنمية روح المسؤولية: وللقيادة مكانتها وحبها واحترامها، لكن الإسلام أوجد الانسجام الكامل بين طاعة القيادة واحترامها وامتثال أمرها ما دامت تمثل الفكرة الإسلامية تمثيلًا صحيحًا، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبين تنمية روح المسؤولية في الأفراد وروح حمل التبعة. إنها الطاعة الواعية التي لا يذوب فيها الأفراد في القيادة، وجهاد في سبيل العقيدة. من عُلُوِّ الهمَّة في تحمُّل المسؤولية أن لا نُدافِعَ عن ذواتنا بشكل حيل لا شُعُوريَّة: إننا حين نتحدث عن المجتمع الإسلامي، وحين نبدأ بالشعور بالألم نجد المعاذير قد تبدت وألوانها من الحجج الواهية قد برزت مسوغة ما نحن فيه من تقصير، معلنة أن الأمر لا دفع له، وأنه ليس بيدنا حول ولا طول. ذلك أن ما هو واقع من فعل القدر، ومن يستطيع رد القدر؟! • وهذا الواقع قد أخبرت به الروايات الصادقة عن رسول الله وَله، فهو إذن لا بد من وقوعه، وأي محاولة لدفعه محاولة تؤدي إلى الإخفاق، فقد روى مسلم في ((صحيحه)) في كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة خاله: ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها))(١). وهناك أعذار ترجع الأمر إلى الماضي وإلى التاريخ فما نحن فيه إنما هو (١) رواه مسلم (١٧٧/٢)، ويأرز: أي ينضم ويجتمع. وبين المسجدين، أي: مسجدي مكة والمدينة. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٥٦٠ صلاح الأمة في علو الهمة ثمرة الأيام الماضية ونتيجتها، وليس لنا فيه صنع، ولا دخل لنا به. وهناك أعذار أخرى ترجع الأمور إلى تضافر الناس جميعًا في الشرق والغرب على حرب المسلمين والكيد لهم واستعمار بلادهم واستعباد أفرادهم، وإلّا لكان المسلمون بنعمة وعافية. وهنالك أعذار وأعذار .. هذا الدفاع عن أنفسنا، وهذه الأعذار كلها مغالطات نفسية وحيل لا شعورية، ذلك أنها تريد أن تبرئنا من كل خطأ، وتزيح عن كواهلنا الاعتراف بالتقصير. إن المشكلة ها هنا أكبر بكثير، والاستعداد لها أضأل بكثير، وهنا كانت الطامة، صعاب من أكبر الصعاب ومشكلات من أعظم المشكلات، وفتن تحار بها العقول، وأنواع من المكر تشيب لها الولدان، كل ذلك يقابل بنفوس ضعيفة وعزائم مسترخية وهمم مستخذية. الاعتذار بالقدر: إن المسلمين الذين أخفقوا في ميادين الحياة. وجولات البطولة، وينحون باللائمة على القدر وعلى الأيام وعلى الآباء والأجداد وعلى كيد الكائدين من الأعداء، ولا يخطر في بال أحدهم أن يعود على نفسه بِذَرَّة من اللوم ويسير من العتاب يبصره بخطئه، ويضع يده على تقصيره آثمون إن الاعتذار بالقدر حيلة شيطانية وخديعة من الإنسان لنفسه. * فالذي يرتكب معصية، ويلوم القدر كذاب أشر. هكذا جاء في الآية القرآنية: ﴿﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ لَوَّ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com