النص المفهرس

صفحات 341-360

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤١
علو الهمة في التربية والتزكية
الفيافي، والألفاظ ضيّقة العِرَاص (١). وما يقدر على حشو العرصة فوق ما
تسع إلَّا مهندس لآلي (٢). هذه المعاني لطاف، فأي سلك فهم دقَّ انتظمت
فیه، وإنما يُنظَم اللؤلؤ في خيط لا في حَبْل.
كلامي ثوب، فُصِّل على قدر أسماعكم، فهو لا يصلح إلّا لكم. لا
تنكروا مدحي لأهل بغداد فهمُ همُ. ألهذا البلد بدل؟
إذا مرضت الأفهام السليمة من وباء طعم العبارات الركيكة، عمل
لفظي في شفائها، ولا رُقَى الهند. کَلِمٌ تُداوِي کل کُلْم (٣).
توجد مفقودة المثال (٤)
جواهر كلها يتيم
٣- التربية بالقصّة:
ھُ
القصص القرآني أعظم مَرَب:
جاء القرآن بقصص الأنبياء وهي - ولا جرم- أعلى منارًا وأشرف
مزية، كيف لا وقد جمعت أحسن الأسلوب، واختيار المقامات المناسبة لما
سيقت إليه، والقدوة الحسنة للكمل المخلصين من الأنبياء ومن والاهم،
وتحققها في أنفسها لوقوع مواردها. وإن حب التشبه طبيعة مرتكزة في
الإنسان لا سيما لمن يقتدى بهم، فهذه خمس مزايا اختصت بها هذه
القصص، ونقصت في سواها، أليس من العيب الفاضح أن نقرأ قصص
القرآن فلا نكاد نفهم إلّا حكايات ذهبت مع الزمان ومرت كأمس الدابر،
(١) العِرَاص: جمع عَرْصة، كل بُقعَة بين الدُّور واسعة، ليس فيها بناء.
(٢) لآلي: اللآلئ: اللؤلؤ.
(٣) الكلم: الجرح.
(٤) (المدهش)) لابن الجوزي (ص٥١٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٢
صلاح الأمة في علو الهمة
وما لنا ولها إذن؟! تالله إن هذا لهو البوار، ولم يكن هذا إلّا للجهل
بالمقصود من قصصها، وأنها عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن تفكر، وتبصرة
لمن ازدجر.
وبالإجمال: فليس القصد من هذه القصص إلَّا منافعها، والعبر
المبصرة للمسلمين ﴿ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف:
١١١]. ولسنا ممن يتبجح بالقول بلا بيان فلا نعتمد إلَّا على البرهان، تأمل
هذه القصص تجده لا يذكر إلَّا ما يناسب الإرشاد والنصح، ويعرض عن
كثير من الوقائع إذ لا لزوم لها، ولا معول عليها، فلا ترى قصة إلَّا وفيها
توحيد، وعلم، ومكارم أخلاق، وحجج عقلية، وتبصرة وتذكرة تلذ
العقلاء)) (١).
القصص النبوي خير مُرَب:
استخدم الرسول وسيلة الأسلوب القصصي؛ لأنه رآه من أبلغ الطرق
المؤدية إلى توثيق الفكرة وإصابة الهدف، والهدف من القصص النبوي
ترسيخ المعاني الإيمانية، وغَرْس الفضائل في نفوس المسلمين، وكذا
تسليتهم وتثبيتهم في طريق الإيمان، فمن القصص النبوي الذي يرسخ
المعاني الإيمانية قصة («الرجل الذي سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف
دينار، فقال: ائتني بالشهداء. فقال: كفى بالله شهيدًا. فقال: فأتني
بالكفيل، فقال: كفى بالله وكيلا. فقال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل
مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل
الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار ..
(١)«محاسن التأويل)) للقاسمي (٣٠٥/٩، ٣٠٦) طبع دار الفكر.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٣
علو الهمة في التربية والتزكية®
وصحيفة إلى صاحبه، ثم زج موضعها - أي سده- ثم أتى بها البحر.
فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانًا ألف دينار فسألني
كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى
بالله شهيدًا فرضي بك. وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم
أقدر، وإني أستودعكها، فرمی بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف،
وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان
أسلفه، ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها
لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه
فأتى بألف الدينار فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك
بالك، فما وجدت مر کبًا قبل الذي أتيت فيه.
قال: هل کنت بعثت إليَّ بشيءٍ.
قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه. فقال: فإنَّ الله أدَّى
عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف الدينار راشدًا)(١).
ففي القصة حث على التوكل على الله وَلَّ والوفاء بالوعد، وتصديق
المسلم، وحسن الظن به، وكذا حسن الظن بالله وَّ، والرضا به ربًّا
وكفيلا وشهيدًا.
■ ومن القصص النبوي الهادف قصة الأبرص والأقرع والأعمى:
• عن أبي هريرة خلفه أنه سمع النبي وَّ يقول: ((إن ثلاثة من بني
إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا
(١) رواه البخاري (٤٢٤/٣) مختصرًا في الزكاة، وأحمد (٣٤٨/٢).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ فقال: لونًا حسن، وجلد حسن،
ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي
لونًا حسنًا.
فقال: فأي المال أحب إليك؟. فقال: الإبل.
قال: فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟
قال: شَعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه
فذهب عنه وأعطى شعرًا حسنًا.
a
فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطى بقرة حاملًا، فقال:
بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى. فقال: أي شيء أحب إليك؟
قال: أن يرد الله بصري، فأبصر الناس، فمسحه فرد إليه بصره.
قال: فأي المال أحب إليك؟
قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا.
فأنْتِجَ هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر،
ولهذا واد من الغنم.
ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد
انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلَّا بالله ثم بك، أسألك
بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال الحسن بعيرًا أتبلغ به في
سفري.
فقال: الحقوق كثيرة.
فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يتقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٥
علو الهمة في التربية والتزكية
فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر.
قال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلی ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال
في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك الشعر
الحسن والمنظر الحسن والمال الحسن بقرة أتبلغ بها في سفري.
فقال: الحقوق كثيرة.
فقال: كأني أعرفك ألم تكن أقرع يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟
فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر.
فقال: إن کنت كاذبًا فصیرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين انقطعت بي
الحبال في سفري، فلا بلاغ بي اليوم إلَّا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد
عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري.
فقال: قد کنت أعمی فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت
فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله وَلَ .
فقال: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط
على صاحبيك))(١).
فكم تغرس هذه القصة النبوية التي حكاها رسول الله وَه في النفوس
من بيان عاقبة الصدق، وعاقبة الكذب، وكم تبين حال الحريص على
الدنيا الذي يبخل بنعم الله وَّ عليه، ويتكبر على عباد الله؛ من الحرمان في
الدنيا، والتعرض لسخط الله وَجَّ وعقوبته، وكذا يتبين حال المؤمن الشاكر
(١) رواه البخاري (٥٧٨/٦، ٥٧٩)، ومسلم (٢٩٦٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٦
صلاح الأمة في علو الهمة
لنعم الله وَّ، وكيف أنه ينال رِضَى الله الذي هو أكبر من جنة الله وَّ كما
قال تعالى: ﴿وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [التوبة: ٧٢]، وكيف أن الصدقة
لا تنقص المال، كما قال النبي وَل: ((ما نقص مال من صدقة))(١).
وأن الدنيا دار بلاء وامتحان، وأن الفقر فتنة، والغنى فتنة، فالسعيد
من تبصر في حاله، وعلم العبودية المطلوبة منه، فقام بواجبها، فوفق للخير
والسعادة في الدنيا والآخرة.
وبعد هذه نماذج من القصص النبوي المبارك، ولا تقتصر التربية
بالقصة على القصص القرآني والنبوي، ولكن هناك كذلك من قصص
الأمم السابقة، ومن سير السلف، وكذا من أخبار المعاصرين ما فيه عبرة
وعظة، فنسأل الله التوفيق إلى ما يحب ويرضى))(٢)أهـ.
٤- التربية بضرب الأمثال:
بلغت الأمثال القرآنية ذروة الإعجاز والبلاغة من حيث استكمال
الوضوح، وأداء المعنى، وتقريبه للأفهام، فقد ألف الناس تشبيه الأمور
المجرّدة بالأشياء الحِسِّيَة، ليستطيعوا فهم الأمور الغيبية، أو المعنوية.
■ والأمثال القرآنية والنبوية دوافع تحرك العواطف والوجدان،
فيحرك الوجدان الإرادة ويدفعها إلى عمل الخيرات، واجتناب المنكرات،
وبهذا تساهم الأمثال في تربية الإنسان على السلوك الخير وتهذيب نزعاته
الشريرة فتستقيم حياة الأفراد والمجتمعات، وتسير الأمة الإسلامية
سیرتها نحو حضارة مثلى.
(١) صحيح: رواه الترمذي (٢٣٢٥) في ((الزهد))، وصححه الألباني.
(٢) («التربية» للشيخ أحمد فريد (٢٧٠ - ٢٧٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٧
علو الهمة في التربية والتزكية
فضرب الأمثال من وسائل التربية التي اعتبرها الشرع الحنيف،
وأكثر القرآن من ذكرها، كما قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسِِّ وَاَللَّهُ
[النور].
٣٥
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (
: وقال تعالى: ﴿وَضَرَ بْنَالَكُمُ اْأَمْثَالَ
[إبراهيم].
10
قال الحكيم الترمذي: ((ثم اعلم أن ضرب الأمثال لمن غاب عن
الأشياء وخفيت عليهم الأشياء، فالعباد يحتاجون إلى ضرب الأمثال لما
خفيت عليهم الأشياء فضرب لهم مثلًا من عند أنفسهم لا من عند نفسه،
ليدركوا ما غاب عنهم، فأما من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في
السماء فلا يحتاج إلى الأمثال، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
[النحل: ٧٤] فالأمثال نموذجات
قال وَّ: ﴿ فَلَا تَضْرِبُواْلِلَّهِ اَلْأَمْثَالُ
الحكمة لما غاب عن الأسماع والأبصار لتهتدي النفوس بما أدركت عيانًا.
فمن تدبير الله لعباده أن ضرب لهم الأمثال من أنفسهم لحاجتهم
إليها، ليعقلوا بها فيدركوا ما غاب عن أبصارهم وأسماعهم الظاهرة، فمن
عقل الأمثال سماه الله تعالى في كتابه عالمًا لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ
﴾ [العنكبوت](١).
٤٣
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ
: قال تعالى: ﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا
ج
رَّابِيًّاً وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُهُ, كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ
وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءُ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُّثُ فِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ
[الرعد].
اُلْأَمْثَالَ
(١) ((الأمثال من الكتاب والسنة)) للحكيم الترمذي - تحقيق محمد علي البجاوي - طبع
مكتبة دار التراث.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٨
صلاح الأمة في علو الهمة
فالباطل يضمحل وينمحق كالزبد الذي يحتمله السيل، وإن علا على
الحق في بعض الأوقات، كما يعلو الزبد، والحق ثابت باق يمكث في القلب
فينتفع به المؤمن، فيثمر عملًا صالحًا كما يمكث الماء، وأسباب الإنبات في
الأرض فيثمر عشبًا وزرعًا ونخيلاً وأعنابًا))(١).
• ومن الأمثلة النبوية ما قاله رسول الله وَثية: ((مثل المنفق ومثل البخيل
كمثل رجلين عليهما جُبتَّان من حديد، من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق
فلا ينفق شيئًا إلّا سبغت على جلده حتى تواري بنانه وتعفو أثره)) (٢).
٥- التربية بدراسة تراجم علماء سلفنا الصالح وعبادهم والأئمة
الكرام:
دراسة تراجم علماء الأمة وعُبَّادهم هي أخلاق القوم وعاداتهم، وهي
تثري الفكر وتمدَّ القلب بمدد طيب، وتُعرِّف المؤمن بخلاصة تجارب
السابقين من الصالحين، وعصارة الأفكار والمواقف، فيأخذ بالحسن ويجد
في الطلب، فكأنه يضم عُمْرَ غيرِهِ إلى عُمرِه:
توهمته قد عاش من أول الدهر
إذا علم العبد أخبار من مضى
إذا كان قد أبقى الجميل من الذكر
وتحسبه قد عاش آخر عمره
حليمًا كريمًا فاغتنم أول العمر
فقد عاش کل الدهر من كان عالمًا
■ وعند ذكر الصالحين تتنزّل الرحمات، وعند ذكرهم نُنْزل أنفسنا
المنازل اللائقة بنا، كما قال بعضهم: ((إذا ذُكِر السلف افتضحنا»، وتَتجدَّد
(١) ((التربية)) (ص ٢٧٥).
(٢) رواه البخاري في ((الزكاة)) (٣٥٨/٣)، ومسلم في ((الزكاة)) (١٥٠/٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤٩
علو الهمة في التربية والتزكية
وتَتَجدَّد للمؤمن هِمَّة فيلحق ولو بساقة القوم أو يجد أثرًا من غبارهم ..
فكنها تكن مثل ما أعجبك
إذا أعجبتك خصال امرئ
إذا جئتها حاجب يحجبك
فليس على الجود والمكرمات
* وقد ذكرنا من وسائل التربية التربية بالقدوة، وقد قيل: حياة رجل
في ألف رجل، خير من نصح ألف رجل لرجل. ولكن إذا عز في زماننا من
يصلح لأن يكون قدوة في العلم والعمل والصفات الجميلة والأخلاق
النبيلة فالتماس القدوة من سير السالفين، وأخبار العلماء العاملين لا شك
إن لم يقم مقام القدوة الحاضرة المشاهدة، فإنه يؤدي شيئًا من معناه،
فدراسة أخبار السلف وسيرهم من الطرق التربوية الناجحة، إذ النفس
تتشوق للكمال وتتطلع إليه عند سماع أخبار العلماء الربانيين من عباد الله،
كما أنها تثور فيها نوازع الشر، وتتحرك فيها الشهوات عند سماع أخبار
أهل الدنيا وأصحاب الشهوات، والنفس بطبيعتها عندها استعداد للخير
والشر، كما قال تعالى: ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنِهَا ◌ِ فَأَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا (٥) قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّتَهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا
٤ [الشمس].
ومن فضل الله وَّ علينا وعلى الناس أن دُوِّن تاريخ أمتنا، وترجم
لرجاله، وكما أن تاريخ الإسلام حافل زاخر بالأحداث العظيمة والمواقف
الشريفة التي تفتخر بها الأمم والشعوب، فهو كذلك حافل زاخر
بالشخصيات الفذة والقمم العالية وأكابر الرجال الذين يمثلون عظمة
الإسلام، ويصدقون دعوة النبي وَّله، قمم في العلم والعبادة والخشية
والثبات والتضحية وغير ذلك من الفضائل الحميدة، والخصال المجيدة،
التي تكون كالمصابيح المضيئة، والرايات المنشورة أمام شباب الصحوة
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٠
صلاح الأمة في علو الهمة
المباركة فهم أسوة وقدوة، وطاقة للخير، والحض عليه، والله الموفق))(١).
الربانيون قدوة:
■ يقول الأستاذ الدكتور محمد أديب صالح في كتابه «الربّانيون قدوة
وعمل)):
أما بعد: فما أحسب أن امرءًا أوتي حظًّا من نور البصيرة، والإحساس
بواقع الأمة يماري في أن حياة العالم الرباني - وهو المنسوب إلى الرب
تبارك وتعالى، الكامل في العلم والعمل، الشديد التمسك بطاعة الله وَ
وتقواه، المشرقُ قلبه بخشيته، الحريصُ على تعليم الناس وتزكية نفوسهم،
وتربيتهم على ما فيه خيرُهم وصلاحُ أمرهم في الدين والدنيا والآخرة،
والقدوةُ بسلوكه المتميز - ما أحسبه يماري في أن هذه الحياة الحافلة بالخير،
مَعْلَمٌ من معالم البناء الحضاري القوي المشرق في حياة الأمة. لما أنه مصدر
عطاء صادق النسب إلى الهدي المحمدي في كتاب الله والسنة المطهرة، ثم
ما يكون من فهوم أئمة الهدى ونهجهم القويم عليهم الرحمة والرضوان،
كما أنه ترجمان عملي لحقائق الإسلام، وأخذ النفس بالهدي المحمدي،
وبهذا يكون هذا العلَم القدوة أمانة في أعناق من أكرمهم الله بالانتماء إلى
خير أمة أخرجت للناس، وبخاصة أولئك المؤتمنين على نشر العلم النافع،
والتنهيج لتزكية النفوس، وتربيتها على الفكر الموالي لله ولرسوله
وللمؤمنين، وإعداد المسلم - ذكرًا كان أو أنثى - إعدادًا متكاملًا، يضمن
استقامته في خاصة نفسه، وقدرته - بعون الله - على مواجهة التحديات -
وما أكثرها- والإسهام في كل ما يعود على الأمة بالاعتصام بحبل الله
(١) ((التربية)) (ص ٢٨٢ - ٢٨٣).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥١
وعلو الهمة في التربية والتزكية
المتين، والتمكين لكلمة الله في العالمين، على اختلاف الألسنة، والألوان،
والأقاليم، وتجاوز لحدود الزمان والمكان، وفق منهج إيماني لا تنقصه
معرفة الواقع، ولا ينأى عن السنن الكونية لله رب العالمين.
والمتبصِّر في عظيم ما تتركه تزكية النفوس، والعناية بأعمال القلوب،
من أولئك البررة الذين يعلِّمون ويربُّون بالقدوة، كما يربون بالكلمة
والوصية والدرس: يشعر بثقل الأمانة المومى إليها كلما تفاقم الغزو
المنحرف، وانحسرت هنا وهناك مفاهيم الإسلام الصحيحة - أو بعضها
- عن المجتمع، وصار للمتشككين والمشككين والمتمردين على نصوص
الهدى في الكتاب والسنة، كلمة مسموعة على صعيدي التعليم والإعلام.
وفي تقدير لمكانة الرجل الرباني ودوره العظيم في حياة الفرد المسلم -
ذكرًا كان أو أنثى- وجماعة المسلمين: قال محمد بن الحنفيَّة يرحمه الله يوم
موت حبر الأمة عبد الله بن عباس فيفضها - وهو من أدرى الناس بغزير
علمه ووافر عقله وصالح عمله، وصدعه بالحق، ونصاعة سلوكه الفذِّ -:
((الیوم مات ربّانُّ هذه الأمة)).
ولعل من ربانيته له ما تحقق له من دعوات الرسول وَله، بجانب
أهليته وما أوتي من استعداد طيب، الأمر الذي يذكر بما كان من عظيم
تقدير عمر فلسفة له، وهو من هو خبرةً بالرجال الأقوياء الأمناء، وعرفانًا
بفضل أهل الفضل في خير أمة شاء الله لها أن تكون أمة الشهادة على
الناس.
وعلى هذا السنن من سلامة التصوُّر، وقدر الرجل الرباني قدره في
حياة الأمة وهي تبني الحضارة المثلى، وتضرب في أرض التاريخ، تحقيقًا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٢
صلاح الأمة في علو الهمة
لعبودية الله في الأرض، وتمكينًا لإنسانية الإنسان: يقول الإمام ابن قيم
الجوزية في ضوء قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبِِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ
[آل عمران]: «العالم الرباني: هو الذي لا زيادة علی
٧٩
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له
بأنه ربانيٌّ، وصفُه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما
خالفها».
إن هؤلاء العلماء العاملين المجاهدين أجْدَرْ بهم أن يكونوا معالم في
طريق الأمة، بما أوتوا من نافع العلم رواية ودراية وفقهًا في دين الله، وما
رزقوا من خشية المولى جل شأنه وتقواه، والإقبال مخلصين على العمل بما
علموا. ثم ما حازوا من قصب السبق في ميدان القدوة على أصعدة
الدرس والتعلم، والتربية والتزكية والجهاد في سبيل الله.
أضف إلى ذلك ما يصحب هذه الفضائل مجتمعة: من مخالطة الناس في
المجتمع، ريادةً وقيادةً، وقيامًا بواجب النصح للأمة بالأسلوب الحكيم
المنتج، وإسهامًا بالعمل على تحقيق ما يضمن لها الخير والتمكين في دينها
ودنياها. حتى إنك لترى في الواحد منهم الترجمان العملي لقيم الإسلام
وأخلاقه وآدابه، الأمر الذي يذكِّر بقول عائشة نفسها في شأن الخليفة الثاني
ظلتعنه: ((كان عمر قرآنًا ناطقًا)).
والحق أن هذا الذي نقول في هؤلاء النبغة الأبرار: كما يُشرق في
أرجائه نور قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَِّنِِّنَ بِمَاكُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا
يبدو لونًا كريمًا من ألوان التأسي بالنبي وَّ فيما كان
٧٩
يقوم به - جزاه الله خير ما جزى نبيًّا عن أمته - من العمل بما يمليه العديد
كُنتُمْ تَدْرُسُونَ {
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٣
علو الهمة في التربية والتزكية
من الآيات الكريمات ومنها قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمَّيِِّنَ رَسُولًا
◌ِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِنْ قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ
مُبِينٍ ﴾ [الجمعة].
وغير خافٍ أن جوانب النفع في شخصية الرجل الرباني كثيرة وفيرة،
خصوصًا إذا لاحظنا التكامل في تلك الشخصية - وهذا ما حرصتُ على
إبرازه- بحيث تشهد من خلال إسهام الرباني في حركة الحياة الإسلامية
من نقاء العقل، وصفاء القلب والمنهجية الرائعة في أخذ العلم من مظانه
في الرجال، وأدائه إلى الآخرين. ناهيك عن السير في مدارج أهل القرب
من الله، الذين يجمعون الخير من أطرافه فيتحقق في سلوكهم ما لا يكون
المرء عالمًا في العرف الإسلامي إلّا به؛ ألا وهو عدم الاقتصار على جمع
المعارف، بل أن ينضم إلى العلم العملُ وخشية الله وتقواه. مع الأدب
والتواضع وانشراح الصدر لما قد يكون من اختلاف الاجتهاد بين العالم
وأخيه العالم الآخر.
ويأخذك الاستعظام حين ترى هؤلاء المخلصين المخبتين، وهُّهم -
فيما يأخذون وما يذرون- مرضاة الله تعالى، وحسن العاقبة يوم الدين،
﴿يَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٣٥) إِلََّ مَنْ أَنَ الَّه ◌ِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴾ [الشعراء]» (٢١)هـ.
٨٩
﴿وَلَكِنْ كُونُواْ رَبِّكِيْعِنَ
إذا ذُكِر العلماء العاملون، والمربون الناصحون، ودعاة الهداية
المخلصون، أولئك الذين يجمعون إلى العلم النافع العملَ به؛ حرصًا على
(١) ((الربانيون قدوة وعمل)) للدكتور محمد أديب صالح (ص٦ - ١١) ملخصًا- طبع
دار الوطن.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٤
صلاح الأمة في علو الهمة
إصلاح أمور الناس في دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما فيه خيرهم وصلاح
عاجلهم وآجلهم، وأن يكونوا على المحجة البيضاء، توحيدًا خالصًا لله
تعالى، وأخذًا بشريعته الغراء، النابعة من كتابه الحكيم، وسنة نبيه
المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم ما كان من فهوم أئمة
الهدى الأمناء المستبصرين ..
إذا ذُكِرٍ هؤلاءِ فحيَّهلا بربانيي هذه الأمة، الذين همُّهم هداية الخلق إلى
سواء الصراط؛ فتراهم - وقد استنارت قلوبهم وعقولهم بحقائق الهدى
والخير - يعلِّمون بحكمة وروية، وهم على حال من صدق العزيمة في
نصح الآخرين، والشفقة عليهم مهما كلّفهم ذلك من متاعب، ولاقوا في
سبيله من مصاعب، ويربُّون - جاهدين صابرين- بالكلمة النافعة،
والقدوة المشرقة المعبِّرة، والعمل الذي يقدم برهانًا جليًا واضحًا على ما
يقولون؛ الأمر الذي يُحدث ما يُحدث من الفاعلية والتأثير في الفرد
والجماعة على مختلف الأصعدة، وفي شتى الميادين !.
وأنت واجد بلا ريب أن هذا الذي هو مناط التأسي بهم والانتفاع
بصنيعهم، قوامه حركة دائبة يُبتغى بها وجه الله وَّ، وأن تعتق رقابهم من
النار، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَذَا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: ٣٠].
ولو تبصّرت في أخلاقهم وسلوكهم .. وهم ربانیون یجدّون ويجتهدون
في مرضاة ربهم ظاهرًا وباطنًا، واستنطقت الوقائع بأمانة وصدق، لتبين
لك توكيدُ أن هذا واقعهم دونما دعوى أو رياء، وهم لا يفتأون يحمدون
مولاهم ويشكرونه على ما وفقهم إليه.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٥
علو الهمة في التربية والتزكية
قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ
يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّكِيْعِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ
[آل عمران].
٧٩
اُلْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
أين هذه القولة المشرقة الهادية: ﴿كُونُواْ رَبَّكِيِّنَ﴾ من تلك القولة
المظلمة العاتية المحال وقوعها من الرسول، وهي: ﴿﴿كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن
دُونِ اللَّهِ﴾، نعم أين هذه من تلك؟! وسبحان من أنزل على عبده محمد
وَ له الفرقان ولم يجعل له عوجًا.
ولا يخفى أن هذه المقابلةَ بين المقولتين كما جاءت في الأسلوب القرآني
المعجز: بالغة الدلالة على عظم موقع الربانيين في ذوات أنفسهم، وفي
إصلاح شؤون الأمة، ورفعة قدرهم عند رب العالمين، وعند من آتاهم الله
الكتاب والحكم والنبوة، وسيدُهم وخاتمُهم نبيّنا محمد وَّةِ وعليهم
أجمعين.
ذلك بأن العالم الرباني - كما يقول الإمام ابن القيم -: ((هو الذي لا
زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في
الوصف له بأنه ربانيٌّ وصفُه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنعُ
وصفَه بما خالفها))(١).
وإذا نظرنا في أقوال أهل التفسير، وجدنا فيها القول بأن الربانيّ
منسوب إلى الربِّ، وهو الله سبحانه وتعالى، كما في قولنا: إلهيٌّ، والألف
والنون فيه زائدتان في النسب للمبالغة، كما يقال لكثير الشَّعر طويله:
شعْراني، فإذا أُريدت النسبة من غير مبالغة قيل: شعري، هذا معنى
(١) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ /٤٠٥) تحقيق الشيخ علي الحلبي الأثري.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قَوْلِ سیبویه.
والمقصود أنه الكامل في العلم والعمل، الشديد التمسك بطاعة الله
وَجَ وتقواه، الحريص على تعليم الناس وتربيتهم على ما فيه خيرهم
وصلاح أمرهم في الدين والدنيا والآخرة(١).
كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ {
وقد جاء التعبير عن ذلك بقوله تعالى: ﴿بِمَاكُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا
﴾، أي: بسبب مثابرتكم على تعليم الكتاب ودراسته،
٧٩
أي قراءته على الوجه الذي ينبغي، وقد فهمت المثابرة من جعل خبر كان
في ﴿كُنتُمْ ﴾ مضارعًا وهو ﴿تُعَلِّمُونَ الكِنَبَ ﴾ حيث أفاد ذلك الاستمرار
المتجدِّد.
ومن سمو الأسلوب القرآني المعجز ما نرى من تكرار ﴿بِمَا كُمْ
إذ قال تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾ وجاء العطف بقوله: ﴿ وَبِمَا
كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (١١)
، وفي ذلك إيذان باستقلال كل من استمرار التعليم -
كما يقول العلامة أبو السعود- واستمرار القراءة بالفضل وتحصيل
.. (٢)
الربانية(٢).
وقرئ ((تَعلمون)) بمعنى عالمين، و((تُدَرِّسون)) من التدريس، كما قرئ
((تُدرِسُون)) من الإدراس، بمعنى التدريس، كأكرم بمعنى كُرُم.
(١) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (١٢٢/٤)، ((مفتاح دار السعادة))
(٤٠٥/١، ٤١٠)، ((إرشاد العقل السليم)) لأبي السعود (٥٠٥/١)، ((الدر المصون
في علوم الكتاب المكنون)» لأحمد بن يوسف المعروف بـ ((السمين الحلبي)) (٢٧٥/٣)
تحقيق الدكتور أحمد الخراط.
(٢) انظر: ((إرشاد العقل السليم)) (٥٠٥/١، ٥٠٦).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٧
علو الهمة في التربية والتزكية
هذا، وقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (تَعْلَمون)) وباقي السبعة
﴿وَتُعَلِّمُونَ﴾، ورجح جماعة قراءة ﴿ تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد على قراءة
((تعلمون)) بالتخفيف بأنها أبلغ، وذلك أن كل معلّم - كما يقولون - عالم،
وليس كل عالم معلّمًا، فالوصف بالتعليم أبلغ، وبأن قبله ذكرَ الربانيين،
والرباني يقتضي أن يعْلَمَ ويُعَلِّم غيره، لا أن يقتصر بالعلم على نفسه.
ورجح بعضهم قراءة ﴿ تُعَلِّمُونَ﴾ بأنه لم يذكر إلّ مفعول واحد، والأصل
عدم الحذف، ولأنها أوفق لـ ﴿ تَدْرُسُونَ﴾(١).
ومهما يكن من أمر: فإن ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى مع
كونهما في غاية الصحة ومتقاربتي المعنى: مراد به هنا المزيد من تبيين
الدلالة على مقومات الربانية، والصفات التي ترقى بالمرء لأن يكون في
زمرة الربانيين)»(٢) اهـ.
( وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَّنِِّنَ
:
■ قال ابن عباس إنضها: ((كونوا ربانيين حكماء فقهاء)). ويقال:
((الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره))(٣).
■ وتفسير الحبر ابن عباس فإنها ((الرباني)) بأنه الحكيم الفقيه، وافقه
(١) انظر: ((الدر المصون)) (٢٧٧/٣)، وانظر: ((المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز))
لابن عطية (١٩٢،١٩١/٣).
(٢) ((الربانيون قدوة وعمل)) (ص١٣ - ١٩) مُلَخَّصًا.
(٣) ((فتح الباري)) (١٥٩/١ - ١٦٠). رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي
عاصم بإسناد حسن، والخطيب بإسناد آخر حسن كما يقول الحافظ في ((الفتح))
(١ /١٦٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٨
صلاح الأمة في علو الهمة
عليه ابن مسعود خلفه فيما رواه إبراهيم الحربي في ((غريبه)) عنه بإسناد
صحيح (١)، وضمُّ الحكيم إلى الفقيه منه عنه: ((له دلالته العظيمة التي لا
تخفی)).
■ وقد أورد الحافظ قول الأصمعي والإسماعيلي: ((الرباني: نسبة إلى
الرب، أي الذي يقصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل، كما أورد
قول أحمد بن يحيى الشيباني المعروف بـ (ثعلب)): ((قيل للعلماء (ربانيين))
لأنهم يربون العلم أي يقومون به، وزيدت الألف والنون للمبالغة)) ثم
قال: ((والحاصل أنه اختلف في هذه النسبة هل هي نسبة إلى الرب أو إلى
التربية، والتربية على هذا للعلم، وعلى ما حكاه البخاري لتعلمه)).
■ وقد سبق الكرماني ومنه إلى شيء من التوسع في التفسير لرواية
البخاري؛ وما ذكره الحافظ عن أن النسبة في كلمة ((الرباني)) هل هي نسبة
إلى الرب أو إلى التربية، هو تلخيص لهذا التفسير المومى إليه. قال في كتاب
((الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)) وهو يشرح كلام ابن
عباس: ﴿﴿كُونُواْ رَبَّنِِّنَ﴾: ((حكماء فقهاء)): ((قوله: (ربانيين)) منسوب إلى
الرب، وأصله رٍبيون، فزيدت الألف والنون للتوكيد والمبالغة في النسبة،
وسموا (ربانيين)) لأنهم منسوبون إلى الرب تبارك وتعالى، كأنهم
الإخلاصهم أنفسهم لله تعالى، وشدة تعلقهم بربهم، لا يُنسبون إلّا إلى
الرب، أو لأنهم يربون العلم، أي يقومون به، يقال لكل من قام بإصلاح
شيء: قد ربَّه يرُبُّه))(٢).
(١) ((فتح الباري)) (١٦٠/١).
(٢) ((الكوكب الدراري في شرح صحيح البخاري)) للكرماني (٣١/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥٩
علو الهمة في التربية والتزكية
■ وهنا ما بدٌّ من التنبيه على ما سبقت الإشارة إليه من تقرير أن العمل
بالعلم هو الأصل في تلكم الفضائل التي توحيها كلمة ((الربانيين)) في
النص القرآني، وقد أورد الإمام ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)) قول أبي
عمر الزاهد: ((سألت ثعلبًا عن هذا الحرف - وهو الرباني-؟ فقال: إذا
كان الرجل عالمًا عاملًا معلّمًا قيل له: هذا رباني، فإن حُرم من خصلة منها،
لم نقل له: ربَّاني (١). وهذه الكلمات الزاكيات من ثعلب تكمل ما نقله عنه
صاحب ((الفتح)) من قريب (٢).
■ وكثيرة نُقُول المصادر عن أهل البصيرة: ((أن الرباني هو العالم
الراسخ في العلم والدين، أو أنه العالم العالي الدرجة العامل المعلم الذي
يبتغي بعلمه وتعليمه ودلالة الأمة على الخير وجه الله تعالى)) (٣).
■ وقال ابن الأعرابي: ((لا يقال للعالم: رباني حتى يكون عالماً معلمًا
عاملًا)).
■ ولابد أن يستوقفنا قول الإمام البخاري: ((ويقال: الربّاني الذي
يُربِّ الناس بصغار العلم قبل كباره))، فهذا دليل الاهتمام بالتدرج
التعليمي والتربوي عند هذا العالم. والحكمة العالية في اتباع المنهج السليم
تربية وتعليمًا، الأمر الذي يكشف عن العلاقة الحميمة بين تعليم العلم
وتربية الناس على العمل بما يتعلمون.
(١) ((مفتاح دار السعادة)) لابن قيم الجوزية (٤٠٥/١).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) للبدر لاعيني (٤٣/٢).
(٣) انظر: ((تفسير القرطبي)) (١٢٢/٤)، و((مفتاح دار السعادة)) (٤٠٥/١، ٤٠٩)،
و((لسان العرب)) مادة ((ريب)) (٤٠٤/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٦٠
صلاح الأمة في علو الهمة
والمراد بصغار العلم - كما يقول العلماء -: ما وضح من مسائله،
وبکباره، ما دقّ منها. وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلیاته، أو فروعه قبل
أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده، وكل هذا من الأسلوب الحكيم في
مراعاة المرحلة الزمنية التي يمرُّ بها المتلقي، والعمل على إيصال المعلومة،
والتربية عليها من أيسر طريق.
وبعد، فالنسب متصل بين هذا المتحدَّث عنه وبين تفسير ابن عباس
للرباني بـ ((الحكيم الفقيه))؛ إذ الحكمة صحة القول والعقد والفعل، وقيل:
((الحكمة)) الفقه في الدين بالمعنى اللغوي وهو أعم من المعنى
الاصطلاحي، وقيل: (الحكمة)) معرفة الأشياء على ما هي عليه.
(والفقه)): الفهم لغة، والعلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية
اصطلاحًا؛ فإذا انضم إلى ذلك شدة التمسُّكِ بالدین والإخلاص لرب
العالمين فقد تمّت النعمة على طريق سعادة الدارين (١).
■ والذي عند الإمام ابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)): ((قال سيبويه:
زادوا ألفًا ونونًا في الرباني، إذ أرادوا تخصيصًا بعلم الرب تبارك وتعالى،
كما قالوا: شَعْراني ولحياني)»(٢).
■ ثم قال ابن القيم: ((معنى قول سيبويه عَلَهُ أن هذا العالم لما نُسب
إلى علم الرب تعالى الذي بعث به رسوله وتخصَّص به نُسب إليه دون
سائر من علَّم علمً))(٣).
(١) ((فتح الباري)) (١/ ١٦٢).
(٢) ((مفتاح دار السعادة)) (٤١٠/١).
(٣) المصدر السابق (٤١٠/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com