النص المفهرس

صفحات 281-300

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨١
علو الهمة في التربية والتزكية
التشظّ والتصادم. ولذا فإن التربية الفاضلة ليست تلك التي تنثر أمام
الناس مجموعة من الفضائل والحكم والنصائح، وإنما تلك التي تمتلك
خيطًا من نور، ينتظم جميع مقولاتها، ويدفع بها إلى بؤرة شعور الفرد،
وأعماق بنيته الفكرية وأعماق وعيه، وهذا لن يكون ما لم يَسُذْ نوع من
التناغم بين جميع الأجهزة التربوية والإعلامية والتثقيفية.
٣- الإنسان الذي لم يتلق تربية جيدة قد لا يستفيد حتى من
المعلومات اليقينية، ويفسر الأشياء تفسيرًا خاطئًا، ويسهل خداعه،
ويصدر أحكامًا لا يساندها علم ولا منطق، وفي هذا يقول علي فلسعنه:
((رأيُ الشيخ ولا رؤية الصبي)). فالشيخ يصدر رأيه في أمر ما مع نقص
المعلومات لديه مستخدمًا لخبرته، أما الصبي فإن عقله لما يراه، وتفسيره له
يكون في أغلب الأحيان فجًّا؛ نظرًا لجهله بطبائع الأشياء))(١).
من معالمنا التربوية :
١- إن تحقيق العبودية لله تعالى يجب أن يكون مستحضَرًا في كل
وقت، ولدى جميع المربين، وفي جميع المحاضن المربية: الأسرة والمدرسة
ووسائل الإعلام .. فينشَأ الطفل على حب الله ورسوله وَ ◌ّلة، وتذكيره
بنعمة الله عليه ورعايته له، كما يُلفت نظره بين الفينة والفينة إلى بديع خلق
الله وتناسقه وجماله، كي يتعاظم في نفسه توقير الله وإجلاله، ويكون هذا
محورًا من المحاور الأساسية للمناهج الدراسية، مهما كانت المادة التي
تقدمها.
ويضاف إلى ذلك تأسيس ثقافة عامة تدور في فلك الأصول الحضارية
(١) ((حول التربية والتعليم)) (ص٢٠ - ٢٢) مُلخّصًا.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٢
صلاح الأمة في علو الهمة
الإسلامية في ميادين الأخلاق والاجتماع والسياسة والاقتصاد والنظم كافة.
قد بات من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نؤكد بكل وسيلة أن
بلوغ قمة التحضر لن يكون إلّا عبر الخضوع لله تعالى وحده والامتثال
لأمره، وأن التقوى والاستقامة ونفع الخلق هي مقاييس التفاضل في
المجتمع الإسلامي (١).
٢- نحن جزء من هذا الكون، وقد تكرَّم الله تعالى فجعل الإنسان
قادرًا على استثمار جميع ما حوله والانتفاع به، ولذا فإن العلاقة به هي
علاقة تعاون وتعاطف؛ والتعاليم الإسلامية الكثيرة تدلنا على أن على
الإنسان أن يتخلَّق بخلق الرحمة، وأن يتمتع بالإحساس المرهف مع كل ما
فيه نوع من الحياة، بل إن ذلك يجب أن يمتد إلى الجمادات أيضًا، وذلك
بالمحافظة على وجودها، فلا ينبغي للمسلم أن يدمر الموارد المتاحة، وألا
يستخدمها إلَّا على وجه يعود عليه بالنفع.
إن الله - جل وعلا - أرسل محمدًا وَ له رحمة للعالمين، ولا بد لنا من أن
نسعى إلى تحقيق هذا المعنى؛ فلا يتصل مسلم بغير مسلم إلّا ناله شيء من
رحمة الإسلام ولطفه وهديه، ولن يتم هذا إلّا إذا كانت تربيتنا تربية
إنسانية.
٣- إن التربية الإنسانية تتجاوز حدود الواجبات والحقوق، لتسمو إلى
آفاق مراعاة المشاعر والظروف والهموم؛ إنها نوع من الشهامة والمروءة
والتذمم، أو هي - كما سماها القرآن الكريم - درجة الفضل (٢).
(١) ((حول التربية والتعليم)) (ص٣٣).
(٢) قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا ◌َلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٣
علو الهمة في التربية والتزكية
إن فلسفتنا التربوية تقوم على تنشئة ((الإنسان الصالح)) الذي له سلوك
واحد، وتعامل واحد، ومعايير واحدة؛ فالإنصاف، والأمانة، والعدل،
وأداء الحقوق، والنصح، والإحسان، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم،
وإكرام الضيف، ورعاية حقوق الجار .. وما شاكل ذلك من كريم
الصفات - مقومات أساسية يجب أن تتجلى في سلوك المسلم وتعامله مع
المسلم وغير المسلم، والنصوص في هذا كثيرة ومشهورة.
٤- ومن معالمنا التربوية: التماسك والانسجام:
بمعنى عدم اشتمالها على تنافر بين أجزائها، يؤدي إلى أن يُجهض
بعضها بعضًا، وهذا الانسجام نابع في الأصل من أن الله - جلّ وعلا - هو
خالق الكون والإنسان، وهو الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ولذا
فعلى مقدار التزام فلسفتنا التربوية بالمنهج الرباني يكون انسجامها أقرب
إلى الكمال.
ويشكل ذلك الانسجام عنصر الشمول والتوازن؛ فنجد على سبيل
المثال أن القرآن الكريم دعا المسلمين إلى امتلاك القوة، وامتلاك أسباب
الغلبة، وهذا لا يتم إلّا من خلال نظم وأنشطة تؤدي إلى التفوق المادي؛
ولذا نجد أن في جوهر ثقافتنا وأدبياتنا الكثير مما يجعل المسلم لو التزم به
متفوقًا، مثل العلم والنظام والنظافة والإتقان وحسن التدبير والدقة))(١).
٥- التسامي على السفاسف، ومحاولة الارتقاء إلى المثل الأعلى (٢) ركن
ركين في فلسفتنا التربوية؛ فالله - جل وعلا- زود الإنسان بطاقات
(١) ((حول التربية والتعليم)) (ص٣٣ - ٣٧) مُلخَّصًا.
(٢) يُراد بالمثل الأعلى نموذج الحياة المعنوية والمادية المراد للإنسان المسلم أن يحياها.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٤
صلاح الأمة في علو الهمة
وإمكانات، وجعل في تركبيه النفسي والجسمي حاجات تتطلب الإشباع،
وسنَّ له إلى جانب ذلك مبادئ وآدابًا، ووضعه في ظروف قد تكون
مواتية، وقد تكون معاكسة لتحقيق ذلك ابتلاءً منه واختبارًا، وعلى المرء
أن یتعلّم حسن التصرف حیال کل ذلك.
إن الحضارة الحديثة أضعفت إرادة الإنسان، ونقلت مجال السيطرة
والتحكم من الإنسان إلى الأشياء، وصار الإنسان المسلم يشعر - أكثر من
أي وقت مضى- أنه مغلوب على أمره، لاهث حول تحقيق رغبات
وحاجات تقصر إمكاناته دونها، وصار يضغط على مبادئه، ويتجاهل
أخلاقياته وأدبياته في سبيل اكتمال الوسط الذي يعيش فيه؛ وهذا حدَّ من
تساميه وتشوفه إلى المثل العليا.
إن الرؤية الإسلامية في هذه المسألة تتلخص في أن رغبات الناس في
امتلاك الأشياء لن تتوقف عند حد: ((لو كان لابن آدم واديان من مال
لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب)»(١) ومن ثَم فإنه لا بد
للمسلم من المجاهدة الدائمة حتى لا يخضع للظروف الصعبة، وينشد
دائمًا الأسمى والأرقى، وفي سيرة النبي ێ و سير أصحابه الكرام دروس
عملية كثيرة للتسامي؛ فقد خُيِّرَ وَّ له بين أن يكون ملِكًا رسولًا، وأن يكون
عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا، وكان تمر عليه الليالي العديدة
دون أن يوقد في بيت من بيوت نسائه نار، وكان يقوم من الليل حتى
(١) رواه البخاري وأحمد ومسلم والترمذي عن أنس، وأحمد، والبخاري ومسلم عن ابن
عباس، والبخاري عن ابن الزبير، وابن ماجه عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد،
والبخاري في ((التاريخ))، والبزار عن بريدة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٥
علو الهمة في التربية والتزكية
تتورم قدماه، مع مغفرة الله تعالى له، وكان وكان ..
وكان فتيان الصحابة ئته يتسابقون إلى ساحات الجهاد طلبًا
للشهادة، كما كان بعض الصحابة يؤثر إخوانه على نفسه بأشياء هو في
أمس الحاجة إليها، وكان منهم من يعمل ويكد من أجل أن يتصدق بشيء
من أجره في سبيل الله!
٠
إن التشريع الإسلامي يراعي الظروف الصعبة، والإمكانات
المحدودة لبني البشر، ويعترف بها، ومن أجل ذلك كان التكليف ضمن
الوسع، وكانت الرخص، لكن الله تعالى يريد دائمًا من عباده أن يكون
فيهم من يأخذ بالعزائم، ويضغط على حاجاته ومصالحه، من أجل
الارتقاء إلى مقام القدوة، وذلك هو السبق، وأصحابه هم السابقون
الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) فِ جَنَّتِ
التَّعِيمِ ﴾ [الواقعة].
إن التسامي والارتفاع إلى مقام الإمامة في الخلق والسلوك يحتاج دائمًا
إلى تضحية، ولكن العاقبة رضوان من الله ورحمة وفوز مبين. وإذا كان من
العسير على الواحد منا أن يرتقي إلى المثل الأعلى في كل جوانب الحياة؛ فلا
أقل من أن يكون قدوة في مجال من المجالات على الأقل؛ لينير شمعة في
زاوية من زوايا ليل العالم الحالك.
التسامي في التحليل النهائي مظهر من مظاهر الإرادة الصلبة، وهو في
الوقت نفسه أداة من أدوات التحرر من ربقة الأهواء والشهوات، وأَشْر
الظروف الصعبة.
الأجيال الجديدة تواجه المزيد من ندوة الموارد، والمزيد من المغريات
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٦
صلاح الأمة في علو الهمة
مع ظروف قاسية، ولذا فإن حاجتها إلى التسامي ستزداد يومًا بعد يوم،
ومهمة التربية أن تبرز الحاجة إليه، وأن تستهدف تحقيقه في مناشطها
المختلفة))(١).
التربية الأسرية هي الأساس:
إن الجهات الأساسية التي تتولى عملية التربية، هي الأسرة والمدرسة
والمجتمع، فأيها أبقى وأعظم أثرًا في شخصية الطفل؟
لا يكاد علماء النفس وعلماء التربية يختلفون في أن الأسرة هي التي
تقود عملية التربية الأساسية؛ حيث تثبت دراسات كثيرة أن الخطوط
الأساسية في شخصية الطفل يتم رسمها في السنوات السبع الأولى من
عمره، وأن ما يأتي بعد ذلك من مؤثرات تربوية مختلفة، إنما هو تعميق
وتفصيل وتكميل، وهذا يعني أن الأسرة هي صاحبة التأثير الأكبر في
شخصيات الناشئة.
روح الكفاح والمثابرة:
إن طبيعة الالتزام الصارم بالتعاليم الربانية، شكل عظيم من أشكال
الاستمرار في بذل الجهد، ومكافحة الأهواء والشهوات؛ حيث يضبط
المسلم الملتزم إيقاع حركته ومشاعره ضبطًا تامًّا وفق مراد الله - تبارك
وتعالى - والمشكلة في هذا الصدد مع نوعين من المسلمين:
١ - نوع لا يعرف مذاق الاستمرارية والمثابرة، لا في شؤون دينه، ولا
شؤون دنياه؛ فهو أقرب إلى أن يكون بدائيًّا فوضويًّا.
(١) ((حول التربية والتعليم)) (ص٣٧ - ٣٨).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٧
علو الهمة في التربية والتزكية
٢- ونوع يلتزم بأمور دينه التزامًا منقوصًا، حيث لم يستطع توسيع
قاعدة الالتزام، وروح الدأب والكفاح؛ لتشمل جميع جوانب حياته؛
فترى لديه قصورًا في تدينه، ونوعًا من الجمود والاضطراب في معالجة
أمور دنياه، مع أن الذي يعمق النظر يرى أنه لا يمكن الفصل بين أمور
الدين وأمور الدنيا، لا على مستوى الفكر، ولا على مستوى السلوك؛
فالبنية العميقة للشخص لا بد أن تتجلى فيهما معًا.
ولعلنا نلمس في هذه المسألة النقاط التالية:
أ- حتى يمتلك الناشئة روح الكفاح والمثابرة على بذل الجهد، وضبط
النزعات والميول، فإنهم بحاجة إلى امتلاك عقل مفتوح، وشحنة عظيمة
من الأمل والتفاؤل؛ فالمستحيل درجات ومنه ما هو مطلق، ومنه ما هو
نسبي، وما من معضلة إلّا وهي قابلة للتغلب عليها كليًّا أو جزئيًّا، وفي
النهاية فإن المرء يستطيع أن يعايشها، ويتكيف معها، وبذلك يكون أقوى
منها، وكما يقول أحد الفلاسفة: ((فلنغرس في نفوس شبابنا أن أعظم
الكتب لم يؤلف بعد، وأن أعظم اللوحات الفنية لم تنقش بعد، وأن أحسن
الحكومات ما زالت في مخاض، وأن ذلك كله سیتم على أيديهم هم)).
إن ((أديسون)) الذي سجل أكبر عدد من المخترعات في العصر
الحديث قال حين سئل عن العبقرية: ((إنها ١٪ إلهام و٩٩٪ عرق جبين)) !.
وعلى هذا فإن التفوق والإنجاز العالي، والإتيان بالطرائف والغرائب هو
في المقام الأول وليد الاجتهاد والمتابعة المبصرة والمنظمة.
إن لدى كل طفل من أطفالنا قدرًا من العبقرية، وإن علينا أن نكتشف
ذلك ونرعاه وننميه ونتابعه، وهذا من مسئولياتنا ذات الأهمية والأولوية.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٨
صلاح الأمة في علو الهمة
جـ- إن كل المؤشرات المتوفرة تقول: إن مشاق الحياة في ازدياد على
الرغم من تكاثر المرفّهات، وما هو مطلوب للعيش الطيب يزداد ندرة،
وليس المقام هنا مقام تفصيل، ولن يكون بمقدور الأمة أن تفعل شيئًا
عظيمًا ما لم تدرب الناشئة لديها على أن يُعدُّوا أنفسهم للحياة الجديدة، إن
الصحابة له ومن تلاهم من بناة الحضارة الإسلامية العتيدة - قد
تحملوا من المشاق وشظف العيش في مجاهدتهم لنشر هذا الدين ما لا
يوصف، مع قلة عتادهم، ومحدودية إمكاناتهم، وتفوق أعدائهم، وإن
علينا أن نعلم الناشئة كيف يستخلصون الروح والمثل من ذلك.
والذي يقرأ في سيرهم يتبين له بوضوح أنهم كانوا لا يسألون أنفسهم
أبدًا عما تبقى من الطريق، ولا عن تكاليف في ذلك، وكانوا يدعمون
روحهم المتوثبة تلك بثقة غير محدودة بنصر الله تعالى وعونه، وقد كان لهم
ذلکم على نحو فذ فرید !.
وفي العصر الحديث تعد اليابان النموذج العالمي للنجاح الباهر في
ظروف هي الأقسى، ومع موارد شديدة الشح، وكانت وسيلتها إلى ذلك
هي المثابرة والإصرار، ويذكر أحد الكتاب الذين حاولوا النفاذ إلى أعماق
التربية اليابانية أن من المرغوب فيه أن يتعلم الطفل في بدايات التعليم
الابتدائي أن يتحمل المشاق، وفي السنوات المتوسطة يتعلم الإصرار
والاستمرار؛ ليحقق المطلوب منه في صبر وعزم وفي السنوات الأخيرة من
التعليم الثانوي يتعلم ألا يقف سلبًا أمام المصاعب والعقبات، وأن يجد
الحلول متغلبًا على ما يجد من مشكلات، وألا يخاف الإخفاق بعد أن يبذل
الجهد اللازم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
1

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨٩
علو الهمة في التربية والتزكية
((إن الكمال الذي ننشده ليس بنية مكتملة محددة المعالم، نستحوذ عليها
ونرتاح، وإنما هو شيء يلمع ويبرق في الأفق، والاستحواذ عليه ليس أكثر
من مناهزته بصورة دائبة دائمة، وبأشكال من التصفية والمراجعة
والإنضاج.
تعلمنا التجربة التاريخية الأممية أن الظروف المادية لا تشكل أبدًا
حواجز لا تقهر، أو عوائق لا يمكن التغلب عليها؛ فكثير ممن سطروا
قصصًا عجيبة من النجاح والتفوق، بدءوا من الصفر، وفي ظروف قاسية،
ثم استطاعوا من خلال الجهد المتواصل أن يكونوا أفضل بكثير ممن ولدوا
وفي أفواههم ((ملاعق من ذهب))! وهذا يدل على أن ((القصور)) على
مستوى الفرد، وعلى مستوى المؤسسات، هو العقبة الكئود؛ والتغلب
عليها ليس مستحيلاً، إذا ما توفرت الشجاعة وإرادة العطاء والمثابرة.
ب-تعود العبقرية في كل مجالات الحياة إلى نوع من التفوق في
الإمكانات الذهنية! ولكن لا يمكن للتفوق في الفهم والخيال والتحليل
والتركيب والربط، أن يصنع شيئًا ما لم يُشفع بالقدرة على المثابرة والتركيز.
يذكرون أن ((زفر)) كان أنبغ تلامذة أبي حنيفة النعمان ؤَهُ وأبرعهم
في القياس، وأن قدرات زميله ((أبي يوسف)) كانت أقل، وعند النظر في
المكانة الفقهية لكل منهما نجد أن الفارق بينهما شاسع، ويذكرون أيضًا أن
أبا حنيفة قال لأبي يوسف: ((أنبتْكَ ثَباتكُ)).
وقد حار كثير من العلماء في تفسير ظاهرة ((العبقرية)) لدى بعض
الناس، وذهبوا في تفسيرها كل مذهب، وكان من رأي بعضهم مثل
((أريكسون)» أن مفتاح فهم ظاهرة العبقرية يكمن بتميز العباقرة، ليس عن
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٠
صلاح الأمة في علو الهمة
طريق اختبار الذكاء العالي، ولكن بميزة المثابرة الدءوبة على تنمية المعرفة،
خاصة التركيز على حقل واحد، وبأخلاقية عمل خاصة من الطموح
والمتابعة والاهتمام والانضباط الذاتي، والبدء المبكر منذ الطفولة، ولفترة
عمل مكثف تراكمي، لا تقل عن عشر سنوات في حقل بعينه)) (١).
أنواع التربية المطلوبة لتربية جيل على نمط جيل الصحابة ((الجيل
القرآني الفريد)»:
١- التربية العقائدية:
لا بد من إنشاء القاعدة الصلبة وتربيتها على أعلى ما يتاح لنا من
مستويات التربية، وتنقيتها من الشوائب بأقصى ما يُتاح لنا من وسائل
التنقية.
((ووسيلتنا في التربية هي ذات الوسيلة التي استخدمها المربي
الأعظم وَلقى: تعميق الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعميق الصلة بالله،
وتعويد النفوس على الحياة في معية الله، والتدريب على ممارسة السلوك
الإيماني في عالم الواقع .. ثم تعميق الوعي بالوسائل التي تؤدي إلى تعميقه،
على أن نأخذ في اعتبارنا أن القدوة هي الوسيلة الأولى - والكبرى- في
عملية التربية، ثم تأتي بعدها الموعظة والنصائح والدروس مع الرعاية
والمتابعة والدأب والصبر، حتى تستجيب النفوس ثم تستقيم.
جهد ضخم في الحقيقة، وهو على ضخامته لا يؤتي ثماره في يوم وليلة
ولا يمكن استعجاله، ولا يمكن تخطيه، إذا كنا جادين في القيام بعمل
(١) ((نحو التربية والتعليم)) (ص٧٩) نقلًا عن ((صناعة العبقرية)) مقال للدكتور خالص
جلبي - جريدة الرياض في ١٤١٨/٣/٦.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩١
علو الهمة في التربية والتزكية
ينقذ الأمة مما هي فيه، ويسعى إلى تحويل الجاهلية عما هي فيه)(١).
﴾ ((والدرس الأول في بناء القاعدة الصلبة من كوادر الإسلام هو
درس لا إله إلا الله، علمًا بها، وتربية على مقتضياتها.
لا بد من التربية البطيئة الشاملة ولو استغرق ذلك عدة أجيال .. فإن
دولة الخلافة التي احتاجت إلى قرون طويلة لإسقاطها تحتاج إلى قرون
لإقامتها.
كي إن مصدر الهداية الوحيد كتاب الله وسنة رسوله وَلا بفهم سلفنا،
والهدی هدی الله.
وعقيدة السلف قواعد وضوابط تعصم من الخطأ في مجال
الاعتقاد، وهناك لون آخر من العقيدة يبعث العباد إلى العمل بما جاءهم
من عند الله مخلصين دينهم لله، وهذا اللون هو الذي يجعل المسلم قوة حية
متحركة عاملة، وهذا اللون من العقيدة حتى يعطي ثماره لا بد من دراسته
من خلال النصوص)).
كـ ((إن بعض الدعوات والانحرافات التي نشأت في بلاد المسلمين
تنادي بتوجه المسلمين إلى عباده غير الله، واتباع منهج غير منهج الله،
فعادت في ديار المسلمين كثير من مظاهر الشرك ..
وقد تبنت كثير من الفرق مناهج مضادة للمنهج الإسلامي، ومن
ذلك تبني المنهج الفلسفي الكلامي في إرساء العقيدة والإيمان، وهذا
المنهج مزاحم للمنهج الإيماني القرآني القائم على الوحي، وعمدة المنهج
الفلسفي الكلامي نظريات عقلية، وأصول فلسفية، ومصطلحات
(١) ((كيف ندعو الناس)) لمحمد قطب (ص١٣٨ - ١٣٩) - دار الشروق.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٢
صلاح الأمة في علو الهمة
منطقية، وهذا المنهج يختلف عن المنهج الإيماني القرآني في طريقة
الاستدلال، وفي المقصد والهدف))(١).
18 ومن المناهج المخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح المنهج الصوفي
الذي يغرق في الفلسفة من الحلول ووحدة الوجود والتواكل.
وهناك لوثة الفكر الإرجائي التي تخرج العمل عن مسمى
الإيمان، فضلًا عن الفكر العلماني، والدعوات التي تناقض الإسلام من
الشيوعية والبعثية، والدعوات التي تنادي بالاعتزاز بالحضارات الكافرة
البائدة كالفرعونية والآشورية والبابلية، والدعوات التي تقوم على المبادئ
الضالة على أساس القومية والوطنية، وهي دعوات تضاد الإسلام
وتحاده.
كهر فلا بد من تربية سليمة على أساس من العقيدة السليمة عقيدة
السلف، وتجلية قضايا التوحيد كلها: قضية لا إله إلّا الله، والحاكمية،
والقضاء والقدر، ومسائل الكفر والإيمان.
كيد لا بد من تربية إيمانية عقائدية تُعمِّق معرفة الفرد بالله وَلَّ وأسمائه
وصفاته وأفعاله وربوبيتّه وإلهيّته، والتفكر في مخلوقاته وََّ.
لا بد من تربية الفرد على تدبر القرآن وأحاديث النبي وَلاو
ومعرفته، والحياة في أجواء إيمانية بعيدة عن أجواء المعاصي والشهوات.
لا بد من تربية المسلم على الأدب مع الله وَّ ومع رسوله وَّ،
(١) ((كيف تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها من جديد» للشيخ عمر سليمان الأسقر
(ص٣٩- ٤٤) - دار النفائس.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٣
علو الهمة في التربية والتزكية
والأخذ بظاهر الكتاب والسُّنَّة ورفض التأويل، ومحبة أصحاب النبي
ككل الله
.
وَسِيَـ
وه لا بد من التربية على تعميق الصلة بالله وَلَّ بعبودية القلب وعلو
الهمة في العبادات ومراعاتها دائمًا.
٢- التربية الخلقيّة :
والمقصود بها التربية على الأخلاق الفاضلة: كالصدق، والأمانة،
والإيثار، والاستقامة.
جملة من الأخلاق التي ينبغي أن يتربى عليها الشباب المسلم:
! قال العلامة جمال الدين القاسمي له ما ملخصه: ((كل من أعار
الوجود نظره البصير علم أن حاجة المرء إلى تأديب نفسه لا تفوقها حاجة؛
لأن الإنسان إلى الشر أميل منه إلى الخير، وإلى الشهوات النفسية أميل منه
إلى الكمالات الروحية، فكان من المحتم العناية بتهذيب خلقه، وتحليه
بالمحاسن والفضائل، وتطهير نفسه من المساوئ والرذائل، فيصبح محمود
الأقوال والأفعال، مثالًا للفضيلة والكمال، وهذه شذرة مما يلزمك أن
تتخلق به من آداب نفسك: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا
تستخفنَّ بفضائل شريف، لا تميلن إلى سخيف، لا تقولن هُجْرًا لئلا
يسقط قدرك، لا تفعلن نُكْرًا لئلا يقبح ذكرك، إياك وفضول الكلام؛ فإنه
يظهر من عيوبك ما بطن، ويحرك من عدوك ما سكن، فكلام الإنسان
بيان فضله، وترجمان علقه، فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل،
وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه ينفر عنك الكرام، ويوثب عليك
اللئام، إياك والدجاج؛ فإنه يوغر القلوب، وينتج الحروب، فاقتصر من
الكلام على ما يثبت حجتك ويبلغك حاجتك، ومن قال بلا احترام
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٤
صلاح الأمة في علو الهمة
أجيب بلا احتشام، لا تعود نفسك إلَّا ما تحظى بأجره وتحمد على ذكره،
وإياك ومحاجة من يملكك قهره وينفذ فيك أمره، يستدل على رزانة
الرجل بقلة نطقه ومقاله، وعلى فضله بفضل عمله واحتماله، فأكرم
إخوانك، وأكثر خلانك، واكفهم لسانك، فطعن اللسان أنفذ من طعن
السنان، تعام عما تسوءك رؤيته، وتغاب عما تضرك معرفته، ولا تشر على
من لا يقبل منك، ولا تُجب عما لا تسأل عنه، وإذا عاتبت فاستبق، وإذا
صنعت معروفًا فاستره، وإذا صُنع إليك فانشره، وإذا أذنبت فاعتذر، وإذا
أذنب إليك فاغتفر، فالمعذرة بيان العقل، والمغفرة بيان الفضل، لا تزهد في
رجل عرف فضله، وجرب عقله، ولا تعن قويًّا على ضعيف، ولا تؤثر
دنيا على شرف، ولا تشر بما يعقب الوزر والإثم، ولا تفعل ما يقبح الذكر
والاسم.
■ الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة ولا هيبة منهما،
وتوقر من غير كبر، وتواضع من غير مذلة، ليكن ضالة عقلك التي
ينشدها ونجعته التي يرتادها الحق، فاحكم به ولو على نفسك، ولا تكن
ممن تأخذه العزة بالإثم، عليك بالنشاط والعمل، وترك البطالة والكسل،
ولا تكن كلّ على غيرك، فإن الرجل كل الرجل الذي يأكل من كسبه،
ویشرب من ورده.
■ أقدم على جلائل الأعمال مع الصبر والثبات، واحمل نفسك على
معالي الأمور والتثبت بأحسن الأعمال والأمور العظام، والتهاون لنيلها
بالآلام؛ فإن الكسل من النقائص التي توجب الخسائس والشرور.
وقد قيل: إذا رقدت النفس في فراش الكسل استغرقت في بحر الحرمان.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٥
علو الهمة في التربية والتزكية
ليكن مجلسك هادئًا، وحديثك موزونًا مرتبًا، وإذا جلست فلا
تستوفز، وتحفظ من تشبيك أصابعك وفرقعتها، والعبث بشاربك ولحيتك
وخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك
وتنحنحك، والتمطي والتثاؤب في وجه الناس وفي الصلاة وغيرها.
■ أصغ إلى الكلام الحق ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط، ولا
تسأله إعادته، واسكت عن المضاحك والحكايات، لا تحدث عن إعجابك
بولدك وشعرك وكلامك وتضيفك وسائر ما يخصك، إذا خاصمت فتوقر
وتحفظ من جهلك، وتفكر في جهتك.
■ لتكن سهل اللقاء والبشاشة ولو في حال المرض، وبادر بالتحية
والبشر من تلقاه واكتم بؤسك، واجعل شكواك لمن يقدر على غناك، ولا
تحضر منازعة؛ فإنك لا تخلو من قسط من أذاها، ولو بالمطالبة بأداء
الشهادة.
■ إياك والانبساط؛ فإنه عورة من عوراتك، فلا تبذله إلَّا لمأمون عليه
حقيق به، لا تتصنع تصنع المرأة في التزين، ولا تتبذل تبذل العبد، ولا تلح
في الحاجات، ولا تشجع أحدًا على ظلم، لا تُعْلِم أحدًا من أهلك وولدك
فضلًا عن غيرهم مقدار مالك؛ فإنهم إن رأوه قليلًا هنت عليهم، وإن
رأوه كثيرًا لم تبلغ رضاهم قط، واجفهم من غير عنف، ولِنْ لهم من غير
ضعف، ليكن لك فضل عزلة؛ فإن كثرة الخلطة مجلبة الابتذال.
· ومما يروى عن علي السعنه: ((إياك وفعل القبيح؛ فإنه يقبح ذكرك
ويكثر وزرك، إياك أن تَسْتَسْهِل ركوب المعاصي؛ فإنها تكسوك في الدنيا
ذلة وتكسبك في الآخرة سخط الله، عليك بالحكمة فإنها الحلية، عليك
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٦
صلاح الأمة في علو الهمة
بالحياء فإنه عنوان النبل، عليك بالسخاء فإنه ثمرة العقل، عليك بالأناة
فإن المتأني حري بالإصابة، عليك بحسن الخلق فإنه يكسبك الكرامة
ويكفيك الملامة، عليك بلزوم الحلال، وحسن البر بالعيال، عليك
بالصدقة تنج من دناءة الشح، عود نفسك الجميل فإنه يُجمِّل عنك
الأحدوثة، ويجزل لك المثوبة، عود نفسك حسن الكلام تأمن الملام.
كن بالوحدة آنس منك بقرناء السوء، كن للمظلوم عونًا، وللظالم
خصمًا، كن للود حافظًا وإن لم تجد محافظًا، كن مؤاخذًا نفسك مغالبًا سوء
طبعك، وإياك أن تحمل ذنوبك على ربك.
كن بأسرارك بخيلًا، ولا تذع سرًّا أودعته فإن الإذاعة خيانة، كن
حسن المقال جميل الأفعال، فإن مقال الرجل برهان فضله، وفعاله عنوان
عقله، كن صموتًا من غير عي، فإن الصمت زينة العالم وستر الجاهل.
كن بعدوك العاقل أوثق منك بصديقك الجاهل.
كن متصفًا بالفضائل مبرأ من الرذائل.
لا تأس على ما فات، لا تقولن ما يسوءُك جوابه، لا تركنن في مودة
من لم تكشفه، لا تزهدن من شيء حتى تعرفه، لا تضمن ما لم تقدر على
الوفاء به، لا تخبر بما لم تحط علمًا به، لا تأمن البلاء في أمنك ورخائك، لا
تعدن شرًّا ما أدركت به خيرًا، لا تعدن خيرًا ما أدركت به شرًّا، لا تتكلم
بما لا تعلم فكفى بذلك جهلًا، لا تمسك عن إظهار الحق إذا وجدت له
أهلًا، لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال.
■ لا تُعوِّد نفسك اليمين فإن الحلاف لا يسلم من الإثم، لا تعود
نفسك الغيبة فإن معتادها عظيم الجرم، لا تيأس من الزمان إذا منع، ولا
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٧
علو الهمة في التربية والتزكية
تثق به إذا أعطى، كن على أعظم الحذر، لا يؤنسك إلّا الحق، ولا
يوحشنك إلَّا الباطل، لا تخل نفسك من فكرة تزيدك حكمة، وعبرة
تفيدك عصمة، لا تسئ الخطاب فيسوءك الجواب، ولا تحارب من لا
يعتصم بالدين، فإن مغالب الدين محروب (١)، لا تغالب من لم يستظهر
بالحق فإن مغالب الحق مغلوب.
■ لا تجهل نفسك فإن الجاهل بنفسه جاهل بكل شيءٍ))(٢).
التربية على الآداب النبوية:
ولما كان أعلى مقامات الكمال الإنساني في التحلي بمكارم الأخلاق هي
لرسول الله وَالو الذي مدحه ربه قائلاً له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
٤
[القلم] .. كانت التربية على هذه الآداب النبوية والسنن المصطفوية هي
معارج لعُلاة الهمم ممن يطلبون التحلّ بحُسن الخلق والتربية عليها، فهناك
آداب بر الوالدين، وآداب صلة الرحم، وهناك آداب للضيافة، وآداب
للجوار، وآداب لطلب العلم، وهناك آداب للنظر، وأخرى للسان،
وآداب للذكر، وأخرى للخُلْطة، وآداب للطعام، وآداب للنوم، وآداب
للسلام، وآداب السواك، وأخرى للعطاس، وآداب الاستئذان، وآداب
للسفر، وآداب للكَسْب والمعاش، وآداب للمجالس.
وهذه الآداب أفردها العلماء بالذكر والتأليف، وشُحنت بها كُتب
السُّنَّة، فلزام على المُربِّ أن يعيها جيِّدًا فهي أسمى مقامات السمو، وليس
(١) أي مهزوم في الحرب.
(٢) ((جوامع الآداب في أخلاق الأحباب)) لجمال الدين القاسمي الدمشقي (٦ - ١٥)
باختصار - طبع مؤسسة قرطبة.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٨
صلاح الأمة في علو الهمة
فوقها أو بعدها غاية، وليحرص المُربِّ والمؤدب أن يتحلّى وبها وثُحلِّي بها
تلاميذه ممن یُرَبیهم.
■ وجدير بعالي الهمة أن يقلع الأشواك من أرض نفسه وأرض غيره
التي يريد أن يزرع فيها هذه الآداب، وأن يُجِنِّب نفسه مساوئ الأخلاق
وسفسافها، أو كما قالوا: ((التَّخْلِية قبل التحلية)) .. تخلية النفس من مساوئ
الأخلاق وأراذلها، وتحليتُها بمكارمها.
مفاهيم يُرنو إليها عُلاة الهمم في التربية:
■ وهناك مفاهيم يرنو إليها عُلاة الهمم في التربية منها:
تعظيم حُرمات المسلمين، ومحبة العلماء العاملين والأئمة الربانيين،
وتَحَمُّل المسؤولية، وحب الجهاد، والرغبة في الاستشهاد، والتورع عن
الفتوى، ومعرفة قيمة الأوقات وتعميرها بالطاعات، وفقه الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بواجبه حسب القدرة والطاقة،
ومعرفة مراحل الدعوة إلى الله وَجَّ، والعبودية المطلوبة في كل مرحلة،
والثقة بنصر الله وَجَّ واليقين بوعده، والرجولة وترك التنعُّم، ومعرفة
الحضارة الإسلامية، والمخططات اليهودية والماسونية والصليبية(١).
٣- التربية الروحية:
التربية الروحية: ضرورة لا غنى عنها في البناء .. بل لا يُتصور أن يقوم
بدونها عمل دعوي على الإطلاق، إذا عنينا بالتربية الروحية تعميق الصلة
بالله، وترقيق القلب لعبادته سبحانه، وتذكير الإنسان باليوم الآخر، وربط
(١) وهذه رؤوس عناوين أوردها الدكتور أحمد فريد في كتابه القيم ((التربية على منهج
أهل السنة والجماعة)) وأفردنا لها الفصول في هذه الموسوعة .
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩٩
علو الهمة في التربية والتزكية
مشاعره بالموقف الذي يلقى الله فيه .. وقد كان هذا جزءًا بارزًا وأساسيًّا
من عمل الرسول وَله في تربية أصحابه حفظه في مكة خاصة، حين فُرِض
عليهم قيام الليل لتعميق هذه الصلة وتثبيتها وترسيخها.
كي إن الإنسان في حلبة الصراع يُجهَد ويتعب، ويحتاج إلى سند يقويه،
يمنعه من السقوط، ويمنع عنه الوهن الذي قد يعتريه، وهنا تبرز تلك
الطاقة الروحية تقيه من الوهن، وتقوّيه على الصمود، بما تمده من طاقة،
وتشع في کیانه من نور.
كه والإنسان في حلبة الصراع قد يستوحش، حين يتكاثر عليه
الأعداء، ويجد نفسه وحده، أو يجد مَن حوله مستضعفين مثله لا يملكون
نصره، وهنا تبرز تلك الطاقة الروحية تُؤنسه بذكر الله فلا يستوحش،
وتذكّره بالثمرة الجنّة في اليوم الآخر فيجدّ في السعي.
والإنسان في حلبة الصراع قد يفتقد المتاع الحسي، والأهل
والأصحاب، والفراش الوثير، والطعام الوفير، فتحنّ نفسه لذلك كله،
أو لشيء منه، فيثاقل إلى الأرض، وهنا تبرز الطاقة الروحية توازن في حسّه
ثقلة الأرض، وتعوّضه عن حرمانه بمتاع أعلى: معية الله، ورضوان الله،
والجنة.
إنها الزاد التي يحتاج إليه المسافر ليقطع الرحلة في أمان، إن هذه التربية
الروحية هي زاد الطريق ومدد الروح وجلاء القلب، إنها تفتح القلب،
وتوثق الصلة بالله، تشرق بالنور، وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة.
عد لا بد من الربانية لبعث الأمة الإسلامية.
((إن سر الأسرار في نواقض العمل الإسلامي في القرن الرابع
كـ
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٠٠
صلاح الأمة في علو الهمة
عشر يكمن في الانطلاق إلى الدعوة وطيّ فكرة الإنضاج في الربانية)) (١).
ك ولا ربانية بلا عبادة، بل الربانية علم على العبادة، ومبنى العبادة
على الذكر، والذكر الكثير هو الطريق للوراثة النبوية ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
[الأحزاب]، ولا ربانية بلا علم ﴿ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَِّنِعِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ
[آل عمران]. ولا ربانية إلَّا ببيئة تربي على العلم
٧٩
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ:
وعلى الذكر، ويتحرك فيها الرباني نحو الخارج، بالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، والعلم والتعليم، والنصيحة والخدمة)(٢).
إن معاني الإيمان تحتاج إلى تجديد .. والأمة محتاجة إلى إحياء مراتب
الصديقية والشهادة والصلاح .. وهي من الأهمية في المكان الكبير،
والتفتيش على الدقائق الإيمانية والقلبية من الإخلاص والزهد والمحبة
والتسليم والرضا من الخير والأهمية في ذروة سامية.
وبقدر ما يوجد في الأمة الإسلامية صدّيقون وشهداء وصالحون
تكون القدوة موجودة في حاضر الأمة.
ي. ولطالما علت أصوات المخلصين الذين يريدون الخير لأمتهم:
عندنا نقص وجفاف روحي .. عندنا نقص تربوي .. وسيبقى هذا الكلام
مستمرًّا حتى توجد كوادر عريضة قد تحققت بمعاني الربانية.
كيد التزكية هي ربع الرسالة المحمدية، ومطلب عظيم أقسم الله عليه
أحد عشر قسمًا متتالية ما أتت إلّ في موضع واحد من كتابه الكريم في
(١) ((إحياء الربانية)) لسعيد حوّى (ص١٩) - دار السلام.
(٢) المصدر السابق (ص٢١).
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com