النص المفهرس
صفحات 261-280
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦١ علو الهمة في التربية والتزكية وينصرنا على العدو؛ فلا يكفي لذلك ما أشرنا إليه من وجوب تصحيح المفاهيم، ورفع الآراء التي أوّلت الأدلة الشرعية عند أهل العلم. وإنما هناك شيء آخر مهم جدًّا - هو بيت القصيد - لتصحيح المفاهيم؛ ألا وهو العمل؛ لأن العلم وسيلة للعمل، فإذا تعلّم الإنسان، وكان علمه صافيًا مصفّى، ثم لم يعمل به؛ كان بدهيًّا جدًّا أن هذا العلم لا يثمر، فلا بد من أن يقترن مع هذا العلم العمل. ويجب على أهل العلم أن يتوَلَّوْا تربية النشء المسلم الجديد على ضوء ما ثبت في الكتاب والسنة؛ فلا يجوز أن ندعَ الناس على ما توارثوه من مفاهيم وأخطاء بعضها باطل قطعًا باتفاق الأئمة، وبعضها مختلف فيه وله وجه من النظر والاجتهاد والرأي، وبعض هذا الاجتهاد والرأي مخالف للسنة. فبعد تصفية هذه الأمور، وإيضاح ما يجب الانطلاق والسير فيه، لا بد من تربية النشء الجديد على هذا العلم الصحيح. وهذه التربية هي التي ستثمر لنا المجتمع الإسلامي الصافي، وبالتالي تقيم لنا دولة الإسلام. وبدون هاتين المقدَّمتين: ((العلم الصحيح))، و((التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح)) يستحيل في اعتقادي أن تقوم قائمة الإسلام أو حكم الإسلام أو دولة الإسلام. ﴾ وإذا كان الرسول وَّ جعل العلاج في رفع الذل المخيّم علينا إنما هو بالرجوع إلى الدين، فيجب علينا إذن أن نفهم الدين بواسطة أهل العلم فهمًا صحيحًا موافقًا للكتاب والسنة، وأن نربي النشء الصالح تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٢ صلاح الأمة في علو الهمة الطيب على ذلك، وهذا هو الطريق لمعالجة المشكلة التي يشكو منها كل مسلم. يـ وقد أعجبتني كلمة - هي في الواقع كأنها خلاصة لما قلته أو بيَّنْتُه آنفًا- لبعض المصلحين في العصر الحاضر - وهي في رأيي كأنها من وحي السماء - يقول: ((أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقَمْ لكم على أرضكم)). ولا بد من أن نصلح نفوسنا على أساس من إسلامنا وديننا، وهذا لا يكون بالجهل، وإنما بالعلم؛ حتى تقوم دولة الإسلام على أرضنا هذه))(١). تربية الناس على عقيدة أهل السنة والجماعة: ■ يقول الشيخ الألباني هذه: ((إن كثيرًا من المسلمين يشهدون أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وهم لا يلتزمون لوازم هاتين الشهادتين، وهذا بحث طويل؛ فكثير من المسلمين اليوم - حتى الذين يُعَدُّون من المرشِدين - لا يعطون ((لا إله إلّا الله)) حقها من التفسير، ولقد انتبه لهذا كثير من الشباب المسلم والكُتّاب المسلمين؛ وهو أنّ من حق هذه الشهادة: أن الحكم لله، نعم؛ أريد أن أقولها صريحة: لقد انتبه الشباب المسلم والكُتّاب المسلمون اليوم إلى هذه الحقيقة؛ وهي أن الحكم لله وَلا وحده، وأن تسليط القوانين الأرضية، واعتمادها لحل المشاكل القائمة اليوم ينافي كون الحكم لله وَزَ))(٢). فهذا شيخ المحدثين وقد عاصر الدعوات المعاصرة في أكثر من (١) نقولات من كتاب ((التصفية والتربية وحاجة المسلمين إليها)) للشيخ الألباني -المكتبة الإسلامية - بالأردن. (٢) ((التصفية والتربية)) (ص ٢٥ - ٢٦). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٣ علو الهمة في التربية والتزكية نصف قرن من الزمان يرى أن السبيل إلى عودة الإسلام لا بد أن يكون على أساس تنقية الإسلام أولًا من العقائد الباطلة، والآراء الفقهية التي لا تستند على دليل صحيح من الشرع المتين، ثم تربية شباب الصحوة على هذا الدين الخالص والإسلام المصفى، فنكون بذلك قد اهتدينا بهدى النبي وَلله والصحابة الكرام. قاعدة هامة : 0 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية منه: «فأما بعدما بعث الرسول وَليلة، فالجاهلية المطلقة قد تكون في مِصْرِ دون مِصرِ كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسلم فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام، فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد ◌َّلة فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيّدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من المسلمين)) (١). كيد هذا في زمان ابن تيمية فكيف لو رأى زماننا هذا؟! نظرة صائبة في التربية أُرْعِها سَمْعَك جيّدًا: ■ قال الأستاذ سيد قطب اللَّهُ في مذكراته التي نُشِرَت بعنوان: «لماذا أعدموني)) -وهي آخر ما كتبهُ : ((خرجت من السجن وفي تصوري صورة خاصة محددة لما يجب أن تكون عليه أية حركة إسلامية في الظروف (١) ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)) لابن تيمية (ص٧٨، ٧٩). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٤ صلاح الأمة في علو الهمة العالمية والمحلية الحاضرة، وصورة لخطوات المنهج يجب أن تسير عليه، وقد ذكرت ذلك من قبل، ولكني ألخصه هنا قبل البدء في التفصيلات: ١- المجتمعات البشرية بجملتها قد بعدت عن فهم وإدراك معنى الإسلام ذاته، ولم تبتعد فقط عن الأخلاق الإسلامية والنظام الإسلامي والشريعة الإسلامية، وإذن فأية حركة إسلامية يجب أن تبدأ من إعادة تفهيم الناس معنى الإسلام، ومدلول العقيدة، وهي أن تكون العبودية لله وحده، سواء في الاعتقاد بألوهيته وحده، أو تقديم الشعائر التعبدية له وحده، أو الخضوع والتحكم إلى نظامه وشريعته وحدها. ٢- الذين يستجيبون لهذا الفهم يؤخذ في تربيتهم على الأخلاق الإسلامية، وفي توعيتهم بدراسة الحركة الإسلامية، وتاريخها، وخط سير الإسلام في التعامل مع كل المعسكرات والمجتمعات البشرية، والعقبات التي كانت في طريقه، والتي لا تزال تتزايد بشدة وبخاصة من المعسكرات الصهيونية والصليبية الاستعمارية. ٣- لا يجوز البدء بأي تنظيم إلّا بعد وصول الأفراد إلى درجة عالية من فهم العقيدة، ومن الأخذ بالخلق الإسلامي في السلوك والتعامل، ومن الوعي الذي تقدم ذكره. ٤- ليست المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة الإسلامية هي نقطة البدء، ولكن نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها حكامًا ومحكومين عن الطريق السالف إلى المفهومات الصحيحة، وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله، فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل على إقامة النظام تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٥ علو الهمة في التربية والتزكية الإسلامي، وتحكيم الشريعة الإسلامية. ٥- وبالتالي لا يكون الوصول إلى إقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة الإسلامية عن طريق انقلاب في الحكم يجيء من أعلى، ولكن عن طريق تغيير في تصورات المجتمع كله، أو مجموعات كافية لتوجيه المجتمع كله، وفي قيمه، وأخلاقه، والتزامه بالإسلام، يجعل تحكيم نظامه وشريعته فريضة لا بد منها في حسهم. ٦- في الوقت ذاته تجب حماية هذه الحركة وهي سائرة في خطواتها بحيث إذا اعتُدِي عليها وعلى أصحابها يُرد الاعتداء))(١). وهذه الخطوات نوافقه منه عليها وهي لا تختلف كثيرًا عن المنهج السلفي الذي يهدف إلى تغيير عقائد الناس، وتطهير قلوبهم وتعبيدهم لله وَّؤَ. فالمعركة الأولى مع النفوس كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ** فإذا رآنا الله وَّ أهلًا للتمكين يسر لنا أسباب التمكين، ومَنَّ علينا به، كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ لَيَسْتَلِفَنَّهُمْ فِي اُلْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ ◌َمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُ ونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. إلَّا أن البند السادس لا نوافقه عليه، وليس عليه دليل من كتاب أو سنة، ولعل هذا البند الأخير كان هو السبب في إخفاق دعوته، والتعجيل به مر منٌّ))(٢). (١) (لماذا أعدموني)) لسيد قطب (ص ٤٣، ٤٤). (٢) ((التربية)) للدكتور أحمد فريد (ص٢٤). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٦ صلاح الأمة في علو الهمة كلام طيّب للدكتور القرضاوي: ■ يقول الدكتور يوسف القرضاوي - حفظه الله - في كتابه: ((الحل الإسلامي فريضة وضرورة)) تحت عنوان ((حتى تنجح الحركة الإسلامية)»: ((إنما تنجح الحركة الإسلامية في تحقيق الحل الإسلامي، وإقامة المجتمع الإسلامي، واستئناف حياة إسلامية إذا توفر لها أمور ثلاثة: ١- جيل مسلم: الأمر الأول: جيل مسلم تقوم الحركة على تكوينه تكوينًا إسلاميًّا صحيحًا متكاملًا. يكون هذا الجيل بمثابة الدعائم أو الركائز للمجتمع الإسلامي المنتظر. وإذا كان دعاة الاشتراكية يصرون على أن المجتمع الاشتراكي لا يبنيه إلَّا الاشتراكيون، فدعاة الإسلام أولى أن يقولوا: إن المجتمع المسلم لا يبنيه إلَّ الإسلاميون. ولهذا لم يقم المجتمع الإسلامي والحكم في المدينة إلّا بعد تكوين الجيل الإسلامي في مكة، وعلى مناكب هؤلاء ومن انضم إليهم من خيار الأنصار قامت الدولة المسلمة، ولقد سئل أحد الدعاة الإسلاميين يومًا: کیف ◌ُتصور حکم إسلامي راشد؟ فأجاب: بأحد طريقتين: إما أن ينتقل الإيمان إلى قلوب الحاكمين، وإما أن ينتقل الحكم إلى أيدي المؤمنين. ولو أن الإيمان يسهل انتقاله إلى قلوب الحاكمين بالفعل لاختصرت الطريق اختصارًا، وكفى الله المؤمنين القتال. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٧ علو الهمة في التربية والتزكية ولكن يبدو أن هذا ليس أكثر من حلم لذيذ لا يمت إلى الواقع بصلة، فإن من شب على شيء مات عليه، وهؤلاء الحكام قد شبوا وشاخوا على العلمانية، وتتلمذوا صغارًا وكبارًا على الفكر الغربي بشقيه، فهيهات أن یولوا وجوههم شطر غيره، ولو کان هذا الغیر هو دینھم الذي ورثوه عن آبائهم، والذي ارتضى الله لهم، وارتضوه نظريًّا لأنفسهم، فلم يبق إذن إلَّا الشطر الثاني، وهو أن ينتقل الحكم إلى أيدي المؤمنين، أيدي الجيل المسلم الذي آمن بالإسلام عقيدة وعبادة وخلقًا ورابطةً ونظامَ حياة. ٢- قاعدة جماهيرية إسلامية: والأمر الثاني الذي يجب أن يتوافر للحركة الإسلامية الناجحة: وجود قاعدة جماهيرية لها من كافة طبقات الشعب، وذلك عن طريق رأي عام إسلامي يناصر الفكرة الإسلامية، ويجب دعاتها، ويكره أعداءها، ويحرص على انتصارها؛ فلا يكفي أبدًا أن تربي الحركة جيلًا مسلمًا مخلصًا لا يحس به الشعب ولا يعرفه ولا يتحمس له، لأنه في عزلة عنه، يكلمه من بعید، وينظر إليه من فوق. ٣- التغلب على المعَوَّقات: الأمر الثالث الذي يجب أن يتوافر لنجاح الحركة الإسلامية: هو التغلب على المعوقات والموانع التي تقف حائلا بينها وبين الوصول إلى أهدافها وغاياتها بكل سبيل؛ إذ لا يكفي لقيام أمر أن تتحقق موجباته، بل لا بد أن تنتفي معوقاته أيضًا، أو كما يقول أهل الأصول الفقهية: وجود المقتضي وانتفاء المانع. ومن المعوقات من جهة الشعب: الجهل بالإسلام - اليأس من انتصار تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٨ صلاح الأمة في علو الهمة الحركة الإسلامية - الخوف من الاضطهاد المتكرر. وهناك معوقات من جهة القوى المناوئة، مثل: وجود نفوذ أجنبي قوي، وجود حكم عسكري علماني، وجود ظروف إقليمية أو دولية معاكسة. وهناك معوقات من داخل الحركة، منها: اختلاف الكلمة، قال تعالى: وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ومنها: حب الدنيا، وهو يفتح منافذ واسعة لشياطين الجن وشياطين الإنس، ينفذون منها إلى قلوب الدعاة، فيسيل لعابهم إلى المناصب، وتتطلع نفوسهم إلى المكاسب. ومنها: حب الذات، وهو فرع من حب الدنيا أو جزء منه، ونعني به أن يحرص عضو الحركة على البروز والظهور، وألّا يعمل إلّا في الصدارة أو الصفوف الأولى، وأن يجري وراء بريق الشهرة والبحث عن الأضواء)) (١). الواجب التربوي أخطر ما تقوم به الدعوة: ■ يقول الأستاذ محمد قطب همله: ((استعرضنا فيما مضى بعض القضايا التي تدور في ساحة العمل الإسلامي، ويجدر بنا في ختام هذا الفصل المتعلق بالصحوة الإسلامية أن نلخص المهمة الملقاة على عاتق الدعوة في هذه المرحلة من تاريخها: إن الدعوة مكلّفة بواجب تبليغي، وواجب تربوي، مقتدِية في ذلك (١) ((الحل الإسلامي فريضة وضرورة)) للدكتور القرضاوي (١٩٧ - ٢٠٣) باختصار - طبع مكتبة وهبة. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٦٩ علو الهمة في التربية والتزكية بالمنهج النبوي في فترة الدعوة الأولى بمكة. فأما الواجب التبليغي: حين تسنح الفرص بلقاء الدعوة مع الجماهير -: فهو تعليمهم ما جهلوه من حقيقة لا إله إلّا الله، وارتباطها الوثيق بتحكيم شريعة الله، والتأكيد لهم بأن ما أصاب المسلمين في حاضرهم من الذل والهوان والضعف والتخلف وغلبة الأعداء عليهم إنما كان سببه تفريغ لا إله إلّا الله من مضمونها الحقيقي، وجعله كلمة تتعلق باللسان فحسب، وأن هذا ليس هو الإسلام الذي أنزله الله. إنما الإسلام الذي يرضى الله عنه في الدنيا والآخرة هو نطق لا إله إلَّ الله محمد رسول الله، والعمل بمقتضاها، وتأدية الفرائض، وأن المسلمين لن يعودوا إلى التمكن في الأرض بأي مذهب من المذاهب، ولا أي منهج من المناهج المستوردة من الشرق أو الغرب، إنما بالرجوع الحق إلى الله، أي: عبادته وحده بلا شريك، سواء فيما يختص بالعقيدة، أو ما يختص بالشعائر التعبدية، أو ما يختص بتحكيم الله في كل أمر من الأمور، وأن استيراد المذاهب من الشرق والغرب خلال قرن من الزمان لم يزدهم إلَّا ضعفًا وهوانًا وذلَّة وضياعًا وبعدًا عن التمكن والاستقرار. وأما الواجب التربوي: فهو أخطر ما تقوم به الدعوة في الحقيقة؛ لأنه هو طريق الخلاص، وهو عمل دائب مستمر لا يتوقف مهما كانت الأحوال، في الشدة والرخاء سواء، في السعة وفي الضيق سواء. والتربية المطلوبة - لإقامة القاعدة الإسلامية - تهدف إلى إخراج نماذج فذة، لا مجرد إخراج مسلمين عاديين، نماذج تكون كالأعمدة الراسية في البناء، لتحمل ثقل البناء فيما بعد. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٠ صلاح الأمة في علو الهمة وهذا يحتاج أولًا إلى عقيدة صافية، لا غبش فيها ولا بدع ولا انحرافات، كعقيدة السلف الأول، خالية من كل ما علق بها خلال الأجيال من إضافات وانحرافات خرجت بها عن عقيدة التوحيد الخالصة الصافية، وكادت تردها وثنية جاهلية. ويحتاج ثانيًا إلى إدراك واع لمقتضيات هذه العقيدة. ومقتضياتُها هي: كل التكاليف وكل التوجيهات التي جاءت في كتاب الله وَّ وسنة رسوله وَله، ومن عظمة هذه التكاليف والتوجيهات، ومن شمولها لكل جوانب النفس، وكل جوانب الحياة كانت عظمة هذا الدين، وعظمة الأمة التي حملت هذا الدين، وأنشأت به ذلك الواقع الضخم الذي شهده التاريخ. ويحتاج ثالثًا إلى تربية تُحَوِّل هذه العقيدة إلى حقيقة سلوكية قائمة في عالم الواقع. وهذه التربية تحتاج إلى ترسيخ معاني الألوهية وتعميقها حتى تصبح يقينًا قلبيًّا ينبني عليه سلوك واقعي، يقينًا لا يزلزله الابتلاء والشدة، ولا يزلزله الرخاء والسعة. وتحتاج إلى ترسيخ أخلاقيات لا إله إلّا الله حتى تصبح حقيقة سلوكية تنبثق انبثاقًا ذاتيًّا من داخل النفس. وأخلاقيات لا إله إلّا الله من السعة والشمول، بحيث تشمل كل سلوك يقوم به الإنسان، فالأخوة من أخلاقيات لا إله إلَّا الله، والتكافل من أخلاقيات لا إله إلَّ الله، والجلد والصبر من أخلاقيات لا إله إلّا الله، والشجاعة من أخلاقيات لا إله إلَّا الله، والنظام والانضباط من أخلاقيات لا إله إلَّا الله، ومعرفة الحق واتباعه من أخلاقيات لا إله إلَّ الله. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧١ علو الهمة في التربية والتزكية وتحتاج إلى الوعي السياسي بأحوال العالم المعاصرة، وأحوال المسلمين في ظروفهم الراهنة، ومكايد الأعداء ومؤامراتهم الدائمة ضد الإسلام، وتدسسهم إلى حياة المسلمين بالغزو الفكري وغيره من وسائل الحرب. وتحتاج إلى الوعي الحركي الذي لا يتعجل الخُطى قبل أوانها، وفي الوقت نفسه لا يدع الفرصة تفلت منه دون أن يستفيد منها. وتحتاج إلى موازنة في داخل الفرد وفي داخل الجماعة بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، بحيث لا يكون الفرد مستبدًا، ولا ناشزًا، ولا يكون في الوقت ذاته إِمَّعة يساير المجموع إن أخطأ أو أصاب. ولا تكون الجماعة مستبدة طاغية تسحق شخصية الفرد، ولا مفككة لا رابط لها ولا اتحاد. وتحتاج إلى وعي فقهي يعرف به الفرد ماذا يأتي وماذا يدع، ومتى يسمع ويطيع، ومتى يفضي به السمع والطاعة إلى الهلاك. ومن أجل متطلبات هذه التربية وهي كثيرة وشاقة، وخاصة في أمة كادت تنسلخ من كل مقومات الإسلام، فلا ينبغي التعجيل في خطواتها، ولا ينبغي التعجيل في إدخال الجماهير في الدعوة على النطاق الواسع قبل أن يتيسر العدد الكافي من الدعاة والمربين الذين تَرَبَّوْا هم أنفسهم على المنهج الصحيح، والذين يستطيعون بدورهم أن يُرَبُّوا على المنهج الصحيح، فهذا التعجيل لا يخدم الدعوة في شيء، إنما يعوقها في الحقيقة عن المسير))(١). (١) ((واقعنا المعاصر)) لمحمد قطب (٥٢٢ - ٥٢٤). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٢ صلاح الأمة في علو الهمة التربية من الخطوط الرئيسية لبعث الأمة الإسلامية: ■ يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق - حفظه الله - في كتابه ((خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية)) تحت عنوان ((الطريق إلى بعث الأمة الإسلامية)): ((لا نستطيع أن نتصور أمة صالحة كاملة إلَّا بتصور جماعة لها عقيدة واحدة ومنهج واحد في الحياة، وبهذا تتحدد مقومات الأمة على النحو التالي: الجماعة، العقيدة ((الإيمان))، والمنهج ((التشريع)). أما الأفراد المسلمون: فهم كثير والحمد لله، فهم يعدون بمئات الملايين، ولكن حالهم واضح لكل ذي بصيرة. وأما العقيدة الواحدة: فموجودة باقية، ولكنها تحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: تخليصها مما علق بها عبر القرون من الانحراف والتأويل السخيف المشوه لحقيقتها والخرافة. الأمر الثاني: نقلها من بين الآيات والأحاديث وبطون الكتب إلى الصدور. وأما المنهج: فموجود أيضًا، باق إلى يوم القيامة، ولكنه يحتاج إلى أمرين أيضًا: الأمر الأول: تنقية هذا المنهج من البدع والانحراف والتأويل. الأمر الثاني: وضع هذا المنهج موضع التنفيذ. وبهذا سيتحدد العمل في ثلاث دوائر أساسية، ولكنه سيتفرع إلى شعب كثيرة: الدائرة الأولى: تحديد العقيدة الواحدة وتصفيتها من الشوائب. تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٣ علو الهمة في التربية والتزكية الدائرة الثانية: تخليص الشريعة الإسلامية وتنقيتها من البدع والغلو والتفريط. الدائرة الثالثة: تهيئة الفرد المسلم ليقبل العقيدة الواضحة والشريعة الغراء السمحة الكريمة))(١). الصبر على التربية الصحيحة: ■ يقول شيخي الدكتور أحمد فريد في كتابه الماتع ((التربية على منهج أهل السنة والجماعة)): * قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَالْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [الأعراف]. ١٥٨ * وقال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِىّ أَدْعُوَاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ [يوسف: ١٠٨]. فالاقتداء والاهتداء برسول الله وَّله واجب في كل الأحوال وفي جميع القضايا، والتماس البركة والعزة في هديه المبارك ◌َله مما ينبغي أن يتقرر في قلب كل مسلم مخلص يرجو الله واليوم الآخر. كيف بدأ النبي وَله الدعوة المباركة، وكيف انتقل بها من مرحلة إلى مرحلة، حتى جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا. هل بدأ بالصدام المسلح مع الجاهلية الجهلاء في فترة الاستضعاف وقلة العدد والعُدَدِ، أو أَمِّرَ هو وأصحابه الكرام بكف الأيدي وإقامة (١) ((خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية)) للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق. تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٤ صلاح الأمة في علو الهمة الصلاة وإيتاء الزكاة، أي بالتربية بالعبادات، والصبر على الضيم، وتحمل الإيذاء والاستهزاء والتعذيب والتكذيب. ** قال تعالى: ﴿أَرْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَهُمْ كُقُّواْ أَيَدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ [النساء: ٧٧]. : وقال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُ واْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الجاثية: ١٤]. قال ابن كثير رجمله: ((أي يصفحوا عنهم، ويتحملوا الأذى منهم، وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. • وقال النبي ◌ّجله لما استأذنه أهل يثرب ليلة العقبة أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم: ((إنا لم نؤمر بذلك))(١). ■ قال سيد قطب ملَهُ: ((ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة: تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادةً من ضيم يقع على شخصه، أو على من (١) ((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير (١٤٩/٤) ط. دار المعرفة. والحديث رواه ابن هشام عن ابن إسحاق (٢/ ١٨٧ - ١٩٢) مُطَوَّلًا، وعنه أحمد (٤٦٠/٣ - ٤٦٣)، والطبراني (٨٧/١٩ - ٩١)، وأورده الهيثمي (٤٢/٦ - ٤٦)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وهو مدَلِّس وقد صرَّح بالسماع، وقال الألباني: هذا سند صحيح، وصححه ابن حبان كما في ((الفتح)» (٤٥٧/٧). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٥ علو الهمة في التربية والتزكية . يلوذون به. وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يَفتِنون أوائلَ المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلصين، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين أولئك؟. وربما كان أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة)) (١). فقد كانت الفترة المكية فترة تربية وإعداد ونشر للدعوة، وتحمل لكل ألوان الأذى حتى صار الصحابة ببركة تربية النبي وقالله ملوك الدنيا وقادتها وسادتها، كما أنهم كذلك ملوك في الآخرة. فلا ينبغي على القائمين على جماعات الدعوة للدين المتين أن يهملوا التربية إهمالًا، وأن يعتبروا الوقت الذي يُبذل والجهد الذي يُنفق في التربية لا فائدة فيه ولا عائدة، استعجالًا للنتائج، ورغبة في سرعة قطف الثمر، فيسلكون من الطرائق ما يخالف ما مضى عليه سيد الخلائق، ومن نظر بعين الإنصاف متجنبًا الاعتساف يرى أن مثل هذه الطرائق لا تثمر إلَّا الفتن والويلات والانتكاسات للدعوة الإسلامية، وكذلك لهؤلاء الأفراد الذين لم يأخذوا حظهم من التربية، وقد ينحرف كثير منهم عن الصراط المستقيم؛ لأنه يعرض نفسه لما لا طاقة له به من البلاء، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة. قال الإمام مالك مثه: ((لن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا بما صلح (١) ((في ظلال القرآن» (١٤٣٨/٣). تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٦ صلاح الأمة في علو الهمة عليه أمر أولها)). وصلح أمر أولها بالتربية الصحيحة، بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، كما صلح باتباع سنة النبي ◌َّة، والدخول في شرائع الإسلام كافة، كما صلح كذلك بالبذل والإنفاق والجهاد والجلاد. ■ قال الأستاذ محمد قطب هملهُ: ((ويجب أن يكون واضحًا في أذهاننا كذلك أن المعركة بين الإسلام وأعدائه ليست معركة سريعة خاطفة، ولكنها معركة طويلة شاقة قد تستغرق عدة أجيال، فينبغي للقاعدة التي تنشأ للقيام بهذا العبء الضخم أن تُرَبَّى لتكون طويلة النفس، شديدة الصبر، عميقة الإيمان بالله، عميقة التوكل عليه، مستعدة لما يتطلبه أمرها من المعاناة، قادرة على أن تبذل من نفسها: من جهدها ومالها ودمها وفكرها ما يحتاج إليه إزالة الغربة التي ألمت بالإسلام اليوم، واستنقاذ الغثاء من دوامة السيل، واستثباته مرة أخرى راسيًا في الأرض عميق الجذور، وحين تكون القاعدة بالمواصفات المطلوبة، بالحجم المناسب سيغير الله للناس؛ لأنهم يكونون قد وفوًّا بالشرط. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْالصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّلَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِلَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُ ونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾[النور: ٥٥](١). فعزة هذه الأمة ورفعتها ومجدها في التماس هدي النبي وَظِلّ، ونصر شریعته. . قال تعالى: ﴿إِن تَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرُّكُمْ وَيُنَّبَتْ أَقْدَامَكُمْ ٢ ﴾ [محمد]. ٧ (١) ((واقعنا المعاصر)) (ص٥٢٥). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٧ علو الهمة في التربية والتزكية * وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُ عَزِيزُ [الحج]. ٤٠ ونَصْرُ الله وَّةَّ في تحليل حلاله، وتحريم حرامه، وإقامة دينه، وإحياء شريعته بالدعوة إليها، والبذل في سبيل رفعتها. ** وانظر - رحمك الله - كيف خالَفَتْ طائفةٌ من الجيش أمرَ رسول الله وَّ﴿ فكانت الهزيمة يوم أُحد، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّاقُلْ هُوَ مِنْ ◌ِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فكيف إذا خالفت الجماعة كلَّها هَدْي رسول الله وَية، وقدموا قول علمائهم ومفتيهم على هديه المبارك، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم؟! وكانت الهزيمة كذلك في بداية غزوة حنين لتعلق قلوب بعض مُسِلِمِة الفتح بالأسباب، وضعف التوكلِ وانتظارِ الخيرِ والنصرِ من الواحد الوهاب. * قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَحِكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ [التوبة]. ٢٥ اُلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّوَلَيْتُمْ مُدْبِينَ( فهذه تربية عالية لهذه الأمة الغالية، تنقية مستمرة للقلوب والجوارح مما يسخط الله وَّ، ويخالف شريعته، حتى تُخُلِّص توحيدَها لله وَّ وتسلم قيادتها لرسوله وَلآدم أرسل عمر بن الخطاب خلفه كتابًا إلى سعد بن أبي وقاص له فقال: لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله وَله، وصاحب رسول الله وَل) فإن الله وَّ لا يمحو السيء بالسيء، ولكنه يمحو السيء بالحسن؛ فإن الله تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة ٢٧٨ ليس بينه وبين أحد نسب إلّا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي وَّر عليه منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه؛ فإنه الأمر، هذه عظتي إياك، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك، وكنت من الخاسرين. ■ ونختم بهذه الكلمة في أهمية التربية الجادة للأستاذ محمد بن عبد الله الدويش يقول - حفظه الله -: ((والأمة تعيش هذا العصر واقعًا فريدًا، ومرحلة ليست على مثال سابق، فعصور التردي التي مرت بالأمة لم تصل إلى حد أن تسقط الحواجز بين الأمة وأعدائها، فتصبح تابعة لهم، مستوردة لمناهجهم، ولقد كان الحكم في تلك المراحل للشريعة رغم الانحرافات في التطبيق، ولم تجرؤ الأمة على استبدال الشريعة وتنحيتها إلّ في هذا العصر. ومناهج التربية والإعلام الوافدة إنما هي نتاج هذا العصر، والتي ساهمت مساهمة فعالة في تشكيل وصياغة عقلية مسلم هذا العصر ليخرج خليطًا متنافرًا من ثقافات الشرق والغرب. فالمشكلة التي تعانيها الأمة اليوم أبعد من أن تكون مجرد انتشار لمعاصٍ ظاهرة، وإخلالًا بأحكام ظاهرة، وإن كان ما نذكر نذير خطر. ومن ثم فالمشروع الإسلامي ما لم يأخذ على عاتقه إعادة صياغة متكاملة للفرد والمجتمعات الإسلامية في التفكير والتصورات والقيم والموازين فهو عاجز عن تحقيق الهدف الذي يسعى إليه. وهذا التغيير وإعادة الصياغة يحتاجان جهدًا تربويًّا ضخمًا لتربية أدوات ووسائل التغيير من الدعاة والمصلحين، وجهدًا لتربية مجتمعات تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٧٩ علو الهمة في التربية والتزكية المسلمين، ومن ثم كانت التربية الجادة ضرورة. وحيث تتبوأ التربيةُ هذه المنزلة، وترقى إلى هذه الأهمية فهي تحتاج إلى المزيد من الدراسات والبحوث، ومراجعة الأوضاع القائمة وغربلتها. أما حين تكون مرحلة العواطف الجياشة، والحماسة المتأججة نهاية المطاف ومنتهى الغايات، فتصاغ البرامج التربوية للوصول لها وتحقيقها فحسب، فلن تحقق الدعوة غايتها))(١) .. (٢). أهمية التربية بقلم الدكتور عبد الكريم بكار: يقول الدكتور عبد الكريم بكار في كتابه القيم: ((حول التربية والتعليم)): ((التربية هي الأسلوب، وهي الأداة التي تضع الإنسان في بداية طريق النمو والاستفادة من الوسط الاجتماعي القائم. ويمكن أن نستجلي أهمية التربية في حياة الأفراد والمجتمعات على النحو الآتي: ١- لا يولد الإنسان إنسانًا، حيث لا يملك شيئًا من مقومات الإنسانية: اللغة والفكر والمشاعر والأخلاق .. ولا ينتقل إليه شيء من ذلك بالوراثة من أبويه، وعليه أن يكتسب كل ذلك من خلال التربية الأسرية والاجتماعية؛ ويظهر هذا جليًّا حين نقارن بين إنسان الغابة الذي لا يحسن أكثر من جني الثمار، وبين إنسان يعمل في مركز أبحاث، أو يقود طائرة حديثة !. إن عدم إنجاز طبيعته هو سر عظمته، حيث يعني ذلك مطاوعة بلا (١) ((التربية الجادة ضرورة)) لمحمد بن عبد الله الدويش (ص٧ -٨) طبع دار الصفوة. (٢) ((التربية على منهج أهل السنة والجماعة)) (ص ٣١ - ٣٥). تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com ٢٨٠ صلاح الأمة في علو الهمة حدود، إن وَلَد إنسان لا يربِّيه إنسان، لا يمتلك شيئًا من مقومات الإنسانية؛ فالإنسان مدين بما يخوله أن يعيش متمتعًا بإنسانيته إلى التربية، لا إلی الطبیعة إلى حد بعيد. ٢ - إن التربية هي التي تقوم بتكوين الوعي لدى الناشئ، وهي التي تغرس في نفسه ضرورة التطلع إلى المثل العليا والأهداف الكبرى؛ حيث يستلّ المربي من مجموع ما تفيض به ثقافة الأمة، ومما هو متوفر من معرفة - ما يعتقد أنه أساسي في تكوين من يشرف على تربيته، والمشكل هنا أن التربية لدينا لم تحقق نجاحًا واضحًا في جعل الناشئة يدركون الأهداف الكبرى على نحو صحيح؛ فالملاحظ أن الناس يستشعرون الهدف من هذه الحياة على نحو رتيب أو مبتذل، وهذا في حد ذاته يجعل درجة التفاعل معه والحماسة لتحقيقه ضعيفة أو معدومة، وهذا ما نلاحظه اليوم؛ حيث يضمر كل مسلم في نفسه أن هدفه الأسمى هو رضوان الله تعالى، لكن انعدام الفاعلية الشعورية والذهنية في إدراكه أدى إلى ضعف السعي إلى تحقيقه والارتفاع إلى مستواه لدى السواد الأعظم من المسلمين. أما العلمانيون والماديون ومن على شاكلتهم فقد أضاعوا الأهداف الكبرى جملة، وقد عبر عن هذا ((أنشتاين)) حين قال: ((إن حضارتنا تمتلك معدات كاملة، لكن الأهداف الکبری غامضة)). إنها لمأساة أن تنتشر المعرفة، وتتدفق المعلومات في كل اتجاه، ومع ذلك يزداد ضعف تكوين الشخصية لدى الجيل الجديد، ويقل الحكماء وذوو . البصائر النافذة، والسبب في هذا أن كثيرًا من أنشطتنا التربوية قد ابتعد عن فلك الأهداف الكبرى؛ مما أفقدها المنطقية والتجانس، وأوقعها في تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com