النص المفهرس

صفحات 221-240

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢١
علو الهمة في الرحمة
كان الحسن إذا حدّث بهذا بكى وقال: ((يا عباد الله، الخشبة تحنُّ إلى
رسول الله (َ﴿ شوقًا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه))(١).
1
وعلى درب الرحمة النيّر الودود نسير:
• عن ابن عباس ﴿إِنضل عن النبيِ وَّ﴾ قال: «قال لي جبريلُ: لو رأيتَني
وأنا آخذٌ من حَمَاءِ البحر فأدُسُّه في فيّ (٢) فرعون؛ مخافةٌ أن تُدركه الرحمة))(٣).
وفي فضل التراحم:
· عن عائشة أم المؤمنين يشتها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها
فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كلّ واحدٍ منها تمرة، ورفعت إلى فيها
تمرة لتأكلها فاستطعمها ابنتاها فشقّت التَّمرة التي كان تريد أن تأكلها
بينهما، فأعجبني شأنها فذكرتُ الذي صنعتْ لرسول الله وَله فقال: ((إنَّ
الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)).
وفي رواية: ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل عليَّ النبي ◌َّ فحدثته
حديثها، فقال النبيُّ وَّةِ: ((من ابتُلي من البنات بشيء فأحسن إليهن گُنَّ
سترًا)) (٤).
(١) ((المرحمون في السنة)) (ص١٠٤).
(٢) فيّ: أي فم.
(٣) صحيح: رواه أحمد، والحاكم، وكذا رواه الترمذي، والطيالسي، وابن جرير،
والخطيب، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٠١٥)، و((صحيح الجامع))
(٤٣٥٣).
(٤) رواه البخاري في ((صحيحه)- كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته
(٤٢٦/١٠) ((الفتح))، ومسلم -كتاب البر- باب فضل الإحسان إلى البنات
(٤ / ٢٠٢٧)
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٢
صلاح الأمة في علو الهمة
• وعن أبي هريرة فلعنه قال: أتى النبيَّ وَّـ رجل ومعه صبي، فجعل
يضمّه إليه، فقال النبيُّ وَلِ هِ: ((أترحمه؟)) قال: نعم، قال: ((فالله أرحم بك
منك به، وهو أرحم الراحمين)) (١).
رُحَماء بينهم:
((في غزوة الخندق رمى سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس النعم
رجلٌ من المشركين من قريش يقال له: حبان بن العرقة بسهم، فقال:
خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله تعالى فقال: اللهم
لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية فرقاً
كلمه، وبعث الله الريح على المشركين: ﴿ وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ
[الأحزاب].
٢٥
قَوِيًّاعَزِيزًا
فلحق أبو سفيان بتهامة، ولحق عيينة بن بدر بن حصين ومن معه
بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله وَ الله
إلى المدينة فأمر بقبة فضربت على سعد في المسجد ووضع السلاح.
قالت عائشة ﴿شفها - راوية الحديث -: فأتاه جبريل ◌َلَّلاة فقال: أقد
وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة السلاح، فاخرج إلى بني قريظة
فقاتلهم، فأمر رسول الله وَله بالرحيل ولبس لأمته، فخرج فمرَّ على بني
غنم وكانوا جيران المسجد فقال: ((من مرَّ بكم؟)) فقالوا: مرَّ بنا دحية
الكلبي، وكان دحية تشبه لحيته وسنته ووجهه بجبريل الثَّلاء، فأتاهم
رسول الله وقا فحاصرهم خمسة وعشرين يومًا فلما اشتد حصرهم واشتد
البلاء عليهم، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله والقر فاستشاروا أبا لبابة
(١) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٧٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٣
علو الهمة في الرحمة
فأشار إليهم بيده أنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال
رسول الله مَ: ((انزلوا على حكم سعد بن معاذ)) فنزلوا، وبعث رسول الله
وَل إلى سعد فحُمِل على حمار له إكاف من ليف، وحف به قومه فجعلوا
يقولون: يا أبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، لا
يرجع إليهم قولًا، حتى إذا دنا من ديارهم التفت إلى قومه فقال: قد أتى
لسعد أنه لا يبالي في الله لومة لائم، فلما طلع على رسول الله وَله قال أبو
سعيد: قال رسول الله وَلقر: ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه))، قال عمر: سيدنا
الله، قال: أنزلوه فأنزلوه، قال له رسول الله وَّة: ((احكم فيهم))، قال: فإني
أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال
رسول الله ﴾: «لقد حکمت فیھم بحكم الله وحکم رسوله))، قال: ثم
دعا اللهَ سعدٌ فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قریش شيئًا
فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فقال:
فانفجر كَلْمُهُ، وكان قد برأ حتى ما بقي منه إلّا مثل الخرص، قالت:
فرجع رسول الله ( ورجع سعد إلى قبته التي كان ضرب عليه رسول الله
قالت: فحضره رسول الله وح لول وأبو بكر وعمر.
قالت: فوالذي نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا
(١)
في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُحَاءُ بَيْنَهُمْ
(١) رواه ابن أبي شيبة (٤٠٩/١٤ - ٤١١)، وأخرجه ابن سعد كما ذكر السيوكي في ((الدر
المنثور)) (٥٤١/٧).
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٤
صلاح الأمة في علو الهمة
لله درك يا عمر:
■ عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ((خرجت مع عمر ابن الخطاب منه
إلى السوق فلحقت امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك
صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت
أن تأكلهم الضّبُع (١)، وأنا بنتُ خفاف بن إيماء الغفاري وقد شهد أبي
الحديبية مع النبي ◌َّة، فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال: مرحبًا بنسب
قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار فحمل عليه
غرارتين ملأهما طعامًا وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال:
اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين،
أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أُمُّك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد
حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاهُ ثم أصبحنا نستفئ سهمانِنا فيه))(٢).
الرحمة بحرٌ لا ساحِلَ له:
■ قال الفخر الرازي له: ((إن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع
الآفات، وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات، أما التخليص عن
أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلَّا بعد معرفة أقسام الآفات وهي كثيرة
لا يعلمها إلّا الله تعالى، ومن شاء أن يقف على قليل منها فليطالع كتب
الطب حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في كل
واحد من الأعضاء والأجسام، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول
(١) أي: السَّنَة المجدبة. ومعنى تأکلهم: أي تهلکهم.
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)- باب تراحم المسلمين وتعاطفهم وتعاضدهم
(٤/ ١٩٩٩) واللفظ له، والبخاري - كتاب الأدب- باب رحمة الناس والبهائم.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٥
علو الهمة في الرحمة
الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان،
فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرًا لا ساحل له))(١).
قال نظام الدين القمي النيسابوري بقوله: ((اعلم أن الأشياء التي
أنعم الله تعالى بها على الخلق أربعة أقسام:
الأول: ما يكون نافعًا وضروريًّا معًا، وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو
انقطع لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله، فإنها إذا زالت عن
القلب لحظة واحدة مات القلب، واستوجب عذاب الأبد.
الثاني: أن يكون ضروريًّا، كالمال في الدنيا، وكسائر العلوم والمعارف
في الآخرة.
الثالث: أن يكون ضروريًّا لا نافعًا كالآفات والعلل، ولا نظير لهذا
القسم في الآخرة.
الرابع: لا يكون نافعًا ولا ضروريًّا كالفقر في الدنيا والعذاب في
الآخرة.
وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو
تندفع عنه برحمة الله تعالى وفضله، من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة؛
لأنه الجواد المطلق، والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلَّا رحمته
ولا يخشى إلَّا عقابه))(٢).
] قال الحكيم الترمذي: ((الرحمة موضوعة في الآدمي، فأوفرهم حظًّا
منها أرحمهم لنفسه ولخلقه، فإذا رحم نفسه: جنّبها المعاصي والمساخط،
(١) ((تفسير الفخر الرازي)) (١/ ٧).
(٢) ((غرائب القرآن)) للقمي النيسابوري (٧٦/١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة
وطلب لها حسن عواقب الأمور ليحسن منزلته عند ربه، فينزله غدًا داره
الحُسنى، وذلك جزاء المحسنين، فبالرحمة يتخطى إلى الإحسان إلى نفسه،
ومنها يتخطى إلى الإحسان إليهم، وكل من رحمته رق قلبك له ودعتك
الرقة إلى الإحسان إليه والعطف عليه بدوام الإحسان.
ومن أبخس حظه من الرحمة: غلظ قلبه وصار فظًّا، فإذا غلظ قلبه لم
يرق لنفسه ولا لأحد من خلقه، قال الله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
[آل عمران: ١٥٩].
فالشديدُ يشدد على نفسه في الأحوال ويعسر ويضيق، وكذلك على
الخلق فهو من نفسه في تعب، والخلق منه في أذى.
واللينُ لان قلبه ورطب بماء الرحمة، وانتشف ماء الرحمة يبوسة نفسه،
وأذهب حزازتها وكزازتها وأذهب قسوة قلبه، فمن لم يكن له وفارة حظٍّ
من الرحمة: وجدته حديد النفس، يابس الخلق، قاسي القلب، مكدود
الروح، مُظلم الصَّدر، عابس الوجه، منكر الطلعة، ذاهبًا بنفسه تيهًا
وعظمة، غليظ الرقبة، سمين الكلام، عظيم النفاق، قليل الذكر لله تعالى
ولدار الآخرة وهادم اللَّذات)).
وقال: «فأوفرهم حظًّا من المعرفة بالله والعلم به أوفرهم حظًّا من
القربة، وأوفرهم حظًا من القربة أوفرهم حظًّا من الرحمة، فكلما كان
القلب أقرب إلى الله كان ألين وفؤاده أرق، وكلما تباعد القلب من الله
بمعصية يأتيها، كان قلبه أقسى وأبعد من الرحمة، ألا يرى إلى قوله تعالى:
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٧
علو الهمة في الرحمة
فإنما قست قلوبهم بالتباعد من الله من أجل نقض الميثاق، وذلك لما قال
رسول الله وَالله: ((لا يدخل الجنة إلّ رحيمٌ))، قالوا: يا رسول الله، كُلًّا
يرحم، قال: ((ليس رحمة أحدهم خويصته- يعني: أهله وولده- ولكن
يرحم العامة)).
فرحمتك الخويصة هي رحمة العطف منْ الرحمة المقسومة بين خلقه
ورحمتك العامة من رحمة المعرفة بالله تعالى)) (١).
من بستان الغزالي:
■ قال أبو حامد الغزالي في كتابه «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله
الحُسنى)): ((وحظّ العبد من اسم ((الرحمن)) أن يرحم عباد الله الغافلين،
فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله بالوعظ والنُّصح بطريق اللُّطف دون
العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإنداء، وأن يرى كلَّ
معصية تجري في العالم كمعصية له في نفسه، فلا يألو جُهْدًا في إزالتها بقدر
وسعه، رحمة لذلك العاصي من أن يتعرّض لسخط الله تعالى، أو يستحق
البعد عن جواره.
((وحظَّ العبد من اسم ((الرحيم)) ألّا يدع فاقة لمحتاج إلّا ويسدها بقدر
طاقته، ولا يترك فقيرًا في جواره أو في بلده، إلّا ويقوم بتعهده ودفع فقره،
إمّا بماله أو جاهه، أو الشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن جميع ذلك، فيعينه
بالدعاء، وإظهار الحزن، رقّة عليه وعطفًا، حتى كأنه مساهم له في ضُرِّه
و حاجته)).
(١) ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (ص ٣٩٣، ٣٩٤).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٨
صلاح الأمة في علو الهمة
ما عرف التاريخُ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب:
علَّم رسول الله وَله أصحابه أن يكونوا أبرارًا رحماء لا فُجَّارًا قُساة
فكانت الحروب الإسلامية والفتوحات والغزوات حربًا رحيمة رقيقة.
عن نافع أن عبد الله بن عمر إنشا أخبره: ((إن امرأة وُجِدتْ في
0
بعض مغازي النبي وَ لافأنكر رسول الله وَلا قتل النساء والصبيان))(١).
• وعن الأسود بن سريع له: ((خرجنا مع رسول الله وَلّ في غزاة
فظفرنا بالمشركين فأسرع الناس في القتل حتى قتلوا الذريّة، فبلغ ذلك
النبي ◌َّه فقال: ((ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذريّة؟ ألا لا
تقتلوا ذرية - ثلاثًا))(٢) .
• وبلفظ: «ما بالُ أقوام جاوز بهم القتلُ اليوم حتى قتلوا الذريّة؟ ألا
إن خياركم أبناءُ المشركين، ألا لا تقتلوا ذرية، ألا لا تقتلوا ذرية، كل نسمَة
نُولَدُ علی الفطرة، فما یزالُ علیھا حتی یُعرب عنھا لسانها، فأبواها یُهَوِّدانِها،
أو ينصِّرانها))(٣).
■ وعلى سُنَّته وهديه يسير الصديق لله، فيوصي وهو يودع جيش
أسامة بن زيد ﴿إدعها: ((لا تقتلوا امرأة ولا شيخًا ولا طفلًا، ولا تعقروا
نخلًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالًا فرّغوا أنفسهم في
(١) رواه البخاري في ((صحيحه)) - كتاب الجهاد باب (١٤٧) قتل الصبيان في الحرب.
(٢) ((سنن الدارمي)) (٢/ ٢٢٣).
(٣) صحيح: رواه أحمد، والنسائي، وابن حبان، والحاكم عن الأسود بن سريع، وصححه
الألباني في ((الصحيحة)) (٤٠١)، و((الإرواء)) (١٢٢٠)، و((صحيح الجامع))
(٥٥٧١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢٩
علو الهمة في الرحمة
الصوامع، فدَعُوهم وما أفرغوا أنفسهم له)).
■ ويقول عمر ى: «اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم
الحرب)).
■ ويُجمل إلى أبي بكر رأس مقتول من كبراء الأعداء المحاربين،
فيستنكر هذا العمل، ويُعلِن سخطه عليهم، ويقول لمن جاء بالرأس: ((لا
يُحمَل إليّ رأس بعد اليوم. فقيل له: إنهم يفعلون بنا ذلك. فقال: استنانٌ
بفارس والروم؟! إنما يكفي الكتابُ والخبر.
وهكذا كانت الحروب الإسلامية حربًا رحيمة رقيقة، لا يراقُ فيها
الدم إلّا ما تدعو الضرورة القاهرة إليه، وقد لاحظ ذلك الفيلسوف
الفرنسي جوستاف لوبون فقال: ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم
من العرب))(١).
أقوال مأثورة:
قال عمر بن عبد العزيز عمَّهُ: «اللهُمَّ إنْ لم أكُنْ أهلًا أن أبْلُغَ
رحمتك، فإنَّ رحمتك أهْلٌ أنْ تبْلُغني، رحمتك وسِعَتْ كلِّ شيءٍ وأنا شيءٌ،
فلتسَعْنِي رَحْمَتُك يا أرحم الراحمين. اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَ قوْمًا فأطَاعُوكَ فيما
أمرْتَهُمْ، وعمِلُوا في الذي خلقتهم له، فرحمتك أيَّاهُمْ كانت قبل طاعتهم
لك يا أرحم الراحمينَ»(٢).
■ وعن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
[الأعراف: ١٥٦]، قالا: وسِعَتْ في الدُّنيا البرَّ والفاجر، وهي يوم القيامةِ
(١) انظر: ((الإيمان والحياة)) (ص ٢٨٤، ٢٨٥).
(٢) ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٢٩٩/٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة
للذينَ اتقَوْا خاصَّةً))(١).
■ قال سفيان بن عيينةَ مَنْهُ: ((خُلِقَتِ النَّارُ رحمةً يخوِّفُ الله بها عبادَهُ
لينْتَهُوا))(٢).
[ وقال الفيروزابادِيُّ هَلَّهُ: «الرَّحْمَةُ سَبَبٌ واصِلٌ بين الله وبين عباده،
بها أرْسلَ إليهم رسلهُ، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهمْ، وبها أَسْكَنَهُمء دار
ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم))(٣).
■ قال المُهلَّبُ مَّهُ: «الرَّحمةُ التي خلقها اللهُ لعبادِهِ وجعلها في
نفوسِهِمْ في الدُّنيا هي التي يتغافَرُونَ بها يوْم القيامةِ الشَِّعَاتِ بينهم))(٤).
■ وقال ابن حجرٍ تعليقًا على حديثِ: ((منْ لا يُرْحَمُ لا يُرْحَمُ)».
قال ابن بطَّالٍ: «فيه الحَضُّ على استعمالِ الرَّحمة جميع الخلقِ فيدخل
المؤمنُ والكافِرُ والبهائِمُ المملوكُ منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمةِ
التَّعَاهُدُ بالإطعام، والسَّعْيُ، والتَّخفيفُ في الحمل، وترْكُ التَّعدِّي
بالضرب)»(٥).
■ قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعديُّ ◌ِمَنْهُ: «إن الشَّريعةَ كلَّها
مِبْنيَّةٌ على الرحمةِ في أصُولها فُرُوعها، وفي الأمر بأداءِ الحقوق سواءٌ كانت
لله أو للخلقِ، فإنَّ الله لم يُكَلِّفْ نفسًا إلَّا وسعها، وإذا تدبَّرت ما شرعه الله
(١) ((تفسير الطبري)) (٦/ ٨١).
(٢) المرجع السابق (٢٧٥/٧).
(٣) ((بصائر ذوي التمييز)) (٥٥/٣).
(٤) ((فتح الباري)) (١٠ / ٤٤٧).
(٥) ((فتح الباري)) (٤٥٥/١٠).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣١
علو الهمة في الرحمة
وَخَّ في المعاملات والحقوق الزوجيّة وحقوقِ الوالدين والأقربين،
والجيران، وسائر ما شرع وجدْتَ ذلك كلَّهُ مبنيًّا على الرَّحْمَةِ، ثم قال: لقَدْ
وسعَتْ هذه الشريعةُ برحمتها وعدْلِهَا العدُوَّ والصديقَ، ولقدْ لجأ إلى
حصنها الحصين الموفَّقونَ من الخلْقِ))(١).
■ عن سفيان بن عيينة قال: ((صلى ابن المنكدر على فلان؛ سفيه فقيل
له: تُصلي على فلان؟ فقال: إني أستحيي من الله أن يعلم مني أن رحمته
تعجز عن أحد من خلقه)»(٢).
· عن أبي سليمان الداراني قال: «الرضا عن الله وَلَّ والرحمة للخلق:
درجة المرسلين))(٣).
■ عن ابن عون قال: «كان لابن سيرين منازل، لا يكربها إلّا من أهل
الذمة؛ فقيل له في ذلك؟ قال: إذا جاء رأس الشهر رُعته، وأكره أن أروّع
مسلمًا)) (٤).
■ عن شعبة قال: ((لولا المساكين، ما حدّثت، فإني أحدّث ليُعطوا))(٥).
■ وعنه قال: ((لولا حوائج لي، ما حدثتكم، وكان يسأل لنسوة
ضعاف))(٦).
(١) ((الرياض الناضرة والحدائق النيِّرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة»
(٦١ - ٦٥) بتصرف.
(٢) («الحلية)) (٧ /٢٩٧).
(٣) ((الحالية)) (٢٦٢/٩).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٢٦٨).
(٥) المصدر السابق (٧ / ١٥٧).
(٦) ((الحلية)) (١٥٧/٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة
ا عن عبد الرحمن بن جبيات قال: ((قيل لعمرو - بن قيس الملائي -:
ما الذي نرى بك من تغير الحال؟ قال: رحمة للناس، من غفلتهم عن
(١)
أنفسهم))(١).
■ وكان عمرو إذا نظر إلى أهل السوق بكى، وقال: ما أغفل هؤلاء
عما أعدَّلهم))(٢).
ا عن بلال بن سعد قال: ((إن لكم ربًّا ليس إلى عقاب أحدكم
بسريع: يقيل العثرة، ويقبل التوبة، ويقبل من المقبل، ويعطف على
(٣)
المدبر))(٢).
■ وقال البخاري: «سمعت بعض أصحابنا يقول: عادَ حماد بن سلمة
سفيان الثوري، فقال سفيان: يا أبا سلمة! أترى الله يغفو لمثلي؟ فقال حماد:
والله لو خُيِّرت بين محاسبة الله إياي، وبين محاسبة أبويَّ، لاخترتُ محاسبة
الله، وذلك لأن الله أرحم بي من أبويَّ))(٤).
■ عن النضر بن شميل قال: ((ما رأيت أرحم لمسكين من شعبة، إذا
رأى المسكين؛ لا يزال ينظر إليه، حتى يغيب عن وجهه)) ().
■ وعن أبي عمران الجوني قال: ((لم ينظر الله تعالى إلى إنسان قط، إلَّا
رحمه؛ ولو نظر إلى أهل النار، لرحمهم؛ ولكنه قضى أنه لا ينظر إليهم)) (٦).
(١) ((حلية الأولياء)) (١٠٢/٥).
(٢) المصدر السابق (١٠٢/٥).
(٣) «الحلية)) (٢٢٣/٥).
(٤) ((نزهة الفضلاء)) (٦٠٣/١ - ٦٠٤).
(٥) («الحلية)) (١٤٦/٧ - ١٤٧).
(٦) («الحلية)) (٣١٤/٢).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٣
علو الهمة في الرحمة
■ وعن أبي سليمان الداراني قال: ((إنما الغضب على أهل المعاصي:
عندما حل نظرك إليهم عليها؛ فإذا تفكرت فيما يصيرون إليه من عقوبة
الآخرة، دخلت الرحمة لهم القلب))(١).
تشميت العاطس الحامد من الواجبات:
بأن تقول له: ((یرحمك الله)».
■ قال ابن دقيق العيد: «يحتمل أن يكون دعاءً بالرحمة، ويُحتمل أن
يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر ((طهورٌ إن شاء
الله)) أي: هي طُهْرٌ لك، فكأن المشمِّت بشّر العاطس بحصول الرحمة له في
المستقبل بسبب حصولها له في الحال؛ لكونها دفعت ما يضره)) (٢).
الرِّفق:
عن أبي قلابة: ((أن رجلًا دخل على سلمان وهو يعجن؛ فقال: ما
هذا؟ فقال: بعثنا الخادم في عمل - أو قال: في صنعة - فكرهنا أن نجمع
عليه عملين - أو قال: صنعتين-؛ ثم قال: فلان يقرئك السلام؛ قال: متى
قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا؛ قال: فقال: أما إنك لو لم تؤدها، كانت أمانة
لم تؤدها))(٣).
· عن أبي الدرداء قال: ((لا تكلفُوا الناس ما لم يكُلَّفوا، ولا تحاسبوا
الناس دون ربهم؛ ابن آدم، عليك نفسك، فإنه من تتبع ما يرى في الناس:
(١) («الحلية)) (٩/ ٢٧٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠ /٦٢٤).
(٣) («الحلية)) (١ / ٢٠١).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة
يطل حزنه، ولا يشف غيظه))(١).
■ وعنه قال: ((من فقه الرجل: رفقه في معيشته))(٢).
· عن أبي المتوكل: «أن أبا هريرة خلفعنه كانت له زنجية قد غمتهم
بعملها، فرفع عليها السوط يومًا، فقال: لولا القصاص، لأغشيتك به؛
ولكنني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي، فأنت لله))(٣).
■ عن عثمان قال: «بلغنا أن رجلًا رأى أبا ذر خلفه، وهو يتبوأ مكانًا؛
فقال له: ما تريد يا أبا ذر؟ فقال: أطلب موضعًا أنام فيه، نفس يهذه
مطيتي، إن لم أرفق بها، لم تبلغني))(٤).
■ عن أحمد بن محمد بن غزوان الهرائي، قال: قال لي بشر بن الحارث
- سنة خمس وعشرين ومئتين -: ((عليكم بالرفق، والاقتصاد في النفقة؛
فلأن تبيتوا جياعًا ولكم مال، أحب إلي من أن تبيتوا شباعًا وليس لكم
مال)»(٥).
■ عن ميمون بن مهران قال: ((لا تعذب المملوك، ولا تضرب المملوك
في كل ذنب؛ ولكن، احفظ ذاك له؛ فإذا عصى الله وَّ، فعاقبه على معصية
الله تعالى، وذكّره الذنوب التي أذنب بينك وبينه))(٦).
■ عن معمر: «أن طاووسًا أقام على رفيق له مريض، حتى فاته
(١) («الحلية)) (١ / ٢١١).
(٢) ((حلية الأولياء)) (١ / ٢١١).
(٣) المصدر السابق (١/ ٣٨٤).
(٤) المصدر السابق (١٦٥/١).
(٥) ((الحلية)) (٣٤٠/٨).
(٦) المصدر السابق (٤ /٨٨- ٨٩).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في الرحمة
٢٣٥
محبـ
■ عن جويرية بن أسماء قال: ((قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز
لأبيه عمر: ما يمنعك أن تَنفُذَ لرأيك في هذا الأمر؟ فوالله، ما كنت أبالي
أن تغلي بي وبك القدور في إنفاذ الأمر؛ فقال عمر: إني أروض الناس
رياضة الصعب، فإن أبقاني الله مضيت لرأيي؛ وإن عُجِّلت علي منية فقد
علم الله نيتي؛ إني أخاف إن بادهت الناس بالتي تقول أن يلجئوني إلى
السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلَّا بالسيف))(٢).
■ عن أبي عثمان الثقفي قال: ((كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل
على بغل له، يأتيه بدرهم كل يوم؛ فجاءه يومًا بدرهم ونصف، فقال: ما
بدا لك؟ فقال: نفقت السوق؛ قال: لا، ولكنك أتعبت البغل، أرحه ثلاثة
(٣)
أيام))(٣).
■ عن حسين الجعفي قال: ((كان عند عبد الملك بن أبجر، وقد أبق
غلام له، وكان له بابان، فلم يعلم، حتى جاء الغلام؛ فقال له عبد الملك:
فلان، ويحك أبقت؟ لم تقبل لك صلاة، من أي باب خرجت؟ أأحد خير
لك منا؟ ما أحسبك تجد أحد خيرًا لك منا، من أي باب خرجت حين
ذهبت؟ قال: من هذا الباب؛ قال: ادخل منه، وأستغفر الله لك؛ يا فلانة،
أطعميه، فإنه أحسبه جائعًا)) (٤).
(١) ((أحلية)) (١٠/٤).
(٢) ((الحلية)) (٢٨١/٥).
(٣) ((الحلية)) (٢٦٠/٥).
(٤) ((الحلية)) (٨٥/٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٦
صلاح الأمة في علو الهمة
■ عن رجل من قريش: ((أن عمر بن عبد العزيز عهد إلى بعض عماله:
عليك بتقوى الله في كل حال ينزل بك؛ فإن تقوى الله أفضل العدة، وأبلغ
المكيدة، وأقوى القوة؛ ولا تكن في شيءٍ من عداوة عدوك أشد الناس من
مكيدة عدوهم، وإنما نعادي عدونًا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا
ذلك، لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا قوتنا كقوتهم،
فإن لا نُنْصر عليهم بمقتنا، لا نغلبهم بقوتنا؛ ولا تكونن لعداوة أحد من
الناس أحذر منكم لذنوبكم، ولا أشد تعاهدًا منكم لذنوبكم؛ واعلموا أن
عليكم ملائكة الله حفظة عليكم، يعلمون ما تفعلون في مسيركم
ومنازلكم، فاستحيوا منهم، وأحسنوا صحابتهم، ولا تؤذوهم بمعاصي
الله، وأنتم -زعمتم - في سبيل الله؛ ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، ولن
ينصروا علينا، وإن أذنبنا؛ فكم من قوم قد سلّط أو سُخط عليهم بأشر
منهم لذنوبهم؛ وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه العون على
عدوكم؛ نسأل الله ذلك لنا ولكم، وارفق بمن معك في مسيرهم؛ فلا
تجشمهم مسيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يلقوا
عدوهم؛ والسفر، لم ينقص قوتهم، ولا كُراعهم؛ فإنكم تسيرون إلى عدو
مقيم، جام الأنفس والكراع، وإلّا ترفقوا بأنفسكم وكراعكم في مسيركم،
يكن لعدوكم فضل في القوة عليكم في إقامتهم، في جمام الأنفس والكراع،
والله المستعان؛ أقم بمن معك في كل جمعة يومًا وليلةً، لتكون لهم راحة،
يجمون بها أنفسهم وكراعهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونجّ منزلك
عن قُرى الصلح، ولا يدخلها أحد من أصحابك لسوقهم وحاجتهم، إلَّا
من تثق به، وتأمنه على نفسهودينه؛ فلا يصيبوا فيها ظلمًا، ولا يتزودوا منها
مأثًا، ولا يرزؤون أحدًا من أهلها شيئًا إلّا بحق؛ فإن لهم حرمة وذمة،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٧
علو الهمة في الرحمة
ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فلا تستنصروا على أهل الحرب
بظلم أهل الصلح، ولتكن عيونك من العرب ممن تطمئن إلى نصحه من
أهل الأرض؛ فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدق في بعضه؛ وإن
الغاش عين عليك، وليس بعين لك))(١).
8. ونختم الرفق بهذا الحديث العظيم:
• عن أبي هريرة خلاله أنَّه قال: قال رسول الله وَ لَهُ: «لولا أَنْ أَشُقَّ على
أُمَّتِي - أوْ على الناس - ما تخلَّفْتُ عن سِرِيَّةٍ، ولكن لا أَجِدُ حمولَةً (٢) ولا
أجِدُ ما أخْلُهم عليهِ، ويَشُقُّ عليَّ أَنْ يتخلَّفُوا عَنِّي، ولوددْتُ أَنّ قاتلْتُ في
سبيلِ الله فقُتِلْتُ ثمَّ أُخييتُ، ثُمَّ قِتِلْتُ ثُمَّ أُحْيِيتُ)(٣).
الرحمة للمنفلوطي مثّه :
■ قال منَّهُ: («سأكون في هذه المرأة شاعرًا بلا قافية ولا بحر؛ لأن
أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلّا سبيل الشعر.
إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلَّا إذا حرث الحارث تربتها،
وجعل عاليها سافلها، كذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلّا إذا داخلته،
وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر.
أيها الرجل السعيد: كن رحيمًا، أشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة
بعینھا.
ستقول: إني غير سعيد؛ لأن بين جنبي قلبًا يلم به من الهم ما يلم بغيره
(١) ((الحلية)) (٣٠٣/٥ - ٣٠٤).
(٢) حَمولة: ما يحتمل الناس عليه من الدواب.
(٣) رواه البخاري (٢٩٧٢) واللفظ له، ومسلم (١٨٧٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة
من القلوب، أجل. فليكن ذلك كذلكم، ولكن أطعم الجائع واكس
العاري، وعز المحزون، وفرج كُربة المكروب، يكن لك من هذا المجموع
البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك
النور من سواد الحُلكَ، فالبدر لا يطلع إلّا إذا شق رداء الليل، والفجر لا
يدرج إلّا من مهد الظلام.
لقد بليت اللذات كلها .. ورثت حبالها .. وأصبحت أثقل على النفس
من الحديث المعاد .. ولم يبق ما يعزي الإنسان عنها إلّا لذة واحدة: هي لذة
الإحسان.
إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب .. ونعمة ثنائه وحمده أوقع في
السمع من العود في هزجه ورمله (١) وأعذب من نغمات معبد في الثقيل
الأول (٢).
أحسِن إلى الفقراء والبائسين، وأعدك وعدًا صادقًا أنك ستمر في
بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره عنك من
حيث لا يعلم بمكانك، أنك أكرم مخلوق، وأشرف إنسان، ثم يعقب
الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خيرًا بما فعلت .. فيدعو صاحبه
بدعائه، ويرجو برجائه .. وهنالك تجد من سرور النفس وحبورهم بها
الذكر الجميل في هذه البيئة الخاملة: ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ
الأعلى.
(١) المزج والرمل: نوعان من الموسيقى، والموسيقى حرام شرعًا إلَّ الدُّف في الأعراس.
سـ
(٢) معبد: أحد كبار المغنين في العصر الأموي، والثقيل الأول: ضرب من ضروب الغناء.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣٩
علو الهمة في الرحمة
ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود (١) فتبتسم سرورًا
بيكائك .. واغتباطًا بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل
هذا الموقف إنما هي سطور من نور .. تسجل لك في تلك الصحيفة
البيضاء: أنك إنسان.
إن السماء تبكي بدموع الغمام .. ويخفق قلبها بلمعان البرق .. وتصرخ
بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح .. وتضج بأمواج البحر، وما
بكاء السماء ولا أنين الأرض إلَّا رحمة بالإنسان .. ونحن أبناء الطبيعة
فلنجارها في بكائها وأنينها.
إن اليد التي تصون الدموع، أفضل من اليد التي تريق الدماء، والتي
تشرح الصدور. أشرف من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد
وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيى الميت. ومن يميت الحي.
إن الرحمة كلمة صغيرة .. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما
بين الشمس في منظرها.
لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا مغبون ولا مهضوم ..
ولأقفرت الجفون من المدامع .. ولا طمأنت الجنوب في المضاجع. ولمحت
الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه. ولم يقذف به في هذا المجتمع
ليموت فيه جوعًا .. بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط
الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته. ويسد حاجته .. ولكن سلبه
الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف واحتجن دونه
(١) المفؤود: المصاب في فؤاده بألم أو غيره.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٤٠
صلاح الأمة في علو الهمة
رزقه .. فتغير نظام القسمة العادلة .. وتشوَّه وجهها الجميل .. ولو كان
للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.
الفرد هو المجتمع .. وإنما يتعدد بتعدَّد الصور .. أتدري متى يكون
الإنسان إنسانًا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسه ..
فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها. فإذا انقطع ذلك السلك
الكهربائي بينه وبينها، انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس
مأخذ (١) الإنسان المجتمع. فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.
وجماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في
مكان واحد؛ إلّا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم
والشيطان الرجيم.
إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا
يفعل .. فإذا مشى مشى مندفعًا مندلثًا (٢) لا يلوي على شيء مما حوله من
المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلَّا
الإغراق في الضحك سخرية به وبذاءة قوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس
من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دَرَّتهم (٣) ويمتص
دماءهم، ولا يعاملهم إلّا كما يعامل شويهاته وبقراته .. لا يطعمها ولا
يسقيها إلَّا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها .. ولو استطاع
أن يهدم بيتًا ليربح حجرًا لفعل .. وإن من الناس لا حديث له إلّا الدينار
(١) مأخذ الكلمة: أصل اشتقاقها.
(٢) اندلث: كاندفع.
(٣) الدرة: اللبن إذا كثر وسال.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com