النص المفهرس
صفحات 21-40
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢١
علو الهمة في الرحمة
أكمل من المعنى الذي دل عليه بالمجاز، وإنما يستعار لتكميل المعنى
المجازي تشبيهه بالحقيقي كما يستعار الشمس والقمر والبحر للرجل
الشجاع الجميل والجواد، فإذا جعل ((الرحمن)) و((الرحيم)) و((الودود))
وغيرها من أسمائه سبحانه حقيقة في العبد مجازًا في الرب لزم أن تكون
هذه الصفات في العبد أكمل منها في الرب تعالى.
الوجه الثالث عشر: أن وصفه تعالى بكونه رحمانًا رحيمًا حقيقة أولى
من وصفه بالإرادة، وذلك أن من أسمائه الحسنى ((الرحمن)) ((الرحيم))،
وليس في أسمائه الحسنى المريد، والمتكلمون يقولون مريد لبيان إثبات
الصفة، وإلّا فليس ذلك من أسمائه الحسنى؛ لأن الإرادة تناول ما يحسن
إرادته وما لا يحسن، فلم يوصف بالاسم المطلق منها، كما ليس في أسمائه
الحسنى الفاعل ولا المتكلم، وإن كان فعالًا مريدًا متكلمًا بالصدق
والعدل، فليس الوصف بمطلق الكلام ومطلق الإرادة ومطلق الفعل
يقتضي مدحًا وحمدًا حتى يكون ذلك متعلقًا بما يحسن تعلقه به، بخلاف
((العليم)) ((القدير)) و((العدل)) و((المحسن)) و((الرحمن)) ((الرحيم))، فإن هذه
كمالات في أنفسها لا تكون نقصًا ولا مستلزمة لنقص ألبتة، فإذا قيل: إنه
مريد حقيقة وله إرادة حقيقية، وليس من أسمائه الحسنى المريد، فلأن
يكون رحمانًا رحيمًا حقيقة، وهو موصوف بالرحمة حقيقة، ومن أسمائه
((الرحمن)) ((الرحيم)) أولى وأحرى.
الوجه الرابع عشر: أن الرحمة مقرونة في حق العبد بلوازم المخلوق من
الحدوث والنقص والضعف وغيره، وهذه اللوازم ممتنعة على الله تعالى،
فإما أن تكون الرحمة اسمًا للقدر الممدوح فقط، أو الممدوح وما يلزمه من
النقص، فإن كانت اسمًا للقدر الكامل الذي لا يستلزم نقصًا وذلك ثابت
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٢
صلاح الأمة في علو الهمة
للرب تعالى كانت حقيقة في حقه قطعًا، وإن كانت اسمًا للمجموع فالثابت
للرب تعالى هو القدر الذي لا نقص فيه، وغاية ذلك أن يكون قد استعمل
لفظها في بعض مدلوله كالعام إذا استعمل في الخصوص، والأمر إذا
استعمل في الندب وذلك لا يخرج اللفظ عن حقيقته عند جمهور الناس،
قيل: هذا حقيقة عندهم، فإن اللفظ يستعمل في المجموع عند إطلاقه، وفي
البعض عند تقييده، والمطلق موضوع والمقيد موضوع، كما تقدم، لا سيما
أكثر الناس يقولون: إن بعض الشيء وصفته ليس غيرًا له، كما أجاب
مثبتو الصفات لنفاتها وحينئذٍ فلا يكون اللفظ مستعملًا في غير موضوعه،
فلا یکون مجازًا.
الوجه الخامس عشرًا: أن هذا النقض اللازم للصفة ليس هو من
موضوعها ولا مسمى لفظها، وإنما هو من خصوص الإضافة، فالقدر
الممدوح الذي هو موضوع الصفة والنقص اللازم غير داخل في
موضوعها، وكذلك لا دلالة في لفظها على العدم، والوجود غاية الكمال
الذي لا كمال فوقه، وإنما ذلك من لوازم إضافتها ونسبتها إلى الرب
سبحانه، فإذا موضوع لفظها مطلق المعنى الممدوح، وخصوص الإضافة
غير داخل في اللفظ، وعلى هذا فإذا استعملت في حق الرب تعالى كانت
حقيقة، وإذا استعملت للعبد كانت حقيقة.
فتدبر هذا فإنه فصل الخطاب فيما يطلق على الرب والعبد، واعتبر هذا
فيما يطلق على المخلوق نفسه فإنه حقيقة مع دلالته على غاية المدح في
المحل، وغاية الذم في محل آخر.
مثاله: قولك: هذا كلام رسول الله وَال وهديه وسمته، وهذا كلام
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٣
علو الهمة في الرحمة
الصديق، وهذا كلام المفتري، فهذا حقيقة وهذا حقيقة، وهما في غاية
التضاد والاختلاف، وهذا التعريف بالإضافة نظير التعريف باللام
ينصرف إلى كل محل بحسبه ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] هو
موسى، و﴿ لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ [النور: ٦٣] هو محمد زَّ
فرسول دال على القدر المشترك، واللام تدل على تعريفه وتعيينه، وكل من
الموضعين حقيقة، هذا مع أن اللفظ يستعمل مجردًا عن التعريف كثيرًا.
وأما لفظ الرحمة والسمع والبصر واليد والوجه والكلام فلا تكاد
تستعمل إلَّا مضافة إلى محلها، فلزوم الإضافة فيها نحو لزومها في الأسماء
والأعلام، ولا سيما المضافة إلى الرب كقوله: ﴿ وَرَحْمَتِى وَبِعَتْ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ﴿﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
٥٦
[الأعراف]. ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَآلْإِكْرَامِ
(٢٧)﴾ [الرحمن]. ﴿﴿ إِلَّ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ
[الليل]. ﴿بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَىَّ
رَبِّهِ الْأَعلى
[ص: ٧٥]. فهذه الإضافة تمنع أن يدخل في اسم الصفة شيء من خصائص
المخلوقين بوجه من الوجوه، فالمحذوف الذي أوجب لهم دعوى المجاز
فيها منتف بالإضافة قطعًا فلا وجه لدعوى المجاز فيها ألبتة، وهذا ظاهر
جدًّا، فإنها بإضافتها الخاصة دلت على ما لا تسعه العبارة من الكمال الذي
لا نقص فیه بو جه من الوجوه.
الوجه السادس عشر: أن يقال لمن أثبت شيئًا من الصفات بالعقل فلا
بد أن يأتي في الدلالة على ذلك بقياس شمولي أو قياس تخييلي، فتقول في
الشمولي: كل فعل منقل محكم فإنه يدل على علم فاعله وقدرته وإرادته،
وهذه المخلوقات كذلك فهي دالة على علم الرب تعالى وقدرته ومشيئته،
وتقول في التمثيل: الفعل المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد،
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٤
صلاح الأمة في علو الهمة
فكان دليلًا في الغائب، والدلالة العقلية لا تختلف شاهدًا وغائبًا، فلا
يمكنك أن تثبت له سبحانه بالعقل صفة أو فعلًا إلَّا بالقياس المتضمن
قضية كلية، إما لفظًا كما في قياس الشمول وإما معنى كما في قياس التمثيل.
فإذا كنت لا يمكنك ثبات الصانع ولا صفاته إلَّا بالقياس الذي لا بد
فيه من إثبات قدر مشترك بين المقيس والمقيس عليه، وبين أفراد القضية
الكلية ولم يكن هذا عندك تشبيهًا ممتنعًا، فكيف تنكر معاني ما وصف الله
به نفسه ووصفه به رسوله قشطة وحقائقه بزعمك أنه يتضمن تشبيهًا، وهذا
من أنفع الأشياء لمن له فهم، فإن الله أخبر في كتابه بما هو عليه من أسمائه
وصفاته ولا بد في الأسماء المشتقة المتواطئة من معنى مشترك بين أفرادها،
فجحد المعطلة حقائقها لما زعموا فيها من التشبيه، وهم لا يمكنهم إثبات
شيء يعتقدونه لا بنوع من القياس المتضمن التشبيه الذي فروا منه، لا في
جانب النفي ولا في جانب الإثبات، فهم منکرون ما جاءت به الرسل بما
هو من نوعه أو دونه، وهذا غاية الضلال، فليتأمل ذلك.
الوجه السابع عشر: أن من ادعى أن رحمة الله مجاز أو اسمه الرحمن
الرحيم، إما أن يثبت لهذا اللفظ معنّى أو لا، والثاني: يقر المنازع ببطلانه،
وإذا كان لا بد من إثبات معنى لهذا اللفظ، فإما أن يتضمن محذورًا أو لا،
فإن تضمن محذورًا لم يجز إثباته، وإن لم يتضمن محذورًا لم يمكن إثباته
وإخراج اللفظ عن حقيقته أولى من بقاء اللفظ على حقيقته، وإثبات معناه
الأصلي، إذ انتفاء المحذور عن الحقيقة والمجاز واحد، وتسلم الحقيقة
وهي الأصل، فأما إخراج اللفظ عن حقيقته لأمر لا يتخلص به في المجاز
ولا محذور منه في الحقيقة ولا في المجاز معنى له بل هو خطأ محض.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٥
علو الهمة في الرحمة
الوجه الثامن عشر: أن الله سبحانه وتعالى فرق بين رحمته والرضوان
وثوابه المنفصل فقال تعالى: ﴿﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ
[التوبة] فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه،
لَّمْ فِيَهَا نَعِيدٌ مُقِيمُ
وهذا يبطل قول من جعل الرحمة والرضوان ثوابًا منفصلًا مخلوقًا، وقول
من قال: هي إراداته الإحسان، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة،
فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم، فإذا انتفت حقيقة
الرحمة انتفى لازمها، وهو إرادة الإحسان، وكذلك لفظ اللعنة والغضب
والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقائق تلك الصفات
انتفى لازمها، فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع، فالحقيقة لا توجد
منفکة عن لوازمها.
الوجه التاسع عشر: أن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر
صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما الله على خلقه من الإحسان والإنعام
شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء، كما أن الموجودات كلها شاهدة له
بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي
شاهد بملكه سبحانه، فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازًا كجعل صفة
الملك والربوبية مجازًا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة)) اهـ.
الوجه العشرون: أن النبي ◌َ﴿ قد أقسم صادقًا بارًّا ((إن الله أرحم من
الوالدة بولدها)).
وفي هذا إثبات كمال الرحمة، وأنها حقيقة لا مجازًا.
• ومرّ رسول الله وَّله بامرأة أصيبت في السَّبْي، وكانت كلما مرّت
بطفل أرضعَتْه، فقال النبي وَّهِ: ((أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟))
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٦
صلاح الأمة في علو الهمة
قالوا: لا يا رسول الله. وهي قادرة على أن تطرحه، فقال: ((الله أرحمُ من
هذه بولدها)»، فإن كانت رحمة الوالدة حقيقة فرحمة الله أولى بأن تكون
حقيقة منها، وإن كانت رحمة الله مجازًا فرحمة الوالدة لا حقيقة لها)) اهـ.
سعة رحمة الله تبارك وتعالى وآثارها:
■ قال ابن القيم: ((فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة
والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله وَل وأنزل علينا كتابه وعصمنا من
الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي، وبرحمته
عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا، وبرحمته
علمنا ما لم نكن نعلم، هو أرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا، وبرحمته أطلع
الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض وجعلها مهادًا
وفراشًا وقرارًا وكفاتًا الأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر
المطر، وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى، ومن رحمته سخر لنا الخيل
والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر، وبرحمته
وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان.
فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته،
واشتق لنفسه منها اسم ((الرحمن)) ((الرحيم))، وأوصل إلى خلقه معاني
خطابه برحمته، وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته، وأوسع
المخلوقات عرشه، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي
وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيءٍ، ولما استوى على
عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمَّى به دون خلقه، كتب
بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابًا، فهو
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٧
علو الهمة في الرحمة
عنده وضعه على عرشه أن رحمته سبقت غضبه، وكان هذا الكتاب العظيم
الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم،
والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة، فكان قيام العالم
العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن
آخر، وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها، فبرحمته خلقت،
وبرحمته عمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليها، وبرحمته طاب عيشهم فيها،
وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور، ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت
سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه، ومن عقوبته بعفوه، ومن نفسه
بنفسه، ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، وألقى
بينهما المحبة والرحمة ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع
الزوجين، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه، ومن رحمته أحوج الخلق
بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت
مصالحهم وانحل نظامها، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني
والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والراعي والمرعي، ثم أفقر
الجميع إليه، ثم عم الجميع برحمته.
ومن رحمته أن خلق مئة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء
والأرض فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليقة ليتراحموا
بها، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش والبهائم، وبهذه
الرحمة قوام العالم ونظامه)(١) .
(١) ((مختصر الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة)).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٨
صلاح الأمة في علو الهمة
• عن أبي هريرة فلعنه قال: قال رسول الله وَّيه: ((إن الله مئة رحمةٍ، أنزل
منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهَوامٌ، فبها يتعاطَفُون، وبها
يتراحمون، وبها تعطف الوحوشُ على وَلَدِها، وأَخَّر تِسْعًا وتسعين رحمة،
يرحمُ بها عباده يوم القيامة)) (١).
• وقال رسول الله وَللو: ((إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة،
فأمسك عنده تسْعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خَلْقه كلهم رحمة واحدةً،
فلو يعلمُ الكافرُ بكُلِّ الذي عند الله من الرحمة لم يَنْأَس مِن الجنَّة، ولو يعلمُ
المؤمنُ بالذي عند الله من العذاب لم يأمَنْ من النار))(٢).
• وقال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى خلقَ يومَ خَلَقَ السموات
والأرض مائة رحمة، كُلَّ رَحْمَةٍ طباقُ ما بين السماء والأرض، فجعل منها في
الأرض رحمة، فبها تعطِف الوالِدةُ على ولدِها، والوحشُ والطيرُ بعضُها
على بعض، وأَخَّر تسعًا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه
الرحمة))(٣).
• وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَله: «إن الله خلقَ مئةَ
رحمة، رحمةً منها قسمها بين الخلائق، وتسعة وتسعين يوم القيامة)) (٤).
• وقال رسول الله وَله: ((إن الله خلق مئة رحمةٍ، فَبَثّ بين خلْقِه رحمةً
(١) رواه مسلم، وابن ماجه.
(٢) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة.
(٣) رواه أحمد، ومسلم عن سلمان، ورواه أحمد، وابن ماجه عن أبي سعيد.
(٤) صحيح: رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) وصححه الألباني في ((الصحيحة))
(١٦٣٤) و((صحيح الجامع)) (١٧٦٥).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٢٩
علو الهمة في الرحمة
واحدة، فُهُم يتراحمون بها، وادَّخر عنده لأوليائه تسعةً وتسعين))(١).
• وعن أبي هريرة لشعنه قال: قال رسول الله وَله: «خَلَقَ الله مئة رحمة،
فوضع رحمةً واحدةً بين خَلْقه يتراحمون بها، وخبّاً عنده مئة إلَّا واحدة))(٢).
• وعن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله وَله: «جعل الله الرحمةَ مئةً
جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا،
فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفَرَسُ حافرها عن ولدها خشية
أن تُصيبه))(٣).
• وعن أبي سعيد الخدري الشعنه قال: قال رسول الله وَله: «لو تعلمونَ
قدْرَ رحمةِ الله لاتَّكلتم عليها))(٤).
• وعن أبي هريرة علمعنه قال: قال رسول الله وَل: «لو يعلم المؤمن ما
عند الله من العقوبة، ما طمع في الجنة أحدٌ، ولو يعلمُ الكافِرُ ما عند الله من
الرحمة ما قَتَط من الجنة أحد))(٥).
﴿٥ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ
وتأمل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ
خَلَقَ الْإِنسَنَ
٢
(١) صحيح: رواه الطبراني في ((المعجم الكبير))، وابن عساكر عن معاوية بن حيدة،
وأحمد، والحاكم عن أبي هريرة، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) رقم (١٦٣٤)،
و((صحيح الجامع) رقم (١٧٦٦).
(٢) رواه مسلم، والترمذي.
(٣) رواه البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢).
(٤) صحيح: رواه البزار، وابن أبي الدنيا، وصحَّحه الألباني في ((الصحيحة)) (٢١٦٧)،
و((صحيح الجامع)) (٥٢٦٠).
(٥) صحيح: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٦٣٤)،
و((صحيح الجامع)) (٥٣٣٨).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٠
صلاح الأمة في علو الهمة
٢﴾ [الرحمن] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئًا عن صفة
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ:
الرحمة متعلقًا باسم الرحمن، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم
[الرحمن] فالاسم الذي
٧٨
وختمها بقوله: ﴿ نَبْرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ
تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة، إذ مجئ البركة كلها منه، وبه
وضعت البركة في كل مبارك، فكل ما ذكر عليه بورك فيه وكل ما خلى منه
نزعت منه البركة، فإن كان مذكى وخلى منه اسمه كان ميتة، وإن كان
طعامًا شارك صاحبه فیه الشيطان، وإن کان مدخلًا دخل معه فيه، وإن
كان حدثًا لم يرفع عند كثير من العلماء، وإن كان صلاة لم تصح عند كثير
منهم.
ولما خلق سبحانه الرحم واشتق لها اسمًا من اسمه، فأراد إنزالها إلى
الأرض تعلقت به سبحانه فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من
القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟ وهي
متعلقة بالعرش لها حنحنة كحنحنة المغزل، وكان تعلقها بالعرش رحمة منه
بها، وإنزالها إلى الأرض رحمة منه بخلقه، ولما علم سبحانه ما تلقاه من
نزولها إلى الأرض ومفارقتها لما اشتقت منه رحمها بتعلقها بالعرش
واتصالها به، وقوله: ((ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من
قطعك))(١)؛ ولذلك كان من وصل رحمه لقربه من الرحمن ورعاية حرمة
الرحم قد عمر دنياه واتسعت له معيشته وبورك له في عمره ونسئ له في
أثره، فإن وصل ما بينه وبين الرحمن حّ ل مع ذلك وما بينه وبين الخلق
(١) متفق عليه: رواه البخاري (٢٩٨٧)، وأحمد (٦٢/٦)، ومسلم (٢٥٥٤)
(ص ١٩٨٠) عن أبي هريرة.
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
علو الهمة في الرحمة
٣١
بالرحمة بالإحسان تم له أمر دنياه وأخراه، وإن قطع ما بينه وبين الرحم
وما بينه وبين ((الرحمن)) أفسد عليه أمر دنياه وآخرته، ومحق بركة رحمته
ورزقه وأثره، كما قال ◌َله: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة
في الدنيا مع ما يدخر له من العقوبة يوم القيامة من البغي وقطيعة
الرحم))(١) فالبغي معاملة الخلق بضد الرحمة، وكذلك قطيعة الرحم، وإن
القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر أموالهم ويكثر عددهم، وإن القوم
ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم، وذلك لكثرة نصيب هؤلاء من
الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها، وفي الحديث: ((إن صلة الرحم تزيد في
العمر))(٢).
وإذا أراد الله بأهل الأرض خيرًا نشر عليهم أثرًا من آثار اسمه
((الرحمن)) فعمر بن البلاد وأحيا به العباد، وإذا أراد بهم شرًّا أمسك عنهم
ذلك الأثر فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه
((الرحمن))، ولهذا إذا أراد الله سبحانه أن يخرب هذه الدار ويقيم القيامة
أمسك عن أهلها أثر هذا الاسم وقبضه شيئًا فشيئًا، حتى إذا جاءه وعده
(١) صحيح: رواه أحمد، وأبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (٢٥١١)، وقال: حديث حسن
صحيح، وابن ماجه (٤٢١١)، وابن حبان، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٥٦/٢)
وقال: صحيح الإسناد، وأقرّه الذهبي والبغوي في (شرح السنة)) (٣٤٣٨)،
وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٥٧٠٤)، و((الصحيحة)) (٩١٨).
(٢) صحيح: أخرجه الطبراني في ((المعجم الصغير)) (٨٠١٤) عن أبي أمامة، والطبراني في
(«الأوسط)) (٢٨٩/١) ح (٩٤٣) من بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ورواه
القضاعي في ((مسند الشهاب)» (٩٣/١) رقم (١٠٠)، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
(١١٥/٣) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) وإسناده حسن.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٢
صلاح الأمة في علو الهمة
قبض الرحمة التي أنزلها إلى الأرض، فتضع لذلك الحوامل ما في بطونها،
وتذهل المراضع عن أولادها، فيضيف سبحانه تلك الرحمة التي رفعها
وقبضها من الأرض إلى ما عنده من الرحمة فيكمل بها مئة رحمة فيرحم بها
أهل طاعته وتوحيده وتصديق رسله وتابعهم.
وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئًا بهذه الرحمة الواحدة
كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى
قوله: ((سبقت رحمتي غضبي)) فالمسبوق لا بد لاحق وإن أبطأ، وفيه
حكمة لا تناقضها الرحمة، فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، فسبحان
من أعمى بصيرة من زعم أن رحمة الله مجاز)) اهـ.
((ومن أعظم ما تعلّقت به الرحمة الإلهية: ((ظهور آثارها وجلالها
وعظمتها في الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، ولا يفقه
هذا الظهور وأماراته إلَّا مَن قدر الله حق قدره، وعلم أن ليس لرحمة
الرحمن منتهى، ولا لقدر سعتها غاية، وأسعد الناس حظًا بهذه المعرفة
رُسل الله وأنبياؤه، وأصفياء الرحمن وأولياؤه، ثم الناس دونهم يغترفون
من بحر هذه المعرفة بقدر معرفتهم بأسماء الله وصفاته.
فمن رحمته: إذنه لمن يرضى من خلقه بأن يكونوا شفعاء مشفعين، فلا
یشفعون إلّا لمن ارتضى.
ومن رحمته: جعله أرحم ولد آدم وأرأفهم: محمدًا وَّو سيد الشفعاء.
وآخر الرسل والأنبياء، فبه خُتمت الرسالة والنبوّة، وهو أرحم ولد آدم
أجمعين.
ومن رحمته: جعله أيسر الأعمال وأهونها سببًا في النجاة من العذاب،
تبعوانا علي مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٣
علو الهمة في الرحمة
وسبيلًا إلي الفوز بالنعيم.
ومن رحمته: إدخاله الجنة سبعين ألفًا من أمة محمد وح لقه بلا حساب ولا
عقاب، ومع كل ألف سبعون ألفًا، ثم يزاد عليهم تفضلًا وتكرمًا ثلاث
حثيات بکفّي الرحمن.
ومن رحمته: جعله أثقل شيء في الميزان شهادة أن لا إله إلَّا الله، فلا
يثقل معها شيء.
ومن رحمته: إدخاله الجنة بشفاعة رجل من أمة محمد عليه أكثر من
ربيعة ومضر.
ومن رحمته: إخراجه من النار مَن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى ذرة من
إيمان بشفاعة الشافعين، حتى إذا لم يبقَ لأحد غاية في شفاعة، ولا مطمع
في رجاء، أخرج الرحمن برحمته مَن لم يفعل خيرًا قط من أهل التوحيد؛
فهم: ((عتقاء الرحمن)).
وهذا من أعظم آثار الرحمة ومقتضياتها، وهو الذي يليق بأرحم
الراحمين، وحكمة أحكم الحاكمين، فهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة،
ولم يكتب عليها الغضب، وسبقت رحمته غضبه وغلبته وقهرته، ولم
يسبقها الغضب ولا غلبها ولا قهرها، ووسعت الرحمة كل شيء، ولم يسع
الغضب كل شيء))(١).
ومن رحمته: أن فتح باب الرحمة على مصراعيه، ودعا عباده بالإقبال
عليه، واللجوء إليه، فمَن ذا الذي دعاه فلم يجبه؟! ومَن ذا الذي سأله فلم
(١) من مقدمة ((طرائق الإرشاد ببيان سعة رحمة رب العباد)) لفضيلة الشيخ أحمد بن محمد
ابن شحاتة الألفي.
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٤
صلاح الأمة في علو الهمة
يعطه؟! ومَن ذا الذي دنا إلیه فلم يقربه؟! ومن ذا الذي رغب إلیه فلم
ينفعه؟ !.
فأحب الخلق إليه: مَنْ حَبَّبه إلى خلقه، وعرَّفهم به، ودلّم على الطريق
إليه، وأبغض الخلق إليه: مَنْ بغَّضه إلى عباده، ونفّرهم منه، وسدَّ السبل
إلیه.
ومن رحمته: أن ينزل كل ليلة على عباده جوادًا كريمًا، غفورًا رحيمًا، إذا
بقي ثلث الليل الآخر فيقول: ((مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني
فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟)) وذلك حتى يطلع الفجر.
ومن رحمته: أن بسط يديه بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويغفر بالليل
ذنوب النهار.
ومن رحمته: أن وسعت هذه الرحمة كل شيء، وأنه سبحانه واسع
العفو والغفران، وأنه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، أو عبد أن يرحمه، أو
طلب أن يلبِّيه، وأن أخبر سبحانه وتعالى أنه أرحم الراحمين، وأنه لا ييئس
من روحه إلّ الكافرون، ولا يقنط من رحمته إلّ الخاسرون الضالّون.
فسبحانه! ما أعظم حلمه، وأجلّ كرمه، وأوسع رحمته، وأحسن
مغفرته، وأكبر ستره، وأيسر لطفه، وأمَنَّ عطاءه وعطفه.
لو أتاه العبد بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئًا، لأتاه
بقرابها مغفرة.
فمَن لجأ إليه، ولاذ بجنابه، واحتمى بحماه أمن العذاب، ونجا عند
الحساب، ونال الشرف الرفيع.
ومَن توكل على غيره، واعتمد على سواه ضاع، وظمأ وجاع، ولم
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٥
علو الهمة في الرحمة
يُطعم إلَّا الضريع.
* هذه الرحمة الواحدة من تسعة وتسعين رحمة، أمر ((الرحمن الرحيم))
عباده المؤمنين بالنظر إلى آثارها، فقال تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى ءَائَرِ رَحْمَتِ اُللَّهِ
كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا .. ﴾ [الروم: ٥٠])(١).
((وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالنظر إلى مدلولات رحمة الله وََّ،
وآثارها في المنْحِ، والإنعام، والإعطاء، والتفضَّل، والإعانة، والتأييد،
والنصرة، وغير ذلك من المعاني.
* فقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى ءَائَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠].
فالأمر واضح وصريح للأمة في شخص النبي وَله بوجوب إمعان
النظر، وشحذ الهمة، وإعمال الفكر في آثار رحمة الله تبارك وتعالى، التي
لولاها لضلَّ العباد، وخسروا في الدنيا والآخرة، ولولاها لسلكوا سبل
الشيطان، وطرق الغواية والإضلال.
* قال تعالى: ﴿ فَلَوَلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَكُنْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ
﴾ [البقرة].
٦٤
· وقال جلّ ذكره: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَنُّهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ
إِلَّا قَلِيلاً
﴾ [النساء].
٨٣
فآثار رحمة الله تبارك وتعالى أجلُّ من أن يحصيها المحصي، أو يعدَّها
العاد، فلا يخفى، إن شاء الله، على كل مسلم أن رحمة أرحم الراحمين التي
أنزلها في الدنيا بين عباده هي قوام السماوات والأرض، وعلى الرغم من
(١) ((المرحومون في السُّنَّة النبوية)) لمحمود بن مصطفى الإسكندري (ص ١٣ - ١٥) طبع
دار ابن حزم.
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٦
صلاح الأمة في علو الهمة
كونها واحدة من مئة رحمة أعدَّها الله ليرحم بها عباده في الآخرة، فحصر
علاماتها متعذِّر، واستقصاء دلائلها وأماراتها من الصعوبة بمكان؛ إذ كل
شيء في الكون ((بدايته، وبقاؤه)) برحمة الله وَّ كان، فكل نوع من أنواع
الرحمة لو أنفق طالبه فيه عمره لما أدرك الغاية وما وفى، وإنما هي قطرات
يرتشفها من بحره الهني وكفى.
٢٨ ٢ & [الشورى].
*فهو سبحانه: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَّهُ, وَهُوَ الْوَلِىُّالْحَمِيدُ
ج
** وقال تعالى: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِّنَا مَن نَشَآءُ ﴾ [يوسف: ٥٦].
فمن رحمته سبحانه وتعالى: أنه لما قهر العباد، وخلق السماوات
والأرض وقهرهم، وأسلمت له كل المخلوقات طوعًا وكرهًا، استوى
سبحانه على عرشه استواءً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
** فلما ذكر سبحانه الاستواء لم يذكره بصفة القهر أو الغلبة إنما ذكره
ا﴾ [طه ].
بصفة الرحمة، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى
وقال جل ذكره: ﴿﴿ثُمَّ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِ خَبِيرًا
﴾ [الفرقان].
ومن رحمته سبحانه وتعالى: خلق الخلائق، وتيسير سبل الحياة، وطرق
المعيشة لهم، وهيأ لهم المنافع الدنيوية.
* قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهَدًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجًا
٥ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشَاء ◌ُ وَبَيْنَا
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا ( ) وَجَعَلْنَا الََّلَ لَِاسًا
فَوْقَّكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجَاء ◌ُ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ تَجَابَا )
[النبأ].
لِتُخْرِجَ بِهِ، حَبَّا وَنَبَاتًا (٥) وَجَنَّتٍ أَلْغَافًا"
* وقال جلّ ذكره: ﴿فَلْيَظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ- ١٥) أَنَا صَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا
ثُمَّ
٢٥
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٧
علو الهمة في الرحمة
وَحَدَابِقَ غُلْبًا
(١٥) وَزَيْتُونًا وَنَخْلَّ س)
) فَأَنْبَتَا فِيهَا حَّاتُ وَعِنَبًا وَقَضْبَاءُ
٢٦
شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا(
﴾ [عبس].
٣٢
أَوَفَكِهَةً وَبَّالْ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِكُمْ(
٣٠
ج) الَّذِى خَلَقَكَ
* وقال سبحانه: ﴿ يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ا فِى أَِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ ث ◌َلَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالَّذِينِ
٩
[الانفطار].
وقال سبحانه في تعداده لنعمه على خلقه: ﴿ أَفَرَءَيْتُ مَّا تَخُرُونَ
٦٣
ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ - أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٥) إِنَّا
اءَ أَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمَ
لَمُغْرَمُونَ ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦) أَفَرَءَ يْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
غَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) أَفَرَهَ يْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ
٧١
ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴿٧) نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَنَعًا لِّلْمُقْوِينَ
﴾ [الواقعة].
٧٤
فَسَبِّحْ بِسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (
٧٣
﴿فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا
* وسورة الرحمن كلها من هذا الباب، وفيها
﴾ [الرحمن].
١٣
تُكَذِّبَانِ{
* ومنها: قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَمَّافَهُمْ
وَهُمْ فِيهَا مَنَفِعُ
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
لَهَا مَلِكُونَ )
٤ [يس](١).
٧٣
وَمَشَارِبٌ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
■ ومن ذلك أيضًا: أن جعل سبحانه وتعالى القرآن الكريم آخر
الكتب المنزلة من السماء إلى الأرض، فختم به سبحانه الكتب، وجعله
مهيمنًا على جميعها، واختصّ به أمة النبي ◌َّ دون الأمم، وجعله سبحانه
رحمة لهم وبهم.
(١) المصدر السابق (ص٣١-٣٣).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٨
صلاح الأمة في علو الهمة
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ
[الأعراف].
يُؤْمِنُونَ )
* وقال ◌َ: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى
وَرَحْمَةً لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ )
﴾ [يوسف].
وقال جلّ ذكره: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى
[النحل].
٦٤
اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
* وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَنتُ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ
عِندَ اللّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيِرٌ مُمِينُ ) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى
[العنكبوت].
٥١
عَلَيْهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
ومن مدلولات الرحمة الربانية، والرأفة الإلهية: ظهور أثرها في ما
شرعه للعباد من التكاليف، فجعل سبحانه التيسير هو المراد منها، وعدم
العسر ورفع الحرج والمشقة من آثار هذا وعلاماته.
** قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
* وقال تعالى: ﴿﴿ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنهَا﴾ [الطلاق].
: وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة].
* وقال سبحانه: ﴿﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وحين فُرضت الصلاة على النبي ◌َّهِ في رحلة المعراج المباركة، وظلّ
يتردد وَّله بين موسى غَلَّلام وربه وَّ حتى أصبحت خمس صلوات بعد أن
كانت خمسين صلاة، وقال فيها تعالى: ((هن خمس بأجر خمسين، أمضيت
فریضتي وخففت عن عبادي».
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٣٩
علو الهمة في الرحمة
ومن التشريعات التي تظهر فيها الرحمات من رب البريات سبحانه:
تشريع كفارة اليمين بعد أن لم تكن مشروعة للأمم السابقة،
فلم تُشرع لهم كفارة حنث لليمين، فشُرعت في هذه الأمة
تخفيفًا عليهم.
إباحة الغنائم، ولم تحل لأحد قبل النبي وَلقة، لما رأى سبحانه
من ضعف الأمة وحاجتها.
فتح باب التوبة والإنابة إليه سبحانه بعد أن كانت في الأمم
السابقة بالقتل.
· ففي الحديث: ((لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم تاب
الله عليكم)) (١).
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
إعطاء الرحمن وَجَأَزَّ الأجر الكثير على العمل اليسير:
وإن من آثار رحمة الله وََّ أن يعطي الأجر الكثير، والعطاء الوفير، على
العمل الصغير، والفعل اليسير، فإن الله وَّ لا يعطي العباد على قدر
أعمالهم، وإنما يعطي سبحانه على قدر رحمته وملكه، فما من شيء إلَّا وهو
سبحانه يملك خزائنه، يملك أوله وآخره، أصله وفرعه، دقّه وجليله.
* قال تعالى: ﴿ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَانُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
﴾ [الحجر](٢).
(١) حسن: أخرجه ابن ماجه (٤٢٤٨) عن أبي هريرة وقال البوصيري في ((مصباح
الزجاجة)) (٣٠٧/٣): هذا إسناد حسن.
(٢) ((المرحومون في السنة النبوية)) (ص٣٦ - ٣٧).
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
ـبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد https://arabessam.blogspot.com
٤٠
صلاح الأمة في علو الهمة
ومن سعة رحمة الله التي لا يُحيط بها إلا الله وََّ (١):
١- أن الجنة هي دار المرحومين، وهي رحمة الله تعالى:
• فعن أبي هريرة وأبي سعيد انعنها أن رسول الله وَ له قال: ((احتجّت
الجنة والنار فقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار:
يدخلني الجبارون والمتكبرون، فقال الله للنار: أنتِ عذابي، أنتقم بكِ ممن
شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك مَن شئت، ولكل واحدة منكما
ملؤها))(٢).
• وعن أبي هريرة خلفه كذلك أن رسول الله وَالله قال: ((تحاجَّت النار
والجنة فقالت النار: أَثِرِتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا
يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم؟ فقال الله وَّ للجنة: إنما
أنت رحمتي، أرحم بك مَن أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي،
أعذِّب بك مَن أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار، فلا
تمتلئ حتى يضع الله قدمه عليها فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، وينزوي
بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها
خلقًا))(٣).
٢- أن الجنة يستحقها العباد برحمة الله تعالى لا بأعمالهم:
• فعن عائشة ﴿شعنها قالت: قال رسول الله وَله: «سدِّدوا وقاربوا،
وأبشروا، واعلموا أنه لن يُدخِلَ أحدَكُم الجنةَ عملُه))؛ قالوا: ولا أنت يا
(١) انظر ((المرحومون في السنة)).
(٢) رواه مسلمٍ (٢٨٤٦).
(٣) رواه البخاري (٧٤٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦).
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com