النص المفهرس
صفحات 641-660
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٤١ وفي ليلة الهرير ، وكان القعقاع يتشوَّق للقتال ، ولمّا أصاب سهمُ خالد بن يَعْمُر التميمي ، حَمَل القعقاع بغير إذنٍ على الجهة التي خرج منها السَّهمُ ، وهو يقول : فَأَقْسَمتُ لا ينفكُ سيفي يَحُسُّهُم فإِنْ زَحَلَ الأقوامُ لَمْ أَتَزَخَّلِ (١) فقال سعد : اللهمَّ اغفرها له وانصرْه ، قد أذنتُ له إذْ لم يستأذِنِّي ، واتميماهُ ! سائرَ الليلة . وفعَل الناسُ ما فَعَل القعقاع ، فاشتدَّ القتالُ ، وَحَمِي وَطِيسُهُ كلَّما تقدم الليل ، وما كاد الليل ينتصف ، إلَّا وَسَمِعَ سعدٌ صوتَ القعقاع يهدرُ ، مرتجزًا : أربعةً وخمسةً وواحدا نحنُ قتلنا معشرًا وزائِدا حتى إذا ماتُوا دعوتُ جاهِدا نُحسَبُ فوقَ اللّدِ الأَساودا اللهَ ربي واحترزتُ عامِدا وكان صوتُ القعقاع أوَّلَ ما استدلَّ به سعدٌ على الفتح(٣). وتنفّس الصبحُ عن هذه الليلةِ الدامية ، فسار القعقاعُ في الناس يقول : ((إِنَّ الدائرةَ بعد ساعةٍ لمن بدأ القومَ، فاصبرُوا ساعةً واحِمِلُوا ؛ فإنَّ النصر مع الصبر )» (٣). ولما انهزم الفرس ، طاردَهم القعقاعُ بأمْرِ سعد وأوقع بهم خسائرَ فادِحَةً ، وانتصر المسلمون في القادسية . كتب عمر بن الخطاب إلى سعدٍ: (( أيّ فارسٍ كان أفرسَ في (١) يَحُسُّهم : يقتلهم ، وزحل : يعني هرب. (٢) الطبري ٣ / ٦٧ . (٣) ابن الأثير ٢ / ١٨٦. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٤٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث القادسية؟)) فكتب إليه سعدٌ: ((إني لم أرَ مثلَ القعقاع بن عمرو؛ حمَل في يومٍ ثلاثين حَمْلةً، يقتل في كلِّ حملةٍ بَطَلًا))(١). (٢ ) في المدائِن : القعقاعُ قائدُ الكتيبةِ الخَرْسَاء : لما قَرّر سعدٌ عبورَ النهر على ظهور الخيل لفتْح المدائن ، فكان أول من عبَر النهر كتيبةُ الأهوالِ ، على رأسِهَا عَاصِمٌ ، ثمّ كتيبةُ القَعْقَاعِ ، المسمّاةُ بالكتيبة الخرساء . وبعد انتصار المسلمين كان القعقاع على رأس قُوَّاتهم المطارِدَةِ للفُرس ، فوجد فارسيًّا يحمي انسحابَ الفرسِ فقتله ، فإذا مع المقتول أحدَ عشرَ سيفًا ودروعٌ ، بينها سيفُ وَدِرْعُ كِسرى، وهُرْمُزُ ، وَهِرِقَلَ، وخاقَانَ ، والنعمان ، وغيرهم من الملوك والأمراء والقادة ، فغنِمَهَا القعقاعُ(٢). (٣) في جَلُولاء : فَعْقاعية جديدة ، وقَتْلُهُ لمهرانَ قائِدِ الفرس : كان القعقاعُ على مقدّمةِ قوات هاشمٍ التي حاصرت القوات الفارسية ، وطال الحصارُ ثمانين يومًا . وَزُحفَ القعقاعُ برجاله ، حتى انتهى إلى بابِ خندق الفُرس ، فدخل الخندقَ واحتلَّ قِسْمًا منه ، وأَمَرَ مُناديًا ينادي : يا معاشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل الخندق ، وأخذ به ، فأقبِلُوا إليه ولا يمنعتَّكم مَن بينكم وبينه مِن دخوله . وقد أمَر القعقاع بذلك ليقوِّيَ معنوياتِ المسلمين ، وفعلًا حَمَلَ المسلمون ، وهم لا يشكُّون أنَّ هاشمًا في الخندق ، فإذا هم بالقعقاعِ قد احتلّ قِسْمًا من الخندق، وبذلك انهزمَ الفرسُ(٣)، ولكن القعقاعَ طاردهم حتى بلغ ((خانقين))، ثم دخل ((حُلوان))، وقصر (١) الإِصابة ٥ / ٢٤٤ . (٢) الطبري ٣ / ١٢٨، والإصابة ٥ / ٢٤٥. (٣) تاريخ الطبري ٣ / ١٢٢، والكامل لابن الأثير ٢ / ٢٠١ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٦٤٣ ((شيرين)). وأثناء المطاردة لَحِقَ القعقاع بمهرانَ القائد الأكبر في ((جلولاء))، وقتله في (( خانقين)). إلى الشام ثانيةً : ولما حشدَ هِرقُلُ ملك الروم قواتٍ كبيرةً ، وأقبلت قواتُه من الجزيرة ومن بلاده بًّا، ومِن الإِسكندرية بحرًا ، تحرّك القعقاعُ على رأس أربعةِ آلافٍ مُقاتلٍ لنجدة أبي عبيدة ، وفّ الناسُ ، وبقي الروم وحْدَهم ، فقاتلهم المسلمون وانتصروا عليهم ، قَبْل أنْ يبلغ القعقاعُ ((حمصَ)) بثلاثة أيام، فكتب عمرُ إلى أبي عبيدةَ كَي يُشْرِك أهلَ الكوفة في العطاء، قائلًا: ((جزى الله أهلَ الكوفة خيرًا ؛ يَكفون حوزَتَّهم، ويَمِدُّون أهلَ الأمصار!)). وعاد القعقاعُ بجنوده إلى العراق رافعًا اسمَهم عاليًا بين الفاتحين . في بلادِ فارس : نهاوندُ فتْحُ الفتوح ، وقتُلُ القعقاعِ للفيْرزانَ قائدِ الفُرس : ((إن للهِ جنودًا مِن عَسَلٍ)) قاتل القعقاع في معركة ((نهاوند)) تحت لواء النعمان بن مقرن المُزَني ، وكان له في هذه المعركة أثرٌ أَّ أثرٍ ! وكان القعقاعُ على المُجرّدة(١)، وقد خشي المسلمون أن يطول حصارُ المدينة دون جَدْوى ، إذ كان الفرْسُ قد تحصَّنوا داخلها، فلا يخرجون منها إلَّا إذا أرادوا الخروج . واجتمع النعمانُ بقادة جيشهِ لِيجَدَ حلَّ يُعينه على فتْح المدينة ، فاستقرَّ الرأيُ على أن يبعث النعمانُ خيلًا لِيَنْشَبْ القتال ، ثم تنسحب الخيلُ مُظْهِرَةً الفرارَ ، حتى يتعقَّبها الفرس ، وعند ذلك يهاجم المسلمون ، في معركةٍ تدور رَحَاها خارج أسوار (١) المجردة : هي القوات المؤلفة من الفرسان التي تتقدم أمام المقدمة لحمايتها ، والمجردة : الذين لا يلبسون الدروع الحديدية . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com i تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٤٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث المدينة الحصينة . فَمَن يقود الخيلَ لِتنفيذِ هذه الخطة بدقةٍ وإتقانٍ واندفاع ؟ أمر النعمانُ القعقاعَ ، فقاد الخيل وأنشب القتالَ ، فلمّا خرج الفرس لقتاله ، نكص ، ثم نكص ، ثم نكص ، وظنَّ الأعاجمُ أنها هزيمةٌ فاغتنموها ، وخرجوا حتى لم يبقَ منهم سوى مَن يحرسُ الأبواب . وتقهقرَ القعقاعُ بالمسلمين ، حتى انقطعَ الفرسُ عن حصونهم ، ثم أعاد الكَرَّة عليهم بهجوم مضادٍّ فلما هاجمهم المسلمون في العَراء ، استطاعوا التغلَّبَ عليهم ، وبذلك انتهتِ المعركة - التي أطلق عليها المؤرِّخون: ((فتح الفتوح)) (١) - بنصر المسلمين ، وكان للقعقاع في هذا النصرِ نصيبٌ مرموقٌ . ولما انتهتِ المعركة ، كان القعقاعُ بفرسانه في مقدِّمة من طاردوا الفُلولَ الهاربة ، وانطلق القعقاع في أثَرِ ((فيرزانَ)) قائدِ الفُرس ، حتى أدركه في ثنَّة همذان ، وتصادف أنْ كانت الثنيَّةُ مشحونةً بقافلةٍ من البغال والحمير محمَّةً بحمولة من العَسَلِ، فَحَبَسَتْ ((فيرزانَ)) عن المرور ، فلمَّا رأى القعقاع في أثرِه قد أدْرَكَهُ ، نزل عن جَوادِهِ وجرى في الجبل ؛ إذْ لَمْ يجدْ سبيلًا يذهب فيه ، ونزل القعقاع عن جَوادِه أيضًا ، فتبعَه حتى أدركه وقتله . وفي ذلك قال المسلمون مُتفكّهين : إنَّ لله جنودًا من عسلٍ ! والتارك المَلِكَ العزيزَ ذَليلا الفارج الكُرَبَ العظامَ بمثلِهَا وبما تجشِّمُهَا الجيادُ صَهِيلا نَطَقَتْ بسؤُدُدِكَ الحَمامُ تغنّيًا فيها ولا كلّ الرجالِ فُحُولًا (٢) ما كلّ مَن طَلَبَ المعالِي نافِذًا رحمك اللهُ يا قعقاع ... ألم تَقُلْ يا سيدي : (١) البلاذري صـ ٣٠٢ . (٢) من ديوان المتنبي صـ ١٤٥ - ١٤٨ طبع دار صادر . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٦٤٥ يهدي المناقِبَ راكبًا لعيارٍ ولقد شهدتُ البرقَ برقَ تِهَامَةً والسابقينَ لسُنَّةِ الأحرارِ في جُنْدِ سيفِ اللهِ سیفِ محمَّدٍ رحمك الله ورضي عنك .. نجدةَ الفوارس وليْئَهَا . يدعونَ قَعقاعًا لكلِّ كَرِيهةٍ فيجيبُ قعقاعٌ دُعَاءَ الهاتِفِ وسيذكر التاريخ للقعقاعِ أنه ضرب رقمًا قياسيًّا في عدد المعارك التي خاضها في العراق وبلاد الشام وفارس ، وكانت له في كلّ معركةٍ خاضها قصةٌ مُشرِّفٌ خالدةٌ ... إحدى عشرةَ معركةً كبيرةً : سبعٌ بالعراق ، وثلاثٌ بسورية ، وواحدةٌ في إيران ، فكم معركة صغيرة لم يذكرها له التاريخ ؟! وسيذكر التاريخ للقعقاع القائد - بطل الإِسلام ، وفارس العرب - أنه القائد الوحيدُ الذي قاتل في معاركِ الفتْح الإِسلامي الثلاثةِ الحاسمة : القادسية واليرموك ونَهاوند ، وأبلى فيها كلِّها بلاءَه ، بل كان في القادسية قائدَ الميْدان الفعلي وفارسَه . عَمُرُو بِنُ العَاصِ السَّهْمِيّ ، فاتحُ فلسطينَ ومصرَ وليبيا : قال رسول الله عَ لَه: ((أسلم الناسُ، وآمن عَمُرُو بن العاص)) (١). وقال رسول الله عَ ◌ِّ: ((ابنا العاصِ مُؤْمنان))(٢). وعن عمرو بن العاص ، قال : كان فَرَعٌ بالمدينة ، فأتيتُ على سالمٍ مولى أبي حذيفةَ ، وهو مُحْتَبٍ بحمائِل سيفه، فأخذتُ سيفًا فاحتَبَيْتُ (١) (٢) إسناده حسن، رواه أحمد، والحاكم، والنسائي في فضائل الصحابة ، عن أبي هريرة . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٤٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث بحمائِله ، فقال رسول الله عَّ اله: ((أَيُّهَا الناس، ألا كان فَرَعُكُم إلى الله وإلى رسوله؟!))، ثم قال: ((ألا فعلتُم كما فعَل هذانِ الرجلانِ المؤمنانِ؟! ))(١). لما أسلم هو وخالدٌ، قال رسول الله عَ له: ((أَلقتْ إليكم مكَّةُ أفلاذَ گَبِدِهَا )) . وكان عَمْرٌو من فرسانِ قريشٍ وأبطالهم، مذكورًا بذلك فيهم ، وكان فوق ذلك معروفًا بالدَّهَاءِ وحُسْنِ التَّصُّف ، فلما أسلم قال عمرو : ما عَدَل بي رسول الله عَ لّه وبخالدٍ بن الوليد أحدًا من أصحابه في حربه، منذ أسلمتُ . الرَّسُول ◌َ ◌ّهِ يُوَلِّي عَمْرًا القيادةَ في ذاتِ السَّلاسل: ((ولّى رسول الله عَّه عَمْرًا قيادة سَرِيَّةٍ مُؤلَّفة من ثلاثمائة رجلٍ من أشراف المهاجرين والأنصار، لِصَدِّ جمعٍ ((قُضَاعة)) الذين يريدون أنْ يهاجموا أطرافَ المدينة المنَّوَّرة، فسار عمرٌو الليلَ وكَمَنَ النهارَ ، فلمّا قُرُب مِنَ القوم، بلغَهُ أنَّ لهم جَمْعًا غفيرًا، فاستمدَّ رسولَ الله عَ لَّه ، فبعث إليه أبا عبيدة في مائتين وعقَد له لواءً، وبعث به، معه سراةُ المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب ، وأراد أبو عبيدة أن يُؤمَّ الناس ، فقال عمرو : إنما قَدِمْتَ عَلَّ مَدَدًا ، وأنا الأميرُ . وما زال عمرو بأبي عبيدة حتى أطاعه، وسار عمرٌو حتى وَطِئ بلادَ ((بَّي)) ودوّخها، وأتى إلى أقاصي بلادهم وبلاد (( عُذرة)) و((بَلْقَين ))، ثم لقي جمعًا، فحمل عليهم المسلمون ، فهربُوا في البلاد . وقفَل عمرو راجعًا إلى المدينة . ولمّا هَزَمَ المسلمون أعداءَهم طَمِعُوا فيهم ، فأرادوا مطاردتهم ، فحالَ عمْرٌو بينهم وبين ذلك ، ثم أرادوا (١) صحيح ، أخرجه أحمد في مسنده ، والنسائي في الفضائل . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٤٧ أن يُوقدوا نارًا يَصْطَلُون عليها من البرد ، فمنعهم عمرٌو أيضًا ، فشقّ على المسلمين ذلك، ولم يحتمِلُوا تلك الشِّدَّة، فشكَوْه إلى رسول الله عَ ◌ّهِ، فكلّمه في ذلك ، فقال له عمرٌو : كرهتُ أنْ آذنَ لهم أن يُوقدوا نارًا فيرى عدوُّهم قلَّتَهم، وكرهتُ أن يَتْبَعُوهم فيكون لهم مَدَدّ . فَأُعجِبَ به رسولُ الله عَ ◌ّهِ أَيَّما إعجابٍ، وَحَمِدَ له رأيُه))(١). هَدْمُه لِسُوَاعٍ : وبعثه النبي عَ ◌ِّ لهدم ((سُواعٍ)) صنمِ هُذيلٍ فهدمَه، وأسلم سَادِئُه على يد عمرو . في حروب الرِّدَّة : ((لمَّا مات رسول الله عَّه وعَمْرُو بِعُمانَ، أقبل حتى نزل بقَّة بن هبيرة ومعه جيشٌ من بني عامٍ ، فأكرم قّةُ مَثْواه ، فلما أراد عَمْرٌو الرحلةَ ، خَلا بِهِ قَرَّةُ ، وقال : يا هذا ، إنَّ العربَ لا تَطيبُ لكم نفسًا بالأتاوَة ، فإنْ أعفيْتموها من أخذ أموالكم ، فتسمع لكم وتُطيع ، وإِنْ أَبيْتم فلا تجتمع عليكم . فقال عَمْرٌو : أكفرثَ يا قرّة ؟! أتخوِّفنا بالعرب ؟! فواللهِ لَأُوطِئِنَّ عليك الخيل في حِفْشٍ أُمِّكَ))(٢). ولما وصل عمرو المدينة عقد له أبو بكر لواءً، وأرسله إلى قُضاعةً لمّا ارتدَّت ، فسار عمرو بجيشه ، فأعمل السيفَ في رقابهم وغلبهم على أمرهم ، فعادوا إلى الإِسلام ، وعاد هو إلى المدينة حامِلًا لواءَ النصر . (١) السيرة الحلبية ٣ / ٢٧٣، وتاريخ الخلفاء صـ ٧٢ . (٢) الحِفْشُ : بيتٌ تنفرِدُ فيه النُّفَسَاءِ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com أ تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٤٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث في أرضِ الشامِ : لمَّا أراد الصدِّيق إرسالَ الجيوش إلى الشام ، كتب إلى عمرٍو : قد أحببتُ أنْ أُفرّغَكَ لِمَا هو خيرٌ لك في الدنيا والآخرة . فكتب إليه عمرٌو : (( إني سَهمٌ من سهامِ الإِسلام ، وأنت - بعد الله - الرامي والجامعُ لها ، فانظرْ أشدَّها وأخشاها وأفضلها ، فارمِ به شيئًا إنْ جاءك من ناحيةٍ من النواحي)) (١). فعقد أبو بكر لعمرو ، وأمره أن ينصرف إلى أرض فلسطين ، وأراد عَمْرٌو أن يتولَّى قيادة الجيوش في الشام، فجاء عمرٌو إلى عُمَرَ وقال له: (( يا أبا حفص ، أنت تعلم شدَّتي على العدوِّ ، وصبري على الحرب ، فلو كلّمتَ الخليفةَ أن يجعلني أميرًا على أبي عبيدة ... وإني لأرجو أن يفتح الله على يديّ البلاد ويهلك الأعداء)). فقال عمر بن الخطاب: (( ما كنتُ بالذي أُكلِّمُه في ذلك ؛ فإنه ليس على أبي عبيدة أميرٌ )). وفي ((اليرموك)) كان عمرٌو على الميمنة(٢)، فكان له أثر كبيرٌ في انتصار المسلمين في هذه المعركة ، وفي معركة فتح دمشق كان عمرٌو على باب توما ، وفي ((فحْلٍ )) كان عمرٌو وأبو عبيدة على المجنَبتْن ، وشهِدَ عمرو مع شُرحبيلَ فَتحَ ((بَيْسَانَ)) و((طبرية))، وصالحا أهل الأردن . وَمَيْنَا أَرطبونَ الرُّومِ بأرطبون الغرب : عَلِمَ عَمْرُو بن العاص أنّ الرومَ حشدوا جيوشَهم ، وعلى رأسها قائد فلسطين : أرطبون ( أريطيون ) في أجنادين ، فسار عمرٌو ومعه شرحبيل ابنُ حَسَنَة واستخْلفَ على الأردن أبا الأعورِ السُّلمي ، وكان الأرطبونُ أدهى (١) تاريخ الطبري ٢ / ٥٨٧ - ٥٨٨، وابن الأثير ٢ / ١٥٤. (٢) الطبري ٢ / ٥٩٣، وابن الأثير ٢ / ١٥٨. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ۔ تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٦٤٩ الروم وأبعدَها غَوْرًا، وكان قد وضع بالرّملة جندًا عظيمًا، وبإيلياءَ جندًا عظيمًا أيضًا، فلما بَلَغَ عمرَ بن الخطاب الخبرُ قال: ((رَمْينا أرطبونَ الروم بأرطبون العرب - يقصدُ عَمَرًا - فانظروا عمّا تنفرج به )) وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر على الأرطبون ولا تَشفيه الرسلُ ، وكان رضي الله عنه يُقدِّر قيمة الاستطلاع حقَّ قَدْره ، ولذا أقدمَ على مغامرةٍ استطلاعيةٍ فَذَّةٍ ، وهي قيامُه بالاستطلاعِ الشخصي لمَقَرّ قائد الروم ، والذي كاد أن يكلِّفَه حياته . سار عمرٌو إلى أرطبون بنفسه ، ودخلَ عليه كأنه رسولٌ ، ففطِنَ به الأرطبونُ ، وقال : لا شكَّ أنَّ هذا هو الأمير أو مَن يأخذ الأميرُ برأيه . فأمر رجلًا أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مرّ به ، وَفَطِنَ عمرو إلى غَدْر الأرطبون ، فقال له : (( قد سمعتَ مِنِّي وسمعتُ منك ، وقد وقع قولُك مني موقِعًا ، وأنا واحد من عشرةٍ بَعَثَنَا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانِفَه ويُشهدنا أمورَه ، فأرجع آتيك بهمُ الآن ، فإنْ رأوْا في الذي عرضتَ مثلَ الذي أرى ، فقد رآه أهُلُ العسكر والأميرُ، وإن لم يَرَوْه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمْرك )). فقال الأرطبون : نعم . وردّ الرجلَ الذي أمَرَه بقتْل عمٍو ؛ فخرج عمرٌو مِن عند الأرطبون ، فَعَلِمَ الرومُّ بأَنَّ عَمْرًا خَدَعَه ، فقال : خدعني الرجل ، هذا أدهى الخلْق !! وبلغتْ خديعتُه عمر ابن الخطاب، فقال : لله دَرُّ عَمرو! وعَرَفَ عمرٌو من استطلاعِهِ الشخصي هذا نقاطَ الضَّعف في مواضع الروم فهاجمهم ، واقتتلوا قتالًا شديدًا كقتال اليرموك ، حتى كَثُرَتْ القتلى بَيْنهم ، ولكنَّ أرطبونَ انهزم فأُوَى إلى إِيلياءِ ، ونزل عمرٌو أجنادينَ ، وانضمَّ علقمةُ ومسروقٌ وأبو أيوب إلى عمرٍو بأجنادين . ولما دخل أرطبون ((إيلياء))، فتح عمرو ((غَزَّة))، و((سبسطية)) و((نابلس))، و((اللّد))، و((يُنْبَى)) و((عَمْواس))، و((بيت جبرين))، و((يافا)) و((رفح))، وحاصر هو وأبو عبيدة ((إيلياء)) (بيت المقدس). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٠ لقد كان فَتْحُ أكثر فلسطين على يديْه رضي الله عنه . فَتحُ مِصرَ : كان لحضور عمرٍو إلى مصر في الجاهلية أثرٌ كبيرٌ على معرفتِهِ بأخبار مصر ؛ طرقِهَا وطبيعةِ أرضها ، ومدى اضطهادِ الروم لأهلها ، فلا عجبَ أنْ يُقدِم عمرٌو على دخول مصر على رأس ثلاثةِ آلافٍ وخمسمائةِ رجلٍ فقط ، إذْ لولا تيسُّرُ المعلوماتِ الكافية لديه عن مصر وأهلها ، وضعْف حاميتها ، لَمَا كَانَ مِنَ المعقول أنْ يُقْدِمَ على فتْح مصر بمثلٍ هذا العدد الضئيلِ مِنَ الرجال . لمّا كتبَ عمرُ بن الخطاب إلى عمرٍو أنْ يسيرَ إلى مصر في جنده ، خرج فنزل العريش ففتحها، ثم أتى إلى ((الفَرَما )) وبها قومٌ مستعدّون للقتال ، فحاربهم عمرٌو وهزمهم ومضى قُدُمًا إلى الفسطاط ، وكان اسمُها : ((البونة))، فنزل ((جنانَ الريْحان))، وقد خندق أهلُ الفسطاطِ ، فحاصرهم عمّرٌو حتى ورد عليه الزبير في عشرةِ آلافٍ أو اثني عشر ألفًا ، واستمَّ الحصارُ حتى فُتِحَتْ ، كما بيّنا في ترجمة الزبير . ولما فتح عمرو حصنَ ((بابليون))، وجَّه عبدَ الله بن حذافة السَّهمي إلى ((عيْن شمس))، فغلب على أرضها، وصالحَ أهلَ قُراها على مثلِ صلْح الفسطاط، كما وجّه خارجةَ بنَ حذافة العدوي إلى ((الفُّوم))، و((الأشمونين))، و((إخيم))، و((البشرودات))، وَقُرَى الصعيد، فصالحَهَا على مِثْلِ صلْح الفسطاط، ووجّه عميرَ بنَ وهبِ الجُمَحِي إلى ((تَنِّيس)) و((دمياط)) و((تونة)) و((دميرة)) و((شطا)) و((دقهلة)) و((بنا)) و((بوصير))، فصالحها على مثلٍ صلْحِ الفسطاط ، ووجَّه عُقْبة بنَ عامٍ - وقيل : وردانَ مولاه - إلى سائرٍ قُرَى أسفل الأرض ، ففعل مِثْلَ ذلك ، وبذلك استجمع عمرٌو تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥١ فتْح مصرَ ، فصارت أرضُها أرضَ خَراجٍ . وسار عمرو إلى الإسكندرية ، وكان من دون الإِسكندرية - الرومُ والقبطُ، قد تجمَّعُوا له فلقيّهم بـ((الكريون)) قُرْبَ الإِسكندرية فهزمهم ، وَقَتَل منهم مَقْتلةً عظيمةٌ ، ثم سارَ عمرٌو حتى انتهى إلى الإِسكندرية ، فوجد أهلها قد أعدُّوا العُدَّةَ لِقِتَالِهِ ، لكنَّ القبطَ منهم كان يرغبون في الصُّلْح، فحاصرها عمرو، فأرسل إليه ((المُقَوْقِسُ))، يسأله الصُّلْح والمهادنة إلى مُدَّةٍ ، فأبى عمرٌو ذلك، وأمَر المقوقس النساءَ أن يقمْنَ على سُور المدينة ، مُقبِلاتٍ بوجوههنَّ إلى داخله ، وأقام الرجال بالسّلاح مقبلين بُوُجوههم إلى المسلمين لِيُرْهَبَهم بذلك ، فأرسل إليه عمرٌو : إنا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غَلَبْنَا مَنْ غَلَبْنَا، فقد لقينا ((هِرَقْل)) ملكَكُم ، فكان مِن أمْره ما كان . فقال المُقوقِسُ لأصحابه : قد صدق هؤلاء القومُ ؛ أُخْرَجُوا مَلِكَنَا من دارٍ مملكته، حتى أدخلوه ((القسطنطينية )) ، فنحن أوْلى بالإِذعان . فأغلظ له أصحابُه القولَ، وَأَبُوْا إِلَّ القتالَ، فقاتلَهم قِتالًا شديدًا، وحصروهم ثلاثة أشهرٍ ، ففتحها عمرو بالسيف ، واستخلف عمرو على الإِسكندرية عبدَ الله بنَ حُذافة ، وانصرفَ إلى الفسطاط(١). فَتْحُ لِيْيَا : اخترق عمرٌو الصحراءَ حتى بلغ ((بَرْقة))، فافتتحها عمرو وصالَحَ أهلَها على الجزية، ووجّه عمرٌو عقبةَ بنَ نافعٍ حتى بلغ ((زَويلة))، وصار ما بين ((برقة)) و((زويلة)) للمسلمين، ثم سار عمرو حتى نزل ((أطرابلس))، وكانت حصونُها أقوى من حصونِ ((برقة))، وحامِيَتُها أكثر عددًا، فامتنعتْ عن العَربِ شهرًا واحدًا، ولكنها استسلمتْ للفاتحين ، وبذلك أنجز عمرٌو (١) البلاذري صـ ٢٢١ - ٢٢٢، وابن الأثير ٢ / ٢١٩. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٢ فتْحَ ليبيا . في التوبة : أراد عَمْرٌو أن يُؤْمِّن مصرَ من الجنوب ، فبعث عقبةَ بنَ نافع الفِهْرِيّ ، فدخلتْ خيولُهم أرضَ النوبة ، فلقي المسلمون بالنوبة قتالًا شديدًا ؛ إذْ كان أهلها ماهرين برمي السِّهام ، فرشقُوا المسلمين بالنَّبل حتى جُرح عامَّتُهم ، فانصرفوا بجراحات كثيرةٍ وحدق مفقودة ، فلم يصالحْهم عَمرو ، ولم يزلْ يهاجمهم بَيْنَ حينٍ وآخر . العَوْدُ إلى قِتالِ الرُّومِ بالإسكندرية : كتب أهلُ الروم إلى ((قُسْطَنْطِينَ)) إمبراطورِ الروم ، يهوّنون عليه فَتْحَ الإِسكندرية ؛ لقلَّةِ ما بها من حاميةٍ للمسلمين ، فبعثَ رجلًا مِن أصحابه في ثلاثمائة مركبٍ مشحونة بالمقاتلة ، فدخل الإِسكندرية وقتل مَن بها من المسلمين المرابطين ، إلا مَنِ استطاعَ النجاة بنفسه . وَبَلَغَ عمرًا الخبرُ فسار إليهم، وكان ((منويل)) قائد الروم قد تقدَّم نحوَ الجنوب، ورجالُه يَعيئُون في الأرض فسادًا، حتى وصلُوا ((تَقْيُوس)) ، حيث اشتبكُوا بالمسلمين - الذين كان عددُهم خمسةَ عشرَ ألفًا - بقتالٍ عنيفٍ في البِرِّ والبحر ، وكَثُرَ الترامي بالنّشَّابِ حتى أصابت فَرَسَ عَمٍو ، فنزل عنه ، وشدّ المسلمون على الرومِ وقاتلوهم قتالًا مُستميتًا، حتى غلبوهم على أمْرهم ، فانهزم الروم ، وطاردهم المسلمون ، فتحصَّنَ الرومُ بالإِسكندرية ، ولكنَّ المسلمين قاتلوهم أشدَّ قتالٍ، وَنَصَبُوا المجانيقَ حتى دخلها المسلمون عَنْوةً(١). ينادي الأرطبونُ يا بلادي أَضعْتِ الهَدْيَ كنَّا فاتحينا (١) فتوح البلدان للبلاذري ٢٢٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٣ فيَا فسطاطَ عَمرِو العاص ◌ُودي " يعودُ الطيرُ كُمْ نَزَحَ السِّنينا لك الله يا عمُرُو مِن قائدٍ يحارب بِعَقْلِهِ وسيْفه !! لقد اجتمعتْ في عَمرٍو كلُّ عناصرِ القيادة ؛ من شجاعةٍ وبطولَةٍ ، وإقدام ، ورأي سديدٍ وعقلٍ راجحٍ ، وفوق هذا : دهاءٌ في موضعه . ((كان عُمر بنُ الخطاب إذا رأى رجلًا يتلجلج، يقول: أشهدُ أنَّ خَالِقَ هذا، وخَالِقَ عمرو بن العاص: واحدٌ ))(١). وكان إذا استضعف رجلًا في رأيه وعقله، قال: ((أشهد أن خالِقَك وخالقَ عمرٍو: واحدٌ ))، يريد خالق الأَضْدادِ(٢). وكان عمر بن الخطاب إذا نظر إلى عمرٍو يمشي، يقول: (( ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا))(٣). فرضي الله عن عمرو بن العاص ، الذي يحتلُّ أَنْصَعَ صَفَحَاتِ الفتح الإِسلامي في تاريخ العرب والمسلمين ؛ بِفَتْحِهِ لفلسطين ومصر وليبيا ، وهي بلادٌ لم يفتحْ غيرُه من قادةِ العرب أوسعَ منها وأكثر خيرًا . بنجومِ المجدِ تحبُو فِي سَمَاهَا هذه الأرضُ التي قد زينتْ هاهنا مرَّ الزبيرُ وهاهنا ضمَّخَ ابنُ العاصِ بالطِّيبِ ثَراها أمَّا واقِعُنَا : ماذا تبقّى من ضياء الصُبْح في عينِ الوطنْ (١) الإِصابة ٥ / ٢ - ٣ . (٢) الاستيعاب ٣ / ١١٨٨. (٣) الإِصابة ٥ / ٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٤ والشمسُ تجمعُ ضوءَها المكسورْ والصبحُ الطريدُ رفاتُ قِدّيسٍ يفتِّشُ عنْ كَفَنْ النيلُ بين خرائِبِ الزمنِ اللقيطْ يسيرُ مُنكسرًا على قدمَيْنِ عاجزتَيْنِ ثُمَّ يطلّ في سَأَمٍ ويسأل عن سَكَنْ يتسوَّل الأحلامَ بين الناسِ يسألهم وقدْ ضاقتْ به الأيامُ مَنْ منّا تغيَّر ؟ .. وجّهُ هُذي الأرضِ .. أَمْ وجهُ الزمنْ في كلِّ يومٍ يشطرون النهر فالعينانِ هاربتانِ فِي فَع. وأنفُ النيل يسقط كالشظايا والفمُ المسجون أطلالٌ وصوتُ الريحِ يعصفُ بِالبَدَنْ قدمانِ خائرتانِ .. بطنٌ جائعٌ ويدّ مُكَبَّلةٌ .. وسيفٌ أخرسُ باعُوهُ يومًا في المزادِ بلا ثَمَنْ النيلُ يرفعُ رايةَ العِصيانِ فِي وَجْهِ الدمامَةِ ... والتنطُّع ... والعَفَنْ ماذا تبقّى مِنْ ضياءِ الصبحِ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٥ في عَيْن الوطنْ .. الآن فوقَ شواطئ النهرِ العريقِ يموتُ ضوءُ الشمسِ تصمُتُ أُغنياتُ الطيرِ .. ينتحِرُ الشجرْ خَنقُوا ضياءَ الصُّبْحِ في عين الصغارِ ومَزَّقوا وَجْهَ القمرْ باعُوا ثيابَ النهرِ في سُوق النِّخاسَةِ أسكتُوا صَوْتَ المَطَّرْ .. في كلِّ شِيْرٍ وَجْهُ ثُعبانٍ بلوْنِ الموتِ يَنْفُتُ سُمَّهُ بِينِ الحُفَّرْ .. في كلّ عينٍ وَجْهُ جَلّادٍ يُطِلُّ ويختفي ويعودُ يزأر كالقَدَرْ .. صَلَبُوا على الطرقاتِ أمجادَ السنينِ الخُضْرِ . باعُوا كِلَّ أَوْسِمَةِ الزمانِ البِكْرِ عُمْرًا .. أو ترابًا .. أو بَشْرْ .. أتری رأیتم کیفَ يُولد عندنا طفلٌ وفي فَمِهِ حَجَرْ ؟ لَمْ يَبْقَ شيءٌ للطيورِ على ضفافِ النيلِ غيرُ الحزن يَعْصِفُ بالجوانِحْ زمنُ العصافير الجميلةِ قد مضى وتحكَّمَتْ في النهرِ أنيابٌ جَوارِعْ زمنُ القراصِنَةِ الكبارِ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٦ يُطُلُّ في حُزْن العيونِ .. وفي انطفاءِ الحُلمِ .. في بؤُسِ الملامِحْ .. ماذا تَبقَّى مِنْ ضياءِ الصُّبحِ في عَيْنِ الوَطَنْ زمنُ الفوارِسِ قد مضى .. قُلْ للخُيُولِ تَمَهَّلي في السَّيْرِ فالفُرسانُ تسقُط في الكمائِنْ قُلِ للنوارسِ حاذري في الطيرِ إِنَّ الريحَ تعصِفُ بالسّفائِنْ قُلْ للطيورٍ بِأَنَّ وجهَ الموتِ قَنَّاصٌ يطوفُ الآنَ في كلّ الأماكنْ .. ويلٌ لماءِ النهرِ حينَ يجيءُ مُنكَسِرًا وفي فَزَعٍ يُهادِنْ ماذا تبقّى مِن ضياءِ الصُبحِ في عَيْنِ الوطنْ والنهر مسجونٌ وطَيْفُ الحلمِ بين رُبوعِهِ يَجري ويصرخُ في أَلَمْ لم يبقَ شيءٌ فوق أطلال الشواطىء غيرُ عصفور كسير كان يشدو بالنَّغمْ لمْ يبقَ بينَ حدائقِ الأطفالِ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٧ غيرُ فراشةٍ بيضاءَ مَاتَتْ حينَ خَاصَرَهَا العَدَمْ لم يَبْقَ غيرُ كَتَائِبِ الجَهْلِ العتيق تُطِلُّ في خُبْثٍ .. وتَضحكُ فِي سَأَّمْ مَنْ باعَ للَّيلِ الطَّويلِ عيونَنَا ؟ مَنْ أَخَرَسَ الكلماتِ فينا ؟ مَنْ بحدِّ السيفِ ينتهكُ القلمْ ؟ مَاذَا سَيَبْقَى بعدَ موتِ النهرِ غيْرُ شُجَيْرَةٍ صفراءَ تبحثُ عن كَفَنْ ماذا سيبقى بعدَ قَتْل الفجْرِ غير سحابةٍ سوداءَ تَّبكي فَوْقَ أطلالِ الوَطَنْ ماذا سيبقىُ مِنْ رُفَاتِ الصُّبْحِ غیر شراذمِ الليلِ القبيح تحومُ فِي وَجْهِ الزمَنْ يَأَيُّهَا الليلُ الطويلُ ماذا يَضِيُرُكَ إِنْ تركتَ الصبحَ يَلْهُو فوقَ أعناقِ الحَدَائِْ .. ماذا يَضيرُك إنْ غَرستَ القمحَ في وطَني تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٥٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث وحَطمتَ المشائِقْ في كلِّ بيتٍ في مدينتنا سُرَادِقْ ماذا يضيركَ أن يعودَ العدلُ فينا شامِخًا ويطوفُ مرفوعًا على ضَوْءِ البَيَارِقْ مَاذَا يَضيْرُكَ أنْ تعودَ الشمسُ تسري في العيونِ وأن يعودَ الفجرُ يقتحمُ الخَنَادِقْ ماذا يَضيُرُكَ أنْ يعودَ النّوْرَسُ المقهورُ يَصْدَحُ في السماءِ .. فلا تطاردُهُ البنادقْ ماذا يضيرك أنْ تعودَ قوافُ الأحلامِ تسكنُ في العيونْ ماذا يضيرك أنْ يصِيرَ الحَرْفُ حُرّا لا قيودَ .. ولا سياطَ .. ولا سجونْ .. يَأَيُّهَا النهرُ الجَليلْ أنا مِن بلاطِكَ مُستقيلْ .. أنا لن أغنّي في سجونِ القَهْرِ والليلِ الطويل أنا لنْ أكونَ الْبُلْبُلَ المسجونَ فِي قَفَصٍ ذليلْ أنا لن أكونَ الفارسَ المهزومَ يجري خلفَ حُلْمٍ مُستحيلْ .. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٦٥٩ ما زال دمعُ النيل في عيني دماءٌ لا تجفٌّ .. ولا تسيل الآن أُعْلِنُ .. أنَّ أَزْمِنَةَ التنطُّعِ أخرستْ صوتي وأنَّ الخيْلَ مَاتَتْ عندما اختنقَ الصهيلْ .. يَأَيُّهَا النهرُ الجليلْ إِنْ جِئْتَ يومًا شامخًا .. ستعودُ فِي عَيْنَيّ .. ◌ِيلْ(١) ... وفي واقعنا يا عمرو : كانت نكسةُ (( يونيو)) .. ووقفتْ ((كوكبُ الشَّرِّقِ)» تُغَنِّي لِلَّيْل، والخمر ، والحبِّ الضائع، والدَّمُ البَريءُ يَسِيلُ على كلِّ رابِيَةٍ .. والعارُ الأُسْودُ يجلِّلُ جِبَاه المُخدَّرين والمُخذَّراتِ ، ممَّن راحتْ تصفعُ وجوهَهم ولا يشعرون : هذه ليلتي، وحُلْمُ حياتي. وساعَتَها قال صَحَفِّي في مجلة ((الصيَّاد)): إني أعرفُ مكانةَ ((أُمّ كلثوم)) عند العرب .. وأعرفُ كذلك أنَّ حبَّ الكثيرين لها يوازي حبَّهم لفلسطين . خدِّربِهِمْ يا «كوْكبَ الشَّرْقِ)) وَدَلَالًا وَحُرْقَةً وَهَيَامَا (( کَوْ كَبَ الشّرقِ )) لا تذوبي غَراما عَبْقريًّا أو تُرسلي الأَنْغَاما لا .. ولا تنفثي الضَّاعَ قصيدًا تتنَزَّى وتبعثُ الآلاما فَدِمَاءُ الأحبابِ في كُلِّ بيتٍ ودموعُ ((الأقصى)) دموعُ اليَتَامَى وجراح («الأقصى)) جراحُ الثكالى (١) قصيدة: ((أغنية للوطن)) لفاروق جويدة - الأهرام: ٢٥ / ٦ /١٩٩٥ م. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٦٦٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث مُتَقَّلاتٍ تفجَّرتْ آثاما أَيُّهَا الشعبُ خدّرتْه الليالي فعنِ الحقِّ تارةً يتلهى يَتَهَاوَىُ على ذراعِ طَرُوبٍ وإذا الشِّعْرُ بالكُئوسِ تغنّى وأنِينُ الكَمَانِ صارَ أذانًا وإذا ((ليلتي)) و(( حُلْم حياتي)) فإِلامَ الجهادُ يا ((كوكبَ الشَّر لا تُغنّيِ الخَيّامَ يا «كوكبَ الشَّر ففلسطينُ لا تحبُّ السّكَارِىُ ولو أنَّ الخيّامَ يُبْعَثُ حَيًّا ((كوكبَ الشّرق)) ضاعَ قومَ لمّا مَنَحوكِ الإِعْجَابَ يا وَيْحَ قَوْمي خَذّرِيهِمْ باللَّحْنِ يا « كوكبَ الشَّر أَيُّهَا السادةُ الكبارُ سلامًا وصنعْتُمْ مَجْدًا مِنَ النَّيْفِ زُورًا نَسِيَ الناسُ صهيلَ فرسِ الزبير ودماء الشهداء الأُلَى فتحُوها وَعَنِ النُّورِ تارةً يتعامى أو لَعُوبٍ في ◌ِضْنها يترامى ((والنُّوَاسِيُّ عائَقَ الخيّاما)) في حِمَّى البيتِ .. والنديمُ ((إماما)) لم نحطِّمْ في فجرها الأصناما قِ)) وما بالُنا نهُّ الحُسَامَا قِ )) وتسقي من راحتَيْهِ المُدَاما وَرُبَى القُدْسِ لا تريدُ النِّياما هَوَتِ الكأسُ مِن يديْهِ حُطاما تاهَ في حُبِّكِ القِطِيعُ وهَاما وعلى الصَّدْرِ علّقُوك وِسَامَا قِ)) وصُوغي مِنْ لَحْنِكِ اسْتِسْلاما قدْ قتلْتُم في كلِّ نفسٍ سَلاما فأماطَتْ عَنْهُ الليالي اللّثَاما(١) وزئيرَ ابنِ العاصِ فاقَ الحُساما فِي رُبَانَا تَفتَّحَتْ إِسلاما وفي واقعنا .. أصبح المعروفُ مُنكرًا، والمنكَرُ معروفًا .. وتبدَّلتْ الموازينُ وأقدارُ الرجالِ .. ولسانُ الكُلِّ ينعِقُ بتقديس التُّرابِ .. قِيَمُ مصر .. ومبادِئُ مصرَ : (١) من قصيدة: ((خدِّريهم يا كوكب الشرق)) ليوسف العظم - من ديوان: ((في رحاب الأقصى)) - ط : المكتب الإسلامي. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com