النص المفهرس
صفحات 561-580
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٦١ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث أن يُنشّئن مثل خالد !! )). (( يوم أمغيشيا )) نَصَرَ اللهُ خالدًا بالُّعب : كانت أمغيشيا أعظم وأهمّ من أَلَّيْس ، وكانت على بُعْد أربعين كيلو مترًا من أُلَيْس ، فتملَّكهم الرعب ، وفَّ أهلها من مدينتهم خوفًا من خالد ، وتركوا وراءهم كل شيء قال ابن جرير: ((لمَّا فرغ خالد من وقعة أُلَّيْس ، نهض فأتى أمغيشيا ، وقد أعجلهم عمّا فيها ، وقد هرب أهلُها ، وتفرّقوا في السَّواد ، فأمر خالدٌ بهدم أمغيشيا وكل شيء فيها ، وكانت مِصْرًا كالحيرة . ولم يُصِبِ المسلمون فيما بين ذات السلاسل وأمغيشيا مِثْل ما أصابوا في أمغيشيا ؛ بلغ سهمُ الفارس ألفًا وخمسمائة سوى النّفْل الذي نفله أهل البلاء)). معركة المقر واستسلام الحيرة : قدّر صاحب الحيرة ومَرْزُبانُها ( أزاذيه ) أن خالدًا لن يتركه ، وأنه سيركب إليه النهر ، فقدَّم ابنه ، وأمره أن يسدّ قناطر الفرات ، ويفتح للروافد التي تمدّه مسالك جديدة ، حتى يجفّ النهر وتتوقّف السفن عن الحركة . وكان خالد قد قسّم جيشه إلى قسمين ؛ القسم الأول : وهم المشاة تحملهم السفن مع المُوَّن . والقسم الثاني : وهم الفرسان وراكبوا الإِبل . وسارت السفن شمالًا، ولم يَفْجَأ المسلمين إلا السفن جوانح، ولم تفُتّ المفاجأةُ المزعجة في عضُد أبي سليمان بعد أن أخبره الفلاحون : أن الفرس قد فجَّروا الأنهار ، فسلك الماء غير طريقه ، فتعجَّل خالد في جريدة من الخيل نحو ابن صاحب الحيرة ، فباغتَ خيلَهُ وهم على فم العتيق - مَصَبّ الفرات الأصلي - وهم آمنون من الغارة في تلك الساعة ، فاقتتلوا بموضع المقر - فم العتيق - حتى هزمهم بعد أن قتل ابن صاحب الحيرة ، وأعاد الماء يجري في النهر ، فعادت سفن المسلمين إلى المسير ، وقصد خالد الحيرة ، فوجد أهلها متحصِّتين داخلها، بعد أن فَّرَّ المَرْزُبان صاحبُها ، فعسكر خالد بين تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات و تقنيات لتجدوا كل جديد https://weblessam.blogspot.com/ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٥٦٢ ((الغربين))(١) والقصر الأبيض ، وأجال خيله في عَرَصَاتهم ، وبعد قتالٍ افتتح المسلمون الدور والدّيرات ، وأكثروا القتل ، فنادى القسّسون والرّهبانُ أهَلَ الحصون : يا أهل القصور ، ما يقتلنا غيركم !! فنادى أهلُ القصور : يا معشر العرب، قد قَبِلنا واحدةً من ثلاثٍ فكفُوا عنّا . وفاوضوا خالدًا ، وأقروا بدفع الجزية مائة وتسعين ألف درهم ، تُقبل كل سنة ، وأصبحت عاصمة المناذرة وعاصة الأقاليم وعاصمة كسرى الثانية تحت سيطرة المسلمين وحمايتهم. ولُ اللهِ خالدٌ يشرب السُّمَّ فلا يضرُّه ، ويتعجَّب منه ويُبْهَرُ حكيمُ نصارى العرب : عن قيس : أُتي خالدٌ بِسُمِّ فقال: ما هذا؟ قال: سُمّ. فَشَرِبَهُ(٢). وفي أُمّهات كتب التاريخ : أن ابنَ بقيلة حكيم نصارى العرب ، ومعمّرهم وأرجح قومه عقلًا، لمّا دخل على خالدٍ ، اصطحب معه إلى مقر قيادة خالد خادمًا يحمل كيسًا صغيرًا في وسطه ، فتناوله خالد وقال : ما في هذا الكيس ؟ ونشر ما فيه في راحته ، ثم قال : ما هذا يا عمرو ؟ فقال عمرو : هذا والله سُمُّ ساعةٍ . فقال خالد: وَلِمَ تحتقبُ السُّمَّ ؟- وكان رأسَ أهل الحيرة وكبيرَ الذين فاوضوا خالدًا من أهل الحيرة - قال عمرو : خشيتُ أن تكون على غير ما رأيتُ من العَدْل ، وقد أتيتُ على أجلي(٣)، والموت أحبُّ إلَّي من مكروهٍ أُدخله على أهل قريتي . فأخذ خالد السُّمّ المذكور ، وتلا هذا الدعاء: (( إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها ، بسم الله خير الأسماء ، رب الأرض والسماء ، الذي لا يضرّ مع اسمه داء ، الرحمن (١) بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة . (٢) صحيح. رواه أحمد في ((فضائل الصحابة))، والطبراني في الكبير. (٣) وكان سِنُّه عند التفاوض ثلاثمائة وخمسون سنة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٦٣ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث الرحيم )). ثم وضع السم في فمه ، وبادروه ليمنعوه ، ولكنَّه قد سبقهم فابتلعه ، وانتظروا ساعةً ليصرع السم خالدًا ، فمضت ولم يضرّ السم خالدًا ، كيف لا وهو من أكابر أولياء الله المتقين ، وسيد المجاهدين في الشام والعراق، فقال عندها ابنُ بقيلة: ((والله يا معشر العرب لتملكُنَّ ما أردتم )) . أهل السَّوَاد يُصالحون خالدًا على الجزية : ومثلما فعلَ أهلُ الحيرة ، صالحَ أهلُ السواد من الفرس ووفودُ الدهاقين ، خالدًا على دَفْع الجزية مليونين من الدراهم سنويًّا للمسلمين . إعجاز عسكري : فتح خالد ثُلُني العراق خلال أربعين يومًا : الله دَرُّكَ يا خالد .. تمَّتْ لجيوشه السيطرة على أكثر من ثلثي العراق خلال أربعين يومًا عام ١٢ هـ ، فيما بين أواخر محرم وأوائل ربيع أول ، وهذا إنجاز عسكري عظيم مدهش ، تعجز اليوم عن تحقيق مثله أعتى الجيوش المدجَّجة بالصواريخ والطائرات والأساطيل والدبابات ... فَبُورِكَ زَنْدُكَ وبورك ساعدُك ، وبورك سيفك ورمحك ، وبورك جوادك ، وبوركتْ همَّتُك أعلى الهِمَم وأشرفُها وأنبلها وأعُّها وأغلاها . معركة الأنبار وفَقْءُ ألفٍ عَيْنٍ من الكفار : سار خالد إلى الأنبار ، وعلى مقدمته الأقرع بن حابس ، وكان من شجعان البادية ، فلمّا بلغها طاف بها ، فرأى أهلها قد تحصَّنوا بها ، وخندقوا عليها خندقًا عميقًا عريضًا ، وأشرفوا من حصونهم ، فأنشب خالدٌ القتال ، وكان قليل الصبر عنه، وتقدَّم إلى رماته، فأوصاهم قائلًا: ((إني أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرب ، فارموا عيونهم ، لا توخّوا غيرها ، فارموا رشْقًا واحدًا ثم تابِعُوا )) . وانطلقتِ السهام دفعةً واحدةً ولها أزيز فأصابت مراميها ، ثم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٦٤ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث تتابعَ الَّمْي ، فأصيب الّماة من العدوّ الذين كانوا فوق جدران الحصن بكارثةٍ ، إذ فقأَتْ سهام المسملين منهم ألفَ عينٍ ، ولذلك سُمِّيتْ موقعةُ الأنبار ((ذات العيون)). واضطرب أهل الحصن وماجوا متصايحين : ذهبت عيون أهل الأنبار. وراسل مَرْزُبان الأنبار ((شيرا زاد الفارسي)) خالدًا بشروطه التي رفضها خالد ، وقرر خالد أن يردم. الخندق ، ولكن بماذا ؟ أمر خالد أن ينحر المسلمون الإِبل الهزيلة العجاف ، ويقذفوا بها في نقط الخندق الضيّقة حتى تطمرها ، فإذا طمرتها عبر الجيشُ على الجمال المنحورة ، ونجحت الحيلة ، واستقام الجسر اللحمي ، وعبر عليه الجيش مشاةً وركبانًا إلى أبواب الأنبار ، واستسلمت الأنبار لخالد . خالد يختطف القائد العامَّ للنصارى من قلبِ صَفَّهِ في معركة عين التَّمْر ويأسره أوَّلَ المعركة : كان على عين التمر ((مهران الفارسي)) في جمعٍ عظيم من العجم والعرب ، وكان على العرب عقّة بن أبي عقة ، وحين سمعوا بمسير خالدٍ إليهم ، قال عقة لمهران: ((إن العرب أعلم بقتال العرب، فَدَعْنَا وخالدًا)). قال: ((صدقت، لعمري أنتم أعلم بقتال العرب)). وكانت قوات عقّة في العراء ، وقوات مهران في الحصن حين قدم خالد على تعبيةٍ ، فقال لجنبتيْه : (( اكفوني ما عنده فإني حاملٌ عليه)). ووكّل بنفسه حوامي، وأراد خالد أن يفاجئ قائد النصارى لا بقتْله ، ولكنْ بأخذه أسيرًا ؛ كي يفهم ذلك المغرور أيّ رجال حربٍ ومهارة هم المسلمون ، ثم ليُدخل الرعب والفزع في قلوبهم . قد كان المتَّبَع في الحروب المبارزة ، فكيف بخالدٍ عاشق المفاجآت يريد ما هو أعظم من المبارزة ؛ وهو اختطاف قائد الأعداء وانتزاعه من قلب صفوف جيشه . وانقضَّ خالد على عقّه كما ينقضُّ الصقر على فريسته ، تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٥٦٥ وعقّة مشغولٌ بتسوية صفوف جيشه ، واندهش العرب المتنصِّرة للجريدة الصغيرة من الخيل التي خرجت تركض نحوهم ، وماذا عسى أن يفعل عشرة رجال مع عشرات الألوف من قوم عقّة !! وَبَيْنَا هم غارقون في دهشتهم ، إذا بخالدٍ يتجه نحو عقّة يحتضنه ، ثم يحمله ويعود به حيًّا - كالبرق - أسيرًا إلى صفوف المسلمين . وتجمَّدتِ الدماء في عروق المُتَنَصِّرة وهي ترى انتزاعَ خالدٍ لعقّة من بينهم في أسلوب صاعقِ مفاجئ ، ما كان أحدٌ يتوقّعه ، وحَمْلَهُ بين يديه على فرسه كأنه طفل رضيع ، فلم يتحمَّلوا الصَّدْمة ، واختطاف قائدهم من بين أيديهم وهم ينظرون إليه ، فلاذوا بالفرار ، وركب المسلمون أكتافهم يقتلون ويأسرون ، وقد كثُر من بينهم الأسرى الذين استسلموا بدون مقاومة ، وهرب الباقون ودخلوا حصن عين التمر ، ونجا القائد الفارسي مهران ، وهرب من الحصن ومعه العناصر الفارسية المسلحة . وهكذا دمَّر خالدٌ جيشًا بأكمله دون أن يخسر جنديًّا واحدًا . وفتح خالد عين التمر بعد أن نزلوا على رأي خالد ، فقتل خالد مُقاتلتهم ، وبدأ بعقّة فأعدِم ثم رمى بجثته على الجسر ليكون عبرةً لغيره ، ثم أعدم نائبه ، وعمرو بن الصعق ، ثم نفّذ حكم الإعدام في كلِّ مَنْ حمل السلاح في وجهه ممَّن تحصَّن بعين التمر ، وسَبِى النساء والذَّرارِي . الله دَرُّكَ يا خالد .. ((لا أَحَدَ أَيْمَنُ طائرًا منك، ولا يرى قومٌ وجه خالد - قُلُّوا أو كثُروا - إلَّا انهزموا أمامه )). هذا قول ملك دومة الجندل أُكيدر ... والفضل ما شهدتْ به الأعداءُ . ولله درُّ فارسنا حين يبعث إلى عياض بن غنم: (( من خالد إلى عياض ، إياك أريد )) . لَبِّثْ قليلًا تَأْتِكَ الحَلَائِبْ يَحْمِلْنَ آسادًا عليها القاشبْ كتائب تتبعُها كتائِبْ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٦٦ صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث خالد صاحب المفاجآت ومعاركه اللَّيْلِيَّة : قد كان خالد من طرازٍ نادر ، فهو وإن كان دقيقًا في رسم خطة المعارك ، إلا أنه يمتاز أيضًا بسرعة التنفيذ وحُبّ المخاطر ، والقُدرة الفائقة على ابتكار أساليب مُفاجئة للعدو ، ولا أضَرَّ على الجيوش - وإن كانت عظيمةً - من أن تتعرّض للهجوم بغتةً وبأسلوبٍ مفاجئ وهي على غير استعداد . فمشاهير القادة العظام حتى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي ، كانوا ينفرون من القتال الليلي ، ويذهبون إلى عدم جدواه ، ويقّر ((فردريك الأكبر)) أنه يستبعد دائمًا التفكير في القيام بأي عمليةٍ ليليَّةٍ؛ نظرًا لما ينشأ عنها من اضطراب وانحلال في الضبط بين الصفوف للجنود ، نتيجة لتعدُّر الرؤية بين الضُّبَاط ورجالهم، ويقرر ((بلوفر)) أنه يخشى العمليات الليلية . وكان القتال ليلًا قليلًا ما يلجأ إليه المحاربون في ذلك العصر . ولكنَّ خالدًا هو خالد . معركة المصيّخ : أبلغ خالد خُطَّته إلى قادة الفرق المحتشدة ، وأخبرهم بكتمان الخطة حتى على جنودهم ، وأخبرهم بأن الهجوم سيكون بعد منتصف الليل بساعتين ، فالقمر لا يطلع في مثل هذا الوقت إلا قبل منتصف الليل بقليل ، وقبل طلوع القمر وفي غَلَس الظلام ، قام خالد بتطويق المصيّخ على شكل دائرةٍ ، دون أن يشعر بوجودها أهل المصيّخ الذين كانوا نيامًا، وَمَنْ ظّ مستيقظًا كان يحتسي الخمر في عرس حرقوص بن النعمان أحد زعمائهم . وقال لهم حرقوص: (( اشربوا شراب وداعٍ ، فما أرى أن تشربوا بعدها ، هذا خالد في عين التمر ، وجنوده بحصيد، وقد بلغه جَمْعُنا وليس بتاركنا )). ولم يعلم تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٥٦٧ أن جيوش خالد قد طوّقتهم في ظلام الليل في انتظار طلوع القمر . ثم أنشد حرقوص : بُعَيْدَ انتفاخِ القومِ بالعَسْكَرِ الدّثْرِ أَلَا فاشربوا مِنْ قَبْلِ قاصمةِ الظَّهْرِ لِحِينٍ لَعَمْرِي لا یزید ولا یحْرِي وَقَبْلَ منايانا المُصيبةِ بِالقَدْرِ لعلَّ منايانًا قريبٌ ولا ندري ألا فاسقياني قَبْلَ جيشٍ أبي بکرٍ ستطْرُقُكم عند الصباحِ على البشْرِ أظنُّ خيول المسلمين وخالدًا وقبل خروج المُعصراتِ من الخِدْرِ فهل لكمو بالسير قَبْلَ قتالهمْ أخافُ بياتَ القومِ أو مطلعَ الفجرِ أُريني سلاحي يا أميمةُ إنني وكان ما قال ، فعندما غمر القمر بنوره الأرض ، شَنَّ خالدٌ وقادته الهجوم الصاعق من جميع الجهات ، وكان حرقوص أوَّل الذين قُتلوا ، فقد أطاح المسلمون برأسه وهو سكران ، وسقط في جفنة الخمر التي كانوا يشربون منها ، وقُتل جميع أبنائه ، وصحا النائمون من أهل المصيّخ على وقع السيوف ، وانهزم وقُتل الذين استعدّوا للقاء خالد ، وكانت غارة موفّقة، وأُبِيد أكثر أهل المصيّخِ ، ولم يَنْجُ منهم إلا القليل . الثّني والزميل : وبعدها بأربع ليالٍ ، طَبَّقَ خالدٌ نفس خطته في المصيخ على الثني ، فأباد رجال الثني عن آخرهم وسبوا كلَّ النساء . وفعل بالزميل ما فعل بالثني والمصيّخ ، وقسم جيشه فرقًا ثلاثًا ، وأحاط بالزميل من جهاتها الثلاث ، وباغتهم عند بزوغ القمر ، وأوقع المسلمون فيهم السلاح ، فأحدثوا فيهم مقتلةً عظيمةً لم يقتلوا مثلها ، ونجا مَنْ أفلت من الموت تاركين نساءهم وأطفالهم غنيمة للمسلمين . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٦٨ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث خالد هازم الروم والفرس ونصارى العرب في معركة الفِراض الخامس عشر من ذي القعدة عام اثني عشرة هجرية : اتَّحد النقضيان الفرس والروم لقتال خالدٍ ، فقد كاتبَ الرومان الفرس والعرب المتنصِّرة الموتورين ؛ للاندماج في جيشٍ واحدٍ للقاء خالد ، واحتشد الجميع في جيشٍ لا يقلّ عدده عن مائة وخمسين ألفًا ، وكان عدد المسلمين لا يزيد على عشرين ألفًا في الفِراض بحدود الشام ، ونصحهم العقلاء بأن لا يُقاتلوا خالدًا وقالوا لهم: ((احتسِبُوا ملككم !! هذا رجل يقاتل عن دينٍ وعقلٍ وعلمٍ، والله ليُنصرنّ ولتُخذَلُنَّ)). وخيّر الروم والفرس والمتنصِّرة خالدًا بين أن يعبر الفرات إليهم ، أو يخلّي عنهم فيعبروا هم الفرات ، فقال لهم: ((بل اعبروا إلينا)). فطلبوا من خالد أن يتنخَّي عن موقعه حتى يعبروا وتنشب المعركة حيث تنحّى. فقال خالد: ((لا نفعل ، ولكن اعبروا أسفل منا ، ولن نتعرّض لكم حتى تستكملوا العبور )) . ولم يعبر خالدٌ ميمونُ النَّقيبة حتى تكون الصحراء خلف ظهره ، وتصاعد لَهَبُ القتال ، وبدا الاضطراب واضحًا على القوات المشتركة ، وبدأت كفّة الميزان ترجح لصالح العسكر الإسلامي ، ولحظ خالد ذلك ، فأصدر أمره إلى جنده بأن يُضاعفوا حملاتهم عليهم، فصاح فيهم: (( ألحوا عليهم ولا تُرفّهوا عنهم)) : فصار المسلمون يحصدونهم حصدًا ، ولجأ فرسان المسلمين إلى أسلوبٍ رائع في القتال ، إذ صار هؤلاء الفرسان يحشرون الزمرة من الحُلَفَاء بالرِّماح ، فإذا جمعوهم ، قتلوهم عن آخرهم ، ثم عمَّتِ الهزيمة جيوش الحلفاء الثلاثة ، فأخذتهم سيوفُ المسلمين من كل ناحيةٍ ، فقتل المسلمون منهم يوم الفِراض - في المعركة وفي المُطاردة بعدها - مائة ألفٍ ، في روايات جميع المؤرِّخين . وكانت معركة الفراض خاتمة معارك خالد في العراق .. وما أحلاها من خاتمة . يقول القعقاع بن عمرو عن هذه الموقعة : تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٥٦٩ وفُرْسٍ عَمَّهَا طُولُ السَّلامِ لقينا بالفِراضِ جموعَ رومٍ وبيَّنَا بِجَمْع بني رزامٍ أُبَدْنَا جَمْعَهُمْ لِمَّا الْتَقْنا رأينا القومَ كالغَنَمِ السَّوَامِ فما فَتِئَتْ جنود السّلْمِ حتى قال أهلُ التاريخ عن خالد : ((كان الفرس قد هابوه هيبةً شديدةً ، وكان خالدٌ إذا نزل ، نزل عذابًا من عذاب الله عليهم ولَيْئًا من اللُّيُوثِ ». وأمر الصِّدِّيقُ خالدًا بالتَّوجُّه لقتال الروم في الشام وَتْك العراق ، وأثنى على خالدٍ ثناءً عطرًا؛ بأن أحدًا لن يستطيع قهر الروم وإنزال الهزيمة بهم إلا خالدٌ، فكتب إليه: ((أمّا بعد ، فَدَعِ العراق وخلّفه في أهله الذين قدمتَ بهم عليهم وهم فيه ، وامضٍ مُختفيًا في أهل القوة من أصحابك ، الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك في الطريق ، حتى تأتي الشام ، فتلقَى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين ، فإذا الْتقيتم فأنت أمير الجماعة. والسلام)). وعند الطبري: ((أن سِرْ بالمسلمين حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك ، فإنهم قد شجوا وأَشْجَوْا ، وإياك أن تعود المثلها (١)، فإنه لم يُشجِ الجموع من الناس - بعون الله - شجاك ، ولم ينزع الشجُّ من الناس نَزْعك، فَلَيَهْنِكَ أبا سليمان النِّيَّة والحظوة ، فَأَتْمِمْ يُتمم الله لك ولا يَدْخُلَنَكَ عُجْبٌ فتخسر وتخذل ، وإياك أن تُدِلَّ بعملٍ فإن الله له المَنُّ ، وهو ولُي الجزاء ))(٢). خالد قمَّة في الطاعة والانضباط العسكري : الله دَرُّكَ يا خالد .. ما كدتَ تذوق حلاوة نصرك، ويذيع صِيتُكَ بين أعداء الله الفُرس ويرهبون اسمك .. وبينك وبين المدائن التي تتوّج نصرك (١) يقصد الحج بدون إذن الخليفة . (٢) تاريخ الطبري ٣ / ٣٨٤ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٧٠ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث قاب قوسين أو أدنى ، حتى يصدر أمرُ الصِّدِّيق إليك بِتَرْك العراق ، فلم تعتذر للخليفة ولا حتى تُناقشه ، وحينما قال لك زعيم البدو وفارسُهم دسين العجلي: ((أصلحك الله، والله ما جعل الله في الشام من العراق خلفًا للعراق ، أكثر حنطةً وشعيرًا وديباجًا وحريرًا وفضةً وذهبًا، وأوْسَع سعةً وأعْرَض عرضًا، والله ما الشام كلّه إلا كجانبٍ من العراق)). فرردت - لله دَرُّك - وما تُريد إلَّا عَّ الإِسلام: ((إن بالشام أهل الشام، وقد تهيَّأْتُ لهم وتسيَّرت ، فإنَّما أنا مُغيثٌ وليس لهم مَدَد ، فكونوا أنتم على حالتكم التي كنتم عليها ، فإن نفرغ ممَّا أُشِصنا إليه عاجلًا، عجلْنا لكم ، وإن أبطأتُ ، رجوتُ أن لا تعجزوا ولا تَهِنوا، وليس خليفة رسول الله عَ ◌ّه بتاركٍ إمدادكم بالرجال حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد ، إن شاء الله تعالى )). حرب المفاجآت : إذا أردنا كلمةً جامعةً لحرب خالدٍ مع الفرس ، فنكاد نجزم بأخذ خالدٍ بزمام المُباغتة والمُفاجآت التكتيكيّة فأربكتْ صفوفَ أعدائه ... نرى ذلك واضحًا في تغيير مكان اللقاء من كاظمة إلى الحفير ، إلى كاظمة مرة ثانية ، ثم مفاجآته لعدوه في كمين الولجة ، وفي اقتحام خندق الأنبار بردمه بالإِبل العجاف ، وفي مفاجأة ((عقّة)) في عين التمر باحتضانه وحمْله إلى صفوف المسلمين أسيرًا . فهذا أسلوب في القتال لم يكُن مألوفًا، وفي الهجوم اللَّيلي على عدوّه وكسبه في المصيّخ وفي الثني وفي الزميل ، في سرعةٍ وخفّةٍ ، لم تَدَعْ لهم فرصةً أو مجالًا للتَّصُرُّف أو القتال . رضي الله عن خالد ، لقد كان أسدًا إذا احتاج الأمر إلى تأسُّد ، ثعلبًا إذا احتاج الأمر إلى ثعلبة ، وهكذا الحرب مكْرٌ وخدعة وقوة. ((بارز خالد يوم ((الولجة)) رجلاً من أهل فارس يَعْدِل ألف رجلٍ فقتله ، فلمَّا فرغ منه اتَّكأ عليه ودعا تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٥٧١ بغدائه )»(١). (١) ورضي الله عن عمرو بن العاص ، القائل في مدح خالد: (( له أناةٌ القَطاةِ ووثوبُ الأسد))(٢). ے وفي واقعنا المعاصر : تحطَّمتِ الطائرات عند الفجر : ينقل الدكتور عبد الله عزام في إحدى رسائله ، عن المستشار العسكري للقيادة الجوية في ٦٧ وكان يهوديًّا ولا يعرفون .. وهو صاحب كتاب ((وتحطَّمت الطائرات عند الفجر)) وقد طُبع بأكثر من لغةٍ: ((كيف أنهم أعدوا حفلة ماجنة لكبار قُوَّاد القوات الجوية وطياريها مع بنات الهوى والراقصات ، ليلة الخامس من يونيو ٦٧ ، وكيف أنهم أسموها الميج والميراج المصري والإِسرائيلي ، وانتصر الميج المصري على الميراج الإِسرائيلي ... أي الطيارون المصريون الغارقون في الفاحشة على الراقصات وبنات الهوى ، واستمرّت إلى قُبيل الفجر ، وعند الفجر كان ضرب المطارات لمَّا نام العصاة في وحلهم ، وبعد أن تمَّ له ما أراد ، هرب اليهودُّ مع أول طائرة )). في الطريق إلى الشام : قطع البرية السماويَّة في خمس ليالٍ : قال الذهبي عن خالد بن الوليد: ((تأمَّر في أيام النبي عَّةٍ ، واحتبس أدراعه ولَأُمته في سبيل الله ، وحارب أهل الرِّدَّة ومسيلمة ، وغزا العراق ، واستظهر ، ثم اخترق البرية السماوية ، بحيث إنه قطع المفازةَ من حدِّ العراق إلى أوَّل الشام في خمس ليالٍ في عسكرٍ معه ، وشهد حروب الشام ، ولم (١) الطبري ٢ / ٥٦٠. (٢) اليعقوبي ٢ / ١٠٨ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٧٢ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث يبق في جسده قيد شبرٍ إلا وعليه طابع الشهداء))(١). فعدَّ من مناقبه وأعماله قطع البرية السماوية والمفازة من العراق إلى الشام في خمسٍ ليالٍ . أرسل خالد قبل قطعه المفازةَ كتابًا سبقه إلى المسلمين بالشام وإلى أبي عبيدة، وكان من قوله (( ..... إن كتاب خليفة رسول الله عَ لِّ أتاني يأمرني بالمسير إليكم ، وقد شمّرتُ وانكمشتُ(٢)، وكأنّ خيلي قد أطلّت عليكم في رجال ، فأبشروا بإنجاز موعود الله وحُسن ثوابه . عصمنا الله وإياكم بالإِيمان ، وثبَّتنا وإيَّكم على الإِسلام، ورزقنا وإيّاكم حُسن ثواب المجاهدين والسلام عليكم)). وكتب إلى أبي عبيدة: ((بسم الله الرحمن الرحيم . لأبي عبيدة بن الجراح من خالد بن الوليد ، سلام عليك ، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف ، والعصمة في دار الدنيا . لقد أتاني كتاب خليفة رسول الله عَِّ يأمرني بالمسير إلى الشام، وبالمقام على جندها ، والتَّلِّي لأمرها، ووالله ما طلبتُ ذلك ولا أردتُه ، ولا كتبت إليه فيه ، وأنت - رحمك الله - على حالك التي كنت بها ، لا يُعصى أمرك ، ولا يُخالف رأيك ، ولا يُقطع أمرٌ دونك ، فأنت سيِّدٌ من سادات المسلمين ، لا يُنكر فضلُك ولا يُستغنى عن رأيك، تمَّمَ الله ما بنا وبك من نعمة الإِحسان ، ورحمنا وإياك من عذاب النار، والسلام عليك ورحمة الله)). فقال أبو عبيدة: (( بارك الله خليفة رسول الله عَ لّم فيما رأى، وحيًّا خالدًا بالسلام)). سلك خالد أقصر طريق أمين ؛ من ناحية عدم وجود مقاومة معادية (١) سير أعلام النبلاء ١ / ٣٦٦ - ٣٦٧ . (٢) أسرعت . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٥٧٣ كبيرة فيه ، وهو طريق الحيرة - دومة الجندل - وادي سرحان - قراقر - وهناك استشار أصحابه قائلًا: ((كيف لي بطريقٍ أخرج فيه من وراء جموع الروم ، فإني إن استقبلتها ، حبستني من غياث المسلمين ؟! )) . فأجابوه: لا نعرف إلّا طريقًا لا يحمل الجيوش، إنما يأخذه الفذُّ الراكب، فإياك أن تُغرِّر بالمسلمين . فعزم عليهم ، فلم يُجبه إلى ذلك غير رافع بن عميرة الطائي، على تهيُّبٍ شديد، فقام خالد في أصحابه وقال: (( لا يختلفنّ هَدْيُكم ، ولا يضعفنّ يقينكم ، واعلموا أن المعونة تأتي على قدْر النِّيَّة ، والأجر على قدر الحِسبة ، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيءٍ يقع فيه مع معونة الله له )). فكان رد أصحابه عليه : أنت رجلٌ قد جمع اللهُ لك الخير، فشأنك(١). فقال خالدٌ لدليله رافع: ((انطلق بالناس)). فقال رافع : إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأنفال ، والله إن الراكب المفرد يخشى فيها على نفسه ، إنها لخمس ليالٍ لا يصاب فيها ماء . فأمر خالد أصحابه أن يستكثروا من الماء ، وأمر صاحب كل خيل أن يعدّ لها الماء بقدر ما يسقيها ، وجمع عددًا من الإِبل السِّمان ظمَّأها ، حتى إذا أجهدها عطشًا أوردها الماءِ عَلَلًا بعد نَهَلٍ (٢)، فلمَّا امتلأت صرَّ آذانها وشدَّ مشافرها لئلا تجتّ (٢). وانطلق خالد بالجيش ، ينزلون كل يوم ، فيأكل الرجال ويشربون ممَّا معهم من الماء ، ثم يشُقُّون بطون عشرة من الإِبل ، ويُخرجون الماء منها ويسقونه الخيلَ ، حتى اليوم الخامس ، حيث أدركوا الّيّ . لما كان اليوم الخامس نادى خالد دليله: (( ويحك يا رافع ، ما عندك ؟)). وكان رافع أرمد ، فأدار رأسه يمنة ويسرة ، ثم قال : أيها الناس ، انظروا علميْن (١) تاريخ الطبري (٢ / ٦٠٣)، والكامل لابن الأثير (٢ / ١٥٦). (٢) العَلَل: الشَّرْبَة الثانية، والنَّهَل: الشربة الأولى . (٣) تاريخ الطبري ٢ / ٦٠٣، والكامل ٢ / ١٥٦، وفتوح الشام للواقدي ١ / ١٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٧٤ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث كأنهما ثديان . فلمّا أتوهما ، وقف رافع عليهما وقال : انظروا ، هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل ؟ قالوا : ما نراها . فأمرهم بالتفتيش عليها ، فلمَّا وجدوها كَبَّروا وكَبَّر رافع ، ثم قال : احفروا في أصلها . فحفروا ، فنبع الماء من عينٍ ، فشرب الناس حتى رووا ، فقال رافع : والله ما وردتُ هذا الماء قطَّ إلَّا مرّةً واحدة مع أبي وأنا غلام(١). الله دَرّك يا خالد .. كم كانت كفاءة دليلك الصحابي ، ولله جرأتك حين تُقدم على ما يتهيّب عنه الأدِلَاء .. فللَّه بركتك .. ولله درّك من سيِّدٍ من ساداتِ أولياء هذه الأمة . خالدٌ لها ، والله لأُنْسِيَنَّ الرُّومَ وساوسَ الشيطانِ بخالد بن الوليد : كلماتٌ عَطِرَةٌ قالها الصِّدِّيق عن خالدٍ ، حين اشتدَّ الكرب على المسلمين بالشام ، وذلك لكثرة الروم وحُلَفَائهم الهائلة ، التي بلغت ربع مليون مقاتل ، بينما جيوش الإِسلام كلها لا تزيد على اثنين وثلاثين ألفًا ، وأرسل أبو عبيدة إلى أبي بكر الصِّدِّيق: (( وبعد ، فإن الروم أهل البلد ومن كان على دينهم من العرب ، قد أجمعوا على حرب المسلمين ، ونحن نرجو النصر ، وإنجاز موعود الرب تبارك وتعالى وعادته الحسنة ، وأحببتُ إعلامك لترينا رأيك)). فقال الصِّدِّيق: ((خالدٌ لها، والله لأُنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد))(٢). فتح تَدْمُر : مّ خالد في طريقه بتدمر ، فتحصَّنوا منه ، فأحاط بهم من كل جانبٍ ، (١) أسد الغابة ٢ / ١٥٥، والاستيعاب ٢ / ٤٨٢، والطبري ٣ / ٦٠٣ - ٦٠٤، وابن الأثير ، ٢ / ١٥٦. (٢) الطبري ٢ / ٦٠٢ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٥٧٥ وأخذهم بكل مأخذ فلم يقدر عليهم ، فقال لهم: (( والله لو كنتم في السحاب ، لاسْتَنْزَلْنَاكُم، ولَظَهَرْنَا عليكم، وما جئناكم إلَّ ونحن نعلم أنكم ستفتحونها لنا ، وإن أنتم لم تُصالحوني هذه المرة لأرجعنَّ إليكم لو قد انصرفتُ من وجهي هذا ، ثم لا أرتحل عنكم حتى أقتل مُقاتلتكم وأسبي ذراريكم )) . ثم ارتحل عنهم فمضى ، واجتمع عظماؤهم ، فقال بعضهم لبعض: (( لا نرى إلا أن هؤلاء القوم الذين نزلوا بكم، هم الذين كنّا نتحدّث أنهم يظهرون علينا، فافتحوا لهم وصالحوهم)) . فبعثوا في إثر خالد ، فرجع إليهم ، ففتحوا له مدينتهم وصالحوه . أّ عزّ عزُّك يا خالد !! ترحل ماضيًا عنهم ، فيُرسلون إليك حتى ترجع ويُصالحوك ؛ خوفًا منك ومن تهديدك . فتح القريتين وحوارين : وأتى خالد القريتين ، فقاتله أهلها فظفر بهم ، وغنم منهم . ثم مَّ على حوارين فخافه أهلها وهابوه ، وتحرَّز أكثرهم منه وتحصَّنُوا ، فأغار عليهم واستاق مواشيهم ، وقتل رجالهم ، وأقام عليها أيامًا ، فبعثوا إلى مَنْ حولهم فجاءهم مددان ، أحدهما من بَعْلَبَك، والآخر من بُصرى ، وكلٌّ منهما أكثر من ألفين ، فلمَّا رآهم خالدٌ ، صفّ صفوفه ، ثم خرج في مائتين من الفرسان ، فحمل على مدد بعلبك ، فقصف بعضهم على بعض ، وأثخن فيهم قتلًا ، فما صمدوا ساعة حتى انهزموا ، وحمل على أهل بُصرى فما ثبتوا له إلا قليلًا حتى انهزموا إلى المدينة ، وخرج أهل حوارين فرموا المسلمين بالنّشاب ، فحمل عليهم خالد ، وأعادهم إلى حوارين منهزمين ، ورجع عنهم ذلك اليوم . فلمَّا كان اليوم التالي ، خرج أهل حوارين ليقاتلوا المسلمين ، فهاجمهم خالد فهزمهم ، فلمَّا رأوا أنهم لا طاقة لهم به ، صالحوه . قال علج من أهل حوارين - وكان من شجعانهم وأشدّائهم -: ((والله لخرجنا إلى خالد بعدما تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٧٦ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث جاءنا مدد بعلبك وأهل بُصرى بيوم ، فخرجنا إليه ، وإنَّا لأكثرُ من خالد وأصحابه بعشرة أضعفاهم ، فما هو إلّا أن دنونا منهم ، فثاروا في وجوهنا بالسيوف كأنهم الأُسْد ، فهزمونا أقبح هزيمة ، وقتلونا أشدّ القتل ، فما عُدنا نخرج إليهم حتى صالحناهم . وقد رأيتُ منَّا رجلًا كُنَّا نعدُّه بألف رجل ، وكان يقول: لئن رأيت أميرهم لأقتُلَنَّه . فلمَّا رأى خالدًا قال له أصحابُه : هذا خالدٌ أمير القوم. فَحَمَلَ عليه العِلْجُ، وإنّا لنرجو لبأسه وشدَّته أن يقتله ، فما هو إلا أن دنا منه ، فضرب خالدٌ فرسه ، فقدمه عليه ، وكان خالد إذا كان عند الحرب، فكأنه يربو ويعظُم ويَهُول مَنْ ينظر إليه ، فاستقبل العلجَ فاستعرض وجهه بالسيف فضربَهُ ، فأطار نصفَ وجهه وقِحْفَ رأسِه فقتله . وانهزمنا أقبح هزيمةٍ حتى دخلنا مدينتنا ، فما كان لنا هَمّ إلَّ الصُّلح حتى صالحناهم)). مَرْج رَاهِطْ : بلغت الأخبار خالدًا بأن أعراب غسّان النصارى ، قد اجتمعوا بمرج راهط وعليهم الحارث بن الأيهم - أخو جبلة بن الأيهم - فانقضَّ عليهم خالد ، فانتسف عسكرهم وعیالاتهم ، وسبی منهم يوم فحصتهم(١) ، ونزل بالمرج أيامًا ، ثم سار خالد حتى أتى أبا عبيدة بالجابية ، فالتقيا ومضيا معًا بِجُنْدَيْهما إلى بُصرى . فتح بُصْرَى : جِزْية بصرى أوَّلُ جزيةٍ بالشام في عهد الصِّدِّيق : قال قيس بن أبي حازم يصف فتح خالد (١) تاريخ الطبري ٣ / ٤١٠، وتاريخ ابن عساكر ١ / ٤٥٨، وفتوح البلدان للبلاذري ١٣٢ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٥٧٧ لبُصرى(١): (( كنت مع خالد بن الوليد حين مرّ بالشام ، فأقبل حتى نزل يُصرى من أرض حوران وهي مدينتها ، فلمَّا اطمأننا خرج إلينا الدّرنجار في خمسة آلافٍ من الروم ، فأقبل إلينا ، وما يظنُّ هو وأصحابه إلّا أنَّا في أُكُفّهم ، فخرج خالد فصفّنا ، ثم جعل على ميمنتنا رافع بن عمرو الطائي ، وعلى ميسرتنا ضرار بن الأزور ، وعلى الرجال عبد الرحمن بن حنبل الجُمحي ، وقسّم خيله ؛ فجعل على شطرها المسيّب بن نجبة ، وعلى الشطر الآخر رجلًا من بكر بن وائل ، فظننتُ أنه مذعور العجلي ، فأمرهما خالد حين قسّم الخيل بينهما ، أن يرتفعا من فوق القوم عن يمين وعن شمال ، ثم ينصبًّا على القوم(٢) ، فانطلقا ففعلا ذلك . ثم أمر خالد مَنْ معه أن يرجعوا إلى القلب ، فرجعنا إليهم ، والله ما نحن إلّا ثمانمائة رجل وخمسون رجلًا ، وأربعمائة رجل من مشجعة من قضاعة ، فكنّا ألف رجل ومائتي رجل ونَيِّفًا ، وكنّا نظنُّ أن الكثير من المشركين والقليل عند خالدٍ سواءٌ ؛ لأنه لا يملأ صدرَهُ منهم شيءٌ، ولا يُيالي مَنْ لقي منهم ؛ لجُرأته عليهم وشدّته ونجدته . ثم دنونا منهم ، فبدعونا بالحملة علينا ، فشدُّوا علينا شدَّتَيْن ، فلم نبرح مواقفنا ، ثم إن خالدًا نادى بصوت جَهْوَرِتِّ شديدٍ عال فقال : (( يا أهل الإِسلام ، الشدَّة الشدة، احْمِلُوا - رحمكم الله - عليهم ، فإنكم إن قاتلتموهم مُحتسِبِين ، تريدون بذلك وجه الله ، فليس لهم أن يواقفوكم ساعةً)). ثم إن خالدًا شدّ عليهم وشددْنا معه ، فوالله الذي لا إله إلا هو، ما ثبتوا لنا فُواقًا حتى انهزموا ، فقتلْنا منهم في المعركة مقتلةً عظيمة ، ثم أَتْبَعْنَاهم نَكْرُدُهم(٣) ونقتلهم ، ونُصيب الطرف منهم ونقطعهم عن أصحابهم (١) وكان معه أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد . (٢) مِثْل كَمِينَى الولجة . (٣) أي نطردهم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٥٧٨ ثم نقتلهم ، فلم نَزَلْ كذلك حتى انتهينا إلى مدينة بُصرى ، فأغلقوا أبوابها وتحصَّنُوا منا ، ثم أخرجوا إلينا الأسواق وصالحونا ؛ أهُ بصرى ، واستقبلوا المسلمين بكل ما يحبُّون ، وسألونا الصلح فصالحناهم)). وكانت جزية بُصرى أوَّل جزية بالشام في عهد أبي بكر . ولمّا جاءت الأنباءُ هرقل، قال لجلسائه: ((ألم أقل لكم : لا تُقاتلوهم ؛ فإنه لا قَوَامَ لكم مع هؤلاء القوم ؟ !! إن دينهم جديد يجدِّد لهم ثِبارهم(١) ، فلا يقوم لهم أحد حتَّى يُبْلَى)). فقالوا: ((قاتل عن دينك ولا تُجبِّن الناس واقضِ الذي عليك)). قال: ((وأيّ شيءٍ أطلب إلّا توفير دينكم)). أجنادين ... يَوْمٌ من أيّامٍ خالد : جاءت الأخبار خالدًا أن جيشًا كبيرًا للروم قد نزل بأجنادين من جنوب فلسطين ، وأن نَصَارى العرب وأهل الشام قد سارعوا بالانضمام إليه . وقام خالد في جيشه خطيبًا ، وقال لهم بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي عَ ◌ّ: (( أما بعد، فإنه بلغني أن طائفةً من الروم نزلوا بأجنادين ، وأنهم استعانوا بأناسٍ - وَهُمْ قليل - من أهل البلد ، فسألوهم النصر علينا استقلالًا لمن معهم من الكثرة ذلَّا ولَوْمًا. واللهُ - إن شاء الله - جاعلُ الدَّبَرة عليهم وقاتلهُمْ كلّ مقتلة ، فاقصدوا بنا قصدهم ؛ فإني كاتب إلى يزيد بن أبي سفيان ، حتى يوافيني بِمَنْ معه مِنَ المسلمين مِن البلقاء ، وإلى عمرو بن العاص حتى يوافيني هنالك مِن أرض فلسطين)). وكتب إلى ((شرحبيل)) وسائر الأمراء : ((بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ، فإنه نزل بأجنادين جموعٌ من جموع الروم غير ذي عددٍ ، (١) مواظبتهم عليه. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٥٧٩ ولا قوة ، واللهُ قاصمهم وقاطع دابرهم ، وجاعل دائرة السَّوْءِ عليهم . وقد شخصتُ إليهم يوم سرّحت رسولي إليكم ، فإذا قدم عليكم فانهضوا إلى عدوِّكم - رحمكم الله - في أحسن عدَّتكم وأصحّ نيّتكم ، ضاعفَ الله لكم أجوركم وحطّ أوزاركم ، والسلام عليكم ورحمة الله)). وصلت جيوش المسلمين وتوافت جموعهم في أجنادين ، وجاء (( وردان )) بمن معه حتى وافى جموع الروم بأجنادين ، وانضمّت إليهم جموٌ من أهل فلسطين ومن الأعراب المُوالين للروم ، حتى صار جيش الروم يزيدُ عن مائة ألفٍ ، وكان عدد المسلمين ثلاثين ألفًا ، هذه الجموع من المسلمين تجتمع لأول مرة في معركة كبرى ، هي الأولى في حجمها في حرب الشام؛ يقول ابن إسحاق: ((لمّا تدانى العسكرانِ بعث ((القُبُقْلار)) رجلًا عربيًّا من قضاعة ، يقال له: ((ابن هزارف))، فقال: ادخل في هؤلاء القوم ، فأقمْ فيهم يومًا وليلةً ثم ائْتَني بخبرهم . فدخل في الناس .. رجل عربي لا يُنكر ، فأقام فيهم يومًا وليلةً ثم أتاه ، فقال له : ما وراءَك ؟ قال : بالليل رهبانٌ وبالنهار فرسانٌ ، ولو سَرَق ابن ملكِهم قطعوا يده ، ولو زنى رُجم، لإِقامة الحقّ فيهم)). فقال له القبقلار: لئن كنتَ صدقتني لَبطْنُ الأرض خيرٌ من لقاءٍ هؤلاء على ظهرها ، ولَوَددتُ أَنّ حظي من اللهِ أن يُخلّي بيني وبينهم ، فلا ينصرني عليهم ولا ينصرهم علّ . خرج خالد فصفّ قواته ، فجعل أبا عبيدة على المشاة ، وجعل معاذ ابن جبل على الميمنة ، وجعل سعيد بن عامر القرشي على الميسرة ، وبعث سعيد بن زيد بن عمرو على الخيل ، وأقبل خالد يسير خلال صفوف المسلمين ، لا يستقرّ في مكانٍ واحد ، يُحرِّض جنده ويحمِّسهم ، وأقام نساء المسلمين خلف الجيش يبتهلن إلى الله ويدعونه ويستغتْنه ، وكلما مّ بهنّ رجلٌ من المسلمين دفعن إليه أولادهن ، وقُلن له : قاتلوا دون تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٥٨٠ صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث أولادكم ونسائكم . كما أمرهن خالد أن يَحْتَرِمْنَ - أي يُحرِّمْن - على الرجال ما كان مباحًا لهم معهنّ . وأقبل خالد يقف على كلِّ قبيلة وكل جماعة ويقول : اتقوا الله عباد الله ، قاتلوا في الله مَنْ كفر بالله ، ولا تنكصوا على أعقابكم ، ولا تهنوا من عدوكم ، ولكن أقدموا كإقدام الأسد وأنتم أحرارٌ كرامٌ ، فقد أَبْتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الآخرة ، ولا يَهُولنَّكم ما ترون مِن كثرتهم ؛ فإن الله مُنزِلٌ عليهم رجزَه وعقابَه ، ثم قال : أيها الناس ، إذا أنا حملتُ فاحملوا . وكان خالد أولَ مَن حمل على صفوف الروم ، وأقبل خالد إلى خيل المسلمين ، وقال لهم : احملوا - رحمكم الله - على اسم الله . وحمل خالد على الروم ، وحمل المسلمون معه بأجمعهم على طول الصَّفّ ، فقد سئموا الوقوف ، وكانت معنوياتهم مرتفعةً ، وصبروا مختارين لهجوم الروم عليهم مَّتَيْن ... ثم صبروا لرشْق نبالهم ، والآن صَدَرَ الأمرُ فانطلق الجيش المتحمِّسُ المكبوت ، فما صبر الروم له فُواقًا - على حدٍّ تعبير الرواة - وانهزموا هزيمةً شديدةً ، وقتلهم المسلمون كيف شاءوا ، وأصابوا معسكرهم وما حَوَى . وعند ابن إسحاق: ((لما رأى القبقْلار - قائد الروم - ما رأى مِن قتال المسلمين ، قال للروم : لفّوا رأسي بثوبٍ . قالوا : لِمَ ؟ قال : يومُ البئيسِ لا أحب أنْ أراه ! ما رأيت في الدنيا يومًا أشدَّ مِن هذا. فاحتّ المسلمون رأسَه، وإنه لملفّفْ))، وانتهى خبر هذه الهزيمة إلى ((هِرقل)) فُنُخب قلبُه وأُسْقِطَ في يده ، ومُلى رُعْبًا . وقد بلغ قتلى الروم في هذه المعركة ثلاثة آلاف ، وفّتْ فلولهم المنهزمةُ متفرقةً نحو ((إيلياء)) و((قيسارية)) و((دمشق)) و(حِمْص))، وتبعهم المسلمون يطاردونهم ، فيقتلون منهم ويأسرون . وكتب خالد إلى تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com