النص المفهرس

صفحات 461-480

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦١
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
فأصابه في صدره وشقّ رئته ، ونفحه الآخر فأصابه في بطنه وانتثرت أمعاؤه ،
وسقطا معًا إلى الأرض . أمَّا المجوسي فمات من ساعته ، وأما علباء فلم
يستطع القيام ، وحاول أن يُعيد أمعاءه إلى مكانها فلم يتأتَّ له ، ومرّ به
رجلٌ من المسلمين ، فقال له علباء: يا هذا ، أعِنِّي على بطني . فأدخل
له أمعاءه، فأخذ بصفاقيه ، ثم زحف نحو صفّ العجم دون أن يلتفتَ
إلى المسلمين وراءه ، فأدركه الموت على ثلاثين ذراعًا من مَصْرَعِه وهو
يقول :
أرجُو بها من ربّا ثوابَا قد كنتُ ممَّنْ أحسنَ الضِّرابًا
وفاضت نفسه ))(١).
هلال بنُ عُلّفَة التيمي ، قاتلُ رستم :
أمّا رستم فهو قائد قوات الفرس ، الشيخ أبو مرةَ الفرس ؛ أي
شيطانهم . عندما قربتْ ساعة الصفر للقتال في القادسية أسرجوا له فرسَه ،
فقفز قفزةً واحدةً استوى بعدها في السَّرج على ظهر الجواد دون أن يمَسَّ
حتى الركاب ، وهذا أكبر دليل على فروسيته وحيويته وتمُرُّسه بالحرب ، فقد
كان محاربًا ممتازًا وخبيرًا عسكريا مجرِّبًا ... قال لجنده عن المسلمين: غدًا
ندقّهم . فقال له رجل : إن شاء الله . فردَّ عليه رستم في كبرياءَ فارسيةٍ
مَقِيتِةٍ ، وكفرٍ مجوسيِّ مُلحِدٍ : وإن لم يشأ ؛ إنما ضعا الثعلب حين مات
الأسد(٢) ، قد خشيت أن تكون هذه سنة القرود .
((وفي المعركة .. كانت أول وحدةٍ من جيش الإِسلام تصل إلى حيث
يوجد رستم؛ وحدة من بني تيمٍ من الرباب ، وعلى رأسها فارسها القعقاع ،
(١) الطبري ٣ / ٥٤٦.
(٢) الطبري ٣ / ٥٢٩، ويعني بالأسد : كسرى برويز .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٢
صلاح الأمة في عُلُوُّ الهمة - المجلد الثالث
وعثرت الوحدة على سرير رستم ، ولكنهم لم يعثروا عليه فوقه ، واقترب
هلال بن علقمة من البغل الذي يستظل بظّه رستم ، وهلال لا يعلم بوجود
رستم ، فضرب علقمة الحبال التي تشدُّ العدلين إلى ظهْر ذلك البغل
فقطعها ، فوقع أحدُ العدليْن فوق ((رستم))، وكان العدل ثقيلًا جدًّا،
لذلك أصاب رستم إصابةً بالغةً أدَّتْ إلى إزالةٍ فقرةٍ من فِقار ظهْر رستم ،
وعاد الفارس هلال يضرب حِمْلَ البغل ، فانبعثت منه رائحة المسك .
وتسلل رستم هاربًا نحو العتيق ، فأبصر به هلالٌ وعرفه فتوجّه نحوه ، فرماه
رستم بنشاية أصابتْ قدمه ، وشكّتها إلى ركاب سرجه ، وكان ركاب فرس
هلال من الخشب ، وكان رستم - حين رمى النشاب - يصيح بالفارسية :
ببايه ؛ أي كما أنت . وأوغل رستم في الهرب نحو نهر العتيق ، وصار
يُخفّف مما عليه من عُدة الحرب ، فألقى عنه درعه ورمى بسيفه ، وقذف
بنفسه في نهر العتيق ، ولم يترك له هلاَّ فرصةَ النجاة إذ اقتحم النهر خلفه ،
وقد عام رستم في الماء ، ولم يشعر رستم إلّا بهلالٍ قد أدركه ، إذْ رآه
واقفًا إلى جنبه على قدميْه ، وفي الحال أخذ هلال برجْل رستم ، ثم جذبه
وأخذ يسحبُه حتى خرج به إلى البر ، وهناك ضرب جبينه بالسيف ففلق
هامته وضرب أنفه، فقتله، ثم سحب جُثِّته )) (١) ، حتى رمى بها بين أرجُل
البغال ، ثم صعد على سرير رستم ، ونادى بأعلى صوته : قتلتُ رستم
وربّ الكعبة . ثم نادى الناس قائلًا: إلّي. فأطافوا به وهم لا يرون السرير
ولا يحسُّون به ، وعندما علموا بمصرع رستم كبّروا من فوق سريره ،
وتهدّم قلب جيش الفُرْس وعمّتهم الهزيمة ..
فللَّه دَرُّكَ يا هلال .. وبوركت يمينُك !
(١) الطبري ٣ / ٥٦٤ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
1

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صِلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
٤٦٣
تُبكّي كلّما رأتِ الهَلَالَا
وداعيةٍ بفارسَ قد تركْنَا
تثيرُ الخيلُ فوقَهُمُ الهَيَالا
قتلْنا رستمًا وبنيهِ قسْرًا
قيامًا ما يريدونَ ارْتحالًا
تركْنا منهمُ حيثُ التقينا
قتل الفُرْس وذلُّهم ونزولُ رايتهم ((درفش كابيان )) إلى الأبد :
بعد مصرع رستم حاول قادة الفرس المنهزمون - وعلى رأسهم الجالينوس
قائد القَلْب - أنْ ينسحب بقيةُ الجيش بانتظام ، فوقف الجالينوس على قنطرة
الردم على العتيق ، ونادى الفرس ليعبروا النهر على القنطرة الترابية ، وكان
معه الهرمزان ، ولكنّ زهرة بن الحويّة خاض النهر بفرسه واصطدم بالجالينوس ،
فاختلفا فقتله زهرة وأخذ سَلَبَه(١) ، وهكذا بقي العجم بدون قائدٍ ماهرٍ
ينظّم ، حتى انسحابهم ، فصار همّهم النجاة بأنفسهم فقط . وكان هناك
ثلاثون ألفًا من مغاوير الفرس وطّنوا أنفسهم على الموت ، فاقترنوا بالسلاسل
كي لا يفرّوا ، وعندما حاقتِ الهزيمة بجيش رستم تهافت هؤلاء المقترنون في
النهر جميعًا، يجرّ بعضُهم بعضًا، فقتلهم المسلمون وَخْزًا بالرماح ، فلم ينجُ
منهم أحد ، بل قُتلوا جميعًا .
قال الطبري في تاريخه ( ٣ / ٥٦٩) - يصف إبادة الثلاثين ألفًا مِن
الفرس المقترنين في السلاسل -: فأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق ،
فوخزهم المسلمون برماحهم ، فما أفلت منهم مخبّر ، وهم ثلاثون ألفًا .
ضرار بن الخطاب القرشي مُسْقِطُ راية الفُرْس إلى الأبد :
لله دَرُّه ..
وصل ضرار بن الخطاب القرشي إلى ساري راية الفرس الكبرى ((دِرَفش
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٦٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٤
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
كابيان )» فأنزلها من عليائها لآخر مرة ، فلم ترتفع بعدُ أبدًا ..
هذه راية فارس الكبرى التي رآها المسلمون مرة واحدة قبل هذه ،
فهي التي كان يرفعها ((بهمن جاذويه )) في يوم الجسر ، هذه الراية الحمراء
ذات الشمس البنفسجية والقمر الذهبي ((درفش كابيان )) أشهر راية في
التاريخ .
"رایة کسری «دِرَفش كابيان)»، أوْ « دِرَفْش کاویان » ، وكانت من
جلود النمر ، عرض ثمانية أذرع في طُول اثني عشر ذراعًا - أربعة أمتار
في ستة أمتار - ، وكان يُضاف إلى زينتها بعض الجواهر بعد كلّ انتصار ،
ووشوها بِقِطَع الذهب والفضة والجواهر واللآلئ، وتبرّك بها ملوكُ الفرس ،
وصارت على الأيّام يتيمة الدّهر ، وكريمة العمر ، وبِكْر الفلك ، ونكتة
الحِقب، يحملها ((السالار)) رئيسهم المقدم، يعينه عليها خمسةٌ من
الموابذة - كبار رجال الدين - ليحملوه أمام الجيش ... أسقطها البطل
ضرار بن الخطاب فعُوّض عنها بثلاثين ألف درهم ، وكانت قيمتُها ألفي
ألفٍ دينار .
فَبُورِكَ زندُك يا ضرار ... وبوركَتْ يمينك .
على ترانيمِ تكبيراتنا سقطتْ راياتُ كسَرَى وذاق الموتَ سَاسَانُ
وسقط مُلْك بني ساسانَ على يد الأُسُودِ الموحدين :
ركب الذلّ والهوانُ الفرسَ بعد القادسية .
(( قال رجلٌ من بني عبس : أصاب أهل فارس يومئذٍ بعد ما انهزموا ما
أصاب الناس قبلهم ، قُتلوا حتى إنْ كان الرجل من المسلمين ليدعُو الرجل
منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديْه فيضرب عنقه ، وحتى إنه ليأخذ سلاحه
فيقتله به ، وحتى إنه ليأمر الرجلين أحدهما بصاحبه ، وكذلك في ....
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
٤٦٥
العِدّة)) (١)، يعني يأمر العدد منهم فيقتل العدد .
ولقد شهد شقيق بن سلمة الأسدي القادسية غلامًا بعد ما احتلم ،
يروي فيقول: ((فهزمهم الله ، فلقد رأيتُني أشرتُ إلى إسوارٍ منهم ، فجاء
إلّي وعليه السلاح التأمُّ فضربتُ عنقه، ثم أخذتُ ما كان عليه))(٢).
قال الأسود النخعي: ((شهدتُ القادسية، فلقد رأيتُ غلامًا منّا مِن
النخْع يسوق ستين أو ثمانين رجلًا مِن أبناء الأحرار ، فقد أذلّ الله أبناء
الأحرار))(٣).
لا صلح أبدًا حتى نأكلَ عسلَ إِفريذين بأُتْرُجٌّ كوثى:
وإفريذين على بحر قزوين ، وكوثى: بيْن دجلة والفرات ، والأُتْرُجُ :
نوع من التمر .
ولهذا قصةٌ لا تُنْسى: لما وقعتِ القادسية ومُني الفرس بأنكر هزيمة وقُتِل
بها رستم، وتقدم جيش المسلمين نحو المدائن .. حتى حاصروا ((بهرسير)) وكانت
على الشاطئ الأيمن لدجلة ، وهي أولى المدائن السَّبع التي تتكون منها العاصمة
((المدائن))، واستمر حصار المسلمين لها شهرين، وقال بعضهم : ستة أشهر ،
حتى أكل الفرسُ الكلابَ والسنانير . وذكر المؤرخون أن المسلمين ضربوا
((بهرسير)) بالمنجنيق والعرادات، وعرض ((يزدجرد)) ملك الفرس على المسلمين
أن يصالحوه ، شريطة أن يقِفُوا حيث هم، ويكون لهم كلّ ما فتحوه في
العراق غربِّ دجلة حتى حدود بلادهم ، ويكون نهر دجلة الحدود الفاصلة
بين العرب والفرس .. حتى جاءه الردُّ الذي اضطره إلى الفرار .
(١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٦٩.
(٢) الطبري ٣ / ٥٢٥.
(٣) الطبري ٣ / ٥٦٨.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
ذكر الطبري في (( تاريخ الرسل والملوك)) (٤ / ٧) عن أنس بن
الحليس قال: قال: بينا نحن محاصرون ((بهرسير)) بعد زحفهم ، أشرف
علينا رسولٌ فقال : إن المَلِك يقول لكم : هل لكم إلى المصالحة على
أنّ لنا ما يلينا مِن دجلة وجبلنا ، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم
لا أشبع الله بطونكم ! فبدر الناسَ (١) أبو مفرّز الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله
بما لا يدري ما هو ولا نحن، فرجع الرجل(٢)، ورأيناهم يقطعون(٣) إلى
المدائن . فقلنا : يا أبا مفرز : ما قلتَ للرسول ؟ فقال : لا ، والذي بعث
محمدًا بالحق ما أدري ما هو ، إلّا أنّ علّ سكينة ، وأنا أرجو أن أكون
قد أُنْطِقتُ بالذي هو خير . وانتاب الناس يسألونه(٤) ، حتى سمع سعدٌ
بذلك فجاءَنا ، فقال : يا أبا مفرز ، ما قلت ، فوالله إنهم لهرّابٌ ؟! فحدثه
بمثل حديثه إيانا ، فنادى - سعدٌ - في الناس ثم نهد بهم ، وإن مجانيقنا
لتخطر عليهم(٥) ، فما ظهر على المدينة أحدٌ ، ولا خرج إلينا إلّا رجلٌ
نادى بالأمان فأمّناه ، فقال : إِنْ بقي فيها أحد(٦) فما يمنعكم(٧)؟! فتسوّرها
الرجال وافتتحناها ، فما وجدنا فيها شيئًا ولا أحدًا إلّا أُسارى أسرناهم
خارجًا منها وذلك الرجل ، فسألناه : لأُّ شيءٍ هربوا ؟ فقال : بعث الملك
(١) أي : سبقهم .
(٢) أي رسول كسرى .
(٣) أي : يعبرون النهر .
(٤) في تعجُّبٍ كيف أن كلمةً واحدةً قالها جعلت حامية ((بهرسير)) تترك المدينة
خالية .
(٥) أي تقصفهم بحممها .
(٦) يعني : لم يبقَ فيها أحد .
(٧) أي : ما الذي يحول بينكم وبين دخول المدينة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٤٦٧
إليكم يعرض عليكم الصُّلح فأجبتموه بأن ((لا يكون بيننا وبينكم صلح
أبدًا حتى نأكل عسل أفريذين بأترجِّ كوثى)). فقال الملك : واويله،
ألا إن الملائكة تكلُّم على ألسنتهم تردّ علينا وتجيبنا عن العرب ، والله لئن
لم يكن كذلك ، ما هذا إلا شيءٌ ألقي علّ في هذا الرجل لننتهي ، فأَرَزُوا
إلى المدينة القصوى))(١).
رضي الله عنك أبا مفرّزٍ ! ألست القائل يا سيدي بعد انتصاركم في
اليرموك :
ويومًا ويومًا قد كشفنا أهاوِلَهْ
وكمْ قدْ أغْرْنا غارةً بعدَ غارةٍ
لدى مَأْقِطِ رُجّتْ عليهم أوائِلُهْ
ولولا رجالٌ كان حشوَ غنيمةٍ
بمنْ حلّ باليرموكِ منْهُ حمائَلُهْ
كفيناهُمُ اليرموكَ لما تضايقتْ
إِذَا رامها رامَ الذي لا يحاولُهُ(٢)
فلا يَعْدِمَنْ منَّا هرقلُ كتائبًا
وفي القادسية كنتَ شاعرهم ومن أبطالهم ، تقول :
ألا بلِّغا عني الغريبَ رسالةً فقدْ قُسِّمَتْ فينا فيوهُ الأعاجمِ
وَرُدّتْ علينا جزيةُ القومِ بالذي فككْنَا به عنهُم وُلاة المعاصمِ
أبو نباتة نائِلُ بن جعشم قاتل قائد الجيش الفارسي في ((كوثى)) ((شهريار)):
((لا يقتلك إلا عبد)):
((بعد أن تمت سيطرةُ المسلمين على مدينة بابل أقاموا بها عدةً أيام ..
بعدها أمر سَعْدٌ قائد المقدمة زهرةَ بن الحويّة أن يزحف نحو بلدةِ ((كونى))، وكان
عليها دهقان الباب الفارسي شهريار ، وهو من أشدّ فرسان فارس .. وتكامل
(١) أي: انحازوا إلى ((اسبانير)) و((طيسفون)).
(٢) الطريق إلى دمشق صـ ٤٩٦ - ٤٩٧ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٦٨
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
جيش المسلمين الذي أتت كتائبه على شكل موجاتٍ ، وفي ضواحي كوثی
لَحِقَتْ خيل المسلمين بقوات شهريار فاصطدمت بها ، وهنا خرج قائد
الجيش الفارسي شهريار- وكان متكبِّرًا - إلى ما بَيْن الصَّفْيْن وعليه درعه
وفي يده رمحه ومعتقِلًا سيفه ، فنادى : أَلَا فارسٌ منكم شديدٌ عظيمٌ يخرجِ
إلّي حتى أنكّل به ؟ فناداه القائد زهرة : لقد أردتُ أن أبارزك، فأما إِذْ
سمعتُ قولَك فإني لا أُخرج إليك إلّا عبدًا، فإنْ أقمتَ له قتلَك إن شاء الله
ببغيك ، وإن فررتَ منه فإنما فررتَ منْ عبدٍ . فغاظه زهرة بذلك ، ثم
أمر أبا نباتة بن جعشم الأعرجي ، وكان من شجعان بني تيم ، فخرج إليه
عليه دِرْعٌ، وبيده رمحٌ أيضًا، وكان كلاهما جسيمًا ( وثيق الخلق ) ،
ويبدو أنّ شهريار كان أجسم . يقول الرفيل :... إلا أن شهريار مثل
الجمل . فلما رأى نائِلًا ألقى الرمح ليعتنقه ، وألقى نائلٌ رمحَه ، وانتضيا
سَيْفَيْهِمَا فاجتلدا ، ثم اعتنقا - تصارعا - فخرًا عن فرسيهما ، ووقع شهريار
على ((نائل)) كأنه بيت، فضغطه بفخِذِه وأخذ الخنجر وأراغ (١) حَلّ أزرار
درعه ، فوقعتْ إبهامه في فّ نائل - فمه - فحطّم عظمها ، ورأى منه فُتُورًا
فتاوره - ثار به - فجلد به الأرض ، ثم قعد على صدره ، وأخذ خنجره ،
فكشف عن بطنه فطعن في بطنه وجنبه حتى مات ، فأخذ فرسه وسَلَبَه ،
وانكشف أصحابه فذهبوا في البلاد . وأقام زهرة بكوثى حتى قَدِمَ عليه سعدٌ
فأتى به سعدًا ، فقال سعد : عزمت عليك يا نائل بن جعشم لمَا لبستَ
سواريْه وقباءه ودرعه ، ولتركبنّ بِرْذَوْنه . وغنّمه ذلك كلّه ، فانطلق فتدرّع
سَلَبَه ، ثم أتاه في سلاحه على دابته ، فقال : اخلعْ سواريْك إلّا أن ترى
حربًا فلْتلبسهمَا . فكان أوَّلَ رجلٍ من المسلمين سُوِّر بالعراق(٢))). اهـ.
(١) أي : أراد .
(٢) سقوط المدائن - لأحمد عادل كمال صـ ١٧ - ١٩ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٤٦٩
في بلدة ((كوثى)) حيث جلس إبراهيم الخليل وحُبس .. انتصر أهل
مِلَّته على عبدة الأوثان والنيران ، وقتل أبو نباتة قائدهم شهريار ﴿ وتلك
الأيامُ نداولها بَيْنَ الناس﴾ الآية [ آل عمران: ١٤٠ ] .
التُّعْمان بن مُقَرِّن المُزني ، قائد فتح الفتوح :
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( إن للإِيمان بيوتًا وللنّفاق
بيوتًا ، وإن من بيوت الإِيمان بيت ابن مقرِّن)).
وكان لابن مقرن عشرة إخوة من الفرسان : سنان وسويد وعبد الله
وعبد الرحمن وعقيل ومعقل والنعمان ونعيم ومرضي وضرار ، كلهم صحب
الرسول عَ له، وليس ذلك لأحد من العرب غيرهم، نزلت فيهم الآية
الكريمة : ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ باللهِ واليوم الآخر ... ﴾ [ التوبة :
٩٩ ] الآية، وكانوا من جلَّة الصحابة.
قدم النعمان مع إخوته على رأس أربعمائة فارسٍ من مُزَيْنَة ، وشهدوا مع
الرسول عَ ظُلم غزوة الخندق ، وكان مع النعمان لواء مزينة في غزوة فتح مكة .
وكان له جهاده المُشَرِّف في حروب الرِّدة ، ولما أغار المرتدون على المدينة
عَبَّأْ الصديقُ النَّاسَ ، ثم خرج بهم في الثلث الأخير من الليل ، وعلى مَيْمنتِهِ
النعمان ، وعلى ميسرته أخوه عبد الله بن مقرن ، وعلى السَّاقة أخوه سويد بن
مقرن ، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين
هَمْسًا ولا حسًّا حتى وضعوا فيهم السيوفَ قبل شروق الشمس ، فلم تشرق
الشمس حتى انهزم المشركون ، فطاردهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ،
حيث وضع فيها حاميةً من المسلمين بقيادة النعمان ، وعاد إلى المدينة (١).
(١) تاريخ الطبري ٢ / ٤٧٨.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٠
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
ولما نَشَبَ القتال في القادسية أبلى فيها النعمان بلاء الأبطال .
ولما حَضَّ يزدجرد أهل فارس للدفاع عن بلادهم ، وأثمرت محاولاته
توحيد جهود الفرس وأهل الأهْواز في سبيل صدِّ عدوِّهم المشترك ؛ فأخبر
قادةُ المسلمين في الأهواز عمر بن الخطاب ، فكتب عمر إلى سعد :
(( ابعثْ إلى الأهواز جُندًا كثيفًا مع النعمان بن مقرن وعجِّلْ ، فلينزلوا
بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره ))(١).
وتحرك النعمان بأهل الكوفة إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل ،
فلما وصلها بادر إلى مهاجمةِ جيش الهرمزان في ((رام هُرمز)) ، فهزم
الفُرسَ ، وفتح المدينة، ولجأ الهرمزان إلى مدينة ((تُسْتَر))، فسار النعمان
بقوات الكوفة إليه، وسارت قوات البصرة إلى ((تستر )) أيضًا، وأمدَّهم
عمرُ بأبي موسى الأشعري ، وجعله على أهل البصرة ، وجعل أبا سبرة بن
أبي رَهْم قائدًا عامًّا على الجميع ، فاستولى عليها بعد حصارٍ دَامَ أكثر من
شهر . أما الهرمزان ، فالتجأ إلى قلعة المدينة وتحصَّن بها ، لكنه سلّم
نفسه للمسلمين ، على أن يقرر مصيرَه عمر بن الخطاب بنفسه .
وحاصر النعمان ((السوس)) حتى جاء أُمْرُ عمر بالحركة إلى ((نهاوند)).
في نهاوند :
وكان ما حدث للهرمزان حافزًا لأمراء الفرس أن يُؤَخِّدوا كلمتهم ،
فتكاتفوا وتجمعوا في ((نهاوند)) حتى بلغ عددهم مائة وخمسين ألفًا، اجتمعوا
بإمرة الفيرزان ، وقرر عمرُ أن يَسيرَ بنفسه لمعالجة هذا الخطر الداهم ، ولكن
أصحاب الشورى نصحوه بأن يبقى في المدينة ، ويرسل قائدًا يعتمد عليه ؛
(١) الكامل لابن الأثير ٢ / ٣١١ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٤٧١
ليفرق شمل القوات الفارسية ، فقال: ((واللهِ لأُوَلينَّ أمرهم رجلًا يكون
أول الأَسِنَّةِ إذا لقيها غدًا .. هو النعمان بن مقرن)). فقالوا: هو لها(١).
وكتب عمر إلى النعمان: (( بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله
عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن : سلامٌ عليك ، فإني أَحْمَدُ
إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أُمَّا بعد : فإنه قد بلغني أن جموعًا من
الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند ، فإذا أتاك كتابي هذا فَسِرْ
بأمر الله ، وبعون الله ، وبنصر الله ، بمن معك من المسلمين ، ولا توطئهم
وْرًا فتؤذيهم ، ولا تمنعهم حقّهم فتكفرهم ، ولا تدخلهم غَيْضَة(٢) ، فإن
رجلًا من المسلمين أحب إلَّي من مائة ألف دينار، والسلام عليك))(٣).
وهبَّ النعمان بجيشه للقاء العدو ، وأَرْسل أمامه طلائع من فرسانه ؛
لتكشف له الطريق ، فوجدوا أن العجم قد نثروا في الدروب المؤدية إلى
((نهاوند )) حَسَكَ الحديد ؛ ليعوقوا الفرسان والمشاة عن الوصول إليها.
وأخبر الفرسانُ النعمانَ بما رأوا ، وطلبوا منه أن يمدهم برأيه ، فأمرهم بأن
يقفوا في أماكنهم ، وأن يوقدوا النيران في الليل ليراهم العدو ، وعند ذلك
يتظاهرون بالخوف منه ؛ ليغروه باللحاق بهم ، وإزالة ما زرعه من حسك
الحديد ، وجازت الحيلة على الفرس ، فما إن رأوا طليعة جيش المسلمين
تمضي منهزمة أمامهم ، حتى أرسلوا عمالهم فكنسوا الطرق من الحسك ،
فكَّ عليهم المسلمون ، واحتلُّوا تلك الدروب .
وتحصَّن المشركون بحصونهم وخنادقهم ومدائنهم في مائة وخمسين
(١) ابن الأثير ٣ / ٣.
(٢) مغيض : ماء يجتمع فيه الشجر .
(٣) تاريخ الطبري ٣ / ٢٥٣، ٣/ ٢١٣.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٧٢
ألفًا، وأمامهم ثلاثون ألفًا من المسلمين .
وقال طليحةُ الأسدي للنعمان : أرى أن تبعث خيلًا مؤدية فيحدقوا
بهم ، ثم يرموهم لينشبوا القتال ويُحمّسوهم ، فإذا استحمشوا واختلطوا
بهم وأرادوا الخروج، أرزوا(١) إلينا استطرادًا(٢) ، فإنا لم نَسْتطردْ لهم في
طول ما قاتلناهم ، وإنا إذا فعلنا ذلك ، ورأوا ذلك منا ؛ طمعوا في هزيمتنا ،
ولم يشكوا فيها ، فخرجوا فجادَّونا ، وجاددناهم ؛ حتى يقضي الله فيهم
وفينا ما يحبّ .
وقالوا للنعمان: ((انتقل من منزلك هذا ، حتى يروا أنك هارب منهم
فيخرجوا في طلبك))(٣).
ولقي هذا الرأي القبول ، وفي حينها وكل النعمان تنفيذ دور الفرسان
إلى القعقاع بن عمرو ، وأنْشبَ القعقاعُ القتالَ ، وتحرّش بهم ، ورماهم
بعد احتجازٍ من العجم فأخرجهم ، فلما خرجوا واقتتلوا ، جعل يتراجع
ويتراجع ويتراجع ، وكأنه انهزام .... ورمى المجوسُ المسلمين بالنبل ،
والمسلمون يستترون بالحجف ، لا يتحركون ، حتى أكثروا فيهم الجراح ،
وشكا بعضهم إلى بعض من ذلك، ثم قالوا للنعمان: (( ألا ترى ما نحن
فيه ؟! ألا ترى ما لقي الناس ، فما تنتظر بهم ؟! ائذن للناس في قتالهم)) ...
فيجيبهم النعمان تلميذ سعد: ((رويدًا رويدًا)) وأعادوا عليه القول وهو
يجيبهم: ((رويدًا رويدًا)).
قال المغيرة بن شعبة - وقد رأى كثرة جيوش العجم وما تفعل - :
(١) أي : لجئوا .
(٢) مبارزة على الخيل بالكرِّ والفرِّ .
(٣) الطبري ٤ / ١١٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٤٧٣
(( لم أر كاليوم فشلًا، إن عدونا يُتركون يتأهبون ولا يُعجلون !! أما والله
لو أن هذا الأمر إلَّي ، لكنت قد أعجلتهم وعلمت ما أصنع ، ولو كنت
بمنزلتك باكرتهم القتال )).
قال النعمان: ((رويدًا ترى أمرك ، وقد كنت تلي الأمر فتحسن ،
فلا يخذلنا الله ولا إياك ، ونحن نرجو في المكث مثل الذي ترجو في
الحثِّ ، ربما باكرت القتال ثم لم يسوّد الله وجهك ، فالله عز وجل يشهدك
أمثالها ، فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك، إنه والله ما منعني من أن أُنَاجِزَهُمْ
إلا شيءٌ شهدته من رسول الله عَّ له؛ إن رسول الله عَ لّه كان إذا غزا
فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاةُ ، وتهب الأرواحُ ،
ويطيب القتالُ، فما منعني إلا ذلك))(١).
نعم إنه المغيرة القائل لبندار قائد جيوش الفرس في نهاوند: (( فوالله
ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح والنصر حتى أتيناكم ، وإنَّا
والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نُقتل
بأرضكم)). يقول المغيرة: ((فقمت، وقد والله أَرْعَبْتُ العِلْج جهدي)) ...
وإنه النعمان تلميذ سعد يفعل فعل سعد يوم أرماث ، ويوم أغواث ، ويوم
عمواس بالقادسية .
الله دَرُّكَ وصبرك يا نعمان ! جيوش الفرس تأتي - كما يقول
جُبير -: (( لم أر والله مثل ذلك اليوم ، إتهم ليجيئون كأنهم جبال حديد ،
قد تواثقوا أن لا يفروا من العرب ، وقد قرن بعضهم بعضًا ، كل سبعة في قران ،
وألقوا حسك الحديد، وقالوا: مَنْ فَّ منا عقره حسك الحديد ))(٢).
الطبري ٤ / ١١٥ .
(١)
الطبري ٤ / ١١٩ .
(٢)
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٤
صلاح الأمة في غلوَ الهمة - المجلد الثالث
ووقف النعمان وقال لجيشه :
((قد علمتم ما أعزَّكم الله به من هذا الدين ، وما وعدكم من
الظهور ، وقد أنجز لكم هوادي ما وعدكم وصدوره ، وإنما بقيت أعجازه
وأكارعه، واللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ، ومتبع آخر ذلك أوله ، واذكروا ما مضى
إذ كنتم أذلة ، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزّة ، فأنتم اليوم عباد الله
حقًّا وأولياؤه . وقد علمتم انقطاعكم عن إخوانكم من أهل الكوفة ، والذي
لهم في ظفركم وعزكم ، والذي عليهم في هزيمتكم وذُلّكم . وقد ترون
ما أنتم بإزائه من عدوكم وما أخطرتم وما أخطروا لكم ؛ فأمّا ما أخطروا
لكم فهذه الرثة وما ترون من هذا السَّواد ، وأمَّا ما أخطرتم لهم فدينكم
وبيضتكم ، ولا سواء ما أخطرتم وما أخطروا ، فلا يكونُنَّ على دنياهم
أحمى منكم على دينكم . واتقى اللهَ عبدٌ صَدَقَ اللهَ، وأبلى نفسه فأحسن
البلاء ، فإنكم بين خَيْرَينِ ، منتظرين إحدى الحُسْنَينِ ، من بين شهيدٍ حِّ
مرزوقٍ ، أو فتح قريب ، وظفْرٍ يسيرٍ ، فكفى كل رجل ما يليه ، ولم يَكِل
قرنه إلى أخيه ، فيجتمع عليه قرنه وقرن نفسه ، وذلك من الملاءمة ، وقد
يقاتل الكلب عن صاحبه ، فكل رجل منكم مُسَلَّطٌ على ما يليه . فإذا
قضيت أمري فاستعدوا فإني مكبّرٌ ثلاثًا ، فإذا كَبَّرتُ التكبيرة الأولى؛ فشدَّ
رجلٌ شسعه ، وأصلح من شأنه ، وليتهيأُ مَنْ لم يكن تهيّأ . فإذا كبرت
الثانية؛ فشدَّ رجلٌ إزاره، وليشدَّ عليه سلاحه ، وليتأهب للنهوض ، ويتهيأ
لوجه حملته . فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معًا . اللهم
إني أسألك أن تُقِّ عيني اليوم بفتحٍ يكون فيه عزّ الإِسلام، وذُلِّ يُذَلُّ به
الكفار ، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة ، واجعل النعمان أول
شهيد اليوم على إعزاز دينك، ونصر عبادك. أمّنوا يرحمكم الله)) (١).
(١) تاريخ الطبري ٤ / ١١٩.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٧٥
فأمّن المسلمون وبكوا .
وحمل النعمان مع التكبيرة الثالثة ، وهو يحمل الراية وقد رآها
المسلمون تنقضّ نحو الأعاجم انقضاض العقاب ، وكان النعمان مميّزًا بقباء
أبيض ، وقلنسوة بيضاء ... يقول جبير: ((فوالله ما علمت من المسلمين
أحدًا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يُقتل أو يظفر ، فحملنا حملة واحدة
وثبتوا لنا ، فما كنا نسمع إلا وقع الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون
بمصائب عظيمة ، فلما رأوا صَبْرَنَا وأنّا لا نبرح العرصة انهزموا ، فجعل
يقع الواحدُ فيقع عليه سبعةٌ ، بعضهم على بعض في قياد فُيُقتلون جميعًا ،
وجعلوا يعقرهم حَسَكُ الحديد الذي وضعوه خلفهم)).
واقتتلوا بالسيوف قتالًا شديدًا، يصفه الرواة بقولهم: ((لم يسمع
السامعون بوقعة قط كانت أشدّ منها )) واستمرّ القتال من انتصاف النهار
حتى هبوط الظلام ، وكثر قتلى الفرس حتى طبق أرض المعركة دمًا يزلق
فيه الناس والدواب ، فانزلق فيه من خيول المسلمين وأصيب فرسانهم ،
وزلق فرس النعمان فلقي النعمان مصرعه . وفي رواية ابن إسحاق وجبير :
أنه رُمي بنشابة فأصابت خاصرته فقتلته ، وكان أخوه نعيم بن مقرن قريبًا
منه ، وأسرع نعيم - وفي رواية جبير : معقل بن مقرن - وسجّى النعمان
بثوب ، ثم أتى حُذيفة بن اليمان في مَيْمَنَتِهِ فدفع إليه الراية باعتباره خليفة
النعمان . وكتموا مصاب النعمان عن الجيش لكيلا يهن الناس .
واستمرّ القتالُ حتى إذا أظلم الليل ، انكشف العجم وتراجعوا ،
والمسلمون ملتحمون بهم ملتبسون فيهم لا يرفهون عنهم ، فاختلط عليهم
طريق التراجع وعمي عليهم قصدهم فخرجوا عنه ، واتجهوا نحو اللَّهب(١).
(١) جرف من خندقٍ أَوْ وادٍ عميق .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٤٧٦
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
الذي كانوا دونه ((بأسبيذهان)) فوقعوا فيه ، فكان لا يهوي منهم أحدٌ إلا صرخ
بالفارسية : ((وايَهْ خُخْد)) ، وبذلك سُمِّي المكان ، فمات فيه منهم مائة
ألفٍ أو يزيدون ، وفي رواية : أنه قُتل في اللَّهب ثمانون ألفًا ، وفي المعركة
ثلاثون ألفًا، مقترنون في السَّلاسل سوى من قُتِل في المطاردة(١).
واجتمع المسلمون بعد المعركة فتساءلوا: ((أين أميرنا؟ ))، قال
معقل بن مقرن المزني: ((هذا أميركم ، قد أقّ اللهُ عينه بالفتح ، وختم
له بالشهادة)).
وفي رواية عن معقل بن يَسَار قال: ((فأتيت النعمان وبه رَمَقٌ ،
فغسلت وجهه من إِدَاوَةِ ماءٍ كانت معي . فقال : من أنت ؟ قلت : معقل ،
قال : ما صنع المسلمون ؟ قلت : أبشر بفتح الله ونصره . قال : الحمد لله ،
اكتبوا إلى عمر . ولم يفلت إلا الشريد ، فكان منهم فيرزان ، ولما أُتي عمر
بغنائم ((نهاوند))، فقال: ما وراءك يا سائب؟ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين ،
فتح الله عليك بأعظم الفتح ، واستشهِد النعمان بن مقرن رحمه الله ،
فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم بكى ، فنشج حتى لأنظر إلى
فروع منكبيه من فوق كتده ... ونشج كأنما أصيب بأعزِّ إنسانٍ لديه ...
وكاد الحزن على النعمان يُنْسِي عمر فرحة الفتح بهذا النصر الكبير الذي
سُِي في التاريخ بفتح الفتوح . فقال : ومن ويحك ؟! فقال : فلان وفلان ،
حتى عددت له ناسًا كثيرًا ، يقول السائب : فلمَّا رأيت ما لقي ، قلت : والله
يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده من رجلٍ يُعرف وجهه ، فقال عمر وهو يبكي :
المستضعفون من المسلمين [ لا يضرّهم ألا يعرفهم عمر ] لكن الذي
أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم ، وما يصنعون بمعرفة عمر بن
(١) تاريخ الطبري ٤ / ١٣٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٧٧
أم عمر (١)؟
الجرّاحُ بن عبد الله الحكمي ، مقدم الجيوش ، وفارس الكتائب :
((أبو عقبة: وَلِي خُرَاسَانَ وسِجِسْتَانَ لعمر بن عبد العزيز ، وكان
بطلًا شجاعًا، مهيبًا طُولًا، عابدًا قارئًا، كبير القدر .
قال الوليد بن مسلم : كان إذا مَّ في جامع دمشق ، يُميل رأسه عن
القناديل من طوله . وكان رحمه الله على خراسان كلها ؛ حربها وصلاتها
ومالها .
قال ابن جابر : وفي سنة اثنتي عشرة ومائة غزا الجراح بلاد الترك
ورجع فأدركته الترك ، فقُتل هو وأصحابه .
وقال سُليم بن عامر : دخلتُ على الجرّاح ، فرفع يديه ، فرفع الأمراء
أيديهم ، فمكث طويلًا ، ثم قال لي : يا أبا يحيى ، هل تدري ما كنا فيه ؟
قلت : لا ، وجدتُّكم في رغبة ، فرفعت يدي معكم ، قال : سألنا الله
الشهادة . فوالله ما بقي منهم أحد في تلك الغزاة إلا استشهد .
قال خليفة : زحف الجراح من بَرْذعة(٢) سنة اثنتي عشرة إلى ابن خاقان ،
فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل الجراح في رمضان(٣).
قال الواقدي : كان البلاء بمقتل الجرّاح على المسلمين عظيمًا، بَكَوْا
عليه في كلٍّ جندٍ))(٤).
(١) الكامل لابن الأثير ٣ / ٦، والخراج صـ ٤١ .
(٢) قصبة أذربيجان .
(٣) تاريخ خليفة صـ ٣٤٢ .
(٤) سير أعلام النبلاء ٥ / ١٨٩ - ١٩٠ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com
:

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث
٤٧٨
الأَميرُ الكبيرُ ، رأس الشجعان والأبطال ، أبو محمد عبد الله البطّال :
كان شاليش (١) الأمير مسلمة بن عبد الملك ، وكان مقرّه بأنطاكية ،
أوطأ الروم خوفًا وذلًّا .
ولما عقد عبد الملك بن مروان لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم ،
وَلَّى على رؤساء أهل الجزيرة والشَّام البطال ، وقال لابنه: سيّره على طلائعك،
وآمرْه فليعس(٢) ، فإنه أمين ، أمير ثقة مقدم شجاع ، فقدّم مسلمةُ البطالَ
على عشرة آلافٍ ، يكونون بين يديه ؛ ترسًا من الرُّوم أن يصلوا إلى جيش
المسلمين .
قال أبو مروان - شيخٌ من أهل أنطاكية - قال : كنت أغازي مع
البطال ، وقد أوطأ الروم ذلًّا . قال البطال : فسألني بعض ولاة بني أمية
عن أعجب ما كان من أمري في مغازيّ فيهم . فقلت له : خرجت في سريَّةٍ
ليلًا ، فدفعنا إلى قرية ، فقلت لأصحابي : ارخوا لجم خيلكم ، ولا تحركوا
أحدًا بقتلٍ ، ولا بشيءٍ حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها ، ففعلوا
وافترقوا في أزقتها ، فدفعت في أناس من أصحابي إلى بيتٍ يزهر سِرَاجُهُ ،
وإذا امرأة تُسَكّت ابنها من بكائه ، وهي تقول له : لتسكتن أوْ لأدفعنك
إلى البطال يذهب بك ، وانتشلته من سريره ، وقالت : خذه يا بطّال ، قال :
فأخذته(٣).
إن النساء في عصرنا ، وفي كل عصرٍ يسكتن أطفالهن بالشيء المرعب ،
أو عفاريت الجن ... فلك الله يا بطال ، من جنٍّ أنت أم إنس ؟! طارت
(١) مقدم الجيش .
(٢) يطوف بالليل .
(٣) سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٦٨، ٢٦٩، والبداية والنهاية ٩ / ٣٤٥.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في غلوّ الهمة - المجلد الثالث
٤٧٩
بذكرك الرّكبان، وتُسَكِّت باسمك نساءُ العدوِّ فزعًا الصبيان .
عن أبي مروان الأنطاكي عن البطّل قال : انفردت مرةً ليس معي
أحدٌ من الجند ، وقد صمدت خلفي مِخْلَاةً فيها شعيرٌ ، ومعي منديلٌ فيه
خبرٌ وشواءٌ ، فَبَيْنَا أنا أسير لعلّ ألقى أحدًا منفردًا ، أو أطّلع على خبرٍ ،
إذا أنا بِبُسْتَانٍ فيه بُقُولٌ حسنة ، فنزلت وأكلت من ذلك البَقْلِ بالخبز
والشواء مع البَقْل ، فأخذني إِسْهَالٌ عظيم قمت منه مرارًا، فَخِفْتُ أن
أضعف من كثرة الإِسهال ، فركبت فرسي والإِسْهَالُ مستمرّ على حاله ،
وجعلت أخشى إنْ أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب ، وأفرط
بي الإسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف ، فأخذت بعنان
الفرس ونمت على وجهي ، لا أدري أين يسير الفرس بي ، فلم أشعر
إلا بِقَرْع نعاله على بلاطٍ فأرفع رأسي ، فإذا دَيْرٌ ، وإذا قد خرج منه نِسْوَةٌ
بصحبةِ امرأةٍ حسناء جميلة جدا ، فجعلتْ تقول - بلسانها - : أنزلنه .
فَأَنْزَلْنَنِي ، فَغَسَلْنَ عَنِّي ثيابي وسَرْجِي وَفَرَسي ، ووضعني على سريرٍ ،
وعملن لي طعامًا وشرابًا، فمكثْتُ يومًا وليلة مسْتويًا، ثم أقمت بقية ثلاثة
أيام حتى ترد إلَّي حالي ، فبينا أنا كذلك ، إذ أقبل البطريق(١)، وهو يريد
أن يتزوجها ، فأمرت بفرسي ، فحوّل وعلّق على الباب الذي أنا فيه ، وإذا
هو بطريق كبير فيهم ، وهو إنما جاء لِخطْيَتِهَا ، فأخبره من كان هناك بأن
هذا البيت فيه رجلٌ ، وله فرس ، فهمَّ بالهجوم علَّ، فمنعَتْهُ المرأة من
ذلك ، وأرسلتْ تقولُ له : إنْ فُتِحَ عليه الباب لم أَقْضِ حاجته ، فثناه ذلك
عن الهجوم علّ ، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم ، ثم ركب
فرسه ، وركب معه أصحابه وانطلق ، قال البطال : فنهضتُ في أثرهم ،
(١) البطريق في لغة الروم: الأمير الكبير في الجيش .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٤٨٠
فهمّتْ أن تمنعني خوفًا علّي منهم ، فلم أقبلْ ، وسُقْتُ حتى لحقتهم ،
فحملتُ عليه ، فانفرج عنه أصحابُه ، وأَرادَ الفرارَ، فألحقُهُ فأضرب عنقه ،
واسْتلبْتُهُ، وأخذت رأسه مسمطًا على فرسي ورجعت إلى الدَّيْر، فخرجْنَ
إلّ ووقفن بين يديّ ، فقلت : ارْكَبْنَ ، فركبنَ ما هنالك من الدَّوابِّ ،
وسُقت بهنَّ حتى أتيتُ أمير الجيش فدفعتهن إليه ، فنفلني ما شئتُ منهنَّ ،
فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها فهي أُّ أولادي ، وكان أبوها بطريقًا
كبيرًا فيهم - يعني : تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها
ويُهَادِیهِ .
وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولَّاهُ المصِيصَة بعث البطَّلُ سريةً
إلى أرض الروم ، فغاب عنه خبرُها ، فلم يَدْرِ ما صنعوا ، فركب بنفسه
وحده على فرس له ، وسار حتى وصل ((عَمُّورِيَّة)) فطرق بَابَهَا ليلًا ، فقال
له البواب : مَنْ هذا؟ قال البطال : فقلت : أنا سيّاف الملك ورسوله إلى
البطريق ، فأخذ لي طريقًا إليه ، فلمَّا دخلت عليه إذا هو جالسٌ على سرير ،
فجلستُ معه على السرير إلى جانبه ، ثم قلت له : إني قد جئتك في رسالة
فُمُرْ هؤلاء فلينصرفوا ، فأمرِ مَنْ عنده فذهبوا ، قال : ثم قام فأغلق باب
الكنيسة علي وعليه ، ثم جاء فجلس مكانه ، فاخترطت سيفي ، وضربت
به رأسه صَفْحًا ، وقلت له : أنا البطال ، فاصْدُقْني عن السريّة التي أرسلتها
إلى بلادك وإلا ضربتُ عنقك الساعة ، فأَخْبِرْني ما خبرها ؟ فقال: هُمْ
في بلادي ينتهبون ما تهيَّْ لهم وهذا كتابٌ قد جاءني يُخْبِرُ أنهم في وادي
كذا وكذا ، والله لقد صدقتك . فقلت : هات الأمان. فأَعْطاني الأمان ،
فقلت : ائتني بطعام ، فأمر أصحابه فجاءوا بطعامٍ فُوُضِعَ لي ، فأكلتُ
فقمتُ لأنصرف ، فقال لأصحابه : اخرجوا بين يدي رسول الملك ،
فانطلقوا يتعادون بين يدي ، وانطلقت إلى ذلك الوادي الذي ذكر ، فإذا
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com