النص المفهرس
صفحات 421-440
تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث ٤٢١ وأُتَّى صلاحُ الدينِ صوبَ شِمالٍ وعن اليمينِ أبو عبيدةً قد أتی اللهِ بعدَ تسابقٍ لقتالِ يَسعُى إليهمْ قد شَرَوْا أرواحَهُمْ فَهُم الأعزَّةُ في كتابٍ خالٍ ما بعدَ قوْلِ اللهِ مِنْ أقوالٍ جوائِزِ مِنْ عُمَرَ لِأُسْدِ القادسية : عُمر ... وما أدراك ما عمر ! انظر إلى شهادة الكفار في حقِّه: يقول رستم : ((أُكَلَ عمرُ كبدي ، أحرق الله كبده . وإنما هو عمر الذي يُكَلِّم الكلاب فيعلمهم العقل ، علّم هؤلاء حتى علمُوا))(١). أرسل عمر مع رسولٍ خاصٍّ ثماني جوائز، مكافأةً لمن يرى القائدُ سعد أنهم قد أبلوْا في الجهاد أحسنَ مِن غيرهم ، وهذه الجوائز هي أربعة سيوفٍ مِن أجودِ السيوف ، وأربعة أفراسٍ عربية أصيلة ، فسلّمها سعد إلى أحسن الناس غناءً عن الإِسلام في القتال . وهؤلاء الثمانية ثلاثة منهم من بني أسد ، وخمسة من بني تميم . أمّا الأسْدِيُّون الثلاثة فهم: طليحة بن خويلد الأسدي ، وحمَّال بن مالك الوالبي الأسدي ، والربيل بن عمرو بن ربيعة الوالبي الأسْدي . وأما الخمسةُ الذين هم من بني تميم فهم : القعقاع بن عمرو ، وأخوه عاصم بن عمرو ، ونعيم بن عمرو بن عّاب ، وعتّاب بن نعيم بن عتّاب ، وعمرو بن شبيب بن زنباع . فدعا سعدُ حمالَ والربيل وطليحة وعاصم فأعطاهم الأسياف؛ لِمَا تفوّقوا به على غيرهم في القتال يوم أرماث ، ودعا القعقاع بن عمرو اليربوعيين (١) تاريخ الطبري ٣ / ٥٣٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٢٢ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث نعيم وعتّاب وعمرو بن شبيب ، فحملهم على الخيل لبسالتهم يوم أغواث . فأصاب ثلاثةٌ من بني أسد ثلاثةَ أرباع الأسياف ، وأصاب ثلاثةٌ من بني يربوع ثلاثة أرباع الأفراس . وفي ذلك قال الربيل بن عمرو : إذا حصلوا بالمرهَفَاتِ البَواتِ لقد عِلِمِ الأقوامُ أَنّا أحقُّهُم يذودون رهوًّا عن جموع العشائِرِ وما فتئَتْ خيلي عشيةً أرمثُوا وقد أفلحتْ أخرى الليالي الغوابرِ لدُنْ غدوةٍ حتَّى أتى الليلُ دونَهُمْ وقال القعقاع في شأنِ الخيل : عشيةَ أغواثٍ بجنبِ القوادِسِ لم تعرفِ الخيلُ العرابُ سَواءَنا على القومِ ألوانُ الطيورِ الرسارِسِ (١) عشيةَ رُحْنَا بِالرِّماحِ كأنَّهَا طليحة بن مُويْلد بن نوفل الأسدي ، البطل الكرّار صاحب رسول الله عٌَّ ومَن يُضرب بشجاعته المثل : ((أسلم ثم ارتدّ وظلم نفسه ، وتنبّأ بنجد ، ثم ارعوى ، وأسلم وحسن إسلامه لما تُوفي الصديق . شهد القادسية ونهاوند ، وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقّاص : أن شاوِرْ طليحةَ في أَمْر الحرب ولا تُولِّهِ شيئًا . قال محمد بن سعد : كان طليحة يُعدّ بألفِ فارسٍ لشجاعته وشدَّته . أبلى يوم نهاوند ثم استشهِد رضي الله عنه ))(٢). ((في يوم أرماث أول أيام معركة القادسية ألقتْ فارس بثقلها على (١) القادسية لأحمد عادل كمال صـ ١٥٨ طبع دار النفائس، و((القادسية)) لبشاميل صـ ٦٣٤، ٦٣٥ . والرسارس أي : النشيطة . (٢) سير أعلام النبلاء ١ / ٣١٦ - ٣١٧. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٢٣ ((بجيلة)) أقوى جانب في مَصافّ المسلمين ، وكان قِوام الهجوم الفارسي اثنين وخمسين ألفٍ مقاتلٍ تساندهم تسعة أفيالٍ ، وألقى الفُرْسُ حَسَكَ الحديد تحت سنابك خيل بجيلة لتتعطل عن الحركة ، وقصفوهم بوابل من نشاباتهم، وأدرك سعدٌ ما تعانيه بجيلة وكندة فأصدر أمره إلى أقوى وأشجع قبيلة تقع على ميمنة بجيلة ، وهي قبيلة بني أسد : ذُبُّوا عن بجيلة ومَنْ لاَفّها مِن الناس . فاستجابت أسد لأمر سعد ، وقام فيها فارسها المعلم - الذي يُعدُّ بألف فارسٍ - طليحة خطيبًا وقال: يا عشيرتاه ، إنّ المُنوّه باسمه الموثوق به ، وأن هذا - يعني سعدًا - لو علم أن أحدًا أحقُّ بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم .. ابتدئوا الشّدّة ، وأقدِموا عليهم إقدام اللّيوث الحربة .. فإنما سُمّيتم أسدًا لتفعلوا فعلة الأسد، شدّوا ولا تصدّوا (١)، وكُّوا ولا تفرّوا ، لله درُّ ربيعة! أيّ فريّ يفرون، وأيّ قرنٍ يفنون ! هل يُوصل إلى مواقفهم ؟! فأغْنوا عن مواقفكم أعانكم الله، شدُّوا عليهم باسم الله))(٢). قال المعرور بن سويد - وكان ممّن شهد القادسية - : شدَّ بنو أسد على الفُرس ، واللهِ فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حبسنا الفيلة عنهم فأخرت ، وخرج إلى طليحةَ عظيمٌ منهم فبارز ، فما لبّته طليحة حتى قتله. وخرج الجالينوس فاعترضه طليحة وجهًا لوجهٍ ، وضربه ضربةً على رأسه ، ولكنّ مْفَره كان سميكًا فشقه السيف ولم ينفذ إلى رأسه ، فنجا من القتل ، فقال طليحة شعرًا : أنا ضربتُ الجالينوسَ ضَرْبِهْ حينَ جيادُ الخيلِ وسْطَ الكُبّةْ وكان يوم أرماث هو يوم بني أسد بحقٍّ ؛ لأنهم لم يَبَلُ في ذلك (١) أي : لا تقفوا مدافعين . (٢) القادسية ومعارك العراق صـ ٦١٨ - ٦١٩ لمحمد أحمد بشاميل، وتاريخ الطبري ٥٣٨، ٥٣٩ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٢٤ اليوم أحدٌ مثل بلائهم .. بقيادة طُليحة بن خُويلد فارسِها الذي يعدِل ألفَ فارسٍ ، وأظهروا بطولاتٍ كانت مثارَ إعجابِ كلّ المسلمين ... يقول الأشعث بن قيس الكندي - لما قام خطيبًا في قومه ( كندة ) - : يا معشرَ كندةَ ، للهِ دَرّ بني أسد ، أَّ فريّ يُفرون، وأيّ هذّ يهذّون عن موقفهم ؟! وفي يوم ((عماس )) من أيام القادسية : غامر طليحة - وكان مقدامًا لا يَهاب الموتَ ، ويعدل ألفَ فارس - وعيَر بمفردِهِ نحو الفرس فجاءهم من وراء العتيق ، حيث الجسر المردوم ، حتى صار خلف صفوفهم ، ومِن هناك كبّر ثلاثَ تكبيراتٍ ارتاع لها الفرس ، فظنُّوا أن جيش الإِسلام جاءهم من ورائهم . وتعجّب المسلمون وكفّ بعضُهُم عن بعض ... فلله دُّ رجلٍ يُرْعِب تكبيرُه الفُرسَ ... يخاطب طليحةُ الفُرس بعدهم قائلًا : لا تُعدموا أمرًا يضعضعكم . قال طليحة : أنّ اهتديتُ بِسَبْسَبٍ سَهْبِ طرقَتْ سُلَيْمَى أَرْحُلِ الرَّكْبِ بالغارةِ الشّعواءِ والحرْبِ أنّي كَلَفْتُ سلامَ بُعدكمٍ نازلتُهم بمهنّدٍ عضْبٍ لو كنتِ يومَ القادسيةِ إذْ وإقامتي للظَّعْنِ والضَّرْبِ أَبْصِرْتِ شَدّاتي ومُنْصر في وانظرْ - يربك - ما فعل هذا المغوار الذي يعدلُ جيشًا بأسْرِهِ قبل معركة القادسية : (( بعث سعدٌ طليحةً بن خويلد وعمرو بن مَعْدي کَرِب الزبيدي في غير قوةٍ من خيْلٍ ، كالطليعة في ((دَوْرِيَّةٍ )) استكشافيةٍ، فكان طليحةُ وحده مكلّفًا بعسْكرِ رُسْتم ، وكان عمرٌو في خمسةٍ من أصحابه مكلّفًا بعسكر تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في غِلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٢٥ جالينوس ، وأمرهم أن يصيبوا له رجلًا منهم ليستخبره . فلمّا تجاوز طليحةً وعمّرٌو قنطرةَ القادسية لمْ يسيروا إلا فْسَخًا وبعض فرسخٍ - حوالي سبعة كيلو متراتٍ - حتى رأوا خيلًا عظيمةً ، وقواتُ المجوس تتحرك بسلاحها قد ملئوا الطّفوف(١). قال بعضهم : ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم ، وهو يرى أنّ القوم بالنّجف، فأخْبُرُوه بالخبر . وقال بعضُهم : ارجعوا ، لا ينذر(٢) بكم عدوكم . فقال عمرو : صدقتم . وقال طليحة : كذبتم ، ما بعثتم لتخبروا عن السّرِح ، وما بعثتم إلا للخبر . قالوا : فما تريد ؟ قال : أريد أن أخاطر القومَ أَوْ أَهْلكَ . فقالوا : أنت رجلٌ في نفسك غدرٌ ، ولن تفلح بعد قتْل عكّاشةَ بن محْصَن ؛ فارجع بنا . فأبى ، ثم فارقهم يريد معسْكَرَ رُستم في مغامرةٍ خطيرةٍ(٣). ((ومنذ فارق طليحة عمرًا وهو يعمل للدخول إلى قلْب معسكر رستم بمفرده ، مع العلم أنَّ معكسر رستم يضمُّ ثمانينَ ألفِ مقاتلٍ ، ومثلهم من الخدم والحرس الخاصّ ، ولكنها شجاعة وجرأةُ بطل الأبطال طليحة ، فقد مضى يعارض المياه المنبثقة من الأنهار حتى دخل عسكر رستم ، دخله في ليلةٍ مقمرةٍ ، وبات ليلةً يتخبّر ، وكان يحبُّ الخيل كعاشقٍ للفروسية فرأى فرسًا لم يَرَ مثلها في خيل رستم ، ورأى فُسطاطًا أبيض لم يَرَ مثله، فامتشق حسامَه . فقطع بهِ مِقْوَد ذلك الفرس ثُمَّ ربطه إلى مِقْوَد فرسه ، ثم مشى بفرسهِ وخرج يعدو به ، وأحسَّ الفرسُ بما حدث فتنادَوْا ، وركبوا الصّعبة والذّلولَ، وتعجّل بعضهم فلم يسرجْ فرسَه ، وخرجوا يجدّون في أثره . ولحِقه فارسٌ منهم مع الصباح ، فلما أدركه وصوّب إليه رُمْحَه (١) ما أشرف على الأرض على ريف العراق . (٢) نذر به : عِلِمَه فحذِره واستعدّ له . (٣) تاريخ الطبري ٣ / ٥١٢ - ٥١٣ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٢٦ صلاح الأمة في عَلَوَ الهمة - المجلد الثالث ليطعنه عَدَل طليحة فرسَه ومال به عن تصويب الفارسي ، فانصبّ الفارسي بين يديْه وصار أمامه ، فكرّ عليه طليحة وطعنَه برمحه فقصمَ ظهره ، وانطلق يعدو بفرسه ، فلحق به أعجمّي آخرُ ففعل به مثلَ ما فعل بالأول وانطلق يعدو ، فلحق به ثالثٌ وقد رأى مصرعَ صاحبيه ، وهما ابنا عمِّه فازداد حنَقًا ، فلما لَحِقَ بطليحةً وبوّأْ له الرمحَ ليطعنه عدَل طليحةٌ فرسَه فانصب المجوسي أمامَه ، وكرّ عليه طليحةُ وقد شرع رمحه ودعاه إلى الأسر ، وأدرك المجوسي أنه مقتولٌ فاستسلم ، وكانا قد اقتربا من معسكر المسلمين ، فأمره طليحة أن يركُض بيْن يديْه ، وهو يسُوقه من خلفه برمحه ، وهو على فرسه فامتثل للأمر . وأقبل جمعٌ آخر من العجم يجدّون في آثارهما فرأَوْا فارسَيْهم وقد قُتِلا ، وشاهدوا الثالث يركض مُسْتَسْلمًا أمام طليحة ، وقد أوشكا على دخول معسكر المسلمين فأحجموا ونكَصُوا ، ثم عادوا من حيث أتوا . وجاء طليحة على فرسه يسحب وراءَه الفرس التي غنِم ، وأسيره يعدو بين يديْه ، ودخل عسكر المسلمين ففزعوا منه ، ثم أجازوه حين عرفوه ، فدخل على سعدٍ . قال له سعد : ويحك ، ما وراءك ؟ قال طليحةُ : دخلتُ عساكرهم وجُسْتُها منذ الليلة ، وقد أخذتُ أفضلهم توسُّمًا ، وما أدري : أصبتُ أم أخطأتُ ، وها هو ذا فاسْتخبره . لم أرَ ولم أسمعْ بمثل هذا : ((استدعى سعد المترجم ليقوم بالترجمة بين الاثنين ، فقال الأسيرُ الفارسي: أتؤمّنني على دمي إن صدَقتك ؟ قال سعد : نعم ، الصدق في الحرب أحبُّ إلينا من الكذب . قال الأسير الفارسي : أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمّن قِبَلي .. باشرتُ الحروبَ وغشيتُها ، وسمعت بالأبطال ولقيتُها منذ أنا غلامٌ إلى أن بلغتُ ما ترى ، ولم أرَ ولم أسمع بمثل هذا أنّ رجلًا قطع عسكريْن ، لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عَسْكَرٍ فيه سبعون ألفًا ، يخدم الرجل تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٢٧ منهم الخمسة والعشرة ، إلى ما هو دون ، فلم يرضَ أن يخرج كما دخل حتى سَلَب فارس الجُند ، وهتك أطنابَ بيته ، فأنذره فأنذرنا به ، فطلبناه فأدركه الأول وهو فارسُ الناس ، يعدل ألف فارسٍ فقتله ، فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله ، ثم أدركته ولا أظنُّ أنني خلّفتُ بعدي من يعدِلني ، وأنا الثائر بالقتيلَيْن وهما أبناءُ عمَيّ ، فرأيتُ الموت فاستأسرتُ. ثم أخبر سعدًا عن أهل فارسٍ بأن الجند عشرون ومائة ألفٍ ، وأن الأتباع مثلُهم خُدّامٌ لهم ؛ ورغب الأعجمي في الإِسلام فأسلم بمحض إرادته ، فسمّاه سعدٌ مسلمًا ، فكان يوم القادسية وغيرها من أهل البلاء ، فقد استفاد منه المسلمون لخبرته بأرضٍ فارس؛ ولأنه فارسِّ يعدِل بألف)) (١). مِن فرسان العرب في الإِسلام : علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقّاص ، والزبير ، وطلحة ، ورجال الأنصار ، وعبد الله بن خازم السُّلمي ، وعمرو بن معد يكرب ، وعباد بن الحُصَين ، وعُمير بن الحُباب . وقالوا : ما استحيا شجاع قطُّ أن يفرّ من عبد الله بن خازم . وقالوا : ذهبَ حاتم بالسخاء ، والأحنف بالحلم ، وخُزَيْم بالنعمة ، وعُمَيْر بن الحباب بالشّدَّة . فارسُ اليمن أبو ثور ، عمرو بن مَعْديكرب : أبو ثور .. ومَن مثل أبي ثور !! بعث عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرّن - وهو على الصائفة - (١) القادسية لبشاميل صـ ٥٦٢ - ٥٦٣، والقادسية لأحمد عادل كمال صـ ٩٥ - ٩٧ ٠ تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٢٨ أن استعنْ في حربك بعمرو بن معديكرب ، وطُليحة الأسْدي ، ولا تولّهما مِن الأمر شيئًا . وبعث عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن معديكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصَّمصامة فبعث إليه ، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه ، فكتب إليه في ذلك ، فردّ عليه : إنما بعثتُ إلى أمير المؤمنين بالسيف ، ولم أبعث إليه بالساعد الذي يضرب به(١). وفي سيف عمرو ( الصَّمصامة ) قال الشاعر ابن يامين : سيفُ عمٍو وكانَ فيما سمِعنَا خيرُ ما أُغمدتْ عليهِ الجفُونُ مِن فرِئْدٍ تمتدُّ فِيهِ العيونُ ثمَّ شابتْ بِهِ الدُّعافُ المنونُ فَهْوَ مِنْ كلِّ جانبَيْهِ مَنونُ ـجَاءٍ يسطو بِهِ ونِعْمَ القرينُ أَشِمِالْ سَطَتْ بِهِ أَمْ يَمِينُ أخضرُ المتنِ بينَ حدَّيْهِ نورٌ أوقدتْ فَوقَه الصّواعقُ نارًا وكأن المنونَ نِيطتْ إليهِ نِعْمَ مخراقُ ذي الحفيظةِ في الَيْـ ما يُبالي مَنِ انتَضَاه لضرْبٍ وقال رحمه الله : أَعاذِلُ عُدَّتِي بَزِّي ورُمحي أَعاذِلُ إنما أفنى شبابي مَعَ الأبطالِ حتَّى سَّلَّ جِسمي وَيَبْقَى بعدَ حِلْمِ القَوْمِ حِلمي وَمِنْ عجبٍ عجبتُ لهُ حديثٌ تمنّى أنْ يلاقيني أَبِّي وكلُّ مُقَلَّصٍ(٢) سَلِس القِيادِ إجابتَ الصَّريخ إلى المُنادِي وأقْرحَ عاتِقِي حَمْلُ النِّجَادِ ويفنَى قبلَ زادِ القَوْمِ زادي بديعٌ لَيْسَ مِن بَدْعِ السّدادِ وَدِدْتُ وأينما مني وِدَادي (١) العقد الفريد ١ / ١٧٩ . (٢) الفرس الطويل القوائم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ٤٢٩ تَمِنَّاني وسابغتي قميصي وسيفٌ من لَدُنْ كنعان عندي فلو لاقيتني لَّلقيتَ ليْئًا ولا ستيقنتَ أنَّ الموت حقّ أريدُ حياته ويريدُ قتلي وقال رحمه الله : تمنّاني على فرسٍ علّ مُفاضةٌ كالنّهـ فلو لاقيتَني لَلقيـ سَبَنْتَى ضَيْغمًا هَصِرًا يُسامي القِرْنَ إِنْ قِرْنٌ فيأخذُهُ فَيْرْدِيهِ فَيَذْمَغِهُ فَيَحْطِمُهُ إي والله .. وأنت أكبر من هذا . كأنَّ قَتَيَرَها(١) حَدَقُ الجَرَادِ تُخُيِّرُ نصْلهُ مِن عهدِ عادِ هَصُورًا ذَا ظُبًا وشبًا حدادِ وصرّحَ شَحْمُ قلبِكَ عنْ سَوادِ عَذِیرك مِن خلیلكَ مِن مُرادِ عليهِ جالسًا أَسَدُهْ ـي أخلص ماءَه جُدَدُهُ(٢) ـت ليثًا فوقهُ لِبَدُهْ صِلَخْدًا ناشزًا كَتَدةً(٣) تيمَّمَه فَيَعْتَضِدُهْ فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُهُ (٤) فَيَخْضِمُه فَيَزْدَرِدُهُ(٥) بطل القادسية : وكان يومُ القادسية من أيامه العَطِرة . (( فقد خرج فارسٌ من الفُرْس يصيح : مَرْدٌّ ومَرْدٌ . يعني : رجلٌ (١) مسامير الدّرع التي تكون بين حلقاتها . (٢) المفاضة : الدرع الواسعة . والنهي : الغدير من الماء ، والجدد: الأرض الصلبة . (٣) السبنتى : الجريء المقدام ، والصلخد : الصلب القوي ، والناشر : المرتفع ، والكتد : ما بين الكتفين . (٤) يقتصده : أي يقتله . (٥) يدمغه : يصيب دماغه ، يحطمه: يكسره ، ويُضمه: يأكله ، يزدرده : يبتلعه. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٣٠ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث لرجلٍ ، يطلب المبارزة ، وكان ذلك أمام القطاع الذي تشغله بجيلة وكِندة ، وكان عمرُو بن معديكرب الزبيدي يسير بفرسه بين الصَّفَّيْن يحرّض المسلمين ويُحمِّسهم ويقول: يا معشر المهاجرين(١)، كونوا أسُودًا؛ فإنما الأسد مَنْ أغنى شأنه ، إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقى مزراقه(٢) فإنما هو ليثٌ . ووقف ذلك الأعجمي بين الصفَّيْن ، وكان من أساورتهم ، لا يكاد تسقط له نشابةٌ ، فرمى عَمْرًا بنشابةٍ، فأصابت سِيَة قوْسِهِ وهو مُتنكّبها(٣) ، فالتفتَ إليه عمرو ، ثم حمل عليه فبارزه ، ثم اعتنقه وأمسكه من حزامه ، وسحبَه من فوق فرسه ، فحمله ووضعه بين يديْه(٤) على فرسه هو ، ثم عاد به إلى صفوف المسلمين ، فلما اقترب منهم كسَر عنقه ورماه على الأرض ونزل إليه فذبحه من حلقة السيف ، وأخذ سَلَبه سِواريْن من ذهبٍ ، ومنطقة من ذهب ، ويُلمقًا من ديباج، وعاد يقول للمسلمين : هكذا فاصنعوا بهم . قالوا : يا أبا ثور ، مَن يستطيع أن يصنع كما تصنع (٥)! وفي يوم ((عماس )) مِن أيام القادسية نظر عمرو بن معديكرب إلى فيل كان تجاهه ، وقال لمن معه مِن بني زبيد - في الميسرة - : إني حامل على الفيل ومَن حوله ، فلا تدعوني أكثر من جَزْرٍ جزورٍ (١) ، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثورٍ ، وأنَّى لكم مثلُ أبي ثور ؟! فإنّ أدر كتموني وجدتموني وفي يدي السيف . ثم حمَل عليهم ، فما انثنى عن عزمه حتى ضرب فيهم ، (١) أي : المجاهدين . (٢) أي : إذا فقد قَوْسَه . (٣) معلقها في منكبه وراء ظهره . (٤) وكأنه طفل . (٥) الطبري ٣ / ٥٣٧. (٦) مقدار ذّبْح جملٍ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٣١ وستره الغُبَارُ عن أصحابه ، فقالوا : ما تنتظرون ؟ ما أنتم بخلقاءَ أن تُدركوه ، وإنْ فقدتموه فَقَدَ المسلمون فارسَهم . فحملوا حملةً فانفرج الفرس عنه ، وقد أوقعوه وطعنوه وطعنوا فرسه ، وما زال سيفه في يده يضاربهم به ، فلما رأى أصحابَه وقد مرّ به رجلٌ مِنَ العجم على فرسٍ له ، أخذ عمرو يِرِجْل الفرس ، فلما حرّ كه راكبه اضطرب ، والتفتَ الفارس إلى عمرو فهمَّ به ، ولكنّ المسلمين حملوا عليه ، فنزل عن فرسه(١) وجرى نحو أصحابه ، قال عمرو : أُمْكِنُوني من لجامه . فأمكنوه منه، فركبه بدلًا من فرسِهِ(٢). أبطال مِنَ القادسية وكلمات للحياة : أرسل سعد إلى الذين تنتهي إليهم آراءُ الناس ، مثل : المغيرة بن شعبة ، وحُذيفة بن محصن ، وبُسْر بن أبي رهم ، وعرفجة بن هرثمة ، ورِبْعي بن عامر ، وقرفة بن زاهر ، ومذعور بن عدي ، والمضارب بن يزيد ، ومعبد ابن مرّة ، وطليحة الأسدي ، وقيس بن هبيرة الأسدي ، وغالب بن عبد الله الليثي ، وعمرو بن معديكرب ، والشماخ بن ضرار ، وأوْس بن مغراء ، وعَبدة بن الطبيب ، وقال لهم : انطلقوا فقوموا في الناس بما يحقُّ عليكم ويحقّ عليهم عند مواطن البأس ؛ فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به ، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم ، فسيروا في الناس فذكِّروهم وحرّضوهم على القتال . فساروا في المسلمين بما كُلِّفوا به . قال قيس بن هبيرة الأسدي : أيُّها الناس ، احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدْكم ، واذكروا آلاءِ الله وارغبوا إليه في عاداته ؛ فإن الجنة أو الغنيمة أمامكم ، وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء والأرض القفر . (١) الذي قيّد عمرو أقدامه . (٢) تاريخ الطبري ٥٥٤/٣ - ٥٥٥ ٠ تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٣٢ صلاح الأمة في عَلْوَ الهمة - المجلد الثالث والظَّراب(١) الخُش والفلوات التي لا يقطعها الأدلة . وقال غالب بن عبد الله : يأَيُّهَا الناس ، احمدوا الله على ما أبلاكم ، وسَلُوه يزدْكم ، وادعوه يجبكم ، يا معشر مَعَدٍّ ، ما عِلَنكم اليوم وأنتم في حصونكم(٢) ومعكم مَن لا يعصيكم(٣) ، واذكرو حديث الناس في غدٍ ؛ فإنه بكم غدًّا يُبدَأ عنده، وبمَن بعدكم يُثَّى. وقال ابن الهُذيل الأسدي : يا معاشَرَ معدٍّ ، اجعلوا حصونكم السيوف ، وكونوا عليها كأُسودِ الأجم، وتربّدوا لهم تربُّدَ النمور، وادّرِعوا العَجاج(٤) ، وثقوا بالله ، وغضُّوا الأبصار ، فإذا كلّتِ السيوف فإنها مأمورة ، فأرسلوا عليهم الجنادل(٥) ؛ فإنها يُؤذن لها فيما لا يُؤذنُ للحديد فيه . وقال بُسر بن أبي رهم الجهني : احمدوا الله وصدّقوا قولكم بفعلي ، فقد حمدتم الله على ما هداكم له ، ووحّدتموه ولا إله غيره ، وكبّر تموه وآمنتم بنبيه ورسله ، فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون ، ولا يكونَنَّ شيءٌ بأهون عليكم من الدنيا ؛ فإنها تأتي مَن تَهاوَنَ بها ، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم لتميل بكم ، وانصروا الله ينصركم . وقال عاصم بن عمرو التميمي : يا معاشَرَ العرب ، إنكم أعيانُ العرب ، . وقد صمدتم الأعيان من العجم ، وإنما تخاطرون بالجنة (١) الظّراب: جمع ظرب وهي الرابية الصغيرة. والخُشُّ : التل . (٢) يعني : الخيل . (٣) يعني : السيوف . (٤) العجاج : الغبار ، والدخان : أيضًا، والعجاج: كل ذي صوت من قَوْس وريح ونحوهما . (٥) الحجارة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٤٣٣ ويخاطرون(١) بالدنيا ، فلا يكونُنَّ على دنياهم أحْوَط منكم على آخرتكم ، لا تُحْدِثوا اليوم أمرًا تكونوا به شَيْنًا على العرب غدًا . وقال ربيعة بن البلاد السَّعدي : يا معاشَرَ العرب، قاتلوا للدِّين والدنيا ، وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعدّتْ للمتقين ، وإنْ عظّم الشيطانُ عليكم الأمرَ فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهلٌ . وقال ربعي بن عامر : إن الله قد هداکم للإِسلام وجمعكم به ، وأراكم الزيادة ، وفي الصبر الراحة ، فعوِّدوا أنفسكم الصبر تعتادوه ، ولا تُعوِّدوها الجزع فتعتادوه . وقام عاصم بن عمرو في المجردة ، فقال : إنّ هذه بلادٌ قد أحلّ الله لكم أهلها ، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم ، وأنتم الأعلَّوْن والله معكم ، إنْ صبرتم وصدقتموهم الضَّرب والطَّعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم ، وإنْ خُرْتم وفشِلتم - واللهُ لكم من ذلك جارٌ وحافظٌ - لم يُبقِ هذا الجمعُ منكم باقيةً مخافةً أن تعودوا عليهم بعائدةٍ هلاكٍ . اللهَ اللهَ .. اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها . أوَلا تروْن أن الأرض وراءكم بَسابسُ قفارٌ ليس فيها خمرٌ (٢) ولا وَزَرٌ يُعْقل إليه ولا يمتنع به ؛ اجعلوا الآخرة همَّكم . وقام قيس بن المكشوح في الميسرة فقال : يا معشرَ العرب ، إن الله قد منّ عليكم بالإِسلام وأكرمكم بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فأصبحتم (١) الخطر : السَّبق الذي يتراهن عليه ، يعني تسابقون على الجنة ويسابقون على الدنيا وصمدتم : يعني قصدتم . (٢) غطاء . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٣٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث بنعمة الله إخوانا ، دْوَتكم واحدة وأمركم واحد ، بعدَ إذْ أنتم يعدو بعضكم على بعضٍ عَدْوَ الأسد ، ويتخطف بعضكم بعضًا اختطافَ الذِّئاب ، فانصروا الله ينصركم وتَنجَُّوا مِنَ الله فتح فارسٍ ، فإن إخوانكم أهل الشام قد أنجز الله لهم فتح الشام وانتثال القصور الحُمْر والحصون الحُمْر . وقال طليحة الأسدي لقومه بني أسد : ابتدئوهم الشّدة ، وأقدِموا عليهم إقدام اللّيوث الحربة، فإنما سُمِّيتم أسدًا لتفعلوا فعْله ، شُدُّوا ولا تصدوا(١) وكِرّوا ولا تفرّوا . وقام الأشعث بن قَيْس الكندي في أيام المعركة وقال : يا معشر العرب ، إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت ولا أسخَى أنفسًا عن الدنيا ، تنافسوا الأزواج والأولاد ولا تجزعُوا من القتل؛ فإنه أماني الكرام ومنايا الشهداء . وقام دريد بن كعب النخعي - وكان معه لواءُ النخع - فقال لقومه في ميسرة الجيش : إن المسلمين قد تهيَّئوا للمزاحفة فاسبقوا المسلمين الليلةَ إلى الله والجهاد ، فإنه لا يسبق الليلة أحدٌ إلا كان ثوابُه على قدْر سبقه ، نافسوهم في الشهادة وطيِّبوا بالموت نفسًا ؛ فإنه أنجى من الموت إنْ كنتم تريدون الحياة ، وإلّا فالآخرة ما أردتم . وقال الحارث بن سمي الهمداني : ولا تهالنَّ لرؤوسٍ نادره أقدِمْ أَخَا فَهْمٍ على الأسَاورْ ٥ فإنما قصرك موتُ السّاهره ثم تعودُ بعدَها في الحافِرِه ولما حمي وطيسُ المعركة بيْن المسلمين والفرس ، وأبلى بنو تميم (١) أي : اهجموا ولا تقفوا مدافعين . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٣٥ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث أحسنَ البلاء ، وقام ابن ذي البردين الهلالي وقيس بن عبد يغوث المرادي والأشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب وعبد الله بن ذي السهمين الخثعمي ، كلهم في الميسرة ، فقالوا : لا يكونن هؤلاء - يعني بني تميم - أجدّ في أمر الله منكم ، ولا يكونن هؤلاء القُلْف (١) - يقصد المجوس - أجرأ على الموت منكم ، ولا أسخى أنفسًا عن الدنيا ، تنافسوها . وقام رجال في ربيعة - بكر بن وائل وعبد القيس - فقالوا : أنتم أعلم الناس بفارس ، وأجرؤهم عليهم فيما مضى ، فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرأة ! أبطالٌ مِن القادسية يقاتلون الفِيَلَة : اللهِ دَرُّهم مِن رجالٍ صنعهم الإِسلام .. يُقاتلون الفيلة ويصارعونها في أيام القادسية : في يوم أرماث وجّه الفُرْسُ إلى المَيْمنة التي فيها بجيلة ثلاثَة عشر فيلًا ، هي كل جناحهم الأيمن ، بقيادة هرمزان وجالينوس ، وفُّرِّقت الأفيال ما بين الكتائب ، فَتَفَرت خيول المسلمين ، وأرسل سعدٌ إلى بني أسد ، وهم ثلاثة آلافٍ على ميمنة بجيلة، يقول لهم: ((ذُبُّوا عن بَجيلة ومَنْ لاّها من الناس)). فخرج حَمَّال بن مالك الأسدي والرِّبيل بن عمرو ، وغالب بن عبد الله الليثي ، كلّ خرج من كتيبته نحو الفيلة ، فشدُّوا والله ، فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حَبَسْنَا الفيلةَ عنهم، ورأى العَجَمُ ما يصنع بنو أسد بالأفيال . ونَشطت فيولُ المجوس على طول خطِّ القتال ، فحملت في الميمنة والميسرة على خيول المسلمين ، فكانت الخيل تخاف منها ، فتحْجم عنها وتحيد عن طريقها ، وكان فرسانها يَلخُون على المشاة أن يمنعوا ظُهُورَ الخيل ويردُّوها (١) القُلْف : جمع أقلف وهو من لم يُختن . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلْوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٣٦ إلى الأمام . وأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو من يقول له : يا معشر بني تميم ، ألستم أصحاب الإِبل والخيل ؟! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة ؟! قالوا : بلى والله . ثم نادى في قومه ، فجمع أفضل من في بني تميم من الرُّماة ، وآخرين لهم مهارة وخفةُ حركة في القتال ، ووضع خطته على أساس مُشَاغلة رُكْبان الفيلة ، ثم مهاجمتها من الخلف في غفلةٍ منهم ، قال لهم : (( يا معشر الرُّماة ذَبُّوا رُكْبان الفيلة عنهم بالنَبْل. وقال: يا معشر أهل الثَّقَافَة، استدبروا الفيلة فقطِّعوا وُضُنَها )) (١) وخرج معهم يحميهم ويقودهم ، فشقُّوا طريقهم نحو الأفيال التي تهاجم بني أسد ، والَّحى تدور عليهم . وفي يوم عماس استعمل الفرس الأفيال ، فوجَّهُوها ضدَّ كتائب الفرسان ، فعادت تفرِّقُها كيوم أرماث ؛ فلما رأى سعدٌ ذلك أرسل إلى الفرس الذين أسلموا وانضمُّوا إليه ؛ ضخم ومسلم ورافع وعَشّق والرفيل وأصحابهم ، فدخلوا عليه ، فسألهم عن الفيلة ، وهل لها مقاتل ؟ فقالوا : نعم ، المشافر والعيون ، لا يُنْتفع بها بعدها". وكان أكبرَ الأفيال فيلان، وضعهما رُسْتم في القلب : أحدهما أبيض ، وكان أمام بني تميم ، والثاني أجرب وكان حيال بني أسد . وكانت جميع الفيلة الأخرى آلفة لهذين الفيلين ؛ تقلِّدهما وتتبعهما . القَعْقَاع وعاصم ابنا عمرو للفيل الأبيض، وحَمَّال بن مالك والرِّيِّيل بن عمرو للفيل الأجرب : أرسل سعد إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو: ((اكفياني الفيل الأبيض))، وأرسل إلى حَمَّال بن مالك - أمير المشاة - والرِّبِيل بن عمرو: (( اكفياني الفيل (١) الوضين : الأحزمة التي تثبت توابيتها على ظهورها . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٤٣٧ الأجرب )) وأوضح لهم مَقَاتِلَ الأفيال. فأخذ القعقاع وعاصم رُمْحَين أصمَّيْن ليِّنين ، ودبًّا في كتيبةٍ من خيل ومشاة، وقالا لهم: ((اكتنفوه لتحيِّروه)) وهما معهم ، فأطافوا به ، وخالطوا حرّاسه ، والتحموا معهم، وظّ القيل متخبِّطًا ينظر يَمْنةً ويسرة وهو متحيِّر ، فحمل القعقاع وعاصم على الفيل وهو متشاغل بمن حوله ، ووضعا رُمْحَيْهما معًا في وقت واحدٍ وتنسيق في عينيه ، وجلس الفيل على يديه ورجليه ، ونفض رأسه ، فألقى سائسَهُ من فوقه ، ودلَّى خرطومه ، فنقل القعقاع رمحه إلى يُسْراه ، واستل سيفه ، فنفح الخرطومَ فقطعه ورمى به على الأرض ، ووقع الفيل على جنبه وقد أعمي ، وسقط من كان في التَّابوت فوقه ، فقتلتهم كتيبةُ القعقاع وعاصم . وفي نفس الوقت كان حمّال بن مالك والرِّبيل بن عمرو يقولان لبني أسد : يا معشر المسلمين ، أي الموت أشدُّ؟ قالوا: أن يُشَدَّ على هذا الفيل . فخرجا إليه في خيل ومشاة ، حتى أطافوا بالفيل الأجرب عن يمينه وشماله ليحيِّروه ، وقال حمّال للربيل : اختر ؛ إما أن تضربَ المِشْفر بالسَّيف وأطعن في عينه بالرمح ، أو تطعن في عينه وأضرب مشفره ، فاختار الربيل أن يضرب الخرطوم . وحملًا مع كتيبتيهما ، فلمّا تشاغل الفيل بملاحظة من أحاط به من المسلمين ، وانشغل سائسُه أيضًا ، لا يخاف إلَّا على بطانه - أحزمته - فقد كان ما زال معقدًا من تقطيع أحزمة الأفيال يوم أرماث ، فكان مشغولًا بذلك ؛ ينظر إلى أجنابه وإلى خلفه في ملاحظةٍ مستمرة بأولئك الذين أحاطوا به، إذ ذاك نَفَذَ حمّال والربيل ونزقا (١) فرسَيْهما ، حتى إذا قامًا على أطراف حوافرهما ضرباهما على الفيل ، وسدّد حمال طعنةً برمحه إلى عين الفيل ، وفوجئ الفيل بالرّمح في عينه قد عوّره ، (١) غَمَزَا . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٣٨ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث فأقعى على استه مفترشًا رجليه . وناصبًا يديه ، ووطئ مَن خلفه مِن العجم ، ثم استوى واقفًا ، فنفح الربيل خرطومَه بسيفه فقطعه ، وبصر سائسُه بالربيل ، فضربه على وجهه وجبينه بالطبرزين (١) ضربةً منكرةً ، حطم بها أنفه ، غير أنه أفلت بها ، وبقي الفيل الأبيض - الذي أعماه القعقاع وعاصم ، وقطعًا خرطومه - مُتلدِّدًا بين الصَّفين، كلَّما أتى صف المسلمين وَخَرُوه ، وإذا أتى صف المجوس نخسوه ، وهو يصيح صياحَ الخنزير ، ووَلَّى الفيلُ الأجرب الذي عَوَّر حمال بن مالك والربيل وهو يصيح أيضًا ، فمرق غاضبًا بين صفوف الفرس يدوسهم ، وأثار صياحُه انتباه الأفيال الأخرى ، والتفتت إليه ، فرأته يثب في العتيق - النهر - فأتبعته كلُّها ، وخرقت صفوف الأعاجم ، وعبرت العتيق في إثره ، وظلت منطلقةً ، حتى بلغت المدائن في توابيتها ، وقد هلك من كان فيها . لله دَرُّهم من أبطال .. بل من جبال .. تصارع وتُعمي الأفيال. قال القعقاع بن عمرو : فللَّهِ قومي حين هَزُّوا العَوَاليَا حضَّضَ قومي مَضْرَحِّ بن يَعْمٍ لأهلٍ قُدَيسِ يَمنِعُون المَوَالِيَا وَما خام عنها يومَ سَارتْ جُمُوعُنا فإني لَألقى في الحُروبِ الدَّوَاهِيَا فإنْ كُنتُ قاتلتُ العَدوَّ فَلْتُه أُسَمِّلُ أعيانًا لها ومَآقيًا(٢) فيولا أراها كَالبيوتِ مُغِيرةً هَاشم بن عُتبة بن أبي وقاص ، المِرْقال ، الأسد ، قاتل الأسود : قال ابن حجر في الإصابة: ((الشجاع المشهور ، المعروف بالمِرْقال ، ابن أخي سعد بن أبي وقّاص. قال الدُّولابي: لُقِّبَ بالمرقال؛ لأنه كان يُرْقِلُ (١) الفأس من السلاح؛ وهو نوع من البلطة، كان يتسلح بها سائِسُو الأفيال. (٢) الطبري ٣ / ٥٥٦ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٤٣٩ في الحرب ؛ أي يسرع ، من الإِرقال وهو ضَرْبٌ من العَدْو . أسلم يوم الفتح ، وحضر مع عمه حرب الفُرس بالقادسية ، وله بها آثار مذكورة ، وكانت راية علّ في صِفِّين مع هاشم))(١). قاتل هاشمُ المرتدين تحت لواء خالد ، فلما انتهت حروب الرِّدَّة ، وسار خالد بن الوليد نحو العراق ، كان هاشم معه في معاركه التي خاضها في العراق ، فلمّا توجه نحو أرض الشَّام كان هاشم من بين الذين انتخبهم خالد من جيش العراق . فشارك خالدًا في المعارك التي خاضها في طريقه إلى الشام . وكان هاشم قائد مَيْسرةِ المسلمين في معركة فَحْل بيسان . يقول رحمه الله : (( والله لقد كنَّا يومئذٍ أَشْفَقْنَا على خيلنا أول النهار ، ثم إن الله نَصَرنًا عليهم، فما هو إلا أن رأينا خَيْلنا قد نصرها الله على خيلهم ، فدعوت الناس إلَّي ، وأمرتهم بتقوى الله ، ونزلتُ فهززتُ رايتي ثم قلت : والله لا أردُّها حتى أركزها في صفّهم ، فمن شاء فليتبعني ، ومن شاء فليتخلَّف عني ، فوالذي لا إله إلا هو ما أعلم أن أحدًا من أصحاب رايتي تخلَّف عني ، حتى انتهيت إلى صفِّهم ، فنضَحُونا بالتُّشَّاب ، فجثونا على الُّكب واتَّقَيْنَاهم بالدَّرْق، ثم دنوت بلوائي وقلت لأصحابي : شدُّوا عليهم ، أنا فداؤكم ، فإنها غنيمةُ الدنيا والآخرة . فشددتُ وشدُّوا معي ، فاستقبلت عظيمًا منهم ، وقد أقبل نحوي ، فأوجزته الُمح فخَرّ ميتًا، وضَارَبْنَاهم بالسيوف ساعةً في صفِّهم ، وحمل عليهم خالد بن الوليد من قِبَلٍ مَيْمنتهم ، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وَنَهَدَ إليهم أبو عبيدة بالرجَّالة والناس، (١) الإصابة في تراجم الصحابة لابن حجر ٣ / ٥٦١ - ٥٦٢. دار الكتاب العربي . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٤٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث وأمر الخيل التي كانت قِبَلَه من خيل خالد ، فحملتْ على المشركين ، وكانت هزيمتهم(١). في اليرموك : وفي اليرموك ولاه أبو عبيدة قيادة الرجَّالة وقال: ((أوليها - إن شاء الله - من لا يخاف نُكوله ولا صُدُوره عند البَأَس ، أوليها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، فقال له خالد: وُفِّقْتَ ورُشِدت))(٢). ((وفي معركة ((اليرموك)) برز هاشم فدائيًّا وقائدًا، فقد انتخَب خالد فدائيِّين من أبطال المهاجرين والأنصار ، وعددُهم مائة فارسٍ فقط(٣) ، للتأثير على معنويات الُّوم في ابتداء معركة اليرموك ، وكان هاشم أحدُ هؤلاء الفدائيين المُنتَخَبين . وبعد أن فعل هؤلاء الفدائيون الأعاجيب ، تولَّى هاشم قيادة مُشاة المسلمين ، في معركة اليرموك ، في رواية الواقدي(٤) ، وقيادة كُرْدُوس من مشاة المسلمين في رواية الطبري(٥). وفي هذه المعركة فقد إحدى عينيه(٦) ، وقاتل الروم بشجاعة فائقةٍ ، كان لها أثرٌ ملموسٌ في انتصار المسلمين على عدوّهم في هذه المعركة الحاسمة))(٧). (١) الأزدي صـ ١٣٥. (٢) الحارث الأزدي صـ ١٨٨. (٣) فتوح الشام للواقدي ١ / ١٢٠. فتوح الشام للواقدي ١ / ١٣٤ . (٤) (٥) تاريخ الطبري ٢ / ٥٩٣ . (٦) فتوح البلدان للبلاذري صـ ١٤١ . (٧) قادة فتح الجزيرة والعراق لمحمود شيت خطاب صـ ٣٢٢ . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com