النص المفهرس
صفحات 381-400
تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٣٨١ فوافقوه على ذلك . وفي صباح الغد نفّذ ابن سعدٍ خطّةَ ابن الزبير هذه ، فأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم ، وخيولهم عندهم مسرجةٌ ، ومضَى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالًا شديدًا، فلما أُذّن بالظهر وهمّ الروم بالانصراف على العادة ، لم يتركهم ابن الزبير وألحّ عليهم بالقتال حتى أتعبهم ، ثم عاد عنهم هو والمسلمون ، فكلٌّ من الطائفتين ألقى سلاحَه ووقع تعبًا .. عند ذلك أخذ ابن الزبير من كان مستريحًا من شجعان المسلمين وقصد الروم ، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم ، وحملوا حملة رجل واحدٍ . وكبّروا ، فلم يتمكن الروم من لُيْس سلاحهم حتى غَشِيَهم المسلمون ، ونظر عبد الله فرأى (( جُرجير)) وقد خرج من عسكره ، فأخذ معه جماعة من المسلمين وقصده فقتله ))(١). فقد رأى ابن الزبير ((جُرجير)) وراءَ عسْكره على برذون أشهب ، ومعه جاريتان تظلانه بريش الطواويس ، وبينه وبين عسْكره أرضٌ بيضاء ليس فيها أحدٌ ، فاختار ثلاثين فارسًا من المسلمين وأخذهم معه ... ثم حَمَّلَ في الوجه الذي فيه ((جُرجير ))، وقال للفرسان الذين معه: احمُوا ظهري ... فخرق الصف إلى جرجير ، وخرج صامدًا له ، وما يظنُّ هو وأصحابه إلا أن ابن الزبير رسولٌ إليه ، حتى دنا منه ، فعرف الشّ ، فثنى بِرْذَوْنه مُولِّيًا، ولكنّ ابن الزبير أدركه فطعنه ، ودافّه (٢) بالسيف، وحزّ رأسَه ، ونصبه في رمح ، وكَبَّر ... فحمل المسلمون من الوجه الآخر ، فانهزم العدو في كلّ وجهٍ ، ومنح الله المسلمين (١) أسد الغابة (٣ / ١٦٢)، وابن الأثير (٣/ ٣٤). (٢) دافّ مدافّة ودفافًا : أي أجهز عليه . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٨٢ أكتافهم(١). وانهزم الروم بعد أن قتل ابنُ الزبير (( جرجير))، فقتل المسلمون منهم مقتلةً عظيمةً، وأُخِذَتْ ابنة (( جُرجير )) سبيةً ، فنفِّلها ابن الزبير ، وكان سهمُ الفارس ثلاثة آلافٍ دينارٍ ، وسهمُ الراجل ألف دينارٍ . ولما أراد ابن أبي سرح أن يبشّر عثمان بالفتح ، قال لابن الزبير : أنت أوْلى بهذا . فأرسله إلى عثمان بشيرًا، فأخبره بما فتح الله عليه ، فأمره عثمان أن يخطب ، فلما خطب قال عثمان : كأنه أبو بكر (٢). قال الذهبي في السير ( ٣ / ٣٧٧): ((قد كان يُضرب بشجاعته المثل )). قاتل يوم الدار دفاعًا عن عثمان ، فجرح بضعة عشر جرحًا غائرة ، يقول : وإني لأضع اليوم يدي على بعضِ تلك الجراحات ، فأرجو أن تكون خيرَ أعمالي . يقول رجلٌ من أهل حمص ، يصف يوم ابن الزبير الأخير ، قال : ((رأيته يوم الثلاثاء ، وإنا لنطّلع عليه ، أهل حمص خمسمائة خمسمائة ، من باب ندخله لا يدخله غيرنا ، فيخرج إلينا وحده في أثرنا ، ونحن منهزمون منه ، ولقد رأيته يقف بالأبطح ، ما يدنو منه أحدٌ ، حتى ظننا أنه لا يُقتل))(٣). (١) تهذيب ابن عساكر ( ٧ / ٤٠١ - ٤٠٢ ). (٢) تهذيب ابن عساكر ٧ / ٤٠٢، وقادة فتح المغرب العربي صـ ٤١ - ٤٣ للواء الركن محمود شيت خطاب . (٣) تاريخ الطبري ٥ / ٣٣. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٨٣ (( وكان رضي الله عنه يقول : جلسنا على الأعقاب تدْمي كُلُومُنَا ولكنْ على أقدامنا تقطر الدَّمَا ولما قُتل وقف عليه الحجاج وطارق بن عمرو ، فقال طارق : ما ولدتِ النساءُ أُذْكَرَ مِن هذا . فقال الحجاج : تمدح مَن يخالف طاعة أمير المؤمنين ؟ فقال : نعم ، هو أعذر لنا، ولولا هذا ما كان لنا عذْر ، إنا مُحَاصِرُوه ، وهو في غير خندقٍ ولا حِصنٍ ولا منعةٍ منذ سبعة أشهر ، ينتصف منا ، بل يفضل علينا في كل ما التقينا نحن وهو . فبلغ كلامُهما عبدَ الملك، فصوّب طارقًا ))(١). بُسْر بن أرطاة القرشّ : كان فارسًا ، شجاعًا، فاتكًا، من أفراد الأبطال ، وكان له نكايةٌ في الروم . ((لقد كان بسرٌ على جانبٍ عظيمٍ من الشجاعة والإِقدام ، وكان من أسود العرب . كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص ، بعد فتح مصر أن افرضْ لمن شهد بيعة الحديبية - أو قال : بيعة الرضوان - مائتيْن من الدنانير ، وأَتِمّها لخارجةً بن حذافة لضيافته ، ولُبُسْر بن أرطاة لشجاعته . وفي روايةٍ عن عمر بن الخطاب : جعل لعمرو بن العاص مائتيْن ؛ لأنه أمير ، ولبُسر مائتيْن؛ لأنه صاحب سيف . وقال عمر بن الخطاب عن بسرٍ: رُبَّ فتحٍ قد فتحه الله على يديْه))(٢). (١) الطبري ٥ / ٣٣ . (٢) تهذيب ابن عساكر ٣ / ٢٢٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٤ صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث وانظر - بربك - إلى واقعةٍ أغربَ من الخيال : ((غَزَا بُسر الروم مرةً، فكانت ساقته(١) لا يزال يُصَاب منها طرفٌ ، فجعل يلتمس أن يصيب الذين يلتمسون عورة ساقتِه ، فيكمن لهم الكمينَ ، فلم تُصب كمائنُه ولم تَظفر ، فلما رأى ذلك تخلّف في مائةٍ من جيشه ، ثم جعل يتأخر حتى تخلّف وحده ، فبينما هو يسير في بعض أوْدية الروم ، إذْ رُفع إلى قريةٍ فيها جَوْزٌ كثيرٌ ، وإذا براذين مربوطةٌ بأشجار الجَوْز ، وإلى جانب الأشجار كنيسةٌ فيها فرسان ، وكانت تلك براذين الذين كانوا يتعقبونه في ساقتِه، ونزل (( بُسْر)) عن فرسه فربطه مع تلك البراذين ، ثم مضى حتى أتى الكنيسة ، فدخلها ثم أغلق عليه وعليهم بابها ، فجعلتِ الروم تعجب من إغلاقه وهو وحده ، فما استمالوا إلى رماحِهم حتى صَرَع منهم ثلاثة ، وفقده أصحابه ، فلاموا أنفسهم ، وقالوا : إنكم لأهلٌ لِأُنْ تُجْعَلُوا مثلًا للناس ، إنّ أميرَكم خرج معكم فضيّعتموه حتى هلك ، ولم يهلك منكم أحدٌ ، فبينما هم يسيرون في الوادي إذْ بهم قد أتوا على مرابط البراذين، وإذا فرس (( بُسْر)) مر:وط معها فعرفوه، وسمعوا الجلَبة في الكنيسة فدخلوها ، فلما رآهم (( بُسْر)) سقط مغشيًّا عليه ، فأقبلوا على من كان باقيًا فأسروه ، وقَتلوا مَن قتلوا ، فأقبلت عليهم الأسارى يقولون لهم : ننشدكم الله ، من هذا الذي دخل علينا ؟ فقالوا : بُسْر بن أرطاة . فقالوا : ما ولدتِ النساءُ مثلَه . فعمدوا إلى جلٍ فوضعوه في جوْفه ، ثم عصبوه بعمائمهم ، وحملوه على شِقِّهِ التي ليست بها جراحة ، حتى أتوا به العسكر فخاطوا جراحَه ، فَسَلِمَ وعُوفي ))(٢). (١) جماعة من الرجال واجبها حماية مؤخرة الجيش من العدو . (٢) تهذيب ابن عساكر ٣ / ٢٢١، سير أعلام النبلاء ٣ / ٢٧٤. تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٨٥ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ، رضي الله عنه : الهاشمي، ابنُ عم رسول الله عَُّله، ومن مُسلمة الفتح. لما توفي رسول الله عَ لّه كان لهذا نحوٌ من ثلاثين سنةً. قال أبو الحُويْرث : أول من قُتِلَ يوم أجنادين بِطْرْيقٌ برز يدعو إلى البراز ، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ، فاختلفا ضَرَباتٍ ، ثم قتله عبد الله ، ثم برز آخر ، فضربه عبد الله على عاتقه ، وقال : خذْها وأنا ابن عبد المطلب . فأثبته وقطع سيفه الدرع ، وأشرع في منكبه ، ثم ولّى الرومي منهزمًا (١). (( وعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز، فقال: لا أصبر . فلما اختلطت السيوف ، وُجِدَ فِي رِبْضةٍ من الروم عشرةٍ مقتولًا ، وهم حوله ، وقائم السيف في يده في غري(٢)، وإنّ في وجهه لثلاثين ضربة . قال الواقدي : فحدّثتُ بهذا الزبير بن سعيد النوفلي ، فقال : سمعتُ شيوخنا يقولون : لمّا انهزمتِ الروم يومئذٍ ، انطلق الفضل بن عباس في مائة نحوًّا مِن ميل ، فيجد عبد الله مقتولًا في عشرةٍ مِنَ الروم قد قتلهم، فقبروه))(٢). وَاثِلةُ بن الأسْقَعِ ، رضي الله عنه : آخر من مات من الصحابة بدمشق . لله دُّه من بطلٍ ! يُلقي الرعبَ في كتيبةٍ من الروم قبل فتْح دمشق . (١) تاريخ ابن عساكر ٩ / ١١٥ ب، ١١٦ أ، وسير أعلام النبلاء ٣ / ٣٨١ - ٣٨٢ . (٢) لزق . (٣) سير أعلام النبلاء ٣ / ٣٨٢. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٦ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ((عن واثلة قال: وقفتُ في ظُلمة قنطرةِ ((قينية))(١) لَيَخْفَى على الخارجين من باب ((الجابية))(٢) موقفي. فأسمع صريّرَ باب (( الجابية)) فمكثتُ ، فإذا بخيلٍ عظيمةٍ ، فأمهلْتُها ثم حملتُ عليهم ، وكبّرتُ ، فظنوا أنهم أحيط بهم ، فانهزموا إلى البلد ، وأسلموا عظيمَهم ، فدعستُه بالرمح ، ألقيتُه عن بِرْذَونه ، وضربتُ بيدي على عِنان البْذَوْن ، وراكضتُه حتى أنهكتُه ، والتفتوا ، فلما رأوني وحدي تبعوني ، فدعستُ فارسًا بالرمح فقتلتُه ، ثم دنا آخر فقتلته ، ثم جئتُ خالد بن الوليد فأخبرته ، وإذا عنده عظيمٌ من الروم يلتمس الأمان لأهل دمشق))(٣). وقبلها .. في معركة فحل ((كان واثلة في خَيْلِ ابن هبيرةً ، فعَرَض له بِطْريقٌ من كبارهم ، فبرز له واثلة وهو يقول : لِيْثٌ وليثُ في مَجَالٍ ضَنكِ كلاهُمَا ذو أَنْفٍ ومَعْكِ أجولُ جَوْلَ صارمٍ في العركِ أَوْ يكشف اللهُ قِناعِ الشَّكِ مع ظفري بحاجتي وتر کِي ثم حمل على البِطْرِيق فضربه ضربةً فقتله))(٤). جُلَيْبِيب رضي الله عنه ((هذا مني وأنا منه)) : ((عن أبي برزة أن النبي عَّه كان في مغزى له فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه : ((هل تفقدون مِن أحدٍ ؟)) قالوا : نعم ، فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: ((هل تفقدون من أحدٍ؟)) قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثم (١) قرية كانت مقابل الباب الصغير من مدينة دمشق ؛ صارت الآن بساتين . (٢) باب الجابية من أحياء دمشق يقع غربي جامع بني أمية . (٣) تاريخ دمشق ١٧ / ٣٥٣ ب، ٣٥٤أ. (٤) الطريق إلى دمشق صـ ٣٣٥. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٨٧ قال: ((هل تفقدون من أحدٍ؟)) قالوا: لا. قال: (( لكني أفقد جُليبيًا فاطلبوه )) . فطُلب في القتلَى فوجدوه إلى جنبِ سبعةٍ قد قتلهم ثم قتلوه ، فأتى النبي عَّلمِ فوقف عليه، فقال: ((قتَل سبعةً ثم قتلوه ، هذا مني وأنا منه ، هذا مني وأنا منه )). قال: فوضعه على ساعديْه، ليس له إلا ساعِدًا النّبِّ عَ ◌ِّ. قال: فحفر له ووُضع في قبره. ولم يَذِكْرْ غُسْلًا))(١). هذا مني وأنا منه .. فمَن مِن الناس على مدار التاريخ يقال له مثل هذا ؟! بانُوا وكأنهم ما كانوا ! قائد مجاهدي العيص أبو بصير : عتبة بن أسد ، رضي الله عنه : ((ويلُ أُمِّهِ مِسْعَر حربٍ لو كان له أحَدٌ )): بعد صلح الحديبية وما اشترطتْه قريشٌ على النبي ◌َّ ◌ُلِ: إنه لا يأتيك منّا رجلٌ، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا ((رجع النبي عَ ◌ّه إلى المدينة ، فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم ، أرسلوا في طلبه رجليْن ، فقالوا : العهد الذي جعلتَ لنا . فدفعه إلى الرجليْن فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدًا. فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيّدٌ ، لقد جربتُ به ثم جربت به ثم جربت . فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه . فأمكنه منه فضربه حتى برد ، وفّ الآخر حتى أتى المدينة ، فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله عَ له حين رآه: ((لقد رأى هذا ذعرًا)). فلما انتهى إلى النبي عَ ◌ِّ قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتولٌ. فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله، قد - والله - أوفى اللهُ ذمّتك، قد رددتَّني (١) صحيح: أخرجه أحمد مصحوبًا بقصة ، والنسائي في فضائل الصحابة . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٨٨ صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث إليهم ثم أنجاني الله منهم. قال النبي عَّهِ: ((ويُلُ أمّه مِسْعَر حرب، لو كان له أحد )). فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم ، فخرج حتى أتى سَيْفَ البحر ، قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سُهيل ، فلحق بأبي بصير ، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لَحِق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابةٌ ، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجتْ لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريشٌ إلى النبي عَ لَّه تناشده الله والرّحِمَ لما أرسل ، فمَن أتاه فهو آمنٌ ، فأرسلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى ﴿وهُوَ الذي كفَّ أَيْدَهم عنكم وأيدیَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مكةَ مِنْ بعدِ أنْ أَظفرَكم عليهِم ... ﴾ حتى بلغ ﴿الحَمِيةَ حَميَّةَ الجاهليةِ ... ﴾، وكانت حمِيّتهم أنهم لم يُقُّوا أنه نبي الله، ولم يقُرُوا بسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيْت))(١). لله دَرُّكَ فتى قريشٍ عتبةً بن أسيد الزهري ! كم عانيْتَ في سبيل دينك ! زجّ بك قومُك بنو زهرة في السجن ، وفررتَ منه مُسرعًا إلى المدينة بعد صلح الحديبية ، وعلمتَ أن نبيك عَّمِ لا يغدر، واستسلمت طائعًا لأمر رسول الله: (( يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن الله جاعٌ لك ولمن معك من المستضعفين فَرَجًا ومخرجًا ، فانطلق إلى قومك)). ولله دَرُّكَ من شجاعٍ ، حين قتلتَ حارسك العامري ! ولله درُّك حين فّ الآخر مذعورًا طالبًا النجاة ! والله دُّك حين توّجك وتوّج شجاعتك نبيّكَ عَ ◌ّه، حين قال: (١) أخرجه البخاري وأبو داود عن المِسْور بن مَخْرمة ومروان. وعزاه المِزّي للنسائي . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٨٩ (( ويُلُ أمِّه مِسْعَرِ حربٍ لو كان معه رجالٌ)) ! والله دَرُّكَ حين تحمل سيْف القتيل المشرك ، وتستوي على بعيره الذي غنمتَ منه ، وتتجه نحو ((العِيصٍ))، حيث تكثر الأحراش والأشجار ، لتبدأ منها حرب العصابات وتعلن الثورة على قومك قريش ! ولله دَرُّكَ حين أخفْتَ قريشًا إخافةً شديدةً ، فصارت لا تُرسل قوافلها إلى الشام إلا تحت حراسةٍ شديدةٍ ، ومع ذلك لم تنجُ هذه القوافل منك أيها الثائر البطل ! والله دَرُّكَ حين يفّ إليك المستضعفون من شبابٍ مكة ، يفرون من سجون أهليهم ، يجتمع إليك من شباب قريشٍ - وحدهم - سبعون شابًا ، وينضمُّ إليك رجالٌ من غِفَار وجُهيْنة ، حتى بلغتم ثلاثمائة ! لله دَرُّكَ ودُّ نائبك أبي جندل بن سهيل بن عمرو ! الله دَرُّكَ حين يجتمع رجالاتُ قريشٍ في دار الندوة ، يرتجفون فزعًا منك، ويرسلون أبا سفيان إلى النبّي عَ ظ ◌ُلم ، وهم يستعطفونه ويسترحمونه : إننا قد أسقطنا هذا الشرط من الشروط . مَن جاء منهم إليك فأمسِكْه مِن غير حَرَجٍ فهو آمن ؛ إن هؤلاءِ الرَّكْب - يَعني ثوار العِيص - قد فتحوا علينا بابًا لا يصلح إقراره(١). إننا نسألك بالأرحام ، إلا ما آويتهم فلا حاجة لنا بهم(٢). لله دَرُّكَ ودُّ إخوانِك حين تقضُّ مضاجعَ قريشِ الكفر ، فجعلتهم يطلبون صاغرين، مسترحمين، مناشدين نبيّك عَ طِّ الرّحِمَ أنْ يُسقط الشرطَ (١) السيرة الحلبية ٢ / ١٥١ . (٢) سيرة ابن هشام ٢ / ٣٢٤. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث ٣٩٠ الذي أملَوْه صلفًا وكبرياءً وغُرورًا وبغيًا وبطرًا! يأتي الزبانية مُقّين أن لا طاقةَ لهم بمِسْعر الحرب .. وما يأتيك كتابُ نبيّك إلا وأنت في مرضٍ الموت .. فتفضُّه وتَشْرع في قراءته ، إلا أن روحَك الطاهرة فاضت إلى باريها وكتابُ الرسول عَ ◌ّله في يدك .. فسلامٌ عليك مع الأبرار .. واللهِ ما عقمتْ أمةٌ ولدتْ مثلك . كَعْبُ بنُ مالكٍ ، رضي الله عنه يُخَوِّفُ دَوْسًا ببيْتِ شعرٍ فتسلم : شاعر رسول الله عَ ليه وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلّفوا، فتاب الله عليهم . شهد العقبة، وفيها يقول: لقد شهدتُ مع رسول الله عَّ المه بيعة العقبة حين تواثقنا على الإِسلام ، وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدرٍ ، وإنْ كانت بدرٌ أذكر في الناس منها (١). قال كعب : لما انكشفنا يوم أحدٍ ، كنت أول من عرف رسول الله عَ لَّهِ، وبشَّرتُ به المؤمنين حيًّا سويًّ وأنا في الشِّعْب، فدعا رسول الله عَ ليه كعبًا بلأمته - وكانت صفراء - فلبسها كعب ، وقاتل يومئذٍ قتالًا شديدًا، حتى جُرح سبعةَ عشرَ جرحًا(٢). قال ابن سيرين: كان شعراءُ أصحاب رسول الله عَ له: حسّان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك . وعن كعبٍ أنه قال : يا رسول الله ، قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل . قال: (( إن المجاهد مجاهدٌ بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده ، لكأنما ترمونهم (١) رواه البخاري ومسلم . (٢) سيرة ابن هشام ٢ / ٤٣، والمستدرك ٣ / ٤٤١ . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٩١ نضْحَ الإِبل ))(١). قال ابن سيرين : أما كعب ، فكان يذكر الحرب ، يقول : فعلنا ونفعل ، ويتهددهم . وأما حسان ، فكان يذكر عيوبهم وأَيّامهم . وأما ابن رواحة ، فكان يغيِّرهم بالكفر . ولقد أسلمتْ دَوْس فَرَقًّا من بَيْتٍ قاله كعبٌ : نُخَيُّهَا ولوْ نطقتْ لَقالتْ قواطِعُهنَّ دَوْسًا أو ثقيفا (٢) والبيت مع البيت الذي قبله : وخيبرَ ثُمَّ أجممنَا السيوفَا قضينا مِن تِهامَةً كَلَّ رَيْبٍ قواطِعُهنَّ دَوْسًا أو ثقيفا نُخيّرها ولوْ نطقتْ لقالتْ لله دَرُّكَ يا كعب ! بَيْتٍ واحدٍ منك أيها البطل تُسلمُ قبيلةٌ بأسرها خوفًا . وما أحلى التاج الذي يرصّع به جبينك رسولُ الله عَ ◌ّه في هذا الحديث: عن جابرٍ أن رسول الله عَ لّم قال لكعب بن مالك: ((ما نسي رَبُّك لك - وما كان رِبُّك نسيا - بيتًا قلتَه)). قال: ما هو؟ قال: (( أَنْشِدْه يا أبا بكر )). فقال : وَلَيُغْلَبِنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ (٣) زَعَمتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِب رَبَّهَا (١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٥٠٠ ) وعنه أحمد ، وسنده صحيح . (٢) أسد الغابة ٤ / ٤٨٨، والإصابة ٨ /٣٠٥. وقوله: ((نخيِّرها)) أي: السيوف. أي نعطيها الخِيَّرة ، ولو نطقتْ لاختارتْ أن تحارب دوْسًا أو ثقيفًا . (٣) أورده صاحب كنز العمال ١٣/ ٥٨١ ، ونسبه لابن منده وابن عساكر . والسخينة : طعام من سمن ودقيقٍ ، أو دقيقٍ وتمرٍ ، أغلظ من الحَساء ، وكانت = تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٢ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث يهودٌ ولا عِلَّ لهم : البطلُ .. بل حَيْدَرة الأبطال علّ بن أبي طالبٍ ، رضي الله عنه : روى البخاري عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالبٍ قال : أنا أول مَن يَجْثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . وقال قيْس بن عباد : وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اختصمُوا في رَبِّهْمْ ... ) الآية. قال: ((هم الذين تبارزُوا يوم بدرٍ: حمزةٌ، وعلّي، وعبيدة - أو أبو عبيدة - بن الحارث ، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عُتبة . (( وعن علي قال: تقدم - يعني عُتبة بن ربيعة - وتَبِعَه ابنه وأخوه ، فنادى : مَن يُبارز ؟ فانتُدب له شبابٌ من الأنصار ، فقال : مَنْ أنتم ؟ فأخبروه ، فقال : لا حاجةً لنا فيكم ، إنما أردْنا بني عمّنا . فقال رسول الله ◌َ ◌ّهِ: ((قُمْ يا حمزة، قم يا علّي، قم يا عبيدة بن الحارث)) فأقبل حمزة إلى عُتبة ، وأقبلتُ إلى شَيْبة ، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتانٍ ، فأثخن كلُّ واحدٍ منهما صاحبه ، ثم مِلْنَا على الوليد، فقتلناه واحتملنا عُبيدة))(١). قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( ٧ / ٢٩٨ ): فيه فضيلةٌ ظاهرةٌ لحمزة وعلّ وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم . وانظرْ - بربّك - إلى الفارس الشابّ .. علي بن أبي طالب ، وإلى قتلاه يومَ بدرٍ ، فقد قتل بعد شيبةَ ، والوليد : العاصَ بن سعيد بن العاص ، وعامَرَ بن عبد الله النمري ، وطعيمةً بن عديّ بن نوفل ، وزمعة بن الأسود بن = قريشٌ تكثر من أكلها، فَعُيّرتْ بها، حتى لقبوا: ((سخينة)). (١) صحيح أخرجه أبو داود ( ٢٦٦٥ ). تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٩٣ المطلب ، ونوفل بن خُويُلد بن أسد وهو أخو أمِّ المؤمنين خديجة - وكان من شياطين قريش - وعقيل بن الأسود بن المطلب ، والنضر بن الحارث قتله صَبْرًا بعد المعركة ، وعُمير بن عثمان بن عمرو ، ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة ، وأبا قَيْس بن الفاكهة بن المغيرة ، وحاجِبَ بن السائب ابن عُويُمر ، وعبد الله بن المنذر ابن أبي رفاعة ، والعاص بن مُنَبِّه بن الحجّاج ، وأَوْس بن مِعْيَرَ بن لَوْذَان ؛ خمسةَ عشَرَ رجلًا قتلهم خَيْدَرَةُ .. علي بن أبي طالب في يوم بدرٍ . وفي أُحُدٍ يقتل علّ أبا أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة ، وعبد الله ابن حميد بن زهير . قتل علِّ لعمرو بن عبد وُدّ فارس قريش في يوم الأحزاب : كان عمرو بن عبد ودّ العامري ((كبشَ الكتيبة)) قد حضر معركة بدرٍ الكبرى ، وذاق مرارة الهزيمة بعد أن جُرح في المعركة ، فنذر أن لا يَمَسَّ رأسُه دُهنًا حتى يقتل محمدًا، ولهذا كان أولَ الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين ، ومعه فوارس من قريش ، وخرج علي بن أبي طالب في نفرٍ معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلَهم ، وأقبلت الفرسان تُعْنِق(١) نحوهم . قال ابن إسحاق : ((كان عمرو بن ودّ العامري (وهو كبش الكتيبة ) قد قاتل يوم بدرٍ حتى أثبتتْهُ الجراحةُ فلم يشهد أُحُدًا ، فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلَمًا لِيُرَى مكانُه ، فلما وقف هو وخيله قال : مَن يبارز ؟ فبرز إليه علي بن أبي طالب )). (١) أي : تُسرع . تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٤ صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث وعند البيهقي في ((دلائل النبوة)): ((خرج عمرو بن عبد ودّ وهو مُقَنَّع بالحديد ، فنادى : مَنْ يبارز ؟ فقام علي بن أبي طالبٍ فقال : أنا لها يا نبي الله. فقال: ((إنه عمرو، اجلسْ)). ثم نادى عمرٌو: ألا رجلٌ يبرز ؟ فجعل يُؤنِّهم ويقول : أين جنتكم التي تزعمون أنه مَنْ قُتل منكم دخلَهَا ، أفلا تبرزون إلّي رجلًا؟! فقام علِّي فقال : أنا يا رسول الله . فقال: ((اجلسْ)). ثم نادى الثالثة فقال: لِجَمْعِهِم هلْ منْ مُبارِزْ ولقد بحِحْتُ من النداء موقِفَ القرنِ المناجِزْ ووقفتُ إِذْ جَبُنَ المشجَّعُ متسرِّعًا قبلَ الهَزَاهِزْ ولذاك إني لم أزلْ والجود من خيْرِ الغرائز إِنَّ الشجاعةَ في الفتَى قال : فقام علّي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله ، أنا . فقال : ((إنه عمّرٌو)). فقال: وإن كان عمرًا. فأذن له رسول الله عَ له ، فمشى إليه ، حتى أتى وهو يقول : مُجِيبُ صَوْتِكَ غیرُ عاجزْ لا تَعْجَلَنَّ فَقّدْ أَتَاكَ والصدقُ مَنْجَى كُلِّ فائز في نيّةٍ وبصيرةٍ ـمَّ عليكَ نَائِحَةَ الجنائِْ إني لأرجو أن أُقِـ قَى ذكرها عندَ الهزاهزُ(١))) مِن ضربة نجلاءَ يْـ ولما مشى علي إلى عمرو ليبارزه قال له : يا عمرُو ، إنك كنتَ تقول : لا يدعوني أحدٌ إلى واحدةٍ من ثلاثٍ إلّا قبلتُها . قال له : أجل . فقال له : إني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وتُسلِمَ لرب العالمين . فقال عمرو : يا ابن أخي ، أخّرْ عني هذه . قال (١) الهَزاهِز : الحروب والشّدة. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٩٥ علي : وأخرى : ترجع إلى بلادك ، فإنْ يكُ محمد رسول الله صادقًا كنتَ أسعد الناس به ، وإن يكُ كاذبًا كان الذي تريد . فقال عمرو : هذا ما لا تتحدث به نساءُ قريشٍ أبدًا . كيف وقد قدرتُ على استيفاءِ ما نذرتُ ؟! ثم قال عمرٌو : فالثالثة ، ما هي ؟ فقال علي : البرازُ . فضحك فارسُ قريشٍ عمرو - وكان فارسًا مشهورًا مُعَمَّرًا قد جاوز الثمانين - ثم قال لعلِي: إن هذه الخصْلة ما كنت أظنُّ أحدًا من العرب يروِّعني بها . ثم قال لعلِي : مَنْ أنت ؟ قال له : أنا علي . قال : ابن عبد مناف ؟ فقال علِّي : أنا علي ابن أبي طالب . فقال عمرٌو : يا ابن أخي مِن أعمامك مَن هو أسنُّ منك ؛ فواللهِ ما أحب أن أقتلك . فقال علي : ولكني - والله - أحبُّ أن أقتلك . فعند ذلك غَضِبَ عمرٌو غضبًا شديدًا، ونزل فسلّ سيفَه، كأنه شُعْلةُ نارٍ ، ثم أقبل نحو علِي مُغضَبًا، واستقبله علّ بدَرَقَته فضربه عمرو في دَرَقَتْه فقدّها ، وأثبتَ السَّيْف فيها ، وأصابَ رأسَه فشجّه ، وضربه علِّي على حبل عاتِقِه فسقط، وثار العَجَاجُ، وَسَمِعَ رسول الله عَ لِ التكبير ، فعرف الناس أنَّ عليًّا قد قتل عمرًا، فثمَّ يقول علّ : أعلُّي تقتحم الفوارسَ هكذا عنّي وعنهم أخّروا أصحابي ومُصَمَّمٌ في الرأسِ ليسَ بنابي اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي وألقى عكرمة رمحه يومئذٍ وهو منهزم عن عمرٍو ، فقال حسان بن ثابت : لعلَّكَ عِكْرمُ لم تفعلٍ فرّ وألقَى لنا رمحَه سم ما أن يحوّر عن المَعدِلِ ووَلَّيْتَ تعدو كعدو الظَّلبـ كأنّ قفاكَ قفا فَرْعَلٍ (١) ولم تلوِ ظهرَك مستأنسًا (١) الفرعل : صغار الضباع . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٣٩٦ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث قال عمر بن الخطاب : هلا استلبت درعَه ، فإنه ليس للعرب درٌ خير منها . فقال : ضربته فاتقاني بسوءَتِه فاستحيّيْتُ - ابنَ عمي - أن أسلبه. وبعث المشركون إلى رسول الله عَ طلم يشترون جيفتَه بعشرة آلافٍ، فقال: ((ادفعوا إليهم جيفتَهُ؛ فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدِّية)). فلم يقبل منهم شيئًا . علّ صاحب الراية يوم خَيْبَر الذي يفتح الله عليه : عن أبي هريرة أن رسول الله عَ ◌ّه قال يوم خيبر: ((لأُعطينَّ هذه الراية رجلًا يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديْه )). قال عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الإِمارة إلا يومئذٍ. قال: فتساورتُ لها رجاءَ أن أُدْعَى لها . قال : فدعا رسول الله عَ لّم علي بن أبي طالب فأعطاه إياها. وقال: ((امشِ ولا تلتفتْ ، حتى يفتح الله عليك)». فسار علِّ شيئًا ، ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتلُ الناس ؟ قال: (( قاتِلْهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابُهم على الله)) (١). وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال يوم خيبر: ((لأعطينَّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديْه ، يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله )) . قال: فبات الناس يدركون ليلتهم ، أيُّهم يُعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوْا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كلُّهم يرجو أن يُعطاها ، فقال: (( أين علي بن أبي طالب؟)) فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيْه. قال: فأرسَلوا إليه فأُتي به، فبصق رسول الله عَ لّه في عينيْه (١) رواه مسلم وأحمد والنسائي في الخصائص ، والطيالسي . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث ٣٩٧ ودعا له ، فبرأ حتى كأنَّه لم يكن به وجعٌ ، فأعطاه الراية ، فقال علّي : يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: (( انفُذ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادْعُهم إلى الإِسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ الله فيه ، فوالله ، لَأَن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم))(١). وعند البخاري عن سلمة، قال: ((كان علّ قد تخلّف عن النبي عَّله في خيبر، وكان به رمدٌ، فقال: أنا أتخلّف عن رسول الله عَ لَّهِ؟! فخرج علِّي فلحِقَ بالنبِي عَ لّه ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأُعطينَّ الراية - أو ليأخذنَّ الراية - غدًا رجلًا يحبُّه الله ورسوله - أو قال : يحبُّ الله ورسوله - يفتح الله عليه )). فإذا نحن بعلّ ، وما نرجوه ، فقالوا : هذا علي. فأعطاه رسول الله عَ ل الراية، ففتح الله عليه))(٢). وعن أبي سعيد الخدري، قال: إن رسول الله عَ لِّ أخذ الراية فهزّها ، ثم قال: ((مَنْ يأخذها بحقِّها ؟)) فجاء فلان فقال: أنا . قال : أمط. ثم جاء رجلٌ فقال: أَمِطْ. ثم قال النبي عَّهِ: ((والذي كَرَّم وجهَ محمدٍ ، لِأُعطينَّهَا رجلًا لا يفرّ، هاك يا علّ)) فانطلَقَ حتى فتح الله عليه خيبر وفَدَك ، وجاء بعجْوتهما وقديدهما(٣). وفي حديث سلمةً بن الأكْوع عند مسلم: (( ثم أرسلني رسول الله ◌َّهِ إلى علّ وهو أرمد، فقال: ((لأُعطينَّ الراية رجلًا يحبُّ الله ورسوله ، (١) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد، وأبو يعلى، والنسائي في الخصائص . (٢) أخرجه البخاري ومسلم . (٣) حسن: أخرجه أحمد في المسند ٣ / ١٦، وأخرجه أحمد أيضًا في فضائل الصحابة. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث ٣٩٨ أو يحبه الله ورسوله )). قال: فأتيتُ عليًّا فجئت به أقوده وهو أرمد ، حتى أتيتُ به رسول الله عَ ليه ، فبصق في عينيْه فبرأ، وأعطاه الراية . وخرج ((مرحب)) فقال : قد علمتْ خيبرُ أني مرحَبُ شاكي السلاحِ بطلٌّ مجربُ إذا الحروبُ أقبلتْ تلهَّبُ فقال علّ : أنا الذي سمّتْني أُمّي حَيْدَرَهُ(١) كَلَيْثِ غاباتٍ كريهِ المِنْظَرِهْ أُوَفِّيَهِمْ بالصاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ قال : فضرب رأسَ ((مرحب)) فقتله ، وكان الفتح على يديْه. مَرْحب هذا : فارس فرسان اليهود ، وكان مكتوبًا على سيفه بالعبرية : هذا سَيَفُ مَرَحَبْ مَن يَذُقِهُ يعطبْ فضربه علِّ فقدّ الحجر والمغفر ورأسَه ، ووقع السيف في الأضراس . وقبله قتل علي أخا مَرَحَبَ ، وهو الحارث . وبارز علّي قائدًا يهوديًّا - بعد مبارزة الزبير لياسر - وكان هذا القائد الفارس يُسمّى عامًا ، فقتله علّ أمام الحصن. قال رسول الله عَ المه حين طلع عامر: ((ترونه خمسةً أذرع؟ )) وكان طويلًا جسيمًا، فلما دعا للبراز ، وخطر بسيفه ، وعليه دِرعانِ ، وهو مُقَنَّعٌ في الحديد يصيح : من يبارز ؟ فأحجم الناس عنه ، فبرز إليه علّ فضربه ضرباتٍ ، كلّ ذلك لا يصنعُ شيئًا ، حتى ضرب ساقيْه فبرك ، ثم ذفّف(٢) عليه فأخذ (١) حيدرة : هو الأسد . (٢) أجهز عليه . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث ٣٩٩ سلاحه(١). وفتح الله على يد علّ بن أبي طالب حصن (( ناعم )) أقوى حصون خيبر .. فيا لعلِّ مِن حَيْدَرة !! الحُبَابُ بن المنذر بن الجَمُوح حاملُ اللّواء أمام حِصن ((الصَّعب)) بخيير: في أيام خيبر .. بعد سقوط حصن ناعم ، كان الدور قد أتى على حصن (( الصَّعب بن معاذ)) من حصون النطاة، وأعطى الرسول عَ له الراية للحباب بن المنذر الأنصاري للقيام بالهجوم على هذا الحصن .. وخرج كبيرُ قادةِ اليهود على فرسه أمام الحصن وطلب المبارزة ، وكان اسم هذا القائد ((يوشع)) فخرج لملاقاته الحباب فنازله، وبعد كِّ وفِ، ومقارعةٍ عنيفةٍ بالسيوف ، تمكّن،قائد قوات المسلمين مِن قتل (( يوشع))(٢). ورمَى اليهود المسلمين بسهامهم التي صبُّها كالمطر على المسلمين من أبراج الحصن ، بل إن اليهود بلغ بهم الاستبسال والشراسة في الدفاع عن حصن (( الصَّعب)) إلى أن يفتحوا أبواب هذا الحصن ويقوموا بهجوم مضادٌ كاسحٍ عنيفٍ ، كشفوا به قوات المسلمين وطاردوها ، وثبت قائد المسلمين الحباب يقاتل اليهود بشراسة عندما انكشف رجاله أمام اليهود ، وأمام ثبات رسول الله عَ ◌ّه ومعه الحباب ، عادت قوات المسلمين من جديد إلى التجمُّع خلفَ قائدهم الحباب ، الذي قام بتنظيمهم في الحال ، ثم شنَّ بهم في نفس الوقت هجومًا عنيفًا على حِصْنِ ((الصعب)) بُغْية اقتحامه، فطارد اليهودَ حتى أدخلهم حصنهم الذي أغلقوا أبوابه . يقول جابر بن عبد الله عن اليهود: ((رمَوْا بالنبل ساعةً سراعًا، (١) سلسلة معارك الإِسلام الفاصلة - خيبر - لمحمد أحمد بشاميل صـ ١٢٢ . (٢) سلسلة معارك الإسلام الفاصلة - خيبر صـ ١٣٠. تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com ! : تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com ٤٠٠ صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث وتّسْنَا عن رسول الله عَ ◌ِّ، وأمطرونا بالنَّبْل، فكأنَّ نَبْلَهم الجرادُ ، حتى ظننت أن لا يُقلعوا ، ثم حملوا حملةَ رجل واحدٍ ، فانهزم المسلمون ، حتى انتهوا إلى رسول الله عَ لّه، وهو واقفٌ قد نزل عن فرسه، وثّتَ الحبابُ رايتَنَا ، واللهِ ما يزال يراميهم على فرسه . وندب رسولُ الله المسلمين وحضّهم على الجهاد ، ورغبّهم فيه ، وأخبرهم أن الله قد وعدَه خيبر يغنّمه إياها ، قال : فأقبل الناس جميعًا حتى عادوا إلى صاحب رايتهم ، ثم زَحَفَ بهم الحباب ، فلم يزل يدنو قليلًا قليلًا، وتراجع اليهود على أدبارها حتى لحمَهَا الشُّ، فانهزموا سراعًا، ودخلوا الحصن وغلّقوا عليهم)). أقام المسلمون على حصن ((الصعب )) يومين ، ثم عدا بهم الحباب البطل في اليوم الثالث ومعه الراية ، فقاتلهم أشدَّ قتالٍ ... واغتنم فرصة اضطراب اليهود وتدنّ معنوياتهم ، فشنّ هجومًا خاطفًا برجاله على الحصن فاقتحموه ، وقاتلوا بضراوةٍ حتى افتتحوه ، واستولَوْا على كلّ ما فيه من أسلحةٍ وأرزاقٍ ، وكان شيئًا عظيمًا فّج الله به الضائقة التي عانى منها الجيش الإِسلامي بعد أن نَفِد التموين بسبب طول الحصار . ((يقول أبو سبرة : حمَل صاحبُ رايتنا وحملنا معه ، وأدخلنا اليهود الحصن وتبعناهم في جوفه ، فلما دخلنا عليهم الحصن فكأنهم غَنَمّ ، فقتلنا مَن أشرف لنا ، وأسرنا منهم ، وهربوا في كل وجهٍ يركبون الحّة يريدون حصن قلعة الزُبير ، وصعد المسلمون على جُدُره ، فكبّروا عليه تكبيرًا كثيرًا ، ففتَتْنَا أعضادَ اليهود بالتكبير ... فوجدنا - والله - من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك ، من الشعير والتمر والسَّمن والعسل والزيت والودك ، وأخرجنا منه غَنَمًّا كثيرًا وبقرًا وحُمُرًا، وأخرجنا منه آلاتٍ كثيرةً للحرب ، ومنجنيقًا ودباباتٍ وعُدّة ، فنعلم أنهم كانوا يظنون أن الحصار يكون دهرًا ، فعجّل الله خِزِيَهم . تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com