النص المفهرس

صفحات 341-360

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٣٤١
ولا أُرْجِعْ إلى أهلي ورائي
فشأنُكِ فانعمي وخَلَاكِ ذٌّ
بأرضِ الشام مستنهى الثّواءٍ(١)
وآبَ المسلمون وغادروني
إلى الرحمن منقطعَ الإِخاءِ
وردّكِ كلّ ذي نسبٍ قريبٍ
ولا نخل أسافلها رُوَاء
هنالكَ لا أبالي طَلْعَ بَعْلٍ
فلما سمعتهن بكيتُ ، قال : فخفقني بالدِّرة ، وقال : ما عليك يا
لُكَع أن يرزقني الله الشهادة ، وترجع بين شعبتّيْ الَّحْل .
فأخذ الرايةَ عبدُ الله بن رواحة بعد قتْل صاحبيه ، فجعل يستنزل
نفسَه ، ويتردد بها بعضَ التردُّد ، فقال عند ذلك :
طائعةً أَوْ لِتُكْرَهِنَّهْ
أقسمتُ باللهِ لتنزلنَّه
ما لي أراكِ تكرهينَ الجنهْ
إِنْ أجلبَ الناسُ وشِدُّوا الرَّنَّهْ
هل أنتِ إلا نطفةٌ في شَنَّهْ
قد طالَ ما قد كنتِ مُطمئنهْ
وقال أيضًا :
هذا حِمامُ الموتِ قد لَقِيتِ
يا نفسُ إنْ لا تُقتلي تموتي
ءُ
إِنْ تفعلي فِعْلَهُما هُدِیتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ
وإن تأخرتٍ فَقَدْ شقیتِ
ونزل فلما نزل ، أتاه ابن عمٍّ له بعظم من لحم ، فقال: شُدَّ بهذا
صُلْبَك ؛ فإنك قد لاقيتَ من أيامكِ هذه ما قد لقيتَ . فأخذه من يده ، ثم
انتهشَ منه نَهْشَةً ، ثم سمع الحِطْمَة في ناحية الناس ، فقال: وأنت في
الدنيا! ثم ألقاه من يده ، ثم أخَذَ سيفه ، فقاتل حتى قُتل ، رضي الله تعالى
(٢)
عنه(٢).
(١) أي : حيث انتهى مثواه ، أي: لا أريد رجوعًا .
(٢) الحلية ١ / ١١٨ - ١٢٠، والبداية والنهاية ٤ / ٢٤٣ - ٢٤٥.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٢
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
أبو دُجَائَةَ الأنصاري ، سِمَاكُ بن خَرَشَةَ رضي الله عنه :
ثبتَ أبو دجانة يوم أُحد مع النبي عَّ ◌ُلِّ ، وبايعه على الموت ، وهو
ممَّن شارك في قَتْل مسيلمة الكذاب ، ثم استُشهد يومئذٍ .
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله عَ لِ أخذ سيفًا يوم أُحدٍ فقال:
(( مَنْ يأخذ مني هذا؟ )) فبسطوا أيديهم، كلَّ إنسانٍ منهم يقول : أنا،
أنا. قال: ((فمن يأخذه بحقِّه؟ )) فأحجمَ القوم، فقال سِماك بن خَرَشَةَ
أبو دجانة : أنا آخذه بحقّه . قال: فأخذه ، ففلق به هامَ المشركين . رواه
أحمد ومسلم .
((قال ابن إسحاق : قاتَل أبو دجانة حتى أمْعَن في الناس . قال
ابن هشام : حَدَّثني غير واحدٍ من أهل العلم أن الزبير بن العَوَّام قال :
وجدتُّ في نفسي حين سألت رسول الله عَ لّمِ السيف فمنَعَنيه وأعطاه
أبا دجانة ، وقلت : أنا ابن صفية عمته ومن قريشٍ ، وقد قمتُ إليه وسألتُه
إياه قبله ، فأعطاه أبا دجانة وتركني ، والله لأنظرنَّ ما يصنع ، فاتّبْعتُه ،
فأخرج عصابةً له حمراءَ ، فعصب بها رأسَه ، فقالتِ الأنصار : أخرج أبو دجانة
عِصَابة الموت ، وهكذا كانت تقول له إذا تعصّب ، فخرج وهو يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحنُ بالسَّفْحِ لدَى النَّخيلِ
أضربُ بسيفِ اللهِ والرسولِ
أن لا أقومَ الدهرَ في الگیُّول(١)
فجعل لا يَلقَى أحدًا إلا قتله ، وكان في المشركين رجلٌ لا يدعُ جريحًا
إلَّا ذَفَّف(٢) عليه ، فجعل كلٌّ منهما يدنو من صاحبه ، فدعوتُ الله أن
يجمع بينهما ، فالتقيا فاختلفا ضربتيْنٍ ، فضرب المشركُ أبا دجانة ، فاتَّقاه
(١) الكُيُّول : مؤخر الصفوف .
(٢) أجهز عليه .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٣٤٣
بدرَقَتِهِ ، فعضّتْ بسيفه ، وضربه أبو دجانة فقتله ))(١).
رحمك الله ، ورضي عنك يا أبا دجانة .. يا صاحب ◌ِصابة الموت ..
يا مَنْ لا تقوم الدهر في الكيول بل تفلق هامَ المشركين .
أمّا نحن ، فتُفلق هامُنا .. وتصبغ العصابات من دمانا وأعراض نسائنا .
لم تبقَ في أَسْرِهَا إِلا سَبَايَانًا
قد استردّ السبايا كلُّ منهزم.
إلا رأيتُ عليهم لحْمَ أسْرَانا
وما رأيتُ سياطَ الذلِّ داميةً
حتى لقد خجِلَتْ منّا مَنَايانا
وما نموتُ على حدّ الظِّبا أنفًا
عن أنس بن مالك قال : رمَى أبو دجانة بنفسه يوم اليمامة إلى داخل
الحديقة ، فانكسرتْ رجلُه ، فقاتل وهو مكسورُ الرّجل حتى قُتِلَ رضي الله
عنه(٢).
مَجْزَأَةُ بن ثوْرِ السَّدُوسي :
المغوار الذي جعله الله سبًا في فتح (( تُسْتَر)) .. بعد أن دلّهم رجلٌ
من فارس على منفذٍ خفيّ ، ونفقٍ تحت الأرض يصل بين النهر والمدينة ،
بعد أن طال حصار تُستر ومصاولة المسلمين للمشركين ثمانين مرة . وسار
مجزأة على رأس ثلاثمائة من أشجع جند المسلمين ، يُصارعون هذا النفق الخطير
ويعبرونه ، وابتلع النفق مائتين وعشرين رجلًا ... وانقضَّ مَجزأة سيد بني
بكر وصحبه على حُماة الحصن ، وفتحوا الأبواب وهم يكبرون .
هذا البطل العظيم الذي قتل مائةً مبارزةً .. الله دُّ أمّ دَرَّتْ عليه ،
وثَدْي أَرضعه !
(١) البداية والنهاية ٤ / ١٧ - ١٨.
(٢) أسد الغابة ٢ / ٤٥٢، وسير أعلام النبلاء ١ / ٢٤٤.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٤
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
يقول الطبري عن حصار تُسْتَر، في أحداث سنة سبع عشرة: ((قتل
البراء بن مالك فيما بين أوّلِ ذلك الحصار ، إلى أن فتح الله على المسلمين
مائة مبارزٍ ، سوى من قتل في غير ذلك ، وقتل مجزأةُ بنُ ثور مثلَ ذلك ،
وقتل كعب بن سور مثل ذلك ، وقتل أبو تميمة مثل ذلك ، في عدةٍ من
أهل البصرة ، وفي الكوفيين مثل ذلك ، منهم: حبيب بن قّة ، ورِبْعَّ
ابن عامر ، وعامر بن عبد الأسود - وكان من الرؤساء - في ذلك ما
ازدادوا به إلى ما كان منهم (١).
ثابت بن قيس بن شَمَّاس الخزرجي ، خطيبُ الأنصار والبطل الكرّار ،
رضي الله عنه :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عَ ◌ّم: ((نِعْمَ الرجل
ثابت بن قيس بن شماس )»(٢).
وقال له النبي عَ له: ((يا ثابت، أما ترضَى أن تعيش حميدًا، وتُقتل
شهيدًا، وتدخل الجنة))(٣).
(( فلما كان يوم اليمامة ، انهزم الناس ، فقال ثابت: أَفَّ لهؤلاء ولِمَا
يعبدون! وأفّ لهؤلاء ولِمَا يصنعون! يا معشر الأنصار ، خُلُّوا سَنَني لعلّي
أصلى بحرِّها ساعةً، ورجل قائم على تُلْمَةٍ ، فقتله وقُتل .
وعن أنس قال : أتيتُ على ثابت بن قيس يوم اليمامة وهو يتحنّط ،
فقلت : أي عَمِّ ، ألا ترى ما لقي الناس ؟ فقال : الآن يا ابن أخي .
تاريخ الطبري ٢ / ٥٠١ طبع دار الكتب العلمية - بيروت .
(١)
أخرجه الترمذي في المناقب ، وقال : حديث حسن . وهو كما قال ، والحاكم وصححه
(٢)
ووافقه الذهبي .
(٣) إسناده قوي، أخرجه الحاكم ٣ / ٢٣٤ وصححه ، ووافقه الذهبي.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
٣٤٥
وعن أنسٍ قال : جئتُه وهو يتحنط ، فقلت : ألا ترى ؟ فقال : الآن
يا ابن أخي . ثم أقبل ، فقال : هكذا عن وجوهنا نقارعُ القوم ، بئس ما
عوّدتُم أقرانكم، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله عَ ليه، فقاتل حتى قُتل(١).
(( وعن أنسٍ : أن ثابت بن قيسٍ جاء يوم اليمامة ، وقد تحنط ولبس
توبيْن أبيضيْن ، فكَفّن فيهما ، وقد انهزم القوم ، فقال : اللهم إني أبرأ إليك
مما جاء به هؤلاء ، وأعتذر من صنيع هؤلاء ، بئس ما عوّدتم أقرانكم ،
خلُّوا بيننا وبينهم ساعة، فَحَمَّلَ ، فقاتل حتى قُتْل))(٢).
لك الله يا ثابتُ مِن فارسٍ مغوارٍ وبطل كرّار .. تلبس الكفن ببطولةٍ
وفدائية ، وغيرك من أقزام عصرنا أَوْلى بُبْسِ الكفن من الأموات ذلًّا وخِزْيًا
وهوانا !!
لقد جفّتْ سواقينا وهَدّ الذلُّ مْوَانا
ولم يتركْ لنا الأعداءُ غرسًا في أراضينا
سوى أجیافٍ مَوْتانا
أخي إن ضجّ بعد الحرب (يهودي) بأعمالِهْ
وقدّس ذِكْرَ مَن ماتُوا وعظّمَ بَطْشَ أبطالِهْ
فلا تهزجْ لمن سادوا ولا تشمَتْ بمَن دَانا
بل اتبعني لنحفر خندقًا بالرفش والمِعْوَلْ
نُواري فيه موتانا
بل اركعْ خاشعًا مِثلي لنبكي حظَّ موتَانا
أخي مَنْ نحن لا وطن ولا أهل ولا جار
(١) رواه البخاري .
(٢) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٤٦
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
إذا نِمْنَا إذا قُمْنا ردانا الخزئي والعارُ
لقد خمّتْ بنا الدنيا كما حُمَّتْ بموتانا
فهاتِ الرّفش واتبعني لنحفرَ خندقًّا آخرْ
نواري فيه أحيانا
نعيم بن مالك بن ثَعْلبة ، وهو أَحَد بني سالمٍ ، رضي الله عنه :
في البداية والنهاية (٤ / ١٣ - ١٤): قال في يوم أحد للنبي عدوية:
يا نبي الله ، لا تحرمْنا الجنة ، فوالذي نفسي بيده لأدخلنّها . فقال له رسول الله
عَّ ◌ُله: ((بِمَ؟)) قال: بأني أحبُّ الله ورسوله، ولا أفّ يوم الَّحف. فقال
له رسول الله عَ له: ((صدقت)). واستُشهد يومئذٍ .
عبد الله بن عمرو بن حَرام ، الصحابي الذي كلّمه اللهُ كِفاحًا :
رزقه الله الشهادة يوم أُحد لمّا تعرض لها .
رأى عبدُ الله بن حرام مبشَّرَ بن عبد المنذر - وكان ممن استشهد
ببدرٍ - يقول له: أنت قادمٌ علينا في هذه الأيام. فقصَّها على النبي معَظالم ،
فقال: ((هذه الشهادة)).
وعن جابرٍ أن أباه قال له : إني مُعرّضٌ نفسي للقتل(١).
وروى البخاري عن جابر قال: لمّا حضر أُحُد ، دعاني من الليل
فقال: ما أراني إلّا مقتولًا في أول من يُقتَل من أصحاب النبي عَّةٍ ، وإني
لا أترك بعدي أعزّ علّ منك، غيرَ نفسِ رسول الله عَِّ، وإنّ علّ دَيْنًا
فاقض ، واستوصٍ بأخواتك خيرًا . فأصبحنا فكان أول قتيل ...
لله درُّه .. يتعرض للشهادة ويعزم عليها ، ويُوصي ابنه ، وكأنه يرى
(١) فتح الباري ٣ / ٢٥٦ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٣٤٧
الشهادة رأي العين ..
قال جابر : لما قُتل أبي يوم أُحد ، جعلتُ أكشف عن وجهه ،
وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله عَ لِّ ينهوني وهو لا ينهاني ، وجعلتْ
عمتي تبكيه ، فقال النبي عَ لّم: ((تبكيه أو لا تبكيه ، ما زالت الملائكة
تُظلله بأجنحتها حتى رفعتموه ))(١).
وعن جابر قال: قال لي رسول الله عَ اله: ((ألا أخبرك أن الله كلَّم
أباك كفاحًا ، فقال: يا عبدي ، سَلْني أُعطِكَ. قال: أسألك أن تردَّني
إلى الدنيا ، فأُقتل فيك ثانيًا. فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يُرجعون .
قال : يا ربِّ، فأبلغْ من ورائي . فأنزل الله ﴿ ولا تحسبَنَّ الذين قُتلوا في
سبيلِ اللهِ أمواتًا بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون﴾ [ آل عمران: ١٦٩]))(١).
سعد بن الربيع رضي الله عنه :
أَحَدُ النُّقَبَاءِ ليلةَ العَقَّبة .
(( لما كان يوْم أُحد قال رسول الله عَّه: ((مَنْ رجلٌ ينظرُ لي ما
فعل سعدُ بن الربيع؟)) فقال رجل من الأنصار(٣): أنا . فخرج يطوف
في القتلَى ، حتى وجد سعدًا جريحًا مثبتًا بآخر رَمَقٍ ، فقال : يا سعد ،
إن رسول الله عَ الله أمرني أن أنظر: أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟! قال :
فإني في الأموات، فأبلِغْ رسول الله عَ لِّ السلام، وقل: إن سعدًا يقول:
جزاك الله عني خير ما جزى نبيًّا عن أمته ، وأبلغْ قومَك مِني السلام ، وقل
لهم: إن سعدًا يقول لكم: إنه لا عُذْرَ لكم عند الله إِنْ خُلِص إلى نبيّكم
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢٩٨، والبخاري (١٢٤٤، ٤٠٨٠) ومسلم والنسائي .
(٢) صحيح ، أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٣) هو أَتّ بن كعب .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٤٨
ومنكم عَيْنٌ تَطْرِف))(١).
((وعن مالك بن أنس أن النبي عَّ لمه قال: ((مَنْ يأتينا بخبرٍ سعد؟)).
فقال رجل : أنا . فذهب يطوف بين القتلَى ، فوجده وبه رمَق ، فقال :
بعثني رسول الله عَ لّم لآتيه بخبرك . قال: فاذهب فَأَقْرِهِ مني السلام ،
وأخبره أنني قد طُعنتُ اثنتي عشرة طعنةً، وقد أنفذت مقاتلي))(٢).
لله دَرُّكَ يا ابن الربيع !
المِقْدَادُ بن عمرو ، فارس بدر ، رضي الله عنه :
السابق إلى الإِسلام ، الفارس يوم الحرب والإقدام ، أعرض عن
العمالات ، وآثر الجهادَ والعبادات .
روى البخاريُّ عن عبد الله بن مسعود قال : شهدتُ من المقداد بن
الأسود مشهدًا، لأَنْ أكون صاحبَه أحبّ إلي ممّا عُدل به، أنى النبَي عَ له
وهو يدعو على المشركين فقال : لا نقول كما قال قوم موسَى لموسَى :
اذهبْ أنتَ وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون﴾ ، ولكن نقاتل عن يمينك
وعن شمالك، وبين يديْك وخلفك. فرأيتُ النبي عَ لِّ أَشرق وجهُه، وسَُّّ:
(( وعند ابن إسحاق : أن المقداد قال: يا رسول الله، امضٍ لِمَا أراك
الله، فنحن معك لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت
وربُّك فقاتِلا إنا هاهنا قاعِدُون﴾ ولكن اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا ، إنا
معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرتَ بنا إلى ((بَرْكِ الغِماد))،
(١) الإِصابة ٤ / ١٤٤، والاستيعاب لابن عبد البر ٤ / ١٤٥، والسيرة لابن هشام
٢ / ٩٤ - ٩٥ ٠
(٢) الموطأ ٢ / ٢١، وطبقات ابن سعد ٣ / ٢ / ٧٧.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
٣٤٩
لجالدْنَا معك من دونه. حتى تبلغه. فقال له رسول الله عَ ل خيرًا ودعا
له))(١).
عن أبي راشد الحُبراني قال: وافيتُ المقدادَ فارسَ رسول الله عَ ليه
بـ((حِمص)) على تابوت من توابيت الصيارفة ، قد أفضل عليها من عِظَمِه ،
يريد الغزو ، فقلت له : قد أعذر الله إليك. فقال: أبتْ علينا سورة البَحُوث
انفُرُوا خِفَافًا وثِقَالًا ... ﴾ [التوبة: ٤١](١).
أبو طَلْحَة الأنصاري صاحب رسول الله عَ لَه، وأحدُ أعْيان البذْرِيِّين،
رضي الله عنه :
هو الذي قال فيه رسول الله عَ ◌ّه: ((لَصوتُ أبي طلحة في الجيش
خيرٌ من ألف رجل ))(٣).
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ◌ّهِ: ((لصوتُ
أبي طلحةَ في الجيش خيرٌ من فِئَةٍ))(٤).
بربِّك قُلْ لي: إنْ كان هذا حال صوته ، فكيف زَنْدُه ونَبْله ، وسيفه
ورمحُه ؟!
(١) البداية والنهاية ٣ / ٢٦١ ..
(٢) صحيح : أخرجه ابن سعد ، وأبو نعيم في الحلية ، والحاكم وصححه ، ووافقه
الذهبي . وسورة البَحوث هي التوبة ، سُميتْ بذلك لبحثها عن المنافقين وهتْكها
الأستارهم .
(٣) صحيح ، رواه الحاكم عن جابر ، وابن عساكر ، وصححه الألباني في الصحيحة
رقم ١٢٧٥ ، وصحيح الجامع ٥٠٨١ .
(٤) صحيح ، رواه أحمد والحاكم وابن سعد وأبو نعيم في الحلية والخطيب وابن عساكر ،
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٠٨٢ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٠
صلاح الأمة في علو الهمة - المجلد الثالث
عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي رسول الله
عَِّ يوم أُحُدٍ، وكان رجلًا راميًا، وكان رسول الله عَ له إذا رمَى أبو
طلحة، رفع بصرَه ينظر أينَ يقع سهمُه. وكان يدفع صدر رسول الله عَ ليه
بيده ، ويقول : يا رسول الله، هكذا لا يُصيبك سهم(١).
وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد ،
انهزم الناس عن رسول الله عَ لّه، وأبو طلحة بين يديْه مُجَوِّبًا عليه بحَجَفَةٍ (٢)،
وكان راميًا شديد النّزْع ، كسَر يومئذٍ قوسيْن أو ثلاثةً. وكان الرجل يمرّ
معه الجَعْبة من النَّبْل فيقول عَّهِ: ((انثُرْها لأبي طلحة)). ثم يشرف
إلى القوم ، فيقول أبو طلحة : يا نبي الله ، بأبي أنت ، لا تُشرف ، لا يُصيبك
سهمٌ ، نَحْري دونَ نَحْرِكَ .
وكان إذا بقي مع النبي عٍَّ ، جثا بين يديْه ، وقال : نفسي لنفسك
الفداءُ، ووجْهي لِوجْهك الوِقَاءُ .
((وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لُه قال يوم حُنَيْنٍ:
((مَنْ قتل قتيلًا فله سَلَبُه)). فقَتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخذ
أَسْلاَبَهم ))(٣).
وعن أنس رضي الله عنه، أن أبا طلحة قرأ ﴿انفرُوا خِفافًا وثِقالًا ... ﴾
الآية [ التوبة: ٤٢ ]، فقال: استنفرنا الله، وأمَرَنا: شيوخَنَا وشبابَنَا؛ جهِّزوني .
فقال بنوه : يرحمك الله! إنك قد غزوتَ على عهد رسول اللّه عَوَّةٍ،
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢٨٦، ٢٨٧ وابن سعد ٣ / ٥٠٦ وإسناده صحيح .
(٢) مجوبًا عليه : أي مُتَرِّسًا عليه ، والحجفة : الترس.
(٣) إسناده صحيح ، أخرجه أبو داود ، والدارمي ، وابن سعد، وصححه الحاكم ،
ووافقه الذهبي .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥١
وأبي بكر ، وعمر ، ونحن نغزو عنك الآن . قال : فغزا البحرَ فمات ،
فلم يجدوا جزيرةً يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ، فلم يتغيّر(١).
عَمرو بن الجَمُوحِ بن زيد الخزرجي ، سيِّد بني سَلَمَةَ ، رضي الله عنه :
عن جابرٍ رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لّم قال: (( يا بني سلمة ،
مَنْ سيِّدكم؟ )). قالوا: الجدُّ بن قيس، وإنا لنبخّلُه. قال: ((وأَّ داءٍ أَدْوَى
مِنَ البخل ؟! بل سيدكم: الجَعْد الأبيض عمرو بن الجَمُوحِ))(٢).
وأخرج أحمد من حديث أبي قتادة قال : أتى عمرو بن الجموح إلى
رسول الله عَ ◌ّهِ فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ قاتلتُ في سبيل الله حتى
أُقتل ، أأمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة ؟ - وكانت رجله عَرْجاء -
فقال رسول الله عَّ ◌ُلِ: ((نعم)). فقُتلوا يومَ أُحدٍ : هو، وابنُ أخيه،
ومولَّى له. فمَرَّ رسول الله عَ ◌ّه فقال: «كأني أنظر إليك تمشي برجلك
هذه صحيحة في الجنة)). فأمر رسول الله عَ لّه بهما وبمولاهما فجُعِلوا في
قبر واحد(٢).
لم يشهد رضي الله عنه بدرًا ؛ كان أعرجَ ، ولما خرج يوم أحدٍ منعه
بنوه، وقالوا: عَذَرك اللهُ. فأتى رسول الله عَ ◌ّمِ يشكوهم. فقال: ((لا
عليكم أنْ لا تمنعوه ؛ لعلّ الله يرزقه الشهادة)).
قالت امرأته هندُ أختُ عبد الله بن عمرو بن حرام : كأني أنظر إليه
قد أخذ دَرَقَته ، وهو يقول : اللهمَّ لا تردَّني .
(١) إسناده صحيح .
(٢) سنده قوي، أخرجه البخاري في الأدب المفرد ، وأبو نعيم في الحلية .
(٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٣ / ١٧٣ : سنده حسن.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٢
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
فلما كان يوم أحد قال رسول الله عَ له: ((قوموا إلى جنة عرضها
السموات والأرض ، أعِدَّتْ للمتقين)) . فقام وهو أعرج، فقال: والله
الأَفْحزْنَّ(١) عليها في الجنة . فقاتل حتى قُتِلَ .
ابنُ أُمِّ مَكْتُوم القرشي ، رضي الله عنه :
عن مروان بن الحَكَم ، أن زيد بن ثابتٍ أخبره أن رسول الله عَ لّ
أملَى عليه ( لا يستوي القاعدُون مِنَ المؤمنينَ والمجاهدونَ في سبيل الله ... )
فجاءَه ابن أمّ مكتوم ، وهو يُملُّها علّ ، قال : يا رسول الله ، لو أستطيع
الجهاد لجاهدتُ. وكان أعمَى، فأنزل الله على رسوله عَ ◌ّه، وفخِذُه على
فخِذي ، فثقلت علّ ، حتى خفتُ أن تُرَضَّ فخذي ، ثم سُرِّي عنه .
فأنزل الله ﴿ غيرُ أولي الضَّرر ﴾(٢) ..
وكان رضي الله عنه - بعدُ - يغزو ويقول : ادفعوا إلّ اللواء ؛ فإني
أعمَى لا أستطيع أن أَفَّرِ وأقيموني بين الصَّفَّين(٣).
وعن أنس ، أن عبد الله بن زائدة - وهو ابن أم مكتوم - كان يقاتل
يوم القادسية وعليه دِرْعٌ له ، حصينة سابغة(٤).
قال الواقدي : شَهِدَ القادسية معه الراية ، ثم رجع إلى المدينة فمات بها .
قال الذهبي في ((السير)) (١ / ٣٦٥): ((قلت: ويقال: استشهد
يوم القادسية)) .
(١) القَحْزُ : الوَتْب.
(٢)
أخرجه البخاري ، والترمذي ، وابن سعد .
(٣)
أخرجه ابن سعد .
أخرجه ابن سعد ٤ / ١ /١٥٤ ..
(٤)
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا على مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوِّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥٣
الله دَرُّكَ يا مُؤذِّن رسول الله عَّلِ! حين تشهد الوغَى، وطَعْنَ الرماح
ووقْع الأسنة ، وتُمسك بالراية وأنت أعمى .. مِن أّ طينةٍ طاهرةٍ عَطِرة
كنتم ، وبأتّ أرحامٍ حُملتم ، ومن أيّ أصلاب خرجتم ؟! لكأنكم أتيتم
إلينا من عوالم علوية غير عالمنا هذا !!
عِبَرٌ تُضِيءُ بِأَرْوَعِ الأمثالِ
فالقادسيَّةُ ما يزالُ حديثُها
فتجيبُها حِطِّينُ بِالِمِنْوَالِ
تحکِي مفاخرنا وتذكُر مجدنا
تاقَ الزمانُ لها بغيرِ جِدالٍ
صَفَحَاتُ مجدٍ في الخلودِ سطُورُها
الطَّيِّبِ المُطَيَّب الذي تشتاقُ إليه الجنةُ عمَّار بن ياسر ، رضي الله عنه :
قال رسول الله عَ ◌ّه: ((إن الجنة لتشتاقُ إلى ثلاثةٍ: علي وعمّار
وسلمان ))(١).
وعن علي رضي الله عنه قال: استأذن عمّار على النبي عَ ◌ّه، فقال:
((مَنْ هذا؟)) قال: عمار. قال: ((مرحبًا بالطِّّب المُطَيَّب))(٢).
وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((مُلِىَ
إيمانا إلى مُشَاشِهِ )). يعني عمّارًا(٣).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لهم: ((اقتدوا
باللَّذيْنِ مِن بعدي ، أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمّار، وتمسكوا بعهد
(١) حسن، رواه الترمذي ، والحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي ، وحسنه الألباني
في صحيح الجامع رقم ١٥٩٨ .
(٢) صحيح ، أخرجه الترمذي ، وأبو نعيم في الحلية ، والحاكم في المستدرك وصححه ،
ووافقه الذهبي .
(٣) إسناده صحيح . رواه النسائي، والبزار، وقال الحافظ في الفتح ٧ / ٩٢ :
إسناده صحيح . والمُشاش : رؤوس العظام اللَّيَِّة .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٤
=
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
ابن أمّ عبد ))(١).
وعمار رضي الله عنه هو الذي قال عنه أبو الدرداء رضي الله عنه :
(( الذي أُجِيرَ من الشيطان)).
وقال أبو هريرة: (( وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان
نبيه)) .
قال ابن عمر : رأيت عمَّارًا يوم اليمامة على صخرة ، وقد أشرف
يَصيح : يا معشرَ المسلمين ، أُمِنَ الجنة تفُرُّون ؟! أنا عمار بن ياسر ، هلمُّوا
إلّي. وأنا أنظر إلى أُذُنه قد قطعتْ فهي تُذبذب، وهو يقاتل أشدَّ القتال(٢).
وعن طارق بن شهاب: إن أهل البصرة غزوا ((نهاوند ))، فأمدَّهم
أهل الكوفة وعليهم عمار ، فظفروا ، فأراد أهل البصرة ألا يقْسموا لأهل
الكوفة شيئًا ، فقال رجل تميمي : أيها الأجدُ ، تريد أن تشاركنا في غنائمنا ؟!
فقال عمار : خيرُ أذنّ سَبَيْتَ؛ فإنها أصيبتْ مع رسول الله عَلّهِ(٣).
عكرمة بنُ أبي جَهْل :
الشَّريف الرئيس الشهيد أبو عثمان القرشي المخزومي ، رضي الله عنه .
(( قال الشافعي : كان محمودَ البلاءِ في الإِسلام . رضي الله عنه .
(١) حسن ، أخرجه أحمد ، والترمذي ، وصححه ابن حبان ، وأخرجه ابن ماجه
مختصرًا، والحاكم وصحَّحه، ووافقه الذهبي ، وأخرجه الفسوي في (( المعرفة
والتاريخ )).
(٢) أخرجه ابن سعد ٣ / ١ / ١٨١.
(٣) إسناده صحيح، أخرجه ابن سعد ٣ / ١ / ١٨١ - ١٨٢، وعبد الرزاق في
المصنف ، والبيهقي في السنن ، والبغوي في شرح السنة .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
٣٥٥
صلاح الأمة في عُلُوَ الهمة - المجلد الثالث
وقال أبو إسحاق السّبيعي : نزل عِكْرمة يومَ اليرْمُوك ، فقاتل قَتْلًا
شديدًا ، ثم استُشهد ، فوجدوا به بضعًا وسبعينَ ، من طعنةٍ ورمْيةٍ وضريٍ .
وقال عروة وابن سعد وطائفة : قُتل يوم أجنادين ))(١).
لمّا كان يوم اليرموك ، تقدّم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقَعْقَاع
ابن عمرو أن يُنشِئا القتال ، فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البِراز ، وتنازل الأبطال
وتجاولوا ، وحمي الحرب وقامت على ساقٍ. فنادى عكرمة: ((قاتلتُ
رسول الله عَّةٍ في كلّ موطنٍ ، وأفّ منكم اليوم ؟! مَنْ يبايع على الموت ؟
فبايعه أربعمائة من وُجوه المسلمين وفرسانهم ، فبايعه عمَّه الحارث بن
هشام ، وضرار بن الأزور ، فاستبسلوا وقاتلوا قُدَّام فسطاط خالد ، حتى
أثبتوا جميعًا جراحًا . وأُتي خالد بِعِكْرمة جريحًا فوضع رأسَه على فخذه ،
وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسَه على ساقه ، وجعل يمسح عن وجهيْهما ،
ويُقِطِرُ الماءَ في حلقيْهما .
فرضي اللهُ عن شهيد اليرموك عكرمة ، الذي قال فيه ابن كثير :
((يُقال: إنه لا يُعرف له ذنبٌ بعد ما أسْلَم)) (٢).
أبو الأغور ، سعيدُ بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل أحدُ العشرة ، رضي الله عنه :
قائد الفرسان يوم أجْنادِين ، وكان من أشد الناس ، وهو الذي أشار
على خالد بِبَدْءِ القتال يوم أجنادين لما رمَى الرومُ المسلمين بالنُّشَّاب ، فصاح
سعيد بن زيد بخالد قائلًا: ((عَلاَمَ نستهدف لهؤلاء الأعْلاج ؛ وقد رشقونا
بالنشاب حتى شَمَسَتِ (٣) الخيل؟!)). فأقبل خالد إلى خيل المسلمين ،
(١) سير أعلام النبلاء ١ / ٣٢٤.
(٢) البداية والنهاية ٧/ ١١، ٧/ ٣٥، والطبري ٣/ ٤٠١.
(٣) امتنعتْ ظهورها عن الركوب .
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥٦
وقال لهم: ((احملوا - رحمكم الله - على اسم الله)). وحمل خالدٌ على
الروم ، وحمل المسلمون معه بأجمعهم ، وصبروا مختارين لهجوم الروم
عليهم مرتين .. على ميْمِنتهم مرة ، ثمّ على ميْسرتهم ، ثم صبروا لَرَشْق
نبالهم ، وانطلق جيش المسلمين إلى الروم، فما صبر الروم لهم فَوَاقًّا(١)،
وانهزموا هزيمةً شديدة ، وقتلهم المسلمون كيف شائعُوا ، وأصابوا معسكرهم
وما حوى .
وعند الطبري، عن ابن إسحاق: ((فلما رأى القبقلار(٢) ما رأى
من قتال المسلمين ، قال للروم : لفّوا رأسي بثوْبٍ . قالوا : لِمَ ؟ قال :
يوم البئيس ، لا أحب أن أراه ، ما رأيت في الدنيا يومًا أشدَّ من هذا .
فاحْتَزَّ المسلمون رأسَه ، وإنه لَمُلَفَّفٌ)).
ولعلّ أروع بطولاته تلك التي سجّلها يوم اليرموك :
(( قال سعيد بن عمرو بن نُفيل : لمّا كان يوم اليرموك كنا أربعًا
وعشرين ألفًا أو نحوًا من ذلك ، فخرجتْ لنا الروم بعشرين ومائة ألفٍ ،
وأقبلوا علينا بخطّى ثقيلةٍ ، كأنهم الجبال تُحركها أيدٍ خفّةٌ وسار أمامهم
الأساقفةُ والبطارقةُ والقسِّيسُون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات ،
فيردِّدُها الجيش من ورائهم ، ولهم هَزِيمٌ كهزيم الرَّعد . فلما رآهم المسلمون
على حالهم هذه ، هالتْهم كثرتُهم ، وخالط قلوبَهم شيءٌ من خوْفهم . عند
ذلك قام أبو عبيدة بن الجراح يحضُّ المسلمين على القتال ، فقال : عبادَ الله ،
انصروا الله ينصرْكم ويثبّتْ أقدامكم . عباد الله ، اصبروا ؛ فإن الصبر منجاةٌ
(١) الفواق: ما بين الحلْبَتَيْن من الوقت، والمراد : الزمن القصير.
(٢) قائد جيش الروم .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صَلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥٧
من الكفر ومرضاةٌ للرب ، وَمَدْحَضَةٌ للعار . وأَشرعُوا الرماح ، واستِرُوا
بالتروس ، والزموا الصمتَ إلا من ذكْر الله عز وجل في أنفسكم ، حتى
آمركم إن شاء الله .
قال سعيد : عند ذلك خرج رجلٌ من صفوف المسلمين وقال لأبي
عُبيدة : إني أزمعتُ(١) على أن أقضي أمري الساعة (١) ، فهل لك من رسالة
تبعث بها إلى رسول الله عَ ليه ؟ فقال أبو عُبيدة: نعم ، تُقرئه مني ومن
المسلمين السلامَ ، وتقول له : يا رسول الله ، إنا وجدنا ما وعدنا ربُّنَا
حقًّا . قال سعيد: فما إنْ سمعتُ كلامَه ، ورأيتُه يمتشِقُ حُسَامَه ويمضي
إلى لقاءٍ أعداء الله ، حتى اقتحمتُ(٢) إلى الأرض، وجثوْتُ على ركبتَّ،
وأشرعتُ رمحي ، وطعنت أوَّلَ فارس أقبَل علينا ، ثم وَثَبتُ على العدوِّ،
وقد انتزع الله كلّ ما في قلبي من الخوف ، فثار الناس في وُجوه الروم ،
وما زالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر))(٣).
((قال حبيب بن سلمة : اضطررنا يوم اليرموك إلى سعيد بن زيد ،
فللَّه درُّ سعيد ! ما سعيد يومئذ إلا مثلُ الأسد ، لما نظر إلى الروم وخافها ،
اقتحم إلى الأرض وجثا على ركبتيه ، حتى إذا دَنَّوْا منه وثب في وجوههم
مثل الليْثِ ، فطعن برابته أوَّلَ رجل من القوم فقتله ، وأخذ - والله - يقاتل
راجلًا - قتالَ الرجل الشجاع البَأُسِ - فارسًا، ويعطِفُ الناسُ إليه)) (٤).
(١) أزمعتْ : عزمتُ . وأقضي أمري الساعة : أي أموت في هذه الساعة .
(٢) اقتحمت إلى الأرض : رميتُ بنفسي بشدةٍ على الأرض .
(٣) صُور من حياة الصحابة ١ / ١٥٥ - ١٥٨ للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا -.
طبع مؤسسة الرسالة .
(٤) تاريخ ابن عساكر ١ / ٥٤١، الأزدي ٢٢٦.
تبعوانا على مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥٨
حَكِيمُ الأُمَّةِ أبو الدَّرْدَاء :
((قال ابن إسحاق : كان الصحابة يقولون : أتْبَعُنَا للعلم والعمل
أبو الدرداء .
قال سعيد بن عبد العزيز : أسلم أبو الدرداء يومَ بدر ، ثم شَهِدَ أُحُدًا ،
وأمَرِه رسول الله عَ ◌ّم يومئذٍ أن يُدَّ مَنْ على الجبل، فردَّهم وحْدَه)).
أبو أيُّوب الأنصارَي ، السيّدَ الخزرجي ، النَّجَّاري البدري :
رفع الله في الخافقيْن ذِكْره ، وأعلى في الأنام قَدْرَه حين اختار بيْتَه
مِن دون بيوت المسلمين جميعًا لينزل فيه النبي عَّ له، لما حلّ في المدينة
مهاجرًا ، وحسْبُه بذلك فَخْرًا .
أمّا في شيخوخته فقد كان عجبًا .
وكانت آخر غزَوَاته حين جهّز معاويةُ جيشًا بقيادة ابنه ((يزيد)) لفتح
القسطنطينية ، وكان أبو أُيُّوب آنذاك شيخًا طاعِنًا في السِّنِّ يحبو نحو الثمانين
من عمره ، فلم يمنعه ذلك من لقاءِ العدوّ ، لكنّه لم يمض غيرُ قليلٍ على مُنازَلة
العدو ، حتى مرض أبو أيوب مرضًا أقعده ، فأتاه يزيد يعوده ، فقال :
حاجتكَ ؟ قال: نعم، إذا أنا متّ فاركب بي ، ثم تبيّغْ (١) بي في أرض العدوّ
ما وجدتَّ مَسَاغًا ، فإذا لم تجد مساغًا ، فادفِّّي ثم ارجعْ ، فلما مات ركب
به ، ثم سار به ، ثم دفنه . وكان يقول : قال الله: ﴿انفروا خِفافًا
وثقالًا ... ) الآية [التوبة: ٤١]، لا أجدُني إلا خفيفًا أو ثقيلًا.
وعند ابن سعد : عن أبي ظبيان ، قال : أغزى أبو أيوب فمرض ،
(١) تبيّغ به الدم: أي تردّد فيه. وفي ((الطبقات))، و((أسد الغابة))، وابن عساكر:
ثم سُعْ، أي: ادخل فيها ما وجدت مُدَّخَلًا .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٥٩
فقال : إذا متُ فاحملوني ، فإذا صافقْتم العدوَّ ، فارموني تحت أقدامكم .
أما إني سأحدثكم بحديث سمعتُه من رسول الله عَ ◌ّله، سمعته يقول :
((من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة))(١).
يا له من شَوْقٍ عارم إلى الجهاد ، لا يحدُّه حدٌّ ! فرضي الله عن
السيِّد الشيْخ المجاهد ، المدفون تحتِ أسوار القسطنطينية .
أبو الغادية ، الصحابي الذي قَتَل بِسَهْمٍ واحدٍ ثلاثمائة رُومي في وقتٍ واحدٍ :
لا تعجبْ .. فحياة الصحابة كلُّها أعاجيبُ .
تركْنا البحارَ الزاخراتِ وراءنا فَمِنْ أينَ يدري الناسُ أنَّى توجَّهنا
قال الذهبي عن أبي الغادية: (( مِن وجوه العرب ، وفرسان أهل
الشام .
قال عثمان بن أبي العاتكة : رمَى العدوّ الناسَ بالنِّفْطِ ، فقال معاوية :
أمَا إذْ فعلوها فافعلوا . فكانوا يترامَوْنَ بها . فتهَّأْ رومِّي لرمْي سفينة أبي الغادية في
طنجير(٢) ، فرماه أبو الغادية بسهمٍ ، فقتله ، وخرّ الطنجير في سفينتهم ،
فاحترقتْ بأهلها . كانوا ثلاثمائة . فكان يُقال : رميةُ سهمٍ أبي الغادية قتلتْ
ثلاثمائة نفسٍ ))(٣).
الصحابي الجليل سَلَمَة بن عمرو بن الأكْوَعِ رضي الله عنه :
قال مولاه يزيد: سمعتُ سلمةً يقول: بايعتُ رسول الله عَ له على
الموت ، وغزوتُ معه سبعَ
(١) إسناده قوي، أخرجه ابن سعد ٣ / ٤٨٤ - ٤٨٥ .
(٢) الطّنجير: قِدرٌ نُحاسي، مُعَّب، وفارسيّته : باتيل.
(٣) سير أعلام النبلاء ٢ / ٥٤٥ .
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com

تبعوانا علي مدونة معلومات وتقنيات لتجدوا كل جديد /https://weblessam.blogspot.com
صلاح الأمة في عُلُوَّ الهمة - المجلد الثالث
٣٦٠
غَزَوات(١).
عن إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : بيّتنا هوازن مع أبي بكر
الصديق ، فقتلتُ بيديّ لْيُلتئذٍ سبعة أهل أبيات(٢)، وكان شعارُنا تلك الليلة :
((أَمِتْ أَمِتْ)).
(( وروى مسلم في صحيحه عن سلمة : قدِمنا الحديبيةَ مع رسول الله
عَّ ◌ُلِ ونحن أربعَ عشرةَ مائة، وعليها خمسون شاةً لا ترويها . قال : فقعد
رسول الله عَ لّه على جبَا الَّكِيَّةَ(٣)، فإمّا دعا وإما بصَق فيها . قال:
فجاشتْ(٣)، فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله عَّ ◌ُلّه دعانا للبيعةَ
في أصل الشجرة . قال : فبايعتُه أوّلَ الناس ، ثم بايع وبايع ، حتى إذا كان
في وسطٍ من الناس ، قال: ((بايعْ يا سلمة)). قال: قلت : قد بايعتُك
يا رسول الله في أوَّلِ الناس. قال: ((وأيضًا)). قال: ورآني رسول الله
عَّ له عَزِلًا - يعني ليس معه سلاح - قال: فأعطاني رسول الله عَ ليه
حَجَفَة أو دَرَقَةً، ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: (( ألا تبايعني
يا سَلمة؟ )) قال: قلت : قد بايعتك يا رسول الله في أوَّل الناس ، وفي
أوسط الناس. قال: ((وأيضًا)). قال: فبايعتُه الثالثة، ثم قال لي: (( يا
سلمة، أين حَجَفَتُكَ أو دَرَ قَتُكَ التي أعطَيتُك؟ )) قال: قلتُ : يا رسول الله ،
لقيني عمّي عامر عَزِلًا فأعطيتُه إيّاها. فضحك رسول الله عَ ◌ّهِ، وقال:
(( إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبًا، هو أحبّ إلّي من نفسي)).
ثم إن المشركين راسلونا الصُّلح ، حتى مشى بعضنا في بعض ، واصطلحنا
(١) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.
(٢) إسناده حسن ، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن سعد .
(٣) الجَبًا: ما حول البئر، والحوْض. والرَّكِيَّة: البئر. وجاشت: ارتفعت.
تبعوانا علي مدونة العلوم والتكنولوجيا لتجدوا كل جديد /https://arabessam.blogspot.com